وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٥٤] (٨٩٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّاد، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا -تَعْنِي النَّبِيَّ -ﷺ-- أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ).
[ ١٧ / ٤٥٨ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (أَيُّوبُ) السختيانيّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
٥ - (أُمُّ عَطِيَّةَ) الأنصاريّة الصحابيّة المشهورة، سكنت البصرة، واسمها نُسَيبة -بنون، وسين مهملة، وباء موحدة، مصغرًا- وقيل: بفتح النون، وكسر السين (^١) -معروفة باسمها وكنيتها، وهي بنت الحارث، وقيل بنت كعب، وأنكره ابن عبد البرّ؛ لأن نُسيبة بنت كعب هي أم عمارة صحابيّة غير هذه.
رَوَت أم عطيّة -﵂- عن النبيّ -ﷺ- وعن عُمَر، وروى عنها أنس بن مالك، ومحمدٌ وحفصة ابنا سيرين، وعبد الملك بن عُمير، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، وعلي بن الأقمر، وأم شَرَاحيل.
قال ابن عبد البرّ: كانت تغزو مع رسول الله -ﷺ- تُمَرِّض المرضى، وتداوي الجرحى، شَهِدت غسل ابنة النبيّ -ﷺ-، وكان جماعة من الصحابة، وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (١٧) حديثًا بالمكرّرات (^٢).
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.
_________________
(١) ضبطها ابن ماكولا بفتح النون، قاله في "تت".
(٢) وفي "الخلاصة": لها أربعون حديثًا، اتّفقا على سبعة، وانفرد كلّ منهما بحديث، انتهى.
[ ١٧ / ٤٥٩ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب، عن محمد بن سيرين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بنت كعب، أو بنت الحارث -﵂- أنها (قَالَتْ: أَمَرَنَا -تَعْنِي النَّبِيَّ -ﷺ--) هكذا في هذه الرواية بزيادة "يعني"، وهي من بعض الرواة، وفي رواية عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين التالية: "كنّا نؤمر بالخروج … "، وفي رواية هشام القردوسيّ، عن حفصة الثالثة: "أمرنا رسول الله -ﷺ- أن نُخرجهنّ … " (أَنْ نُحرِجَ) بضمّ أوله، من الإخراج رباعيًّا (في الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ) بالنصب على المفعوليّة لـ"نُخْرِج".
قال أهل اللغة: "الْعَوَاتِقُ": جمع عاتق، وهي الجارية البالغة، وقال ابن دُريد: هي التي قاربت البلوغ، قال ابن السّكّيت: هي ما بين أن تبلغ إلى أن تَعْنُس (^١)، ما لم تَتَزَوّج، والتعنيس: طول الْمُقام في بيت أبيها بلا زوج، حتى تَطْعُن في السنّ، قالوا: سُمّيت عاتقًا؛ لأنها عَتَقَت من امتهانها في الخدمة، والخروج في الحوائج، وقيل: قاربت أن تتزوج، فتُعْتَق من قهر أبويها وأهلها، وتستقلّ في بيت زوجها، قاله النوويّ ﵀ (^٢).
وقيل: العاتق: من النساء مَن بلغت الحُلُم، أو قاربت، واستحقت التزويج، أو هي الكريمة على أهلها. وقال في "اللسان": جارية عاتق: شابّة، وقيل: العاتق البكر التي لم تَبِنْ عن أهلها، وقيل: هي التي بَيْنَ التي أدركت، وبين التي عَنَسَتْ، والعاتق: الجارية التي قد أدركت، وبلغت، فَخُدِّرت في بيت أهلها، ولم تتزوج، سُمّيت بذلك؛ لأنها عتَقَت عن خدمة أبويها، ولم يملكها زوج بعدُ، قال الفارسي: وليس بقوي.
