وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٦] (٩١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أفلَحَ، عَنِ ابْنِ سَفِينَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي (^٢) فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا"، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا،
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" ٧/ ٢٧٢.
(٢) وفي نسخة: "اللهم آجرني".
[ ١٨ / ١٤١ ]
فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُني لَهُ، فَقُلْتُ: إِنَّ لِي بِنْتًا، وَأَنَا غَيُورٌ، فَقَالَ: "أَمَّا ابْنَتُهَا، فَنَدْعُو اللهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا، وَأَدْعُو اللهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد تقدَّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: علي بن حُجر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (ز م، س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ١١٠.
٥ - (سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أخو يحيي، صدوقٌ سيئ الحفظ [٤] (ت ١٤١) (خت م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٦/ ١٧٧٥.
٦ - (عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ) المدنيّ مولى أبي أيوب الأنصاريّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن كعب بن مالك، وابن عمر، وسفينة، ونافع مولى أبي قتادة، وابن سفينة، ومحمد وعمارة ابني عَمْرو بن حَزْم، وعُبَيد سَنُوطا.
وروى عنه يحيى وسعد ابنا سعيد الأنصاريّ، وابن عون.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، له أحاديث، وقال ابن المدينيّ، والعجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ في "مسند مالك"، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٩١٨) وأعاده بعده، و(١٧٥١): "من قتل قتيلًا له عليه بيّنة … " الحديث.
٧ - (ابْنُ سَفِينَةَ) هو: عُمر بن سفينة مولى أم سلمة، صدوق [٣].
رَوَى عن أبيه، وعنه ابنه بُرَية، واسمه إبراهيم بن عمر، وعمر بن كثير بن أفلح.
قال البخاريّ: إسناده مجهول، وقال أبو زرعة: عمر صدوقٌ، وقال أبو
[ ١٨ / ١٤٢ ]
حاتم: شيخٌ، وقال ابن عديّ: له أحاديث أفراد لا تُروى إلَّا من طريق بُرَيه عن أبيه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُخطئ، وذكره العقيليّ في "الضعفاء".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده، وله عند الترمذيّ حديثٌ في أكل الْحُبَارَى.
[تنبيه]: قال صاحب "التنبيه": قوله: "عن ابن سفينة" هو عمر، كما في "الأربعين البلدانيّات" لعبد القادر الرُّهاويّ، و"مختصر اللالكائيّ لرجال مسلم"، قاله ابن الْبُلقينيّ في كلامه على خصائص"الروضة". انتهى (^١).
٨ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن المغيرة بن مخزوم المخزوميّة، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ - ﷺ - بعد أبي سلمة سنة أربع، أو ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنةً، وماتت - ﵂ - (٦٢) على الأصح (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" ج ٢ ص ٤٧٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، ورواية الأولين من رواية الأقران.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة - ﵂ - (أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَا) نافية (مِنْ) زائدة (مُسْلِمٍ) اسم "ما" الحجازيّة، أو هي تميميّة، فيكون مبتدأ (تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ) أي: أيّ مصيبة كانت، فالتنوين للتنكير، وروى ابن السنيّ عن النبيّ - ﷺ -: "كلّ شيء ساء المؤمن، فهو مصيبة" (^٢). (فَيَقُولُ مَا
_________________
(١) "تنبيه المعلم" ص ١٧٢.
(٢) حديث ضعيف، رواه ابن السنّي في "عمل اليوم والليلة".
[ ١٨ / ١٤٣ ]
أَمَرَهُ اللهُ) أي: به، ففيه حذف العائد، وقوله: (﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]) بدل من "ما أمره الله".
والمراد بالأمر هنا الندب بالترغيب فيه، وترتيب الأجر عليه، فإنه بمنزلة الأمر، وإلا فلا أمر في الآية.
وقال الأبيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل الأمرُ أنه بوحي في غير القرآن، وَيحْتَمل أن الأمر مفهوم من الثناء على قائل ذلك؛ لأن المدح على الفعل يستلزم الأمر به.
