وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٤] (٨٩٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نَسْر (^٢) الكرمانيّ، كوفيّ الأصل، نزل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت ٨ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧١.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير العابد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع (١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير - ﵁ -، مات سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٨٩ - ١٩٠.
(٢) بفتح النون، وسكون السين المهملة، آخره راء.
[ ١٧ / ٥٢٧ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من شعبة، والباقيان كوفيّان.
٤ - (ومنها): أن أنسًا - ﵁ - ذو مناقب جمّة، تشرّف بخدمة النبيّ - ﷺ - عشر سنين، ونال دعوته المباركة، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز المائة - ﵁ -.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ -، وفي رواية النسائي: "قال شعبة: قلت لثابت: أنت سمعته من أنس؟، قال: سبحان الله، قلت: سمعته؟ قال: سبحان الله"، وسيأتي من رواية الإمام أحمد تصريح ثابت بسماعه من أنس - ﵁ -، وإنما سأله شعبة للتأكّد من سماعه بدون واسطة؛ لإمكان سماعه بواسطة شخص لا يرضاه شعبة، وتسبيح ثابت لاستغرابه اتّهام شعبة له بذلك (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ) أي: في حالة الدعاء (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر الحديث أن هذا الرفع لمطلق الدعاء، لكن ظاهر صنيع المصنّف - ﵀ - أنه حمله على دعاء الاستسقاء حيث أورده في "كتاب الاستسقاء"، ويؤيّد ذلك ما وقع عند النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة، ولفظه: "قال: كان النبيّ - ﷺ - لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء".
وفي رواية للإمام أحمد - ﵁ - لهذا الحديث من طريق سليمان بن داود: أنا شعبة، عن ثابت، سمع أنسًا قال: كان رسول الله - ﷺ - يرفع يديه في الدعاء حتى يُرَى بياضُ إبطيه، فذكرت ذلك لعليّ بن زيد، فقال: إنما ذاك في إلاستسقاء، قال: قلت: أسمعته من أنس؟ قال: سبحان الله، قال: قلت:
[ ١٧ / ٥٢٨ ]
أسمعته منه؟ قال: سبحان الله. انتهى (^١).
والقائل: "فذكرتُ … إلخ" هو شعبة، وعلي بن زيد هو ابن جُدْعان.
فقد تبيّن بما ذُكر أن حديث أنس - ﵁ - إنما هو في دعاء الاستسقاء، فيُحمل المطلق في هذه الرواية على المقيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٠٧٤ و٢٠٧٦ و٢٠٧٧] (٨٩٥)، و(البخاريّ) في "الاستسقاء" (١٠٣١) و"المناقب" (٣٥٦٥) و"الدعوات" (٦٣٤١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٧٠)، و(النسائيّ) في "الاستسقاء" (١٥١٣) و"الكبرى" (١٤٣٦ و١٨١٧) وفي "قيام الليل" (١٧٤٨)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٨٠)، و(أحمد) في "المسند" (٣/ ١٨١ و١٨٢ و١٨٤ و٢٠٩ و٢١٦ و٢٥٩)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٣٠٤)، و(ابن خُزيمة) في "صحيحه" (١٧٩١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٨٢ و٢٤٨٣ و٢٤٨٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠١٤ و٢٠١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في حكم رفع اليدين في الدعاء:
[اعلم]: أن رفع اليدين في الدعاء مستحبّ، وقد عقد الإمام البخاريّ - ﵀ - في "كتاب الدعوات" من "صحيحه" بابًا في ذلك، فقال:
[باب رفع الأيدي في الدعاء]: وقال أبو موسى الأشعريّ - ﵁ -، دعا النبيّ - ﷺ -، ثم رفع يديه، ورأيت بياض إبطيه، وقال ابن عمر - ﵄ -: رفع النبيّ - ﷺ - يديه، وقال: "اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"، قال أبو عبد الله: وقال الأويسيّ: حدّثني محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد، وشريك سمعا أنسًا عن النبيّ - ﷺ - رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه.
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٣/ ٢٠٩.