قال الشاعر [من الطويل]:
أَقِيدِي دَمًا يَا أُمَّ عَمْرٍو هَرَقْتِهِ … بِكَفَّيْكِ يَوْمَ السّتْرِ إِذْ أنْتِ عَاتِقُ
_________________
(١) من باب ضرب، وفي لغة من باب قعد، وعَنّست بالتثقيل للمبالغة، وأنكر الأصمعي الثلاثيّ، وقال: إنما يقال رباعيًّا متعديًا. اهـ. "المصباح" ٢/ ٤٣٢.
(٢) "شرح النوويّ" ٦/ ١٧٨.
[ ١٧ / ٤٦٠ ]
وقيل: العاتق: الجارية التي قد بَلَغت أن تَدَرَّع، وعتقت من الصبا، والاستعانة بها في مهنة أهلها، وسُمّيت عاتقًا بها، والجمع في ذلك كله عواتق.
قال زهير بن محمود الضبيّ [من الوافر]:
وَلَمْ تَثِقِ العَوَاتِقُ مِنْ غَيُورٍ … بِغَيْرَتِهِ وَخَلَّيْنَ الْحِجَالا (^١)
(وَذَوَاتِ الْخُدُورِ) أي: النساء صواحبات الخدور، و"الْخُدُور": جمع خدْر -بكسر الخاء- المعجمة، وسكون الدال المهملة -: ستْر يُتَّخَذ في البيت تقعد الأبكار وراءه صيانة لهن.
وفي "اللسان": الخدْر: ستر يُمَدُّ للجارية في ناحية البيت، ثم صار كلُّ ما واراك من بيت ونحوه خدْرًا، والجمع خُدُور، وأخْدار، وأخادير جمع الجمع، وأنشد:
حَتَّى تَغَامَزَ رَبَّاتُ الأخَادِيرِ (^٢)
ثم إن فيه ثلاث روايات: الأولى بواو العطف، والثانية بلا واو، وتكون صفة للعواتق، والثالثة ذات الخدور بإفراد "ذات"، قاله العيني.
قال الجامع عفا الله عنه: بين العواتق وذوات الخدور عموم وخصوص وجهيّ؛ لأنها قد تكون بكرًا مُخَدَّرَة، وقد تكون بالغة مُخَدَّرَة، وقد تكون بكرًا غير مُخَدَّرَة، وفد تكون بالغة غير مخدرة، والله تعالى أعلم.
(وَأَمَرَ الْحُيَّضَ) ببناء الفعل للمفعول، و"الحيّض" نائب فاعله، وهو بضم الحاء المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة، جمع حائض (أَنْ يَعْتَزِلْنَ) أي: يبتعدن (مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ) يعني: أن النساء اللاتي بهنّ الحيض يبتعدن عن محل الصلاة؛ لئلا يتلوث مكان الصلاة بالدم، أو لئلا يظهرن بمظهر من يَستهين بالصلاة إذا قعدن، والناس يصلون، وفي رواية للبخاري: "ويعتزلن الحيّضُ"، وهو على لغة أكلوني البراغيث.
ثم إن الجمهور حَمَلوا الأمر المذكور على الندب؛ لأن المصلَّى ليس بمسجد، فيمنع الحيّض من دخوله، قال الحافظ: وأغرب الكرمانيّ، فقال:
_________________
(١) "لسان العرب" ١٠/ ٢٣٥.
(٢) "لسان العرب" ٤/ ٢٣٠.