وقال الباجيّ: - ﵀ -: لَمْ يُرِد لفظ الأمر بهذا القول؛ لأنه إنما ورد القرآن بتبشير من قاله، والثناء عليه، وَيحْتَمِل أن يشير إلى غير القرآن، فيُخبر - ﷺ - عن أمر الباري لنا بذلك، ولذا وصله بقوله: "اللهم أُجُرْنِي … إلخ".
وقال الطيبيّ - ﵀ -: فإن قلت: أين الأمر في الآية؛، قلت: لَمّا أمره بالبشارة، وأطلقها ليعمّ كلَّ مبشَّر به، وأخرجه مخرج الخطاب؛ ليعمّ كلّ أحد نبّه على تفخيم الأمر، وتعظيم شأن هذا القول، فنبّه بذلك على كون القول مطلوبًا، وليس الأمر إلَّا طلب الفعل، وأما التلفّظ بذلك مع الجَزَع فقبيح، وسخط للقضاء.
وقال القاري - ﵀ -: والأقرب أن كلّ ما مدح الله تعالى في كتابه من خصلة يتضمّن الأمر بها، كما أن المذمومة فيه تقتضي النهي عنها. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ: - ﵀ -: قوله: "فيقول ما أمر الله" هذا تنبيه على قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٥] مع أنه ليس فيها أمر بذلك، وإنما تضمّنت مدح من قاله، فيكون ذلك القول مندوبًا، والمندوب مأمور به؛ أي: مطلوب ومُقتضىً، وإن سُوِّغ تركه، وقال أبو المعالي: لَمْ يَختلف الأصوليون أن المندوب مقتضًى ومطلوبٌ، وإنما اختلفوا هل يُسمّى مأمورًا به؛، قال القرطبيّ: وهذا الحديث يدلّ على أنه يسمى بذلك. انتهى (^٢).
(﴿إنَّا﴾) أي: إن ذواتنا، وجميع ما يُنسب إلينا (﴿لِلَّهِ﴾) ملكًا وخلقًا (﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾) أي: في الآخرة، قال القرطبيّ - ﵀ -: "إنا لله … إلخ" كلمة اعتراف بالملك لمستحقّه، وتسليم له فيما يُجريه في ملكه، وتهوينٌ
_________________
(١) "المرعاة" ٥/ ٣٠٩ - ٣١٠.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥٧٠.
[ ١٨ / ١٤٤ ]
للمصيبات بتوقّع ما هو أعظم منها، وهو الثواب المرتّب عليها، وتذكير المرجع والمال الذي حكم به ذو العزّة والجلال. انتهى (^١).
وقوله: (اللَّهُمَّ) من جُملة ما أمر الله تعالى به (اجُرْنِي) بوصل الهمزة، وضم الجيم، وفي نسخة: "آجرني" بالمدّ، وكسر الجيم، وقال القاضي عياض - ﵀ -: "اجُرني" بالقصر والمدّ، حكاهما صاحب "الأفعال" (^٢)، وقال الأصمعيّ، وأكثر أهل اللغة: هو مقصور لا يُمَدّ، ومعنى أَجَرَهُ اللهُ: أعطاه أجره وجزاء صبره، وهَمِّه في مصيبته. انتهى (^٣).
وقال ابن الأثير - ﵀ -: آجَرهُ يُؤجِره: إذا أثابه، وأعطاه الأجر والثواب، وكذلك أَجَرَه يَأْجِرُه، والأمر منهما آجِرْني، وَأْجُرني. انتهى (^٤).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: أَجَرَهُ اللهُ أَجْرًا، من باب قتل، ومن باب ضرب لغة بني كعب، وآجره بالمدّ لغة ثالثة: إذا أثابه. انتهى (^٥).
وقوله: (فِي مُصِيبَتِي) متعلّق بـ "أجرني"، قال القاري - ﵀ -: والظاهر أن "في" بمعنى الباء سببيّة.
(وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا) أي: اجعل لي خَلَفًا مما فات عني في هذه المصيبة خيرًا من الفائت فيها، ففي الكلام تجوّز وتقدير (^٦).
قال النووي - ﵀ -: هو بقطع الهمزة، وكسر اللام، قال أهل اللغة: يقال لمن ذهب له مالٌ، أو ولدٌ، أو قريبٌ، أو شيءٌ يُتَوَقَّع حصولُ مثله: أخلف الله عليك؛ أي: رَدّ عليك مثله، فإن ذهب ما لا يُتَوقَّع مثله بأن ذهب والدٌ، أو عمّ، أوأخٌ لمن لا جَدَّ له، ولا والد له، قيل: خَلَفَ الله عليك، بغير ألف؛ أي: كان الله خليفةً منه عليك. انتهى (^٧).
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٧٠.
(٢) هو: عليّ بن جعفر السعديّ المعروف بابن القطاع، توفي سنة (٥١٥ هـ).
(٣) "شرح النوويّ" ٦/ ٢٢٠.
(٤) "النهاية في غريب الحديث والأثر" ١/ ٢٥.
(٥) "المصباح المنير" ١/ ٥.
(٦) "المرعاة" ٥/ ٣١٠.
(٧) "شرح مسلم" ٦/ ٢٢٠.
[ ١٨ / ١٤٥ ]
وقال ابن الأثير - ﵀ -: يقال: خَلَفَ اللهُ لك خَلَفًا بخير، وأخلف عليك خيرًا؛ أي: أبدلك بما ذَهَب منك، وعَوَّضك عنه، وقيل: إذا ذهب للرجل ما يَخْلُفُه، من مثل المال والولد، قيل: أخلف الله لك وعليك، وإذا ذهب له ما لا يخلُفُه غالبًا كالأب والأم، قيل: خَلَف الله عليك، وقد يقال: خلف الله عليك إذا مات لك ميت؛ أي: كان الله خليفة عليك، وأخلف الله عليك أي: أبدلك. انتهى (^١).
(إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا") أي: عوّضه الله تعالى خيرًا من تلك المصيبة (قَالَتْ) أم سلمة - ﵂ -: (فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ) تعني زوجها عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم المخزوميّ المكيّ، أمه بَرّة بنت عبد المطلب، وكان أخا النبيّ - ﷺ - من الرضاعة، وهاجر الهجرتين، وشَهِد بدرًا، وتُوُفِّي بالمدينة في حياة النبيّ - ﷺ - مَرْجِعه من بدر، فتزوج النبيُّ - ﷺ - بزوجته أم سلمة، رَوَى عن النبيّ - ﷺ - في الاسترجاع عند المصيبة، وعنه أم سلمة.
وذكر ابن سعد أنه شهد بدرًا وأُحُدًا، وجرح باحد، ثم بعثه النبيّ - ﷺ - إلى بني أسد على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة، ثم قدم المدينة، فانتقض الجرح، فمات لثلاث مَضَين من جمادى الآخرة، وبنحوه ذكره يعقوب بن سفيان، وابن أبي خيثمة، والْبَرْقيّ، وأبو جعفر الطبريّ، والحاكم، وأبو نعيم، وجماعة.
وقال العسكريّ: مات على عهد النبيّ - ﷺ - في السنة الرابعة، ونقله البغويّ عن أبي بكر بن زنجويه، وهو مقتضى قول ابن سعد، وقال عبد البر: تُوُفّي في جمادى الآخرة سنة ثلاث، وهو يوافق الأول.
أخرج له الترمذيّ، والنسائيّ في "اليوم والليلة"، وابن ماجة، وليس له عند مسلم إلَّا ذكرٌ فقط.
(قُلْتُ) أي: في نفسي، أو باللسان استغرابًا لوجود مثل ذلك (أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟) وفي الرواية الآتية: "قلت: من خير من أبي
_________________
(١) "النهاية في غريب الأثر" ٢/ ٦٦.
