وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٩٨] (٩٠٣) - (وَحَدَّثَنَا (^١) عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْني ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ عَائِشَةَ تَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يُعَذَّبُ النَّاسُ فِي الْقُبُورِ؟، قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَائِذًا بِاللهِ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجْتُ فِي نِسْوَةٍ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْحُجَرِ (^٢) فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ مَرْكَبِهِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُصَلَّاهُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ، فَقَامَ، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ ذَلِكَ الرُّكُوعِ (^٣)، ثمَّ رَفَعَ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْس، فَقَالَ: "إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، كَفِتنَةِ
_________________
(١) وفي نسخة: "حدَّثنا".
(٢) وفي نسخة: "بين ظهراني الحجر".
(٣) وفي نسخة: "دون الركوع الأول".
[ ١٨ / ٥٣ ]
الدَّجَّالِ"، قَالَتْ عَمْرَةُ: فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: فَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعْدَ ذَلِكَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) البصريّ، مدنيّ الأصل، تقدَّم قبل بابين.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنَ بِلَالٍ) التيميّ المدنيّ، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (يَحْيَى) بن سعيد بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبت [٥١] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٤ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرَّحمن بن سعد بن زُرارة الأنصاريّة المدنيّ، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" ج ٢ ص ٤١٧.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، في أخرج له ابن ماجة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من أوله إلى آخره، وشيخه، وإن كان بصريًّا، إلَّا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن الأنصاريّ (أَن يَهُودِيَّةً) أي: امرأة يهوديّة (أَتَتْ عَائِشَةَ) - ﵂ - (تَسْأَلُهَا) أي: شيئًا من الصدقة (فَقَالَتْ) لَمَّا أعطتها ما سألتها؛ مكافأة على إحسانها (أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) وفي هذا دليل على أن اليهودية كانت تعلم عذاب القبر، إما سمعت ذلك من التوراة، أو في كتاب من كتبهم، قاله في "العمدة" (^١).
_________________
(١) "عمدة القاري" ٧/ ٧٨.
[ ١٨ / ٥٤ ]
ولا يعارض هذا ما سبق في باب الدعاء بعد التشهد من طريق منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة - ﵂ -: "قالت: دخل عليّ عجوزتان من عجائز اليهود، فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم … "؛ لأنه يُحمل على أن إحداهما تكلمت، وأقرّتها الأخرى على ذلك، فنَسَبت القول إليهما مجازًا، والإفراد يُحْمَل على المتكلمة.
قال الحافظ - ﵀ -: ولم أقف على اسم واحدة منهما.
(قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يُعَذَّبُ النَّاسُ فِي الْقُبُورِ؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أيُعذّب الناس … إلخ؟ (قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَائِذًا بِاللهِ) قال ابن السيد: هو منصوب على المصدر الذي يجيء على مثال فاعل، كقولهم: عُوفي عافيةً، أو على الحال المؤكّدة النائبة مناب المصدر، والعامل فيه محذوف، كأنه قال: أعوذ بالله عائذًا، ولم يُذكر الفعل؛ لأن الحال نائبة عنه، ورُوي: "عائذٌ بالله" بالرفع؛ أي: أنا عائذ بالله.
[فإن قلت]: هذا الحديث، ومثله ما تقدّم أيضًا من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة - ﵂ - قالت: دخلت عليّ امرأة من اليهود، وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله - ﷺ - وقال: "إنما تُفتن يهودُ" يدلّ على أنه - ﷺ - أنكر على اليهوديّة.
وحديث عائشة - ﵂ - من رواية مسروق، عنها، أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله - ﷺ - عن عذاب القبر، فقال: "نعم عذاب القبر حقٌّ"، رواه البخاريّ، يدلّ على تصديقه لها، فكيف يوفَّق بينهما؟.