[ ١٧ / ٤٦١ ]
الاعتزال واجب، والخروج والشهود مندوب، مع كونه نقل عن النوويّ تصويب عدم وجوبه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر وجوب شهودهنّ العيدين، واعتزالهن المصلَّى؛ لأن النبيّ -ﷺ- أمر بذلك، فإن كان القائلون بالاستحباب وجدوا صارفًا للأمر عن الوجوب فذاك، وإلا فكونه للوجوب هو الظاهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال ابن المنير: الحكمة في اعتزالهنّ: أن في وقوفهن لا يصلين مع المصليات إظهار استهانة بالحال، فيستحب لهن اجتناب ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم عطيّة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٠٥٤ و٢٠٥٥ و٢٠٥٦] (٨٩٠)، و(البخاريّ) (٣٢٤ و٣٥١ و٩٧١ و٩٧٤ و٩٨١ و١٦٥٢)، و(أبو داود) في "سننه" (١١٣٦ و١١٣٧)، و(الترمذيّ) (٥٣٩)، و(ابن ماجه) (١٣٠٨)، و(النسائيّ) (٣/ ١٨٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٣٠٢)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٣٦١ و٣٦٢)، و(أحمد) (٥/ ٨٥)، و(ابن خزيمة) (١٤٦٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٩٦ و١٩٩٧ و١٩٩٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة خروج النساء الطاهرات والحيّض إلى العيدين، وشهود الجماعات، وتعتزل الحيّض المصلى، ولْيَكُنَّ ممن يدعو، أو يؤمّن رجاء بركة المشهد الكريم.
٢ - (ومنها): أنّ الحيّض يشهدن مواطن الخير، ومجالس العلم.
٣ - (ومنها): أن فيه بيان أن الحائض لا تهجُر ذكر الله تعالى.
٤ - (ومنها): ما قاله الشوكانيّ ﵀: قَوْلُهُ: "يَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ
[ ١٧ / ٤٦٢ ]
الْمُسْلِمِينَ"، يَرُدُّ ما قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ: أَنَّ خُرُوجَ النِّسَاءِ إلَى الْعِيدِ، كان في صَدْرِ الْإِسْلامِ؛ لِتَكْثِيرِ السَّوَادِ، ثُمَّ نُسِخَ، وَأَيْضًا قد رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ -﵄- خُرُوجَهُنَّ بَعْد فَتْحِ مَكَّةَ، وقد أَفْتَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ -﵂- بَعْدَ مَوْتِ النبيّ -ﷺ- بِمُدَّةٍ، كما في الْبُخَارِيِّ. انتهى.
٥ - (ومنها): مشروعية اعتزال الْحُيَّض المصلى، واختلفوا فيه، فقال الجمهور: هو منع تنزيه، وسببه الصيانة والاحتراز عن التلويث، وحمله بعضهم على التحريم.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر من النصّ التحريم حتى يوجد صارف، وإن نازع الحافظُ الكرمانيَّ في ذلك، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم خروج النساء إلى العيدين:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد اختلفوا في خروج النساء إلى الأعياد: فرَوَينا عن أبي بكر، وعليّ -﵄- أنهما قالا: حقّ على كلّ ذات نطاق أن تخرج إلى العيدين، ورُوي عن عليّ أنه قال: الخروج إلى العيدين سنة للرجال والنساء، وكان ابن عمر يُخرج من استطاع من أهله في العيد.
وكَرِهَتْ طائفة خروج النساء إلى العيدين، كره ذلك إبراهيم النخعيّ، وكان عروة بن الزبير لا يدع امرأة من أهله تخرج إلى فطر، ولا إلى أضحى، وقال يحيى الأنصاريّ: لا نعرف خروج المرأة الشابّة عندنا في العيدين.
وقال أصحاب الرأي في خروج النساء إلى العيد: أما اليوم فإنا نكره لهنّ ذلك، ونرخّص للعجوز الكبيرة بأن تشهد العشاء والفجر، والعيدين، وأما غير ذلك فلا. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (^١).
وقال الشوكانيّ ﵀: وَالْحَدِيثُ وما في مَعْنَاهُ من الْأَحَادِيثِ قَاضِيَةٌ بِمَشْرُوعِيَّةِ خُرُوجِ النِّسَاءِ في الْعِيدَيْنِ إلَى الْمُصَلَّى، من غَيْرِ فَرْقٍ بين الْبِكْرِ
_________________
(١) "الأوسط" ٤/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
[ ١٧ / ٤٦٣ ]
وَالثَّيِّبِ، وَالشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ، وَالْحَائِضِ وَغَيْرِهَا، ما لم تَكُنْ مُعْتَدَّةً، أو كان في خُرُوجها فِتْنَةً، أو كان له عُذْرٌ.