[ ١٨ / ١٤٦ ]
سلمة، صاحب رسول الله - ﷺ -؛ "، والاستفهام للإنكار؛ أي: لا أحد من المسلمين خيرٌ منه، وهذا في تقديرها.
وقال الطيبيّ - ﵀ -: هذا تعجّب من تنزيل قوله - ﷺ -: "إلَّا أخلف الله له خيرًا منها" على مصيبتها؛ استعظامًا لأبي سلمة. انتهى؛ يعني في زعمها.
وقولها: (أَوَّلُ بَيْتٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) استئناف بيانيّ، فكأن سائلًا سالها، وما سبب استغرابك أن يوجد خير من أبي سلمة؟، فأجابت بأنه أول أهل بيت (هَاجَرَ) إلى المدينة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، قال أبو نعيم: كان أول من هاجر إلى المدينة، زاد ابن منده: وإلى الحبشة، وذكره موسى بن عُقبة وغيره من أصحاب المغازي فيمن هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وفيمن شَهِدَ بدرًا، وأخرج البغويّ بسند صحيح إلى قبيصة بن ذؤيب أن النبيّ - ﷺ - أتى أبا سلمة يعوده، وهو ابن عمّته، وأول من هاجر بظعينته إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة (^١).
وقال الأبيّ: تعجّبت أم سلمة؛ لاعتقادها أنه لا خير من أبي سلمة، ولم تطمع أن يتزوّجها رسول الله - ﷺ -، فهو خارج من هذا العموم، وتعني بقولها: "من خيرٌ من أبي سلمة" بالنسبة إليها، فلا يكون خيرًا من أبي بكر؛ لأن الخير في ذاته قد لا يكون خيرًا لها، وَيحْتَمِل أن تَعْني أنه خير مطلقًا، والإجماع على أفضليّة أبي بكر إنما على من تأخّرت وفاته عن رسول الله - ﷺ -، وهل هو أفضل ممن تقدّمت وفاته؛ فيه خلاف، فلعلّها أخذت بأحد القولين، وقولها: أولُ بيت هاجر يدلّ على أنَّها أرادت أنه أفضل مطلقًا بالنسبة إليها. انتهى.
قال صاحب "المرعاة": والظاهر أن الخيريّة بالنسبة إليها، وباعتبار نفسها، والله تعالى أعلم. انتهى (^٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
(ثُمَّ إِني قُلْتُهَا) أي: كلمة الاسترجاع والدعاء المذكور بعدها (فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) أي: بأن جعلني زوجته، وكان عِوَضَ خير لي من زوجي أبي سلمة - ﵁ -.
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٤/ ١٣١ - ١٣٢.
(٢) "المرعاة" ٥/ ٣١٠ - ٣١١.
[ ١٨ / ١٤٧ ]
(قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ) - بفتح الموحَّدة، وسكون اللام، بعدها مثناة، ثم مهملة مفتوحات - ابن عمرو بن عُمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللَّخْميّ، حليف بني أسد بن عبد العزي، يقال: إنه حالف الزبير، وقيل: كان مولى عبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، فكاتبه فأدَّى مكاتبته، اتفقوا على شهوده بدرًا، وثبت ذلك في "الصحيحين" من حديث عليّ في قصة كتابة حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله - ﷺ - إليهم، فنزلت فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية [الممتحنة: ١]، فقال عمر: دَعْني أضرب عنقه، فقال: إنه شهد بدرًا، واعتذر حاطب بأنه لَمْ يكن له في مكة عشيرة تدفع عن أهله، فقَبِل عذره.
ورَوَى مسلم وغيره من طريق أبي الزبير، عن جابر، أن عبدًا لحاطب بن أبي بَلْتعة جاء يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله ليدخلنّ حاطب النارَ، فقال: "لا، فإنه شَهِدَ بدرًا، والحديبية".
قال المدائنيّ: مات حاطب في سنة ثلاثين في خلافة عثمان، وله خمس وستون سنةً، وكذا رواه الطبرانيّ، عن يحيى بن بُكَير (^١)، وليس له في الكتب الستة إلَّا ذكرٌ فقط.