[قلت]: أجاب النوويّ تبعًا للطحاويّ وغيره بأنهما قصّتان، فأنكر النبيّ - ﷺ - قول اليهودية في القصة الأولى، ثم أوحي إليه - ﷺ - بذلك، ولم يُعلم عائشة بذلك، فجاءت اليهودية مرّة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندةً إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبيّ - ﷺ - بأن الوحي نزل بإثباته. انتهى.
وقال الكرمانيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أنه عيهم كان يتعوذ سرًّا، فلما رأى استغراب عائشة حين سمعت ذلك من اليهودية أعلن به. انتهى.
[ ١٨ / ٥٥ ]
وكأنه لَمْ يقف على رواية الزهريّ، عن عروة التي ذكرناها، ففيها بعد إنكاره - ﷺ - على اليهودية، وقولِهِ: "إنما تُفتن يهود، أنه لبِث ليالي، ثم قال لعائشة: "هل شَعَرت أنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور"، وفي حديث الباب أيضًا بعد قوله - ﷺ -: "عائذًا بالله من ذلك"، فقال في آخره: "إني رأيتكم تفتنون في القبور"، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر.
وأصرح منه ما رواه أحمد بإسناد على شرط البخاريّ، عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأمويّ، عن عائشة - ﵂ - أن يهوديةً كانت تخدُمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئًا من المعروف إلَّا قالت لها اليهودية: وقال الله عذاب القبر، قالت: فقلت: يا رسول الله، هل للقبر عذاب؟ قال: كذبت يهود، لا عذاب دون يوم القيامة، ثم مَكَث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، وهو ينادي باعلى صوته: "أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حقّ".
وفي هذا كله أنه - ﷺ - إنما عَلِم بعذاب القبر بالمدينة في آخر الأمر، كما تقدَّم تاريخ صلاة الكسوف قريبًا.
قال في "الفتح" ما حاصله: قد استُشكِل هذا -يعني كونه - ﷺ - إنما عَلِم به في آخر حياته - مع قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، فإنها مكيّة، وهي نزلت في عذاب القبر، كما أخرجه الشيخان من حديث البراء - ﵁ -، وكذلك قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦].
والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم في حقّ من لَمْ يتصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الثانية في حقّ آل فرعون، وإن التحق بهم من كان له حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبيّ - ﷺ - إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين، ثم أُعْلِم - ﷺ - أن ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم، فجزم به، وحَذَّر منه، وبالغ في الاستعاذة منه؛ تعليمًا لأمته، وإرشادًا، فانتفى التعارض بحمد الله تعالى. انتهى (^١)، وهو تحقيق نفيسٌ.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٤/ ١٦٢ "كتاب الجنائز" رقم (١٣٦٩).
[ ١٨ / ٥٦ ]
(ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ كَدَاةٍ مَرْكَبًا) يَحْتَمِل أن يكون مصدرًا ميميّا؛ أي: رُكوبًا، وَيحْتَمِل كونه بمعنى اسم المفعول؛ أي: مركوبًا، وَيحْتَمِل أن يكون منصوبأ على الظرفيّة، بل هذا هو الذي يدلّ عليه السياق؛ أي: مكان رُكوب؛ يعني؛ أنه ركب إلى محلّ أراد فيه قضاء حاجة (فَخَسَفَتِ) من باب ضرب (الشَّمْسُ، قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (فَخَرَجْتُ فِي نِسْوةٍ) أي: معهنّ (بَيْنَ ظَهْرَيِ الْحُجَرِ) وفي نسخة: "بين ظهراني الحجر"، وهو بفتح الظاء المعجمة، والنون على التثنية، و"الْحُجَر" بضمّ الحاء المهملة، وفتح الجيم: جمع حُجْرة بسكون الجيم، قيل: المراد بين ظهر الحجر، والنون والياء زائدتان، وقيل: بل الكلمة كلّها زائدة، والمراد بالْحُجَر بيوت أزواج النبيّ" (^١).