وقد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في ذلك على أَقْوَالٍ:
(أَحَدُهَا): أَنَّ ذلك مُسْتَحبٌّ، وَحَمَلُوا الْأَمْرَ فيه على النَّدْبِ، ولم يُفَرِّقُوا بَيْن الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ، وَهَذَا قَوْلُ أبي حَامِدٍ من الْحَنَابِلَةِ، والْجُرْجَانِيِّ من الشَّافِعِيَّةِ، وهو ظَاهِرُ إطْلاقِ الشَّافِعِيِّ.
(الْقَوْلُ الثَّانِي): التَّفْرِقَةُ بين الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ، قال الْعِرَاقِيُّ: وهو الذي عليه جُمْهُورُ الشَّافِعيَّةِ؛ تَبَعًا لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ في "الْمُخْتَصَرِ".
(وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ): أَنَّهُ جَائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ لَهُنَّ مُطْلَقًا، وهو ظَاهِرُ كَلامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فِيمَا نَقَلَهً عنه ابنُ قُدَامَةَ.
(وَالرَّابِعُ): أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وقد حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عن الثَّوْرِيِّ، وابن الْمُبَارِكِ، وهو قَوْلُ مَالِكٌ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَحَكَاهُ ابن قُدَامَةَ عن النَّخَعِيّ، وَيَحْيَى بن سَعيدٍ الْأَنْصَاري.
وَرَوَى ابنُ أبي شَيْبَةَ عن النَّخَعِيّ، أَنَّهُ كَرِهَ لِلشَّابَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْعِيدِ.
(الْقَوْلُ الْخَامِسُ): إنه حَقٌّ على النِّسَاءِ الْخُرُوجُ إلى الْعِيدِ، حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، عن أبي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ، وابن عُمَرَ -﵃-.
وقد رَوَى ابنُ أبي شَيْبَةَ عن أبي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ -﵄- أَنَّهُمَا قَالا: حَقٌّ على كل ذَاتِ نِطَاقٍ الْخُرُوجُ إلَى الْعِيدَيْنِ. انتهى.
قال الشوكانيّ ﵀: وَالْقَوْلُ بَكَرَاهَةِ الْخُرُوجِ على الْإِطْلاقِ رَدٌّ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ، وَتَخْصِيصُ الشَّوَابِّ يَأْبَاهُ صَرِيحُ الحديث الْمُتَّفَقِ عليه وَغَيْرُهُ. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحقّ الذي دلّت عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة المذكورة في "الصحيحين" وغيرهما هو
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٣/ ٣٥٤.
[ ١٧ / ٤٦٤ ]
القول بمشروعيّة خروج النساء إلى العيدين، مطلقًا عجائز كنّ، أو شابّات، طاهرات كنّ أو حُيّض، ولا مُتَمَسَّكَ للمانعين، إلا مجرّد النظر لتغير الزمان، وهذا غير مانع، فإن الشارع لَمَّا أمر بخروج النساء مطلقًا، شابّة كانت أو عجوزًا شرط عليها أن تتجلبب، وأن لا تخرج متطيّبة، ولا متبخّرة، فإذا وجد الشرط لا تُمنع، وأما إذا لم تلتزم بما اشترط عليها الشارع فقد مَنَعَت نفسها من الخروج، لا أن الشارع منعها، فإن حكم الشارع مستمرّ إلى قيام الساعة، لا يتغير بتغيّر الزمان، فالقول بمنع الشوابّ، دون العجائز، أو التفريق بين الصلوات مما لا برهان له، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد.