(يَخْطُبُنِي) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: خَطَب المرأةَ إلى القوم، من باب نصر: إذا طلب أن يتزوّج منها، واختطبها، والاسم الْخِطْبةُ بالكسر (^٢). (لَهُ) أي: لنفسه - ﷺ -.
ووقع في رواية لأحمد، والنسائيّ أن الذي أرسله النبيّ - ﷺ - لخطبتها هو عمر بن الخطّاب - ﵁ -، فيَحتمل أن يكون أرسله أولًا، ثم أرسل بعده حاطبًا، أو بالعكس، والله تعالى أعلم.
[فإن قلت]: يعارض هذا ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أم سلمة، قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله - ﷺ -، فقال: لقد سمعت من رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٢/ ٤ - ٥.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٧٣.
[ ١٨ / ١٤٨ ]
قولًا، فسُرِرت به، قال: "لا تصيب أحدًا من المسلمين مصيبةٌ، فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلَّا فعل ذلك به"، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما تُوفي أبو سلمة استرجعت، وقلت: "اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلفني خيرًا منه"، ثم رجعت إلى نفسي قلت: من أين لي خير من أبي سلمة؛ فلما انقضت عدّتي، استأذن علي رسول الله - ﷺ -، وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلت يدي من القَرَظ، وأَذِنت له، فوضعت له وِسَادةَ أَدَمٍ حَشْوها لِيفٌ، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته، قلت: يا رسول الله ما بي أن لا تكون بك الرغبة فيّ، ولكني امرأة فيّ غَيْرةٌ شديدةٌ، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة دخلت في السنّ، وأنا ذات عيال، فقال: "أما ما ذكرت من الْغَيْرة، فسوف يذهبها الله - ﷿ - منك، وأما ما ذكرت من السنّ، فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال، فانما عيالك عيالي"، قالت: فقد سلمت لرسول الله - ﷺ -، فتزوجها رسول الله - ﷺ -، فقالت أم سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه، رسولَ الله - ﷺ -. انتهى.
فهذا الحديث يخالف حديث مسلم من وجهين:
[أحدهما]: أن الحديث سمعته أم سلمة من زوجها أبي سلمة.
[والثاني]: أن الذي خطبها هو النبيّ - ﷺ - بنفسه، ولم يُرسل غيره.
[قلت]: يجاب عن الأول بحمله على أنَّها سمعته أولًا من زوجها، ثم سمعته بعد ذلك منه - ﷺ - مباشرةً، ومثل هذا في الأحاديث كثير.
ويُجاب عن الثاني بأن يقال: إنه أرسل أولًا غيره، ثم تقدّم إليها بنفسه للتأكيد، فأعادت عليه ما قالت للرسول من الأعذار الثلاثة، فأجابها عن كلّها بما يزيل عذرها، والله تعالى أعلم.
(فَقُلْتُ) أي: معتذرة إلى النبيّ - ﷺ - خوفًا من عدم قيامها بحقوقه (إِنَّ لِي بِنْتًا) هي زينب بنت أبي سلمة؛ أي: وهي تضرّ بحسن المعاشرة الزوجيّة.
[تنبيه]: قال ابن الأثير - ﵀ -: أم سلمة - ﵂ - لها ابنتان من أبي سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ - ﵁ -: إحداهما: دُرّة، والأخرى: زينب. انتهى.
(وَأَنَا غَيُورٌ) أي: كثيرة المغيرة، وهي تؤدّي إلى عدم الوفاء بحقوق
[ ١٨ / ١٤٩ ]
الزوجيّة، و"الغيرة": كراهة الشخص اشتراك غيره فيما هو حقّه، أفاده الكفويّ (^١)؛ تعني: أنَّها ذات غَيْرة شديدة لا تتمكن معها من الاجتماع مع سائر أزواجه - ﷺ -.