[ ١٧ / ٥٢٩ ]
قال الحافظ - ﵀ -، وفي الحديث الأول ردّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه، وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلًا، وتمسك بحديث أنس: "لم يكن رسول الله - ﷺ - يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء"، وهو صحيح، لكن جُمِع بينه وبين أحاديث الباب، وما في معناه بأن المنفيّ صفة خاصّة، لا أصل الرفع، وقد أشرت إلى ذلك في أبواب الاستسقاء.
وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حَذْوِ الوجه مثلًا، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يَعْكُر على ذلك أنه ثبت في كلّ منهما: "حتى يُرى بياضُ إبطيه"، بل يُجْمَع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإما أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء.
قال المنذريّ - ﵀ -: وبتقدير تعذّر الجمع، فجانب الإثبات أرجح.
قال الحافظ: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة، أفردها المنذريّ في "جزء"، وسَرَدَ النوويّ في "الأذكار" وفي "شرح المهذب" جملةً، وعقد البخاريّ أيضًا في "الأدب المفرد" بابًا ذكر فيه حديث أبي هريرة - ﵁ -: قَدِمَ الطفيلُ بن عمرو على النبيّ - ﷺ -، فقال: إن دوسًا عَصَتِ الله، فادع الله عليها، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، فقال: "اللَّهم اهْدِ دَوْسًا"، وهو في "الصحيحين" دون قوله: "ورفع يديه".
وحديث جابر - ﵁ -: "أن الطفيل بن عمرو هاجر"، فذكر قصة الرجل الذي هاجر معه، وفيه: فقال النبيّ - ﷺ -: "اللَّهم وليديه، فاغفر، ورفع يديه"، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم.
وحديث عائشة - ﵂ - أنها رأت النبيّ - ﷺ - يدعو رافعًا يديه يقول: "اللَّهمّ إنما أنا بشر … " الحديث، وهو صحيح الإسناد.
ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه البخاريّ في "جزء رفع اليدين": "رأيت النبيّ - ﷺ - رافعًا يديه يدعو لعثمان".
ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة في قصة الكسوف: "فانتهيت إلى النبيّ - ﷺ -، وهو رافع يديه يدعو"، وعنده في حديث عائشة في الكسوف
[ ١٧ / ٥٣٠ ]
أيضًا: "ثم رفع يديه يدعو"، وفي حديثها عنه في دعائه لأهل البقيع: "فرفع يديه ثلاث مرات … " الحديث.
ومن حديث أبي هريرة - ﵁ - الطويل في فتح مكة: "فرفع يديه، وجعل يدعو".
وفي "الصحيحين" من حديث أبي حميد في قصة ابن اللُّتْبية: ثم رفع يديه حتى رأيت عُفْرَة إبطيه، يقول: "اللَّهم هل بلغت".
ومن حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -: أن النبيّ - ﷺ - ذكر قول إبراهيم، وعيسى، فرفع يديه، وقال: "اللَّهمّ أمتي".
وفي حديث عمر - ﵁ -: "كان رسول الله - ﷺ - إذا نزل عليه الوحي يُسْمَع عند وجهه كدويّ النَّحْل، فأنزل الله عليه يومًا، ثم سُرّي عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، ودعا"، الحديث، أخرجه الترمذيّ، واللفظ له، والنسائي، والحاكم.
وفي حديث أسامة - ﵁ -: "كنت رديف النبيّ - ﷺ - بعرفات، فرفع يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خِطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى"، أخرجه النسائيّ بسند جيد (^١).
وفي حديث قيس بن سعد - ﵁ - عند أبي داود: ثم رفع رسول الله - ﷺ - يديه، وهو يقول: "اللَّهم اجعل صلواتك، ورحمتك على آل سعد بن عبادة"، الحديث، وسنده جيد.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وأما ما أخرجه مسلم من حديث عُمارة بن رُويبة - ﵁ - أنه رأى بِشْر بن مَرْوان يرفع يديه، فأنكر ذلك، وقال: "لقد رأيت رسول الله - ﷺ -، وما يزيد على هذا، يشير بالسبابة"، فقد حَكَى الطبريّ عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، وردّه بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسّك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيتها.
_________________
(١) راجع: "المجتبى" ٢٠٢/ ٣٠١١.