ثم رأيت الصنعانيّ ﵀ أيّد هذا في "حاشية العمدة" حيث قال -بعد ذكر أقوال المانعين-: قلت: وتنصيصه -ﷺ- على العواتق وذوات الخدور يمنع التفصيل في إخراج العجائز دون الشوابّ، وهل النصّ إلا في الشوابّ؟ وقولهم: إن المفسدة كانت مأمونة في ذلك الزمان غير صحيح؛ إذ كلّ زمان فيه صالحون وغيرهم، وقد وقع في عصر النبوّة ما وقع في غيره من ارتكاب فاحشة الزنا، والسرقة، وغيرهما، نعم لا تخرج إلى الصلاة في ثياب زينة، ولا متطيّبة، بل تخرج متبذّلة؟ لورود النهي عن ذلك. انتهى كلام الصنعانيّ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الصنعانيّ ﵀ في هذا التعقّب، وأفاد، وصَدَقَ في قوله: "وقد وقع في عصر النبوّة … إلخ".
أمَا سمع هؤلاء ما أخرجه أبو داود في "سنن" بسند حسن، عن وائل بن حجر -﵁- أن امرأة خرجت على عهد النبيّ -ﷺ- تريد الصلاة، فتلقّاها رجل، فتجلّلها، فقضى حاجته منها، فصاحت، وانطلق، فمرّ عليها رجلٌ، فقالت: إن ذاك فعل بي كذا وكذا، ومرت عصابة من المهاجرين، فقالت: إن ذلك الرجل فعل بي كذا وكذا … " الحديث.
أليست هذه الفاحشة وقعت على امرأة خرجت تصلى مع النبيّ -ﷺ-؟، فانتبهوا يا أولي الألباب.
والحاصل أن الصواب مشروعية خروج النساء إلى العيدين مطلقًا؛ إذا
_________________
(١) "العدّة حاشية العمدة" ٣/ ١٧٨.
[ ١٧ / ٤٦٥ ]
التزمت ما أوجب عليها الشرع، مما أسلفناه من الشروط، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ثم إن الجمهور على أن الأمر بخروج النساء إلى العيدين للاستحباب، وهو محلّ نظر؛ إذ الأمر للوجوب عند جمهور الأصوليين، وهو الراجح، إلا لصارف، ولم يذكروا هنا صارفًا، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٥٥] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ فِي الْعِيدَيْنِ، وَالْمُخَبَّأَةُ، وَالْبِكْرُ، قَالَت: الْحُيَّضُ يَخْرُجْنَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
٣ - (عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) هو: ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٤ - (حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ)، أم الْهُذيل الأنصاريّة البصريّة، ثقةٌ [٣].
رَوَت عن أخيها يحيى، وأنس بن مالك، وأم عطية الأنصارية، والرباب أم الرائح، وأبي العالية، وأبي ذبيان خليفة بن كعب، والربيع بن زياد الحارثيّ، وخيرة أم الحسن البصريّ، وقيل: إنها روت عن سلمان بن عامر الضبيّ، وجماعة.
وروى عنها أخوها محمد، وقتادة، وعاصم الأحول، وأيوب، وخالد الحذاء، وابن عون، وهشام بن حسان، وغيرهم.
قال أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وقال العجليّ: بصريةٌ تابعيّة، وقال أبو داود: أم الهذيل حفصة، كان اسم ابنها الْهُذيل، وقال
[ ١٧ / ٤٦٦ ]
هشام بن حسان، عن إياس بن معاوية: ما أدركت أحدًا أفضّله على حفصة، وقال ابن أبي داود: قَرَأَت القرآن، وهي ابنة اثنتي عشرة سنةً، وماتت وهي ابنة سبعين سنة، فقيل لابن أبي داود: لعله تسعين، فقال: كذا في الحديث، وذكرها ابن حبان في "الثقات".
ماتت سنة إحدى ومائة، وذكرها البخاريّ في "فصل من مات من سنة مائة إلى عشر ومائة".
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (١٥) حديثًا بالمكرّر.
و"أمّ عطيّة" ذُكرت في السند الماضي.
وقوله: (كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ فِي الْعِيدَيْنِ) تقدّم في الرواية الماضية أن الذي أمرهم هو النبيّ -ﷺ-، وفيه تقوية لقول الجمهور أن قول الصحابيّ: "كنا نؤمر"، ونحوه له حكم الرفع.