وقال النوويّ - ﵀ -: يقال: امرأة غَيْرَي، وغَيُورٌ، ورجلٌ غَيُورٌ وغَيْران، وقد جاء فَعُول في حفات المؤنّث كثيرًا، وإن كان أصلها للمذكّر؛ كقولهم: امرأةٌ عَرُوسٌ، وعَرُوبٌ، وضَحُوكٌ لكثيرة الضحك، وعَقَبةٌ كَؤُودٌ، وأرضٌ صَعُودٌ، وهَبُوطٌ، وحَدُورٌ، وأشباهها. انتهى (^٢).
وقال الفيوميّ - ﵀ -: غار الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها يَغَارُ، من باب تَعِبَ غَيْرًا، وغَيْرةً بالفتح، وغَارًا، قال ابن السِّكِّيت: ولا يقال: غِيرًا وغِيرةً بالكسر، فالرجل غَيُورٌ وغَيْرَانُ، والمرأة غَيُورٌ أيضًا، وغَيْرَي، وجمع غَيُور غَيُرٌ، مثلُ رَسُول ورُسُل، وجمع غَيْران وغَيْرَى غَيَارَى بالضمّ والفتح. انتهى (^٣).
(فَقَالَ) - ﷺ - ("أَمَّا ابْنَتُهَا، فَنَدْعُو اللهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا) أي: بأن تجد من يكفلها من قراباتها، وزاد في رواية عند الإمام أحمد من وجه آخر: "وكان رسول الله - ﷺ - يأتيها، فإذا جاء أخذت زينب فوضعتها في حجرها لترضعها، وكان رسول الله - ﷺ - حييًا كريمًا يستحيي، فرجع، ففعل ذلك مرارًا، ففَطِنَ عمار بن ياسر لما تصنع، فأقبل ذات يوم وجاء عمار، وكان أخاها لأمها، فدخل عليها، فانتشطها (^٤) من حَجْرها، وقال: دَعِي هذه المقبوحة المشقوحة (^٥) التي آذيت بها رسول الله - ﷺ -، قال: وجاء رسول الله - ﷺ -، فدخل، فجعل يُقَلِّب بصره في البيت، ويقول: "أين زناب؟ ما فعلت زناب؟ "، قالت: جاء عمار، فذهب بها، قال: فبنى بأهله.
وأخرجه من وجه آخر أيضًا، من رواية عبد العزيز ابن بنت أم سلمة، عن أم سلمة، أن أبا سلمة لَمّا توفي عنها، وانقضت عدتها، خطبها رسول الله - ﷺ -،
_________________
(١) "الكلّيات" لأبي البقاء الكفويّ ص ٦٧١.
(٢) "شرح النوويّ" ٦/ ٢٢١.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٨.
(٤) أي: أخذها.
(٥) بمعنى المقبوحة.
[ ١٨ / ١٥٠ ]
فقالت: يا رسول الله: إن فِيّ ثلاث خصال: أنا امرأة كبيرة، فقال رسول الله - ﷺ -: "أنا أكبر منك"، قالت: وأنا امرأة غيور، قال: "أدعو الله - ﷿ -، فيذهب عنك غيرتك"، قالت: يا رسول الله، وأنا امرأة مُصْبِية، قال: "هم إلى الله، وإلى رسوله"، قال: فتزوجها رسول الله - ﷺ -، قال: فأتاها، فوجدها ترضع، فانصرف، ثم أتاها فوجدها ترضع، فانصرف، قال: فبلغ ذلك عمار بن ياسر، فأتاها، فقال: حُلْتِ بين رسول الله - ﷺ - وبين حاجته، هَلُمّ الصبيةَ، قال: فأخذها، فاسترضع لها، فأتاها رسول الله - ﷺ -، فقال: "أين زناب؟ "؛ يعني: زينب، قالت: يا رسول الله أخذها عمار، فدخل بها، وقال: "إن بك على أهلك كرامةً"، قال: فاقام عندها إلى العشيّ، ثم قال: "إن شئت سبَّعت لك، صوان سبعت لك سبعت لسائر نسائي، وإن شئت قسمت لك"، قالت: لا، بل اقسم لي. انتهى.