[ ١٧ / ٥٣١ ]
وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ، وحَسّنَه، وغيرهما من حديث سلمان - ﵁ - رفعه: "إن ربكم حييّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يرُدَّهما صِفْرًا" - بكسر المهملة، وسكون الفاء - أي: خالية، وسنده جيد.
قال الطبريّ: وكره رفع اليدين في الدعاء ابن عمر، وجبير بن مطعم، ورأى شُرَيحٌ رجلًا يرفع يديه داعيًا، فقال: من تتناول بهما، لا أمّ لك؟، وساق الطبري ذلك بأسانيده عنهم.
وذكر ابن التين عن عبد الله بن عمرو بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء (^١)، قال: وقال في "المدونة": ويختصّ الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض.
وأما ما نقله الطبريّ عن ابن عمر، فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبريّ عنه أيضًا، وعن ابن عباس أن هذه صفة الدعاء.
وأخرج أبو داود، والحاكم عنه من وجه آخر، قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعًا.
وأخرج الطبريّ من وجه آخر عنه، قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه.
_________________
(١) هذا هو الصحيح في وجه كراهة مالك لرفع اليدين في الدعاء، وهو عدم كونه من أمر الفقهاء، ولعلهم لم يصحّ عندهم ما صحّ عند غيرهم من أنه - ﷺ - رفع يديه في الدعاء كثيرًا. وأما ما قاله القرطبي في "المفهم" من أن مالكًا إنما كرهه مخاقة اعتقاد الجهة، فغير صحيح؛ لأن هذا هو مذهب المتكلّمين الذين لا يُثبتون علوّ الله تعالى على عرشه، كما يليق بجلاله، ويؤوّلون كل ما جاء من ذلك تأويلًا سخيفًا، وأما السلف أهل الحقّ والهدى، فإنهم يثبتون ما أثبته من علوه على عرشه، كما يليق بجلاله، فتفطّن، فإن هذا مما زلّت فيه أقدام المتأخّرين من المتكلمين ومن سار على دربهم الذين انصبغت أفكارهم بأفكار الجهميّة، والمعتزلة، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[ ١٧ / ٥٣٢ ]
وقد صحّ عن ابن عمر خلاف ما تقدّم، أخرجه البخاريّ في "الأدب المفرد" من طريق القاسم بن محمد: "رأيت ابن عمر يدعو عند القاصّ، يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه". انتهى ما في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تَبَيَّن بما سبق من الأحاديث ثبوت رفع اليدين في الدعاء، بل بعضها يدلّ على أنه من أسباب الإجابة، كحديث سلمان - ﵁ - المتقدم مرفوعًا: "إن ربكم حييّ كريمٌ يستحيي من عبده … " الحديث، فلا ينبغي التهاون بمثل هذا الفضل العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٥] (٨٩٦) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَسْقَى، فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الْمَوْصِلِ وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت ٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢١.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَسْقَى) استفعل؛ أي: طلب
_________________
(١) "الفتح" ٢١/ ٤٢٨ - ٤٣٠.
[ ١٧ / ٥٣٣ ]
السُّقيا من الله تعالى بدعائه، وتضرّعه (فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ) وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج" من رواية حماد، وحُميد، كلاهما عن أنس بن مالك: "أن رسول الله - ﷺ - استسقى، فمدّ يده هكذا، فأومأ حمّاد بيده حيال ثندوته، جعل بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأينا بياض إبطيه، وهو على المنبر".
قال النوويّ - ﵀ -: قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كلّ دعاء لرفع بلاء، كالقَحْط ونحوه أن يرفع يديه، ويَجْعَل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله، جَعَل بطن كفيه إلى السماء، واحتجوا بهذا الحديث. انتهى (^١).
وقال غيره: الحكمة في الإشارة بظهور الكفّين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهرًا لبطن، كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول، وهو نزول السحاب إلى الأرض. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٠٧٥] (٨٩٦)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٧١)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٥٤ و٢٤١)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١٢٩٣ و١٣٣٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٢١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٨٦ و٢٤٨٧ و٢٤٨٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠١٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٩٠.