وقولها: (وَالْمُخَبَّأَةُ) مرفوع بالعطف على الضمير النائب عن الفاعل في "نُؤمر"، وهو: بضمّ الميم، وتشديد الموحّدة، اسم مفعول، من خبّأ الشيء: إذا ستره، قال ابن الأثير ﵀: "الْمُخَبَّأَةُ": الجارية التي في خِدْرها، لم تتزوّج بعدُ؛ لأن صيانتها أبلغ ممن قد تزوّجت. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ ﵀: خَبَأتُ الشيءَ مهموزٌ من باب نَفَعَ: سَتَرْتُه، وخَبّأته: حَفِظته، والتشديد تكثيرٌ ومبالغةٌ. انتهى (^٢).
وقولها: (وَالْبِكْرُ) بكسر الموحّدة، وسكون الكاف: خلاف الثيّب رجلًا كان أو امرأةً، وهو الذي لم يتزوّج، والجمع: أَبْكارٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمَال (^٣).
وقولها: (قَالَت: الْحُيَّضُ يَخْرُجْنَ … إلخ) القائلة هي أم عطيّة -﵂-.
وقولها: (يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ) قال النوويّ ﵀: فيه جواز ذكر الله تعالى للحائض والجنب، وإنما يحرم عليها القرآن، وفيه دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين، وهو مُجْمَع عليه، قال أصحابنا: يستحب التكبير ليلتي العيدين، وحال الخروج إلى الصلاة.
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ٣.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٦٣.
(٣) "المصباح" ١/ ٥٩.
[ ١٧ / ٤٦٧ ]
وقال القاضي عياض ﵀: التكبير في العيدين أربعة مواطن: في السعي إلى الصلاة إلى حين يخرج الإمام، والتكبير في الصلاة، وفي الخطبة، وبعد الصلاة.
أما الأول فاختلفوا فيه، فاستحبه جماعة من الصحابة والسلف، فكانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا المصلى، يرفعون أصواتهم، وبه قال الأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وزاد استحبابه ليلة العيدين، وقال أبو حنيفة: يكبر في الخروج للأضحى دون الفطر، وخالفه أصحابه، فقالوا بقول الجمهور.
وأما التكبير بتكبير الإمام في الخطبة، فمالك يراه، وغيره يأباه، وأما التكبير المشروع في أول صلاة العيد، فقال الشافعيّ: هو سبع في الأولى، غير تكبيرة الإحرام، وخمس في الثانية، غير تكبيرة القيام، وقال مالك، وأحمد، وأبو ثور كذلك، لكن سبع في الأولى إحداهن تكبيرة الإحرام، وقال الثوريّ، وأبو حنيفة: خمس في الأولى، وأربع في الثانية بتكبيرة الإحرام والقيام، وجمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متوالية متصلة، وقال عطاء، والشافعيّ، وأحمد: يستحب بين كل تكبيرتين ذكر الله تعالى، ورُوي هذا أيضًا عن ابن مسعود -﵁-.
وأما التكبير بعد الصلاة في عيد الأضحى، فاختلف علماء السلف ومن بعدهم فيه، على نحو عشرة مذاهب، هل ابتداؤه من صبح يوم عرفة، أو ظهره، أو صبح يوم النحر، أو ظهره؟ وهل انتهاؤه في ظهر يوم النحر، أو ظهر أول أيام النَّفْر، أو في صبح أيام التشريق، أو ظهره، أو عصره؟
واختار مالك، والشافعيّ، وجماعة ابتداءه من ظهر يوم النحر، وانتهاءه صبح آخر أيام التشريق، وللشافعيّ قولٌ: إلى العصر من آخر أيام التشريق، وقولٌ: إنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وهو الراجح عند جماعة من أصحابنا، وعليه العمل في الأمصار. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" بعد ذكره آثارًا تدلّ على ثبوت التكبير في يوم العيد، وأيام التشريق، ما حاصله: وقد اشتَمَلَت هذه الآثار على وجود التكبير في تلك
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٧٩ - ١٨٠.