(وَأَدْعُو اللهَ أَنْ يَذْهَبَ) بفتح أوله وثالثه (بِالْغَيْرَةِ") بتفتح الغين؛ أي: يزيلها عنك، يقال: أذهب الله الشيءَ، وذَهب به، كقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢١٢٦ و٢١٢٧ و٢١٢٨] (٩١٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣٠٩ و٣٢١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٥٦ و٢٠٥٧ و٢٠٥٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب قول هذا الذكر عند المصيبة، فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلِف لي خيرًا منها.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة هذا الذكر، حيث يُخلف الله تعالى لمن قاله خيرًا مما أصيب منه.
[ ١٨ / ١٥١ ]
٣ - (ومنها): بيان فضل أم سلمة، وزوجها - ﵄ -، حيث إنهما أول أهل بيت هاجر إلى الله ورسوله، قال في "الإصابة": وكانت أم سلمة موصوفة بالجمال البارع، والعقل البالغ، والرأي الصائب، وإشارتها على النبيّ - ﷺ - يوم الحديبية (^١) تدلّ على وفور عقلها، وصواب رأيها. انتهى (^٢).
٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: فيه دليلٌ للمذهب المختار في الأصول، أن المندوب مأمور به؛ لأنه - ﷺ - مأمور به، مع أن الآية الكريمة تقتضي ندبه، وإجماعُ المسلمين منعقد عليه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أفلَحَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ سَفِينَةَ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيُّ - ﷺ - تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا"، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ) هو بقصر الهمزة، ومدّها، والقصر
_________________
(١) يعني به: قولها للنبيّ - ﷺ - لما شقّ على الصحابة أمره بالتحلّل، قالت له: ادع حالقك، فليحلقك، فإنهم يتابعونك، ففعل، فكادوا يقتتلون.
(٢) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٨/ ٢٢٤.
[ ١٨ / ١٥٢ ]
أفصح وأشهر كما سبق (^١).
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحاديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ - يَعْنى ابْنَ كَثِيرٍ - عَنِ ابْنِ سَفِينَةَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَزَادَ: قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ عَزَمَ اللهُ لِي، فَقُلْتُهَا، قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أبوه) عبد الله بن نمير، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَزَادَ: قَالَتْ … إلخ) فاعل "زاد" ضمير عبد الله بن نمير.
وقولها: (ثُمَّ عَزَمَ اللهُ لِي) أي: قضى الله، وقدّر لي أن أقولها، فقلتها، وقد تقدّم في أوائل"شرح المقدّمة" عند قول مسلم - ﵀ -: "أن لو عُزم لي عليه" البحث هل يجوز إطلاق العزم على الله أم لا؟، ورجحت أنه لَمْ يرد في جوازه ولا في منعه شيء، بل ظاهر ما ثبت عن أم سلمة - ﵄ - هنا يدلّ للجواز؛ لأنَّها من أهل اللسان، وأهل الفضل والعلم، وقد شاهدت التنزيل، وعاشت معه - ﷺ -، فهي فقيهة لا يخفى عليها المحذور من هذا الباب، فتأمل، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن سعد بن سعيد هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" فقال:
_________________
(١) "شرح النوويّ " ٦/ ٢٢١.
[ ١٨ / ١٥٣ ]
(٢٦٠٩٥) حدّثنا ابن نمير، قال: حدّثنا سعد بن سعيد، قال: أخبرني عُمَر بن كثير، عن ابن سفينة مولى أم سلمة، عن أم سلمة زوج النبيّ - ﷺ - قالت: سمعت رسول الله يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم آجُرْني في مصيبتي، وأخلفني خيرًا منها، إلَّا أجره الله في مصيبته، وخلف له خيرًا منها"، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت: من خير من - أبي سلمة، صاحب رسول الله - ﷺ -؟ قالت: ثم عَزَمَ الله - ﷿ - لي، فقلتها: "اللهم اجُرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها"، قالت: فتزوجت رسول الله - ﷺ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.