[ ١٧ / ٥٣٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٦] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْأَعْلَى قَالَ: يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ، أَوْ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، [ثقةٌ] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٤ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، من رؤوس [٤] (ت ٧ أو ١١٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
و"أنسٌ" - ﵁ - ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف - ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وتقدّم الكلام في أنس - ﵁ - قريبًا.
[ ١٧ / ٥٣٥ ]
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ) - ﵁ -، وفي رواية يحيى القطّان، عن سعيد، عن قتادة التالية: "أن أنسًا حدَّثهم"، فصرّح قتادة بالتحديث، فانتفت تهمة التدليس عنه (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ) ظاهره نفي الرفع في كلّ دعاء غير الاستسقاء، وهو مُعارَض بالأحاديث السابقة التي أثبتت الرفع في غير الاستسقاء، وقد تقدم أنها كثيرة.
فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحَمَلَ حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره.
وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يُحمل النفي على صفة مخصوصة، إما على الرفع البليغ، ويدلّ عليه قوله: "حتى يُرَى بياضُ إبطيه"، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به مدّ اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد، فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه، وإما على صفة رفع اليدين في ذلك، كما رواه مسلم من رواية ثابت، عن أنس: "أن رسول الله - ﷺ - استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء"، ولأبي داود من حديث أنس أيضًا: "كان يستسقي هكذا، ومدّ يده، وجعل بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأيت بياض إبطيه".
وقال النوويّ: هذا الحديث ظاهره يوهم أنه - ﷺ - لم يرفع يديه إلا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفعه - ﷺ - يديه في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصى، وقد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا من "الصحيحين"، أو أحدهما، وذكرتها في أواخر "باب صفة الصلاة" من "شرح المهذَّب"، فيتؤول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ، بحيث يرى بياض أبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد لم أره يرفع، وقد رآه غيره، فيُقدَّم المثبتون في مواضع كثيرة، وهم جماعات على واحد لم يحضر ذلك، ولا بُدَّ من تأويله؛ لما ذكرناه، والله أعلم. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٩٠.
[ ١٧ / ٥٣٦ ]
وقوله: (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) متعلّق بمحذوف، تبيّنه الرواية الأخرى بلفظ: "فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ".
و"يُرَى" بالبناء للمفعول، و"بياض" بالرفع نائب فاعله.
وفيه استحباب المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْأَعْلَى قَالَ: يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ، أَوْ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) يعني: أن عبد الأعلى قال في روايته لهذا الحديث عن سعيد بن أبي عروبة: "حتى يُرى بياضُ إبطه، أو بياض إبطيه" بالشكّ هل هو بإفراد "إبطه"، أو تثنيته؟ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٠٧٦ و٢٠٧٧] (٨٩٥)، و(البخاريّ) في "الاستسقاء" (١٠٣١) و"المناقب" (٣٥٦٥)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٧٠)، و(النسائيّ) في "الاستسقاء" (١٥١٣) و"الكبرى" (١٨١٧ و١٧٤٨)، و(ابن ماجه) (١١٨٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٨١ و٢٨٢)، و(الدارمي) في "سننه" (١٥٤٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤١١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٨٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠١٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير، من كبار [٩] (ت ١٩٨) عن (٧٨) سنةً، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
[ ١٧ / ٥٣٧ ]
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ … إلخ) قال النوويّ - ﵀ -: فيه بيان أن قتادة قد سمعه من أنس - ﵁ -، وقد تقدم أن قتادة مُدَلِّسٌ، وأن المدلِّس لا يُحْتَجُّ بعنعنته حتى يَثْبُت سماعه ذلك الحديث، فَبَّيَن مسلم - ﵀ - ثبوته بالطريق الثاني. انتهى (^١).
[تنبيه] رواية يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(١٢٤٥٦) حدّثنا يحيى، حدّثنا ابن أبي عروبة، عن قتادة، أن أنسًا حدثهم، قال: "لم يكن رسول الله - ﷺ - يرفع يديه في شيء من دعائه"، وقال يحيى مرة: "من الدعاء، إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه، حتى يُرَى بياضُ إبطيه". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.