[ ١٧ / ٤٦٨ ]
الأيام عقب الصلوات، وغير ذلك من الأحوال، وفيه اختلاف بين العلماء في مواضع، فمنهم من قَصَر التكبير على أعقاب الصلوات، ومنهم من خَصّ ذلك بالمكتوبات دون النوافل، ومنهم من خَصّه بالرجال دون النساء، وبالجماعة دون المنفرد، وبالمؤدّاة دون المقضيّة، وبالمقيم دون المسافر، وبساكن المصر دون القرية، وظاهر اختيار البخاريّ شمول ذلك للجميع، والآثار التي ذكرها تساعده.
قال: وللعلماء اختلاف أيضًا في ابتدائه وانتهائه، فقيل: من صبح يوم عرفة، وقيل: من ظهره، وقيل: من عصره، وقيل: من صبح يوم النحر، وقيل: من ظهره، وقيل: في الانتهاء إلى ظهر يوم النحر، وقيل: إلى عصره، وقيل: إلى ظهر ثانية، وقيل: إلى صبح آخر أيام التشريق، وقيل: إلى ظهره، وقيل: إلى عصره، حَكَى هذه الأقوال كلها النوويّ، إلا الثاني من الانتهاء، وقد رواه البيهقيّ عن أصحاب ابن مسعود، ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبيّ -ﷺ- حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول عليّ، وابن مسعود: إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى، أخرجه ابن المنذر وغيره، والله أعلم.
وأما صيغة التكبير: فأصح ما ورد فيه ما أخرجه عبد الرزاق، بسند صحيح، عن سلمان -﵁- قال: "كَبِّروا الله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرًا"، ونُقِل عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، أخرجه جعفر الفريابيّ في "كتاب العيدين" من طريق يزيد بن أبي زياد عنهم، وهو قول الشافعيّ، وزاد: "ولله الحمد"، وقيل: يكبر ثلاثًا، ويزيد: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له … إلخ"، وقيل: يكبر ثنتين بعدهما: "لا إله الا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد"، جاء ذلك عن عمر، وعن ابن مسعود نحوه، وبه قال أحمد، وإسحاق، وقد أُحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن أرجح الأقوال استحباب التكبير من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؛ لأنه صحّ عن عليّ وابن مسعود -﵄-، وهوأحقّ من اتُّبع في ذلك.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
[ ١٧ / ٤٦٩ ]
وأما صيغ التكبير، فأولاها ما صحّ عن سلمان - ﵁ -، وإن زيد ما قاله الشافعيّ -﵀-، فلا بأس.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٥٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا (^١) أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (هِشَامُ) بن حسّان الْقُردُوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقولها: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ نُخْرِجَهُنَّ) قال القرطبي -﵀ -: تعني النساء، والضمير عائد على نساء جرى ذكرهنّ، وقد أَبدلت من ضميرهنّ بقولها: "العواتق والْحُيّض"، وذوات الخدور، قال: ولا يصحّ أن يُستدلّ بهذا الأمر على وجوب صلاة العيدين، والخروج إليهما؛ لأن هذا الأمر إنما يوجّه من ليس بمكلّف بالصلاة باتّفاق؛ كالحيّض، وإنما مقصود هذا الأمر تدريب الأصاغر على الصلاة، وشهود دعوة المسلمين، ومشاركتهم في الثواب والخير، وإظهار جمال الدين. انتهى (^٢).
_________________
(١) وفي نسخة: "لتلبسنّها".
(٢) "المفهم" ٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥.
[ ١٧ / ٤٧٠ ]
قال الجامع عفا الله عنه: قولها: "أن نُخْرِجهنّ" هذا مما عاد الضمير على متأخّر لفظًا ورتبة، وهي ستة مواضع، وقد جمعتها بقولي:
وَعَوْدُ مُضْمَرٍ عَلَى مَا أُخِّرَا … لَفْظًا وَرُتْبَةً أَتَى مُغْتَفَرَا
فِي مُضْمَرِ الشَّأْنِ وَنِعْمَ رَجُلَا … وَرُبَّهُ فَتًى كَذَا مَا أُبْدِلَا
مَا بَعْدَهُ عَنْهُ وَمَا قَدْ فُسِّرَا … بِخَبَرٍ وَفِي التَّنَازُعِ جَرَى
فَتِلْكَ سِتّ وِسِوَاهَا أَوْجَبُوا … تَقَدُّمَ الْمَرْجِعِ نَعْمَ الْمَطْلَبُ
وقولها: (الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ) بدل من ضمير الجماعة في "نُخرجهنّ".
وقولها: (فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ) أي: موضع الصلاة، كما قال في الرواية السابقة: "وأمر الحيّض أن يعتزلن مصلى المسلمين".
وقولها: (وَيشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ) فيه استحباب حضور النساء مجامع الخير ودعاء المسلمين، وحلِق الذِّكر والعلم ونحو ذلك.
وقولها: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ؟) القائلة هي أمّ عطية، ومعنى كلامها: أنه إذا لم يكن لإحدانا جلباب تلبسه، فهل يُسمح لها بعدم الخروج؟، فأجابها - ﷺ - بأنه لا بدّ لها من الخروج باستعارة الجلباب من أختها.
و"الجِلباب" - بكسر الجيم، وسكون اللام، وبموحّدتين، بينهما ألف - قال النضر بن شُميل: هو ثوب أقصر، وأعرض من الخمار، وهي الْمِقْنعة، تغطي به المرأة رأسها، وقيل: هو ثوب واسع دون الرداء، تغطي به صدرها وظهرها، وقيل: هو كالْمُلاءة، والْمِلْحَفة، وقيل: هو الإزار، وقيل: الخمار، قاله النوويّ -﵀- (^١).
وقولها: (قَالَ) أي: النبيّ - ﷺ - ("لِتُلْبِسْهَا) وفي نسخة: "لتلبسنّها" بنون التوكيد.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٨٠.
[ ١٧ / ٤٧١ ]
وقوله: (أُخْتُهَا) المراد أختها في الإسلام، كما جاء في الرواية الأخرى بلفظ: "لتلبسها صاحبتها".
وقوله: (مِنْ جِلْبَابِهَا") قال في "الفتح": قيل: المراد به الجنس؛ أي: تعيرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه، وقيل: المراد تشريكها معها في لبعس الثوب الذي عليها، وهذا ينبني على تفسير الْجِلْباب، كما تقدّم (^١).
وقال في موضع آخر: يَحْتَمِل أن يكون للجنس؛ أي: تعيرها من جنس ثيابها، ويؤيده رواية ابن خزيمة: "من جلابيبها"، وللترمذيّ: "فلتعرها أختها من جلابيبها"، والمراد بالأخت: الصاحبة.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد تُشْرِكها معها في ثوبها، ويؤيده رواية أبي داود: "تُلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها"؛ يعني: إذا كان واسعًا، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: "ثوبها" جنس الثياب، فيرجع للأول.
ويؤخذ منه جواز اشتمال المرأتين في ثوب واحد عند التستر، وقيل: إنه ذكر على سبيل المبالغة؛ أي: يَخْرُجن على كل حال، ولو اثنتين في جلباب. انتهى (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: فيه الحثّ على حضور العيد لكل أحد، وعلى المواساة والتعاون على البر والتقوى. انتهى (^٣).
وقال القرطبي -﵀ -: قوله: "لتلبسها … إلخ" يعني: لتُعِرها من ثيابها، وقيل: هو على المبالغة؛ يعني: أنه يخرُج اثنتان في لحاف واحد. انتهى (^٤).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٧١٧.
(٢) "الفتح" ٣/ ٣٠٦ - ٣٠٧.
(٣) "شرح النووي" ٦/ ١٨٠.
(٤) "المفهم" ٢/ ٥٢٥.
[ ١٧ / ٤٧٢ ]