وقولها: (فِي الْمَسْجِدِ) الظاهر أن "في" بمعنى "وإلى"، في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]، ومتعلّقة بـ "خرجنا" (فَأتى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ مَرْكَبِهِ) أي: محلّ ركوبه (حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُصَلَّاهُ) أي: محلّ وقوفه في حال الصلاة (الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ) فيه أن السنّة في صلاة الكسوف أن تصلّى في المسجد بخلاف الاستسقاء، فإنها في الصحراء، كما سبق في بابه (فَقَامَ، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ قِيَامًا طَويلًا، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ ذَلِكَ الرُّكُوعِ) وفي نسخة: "دون الركوع الأول" (ثُمَّ رَفَعَ) أي: رأسه، زاد في رواية النسائيّ: "ثم سجد، ثم قام الثانية، فصنع مثل ذلك، إلَّا أن ركوعه، وقيامه دون الركعة الأولى، ثم سجد، وتجلّت الشمس" (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ) وفي رواية النسائيّ: "فلما انصرف قعد على المنبر، فقال فيما يقول: إن الناس يُفتنون في قبورهم" (كفِتْنَةِ الدَّجَّالِ") أي: فتنة شديدة جدًّا، وامتحانًا هائلًا، مثل فتنته، ولكن ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤١٩ "كتاب الكسوف" رقم (١٠٥٠).
[ ١٨ / ٥٧ ]
وقد فُسّرت الفتنة في القبور بما سيأتي في حديث أسماء - ﵂ - قالت: "فيؤتى أحدكم، فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن، فيقول: هو محمد، هو رسول الله، جاءنا بالبينات والهدي، فأجبنا وأطعنا، ثلاث مرار، فيقال له: نَمْ، قد كنا نعلم إنك لَتُؤمِن به، فَنَمْ صالحًا، وأما المنافق فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته".
(قَالَتْ عَمْرَةُ: فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ) - ﵂ - (تَقُولُ: فَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعْدَ ذَلِكَ) الوقت الذي وقعت فيه حادثة الكسوف (يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ) أي: لأنه أُوحي إليه بأن الناس يفتنون في قبورهم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه، وبيان سائر مسائله في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٩٩] (…) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ (ع) وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلت الثقفيّ، أبو محمد البصرفي، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٤ - (سُفْيَانُ) بن عُيينة الإمام الحجة الشهير الكوفيّ، ثم المكيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) عن (٩١) سنة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
وقوله: (جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) أي: إن كلًّا من عبد الوهّاب،
[ ١٨ / ٥٨ ]
وسفيان بن عيينة رويا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ بإسناده السابق، وبمثل معنى حديث سليمان بن بلال عنه.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب، وسفيان عيينة كلاهما عن يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو نعيم - ﵀ - في "مستخرجه" (٢/ ٤٨٩) فقال:
(٢٠٣٥) حدّثنا حبيب، ثنا يوسف، ثنا ابن أبي بكر، ثنا عبد الوهاب الثقفيّ (ح) وثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسي، ثنا الحميديّ، ثنا سفيان بن عيينة، قالا: سمعت يحيى بن سعيد يقول (ح) وثنا عبد الله بن محمد بن أحمد، ثنا جعفر الفريابيّ، ثنا محمد بن عبيد بن حساب، ثنا حماد بن زيد، ثنا يحيى بن سعيد، أخبرتني عمرة، أن يهودية أتت عائشة تستطعم، قالت: أعاذك الله من عذاب القبر، فقلت: يا رسول الله؛ أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال: "عائذًا بالله"، ثم ركب رسول الله - ﷺ - ذات غداة مركبًا، فخَسَفَت الشمس، قالت: فخرجت في نسوة بين ظهراني الْحُجَر في المسجد، فأتى رسول الله - ﷺ - من مركبه، فقعد في مصلاه الذي كان يصلي فيه، فقام الناس وراءه، فقام قيامًا طويلًا، ثم ركع فركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه، فقام قيامًا طويلًا، قالت: ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه، وسجد سجودًا طويلًا، ثم رفع رأسه، فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع، فركع ركوعًا طويلًا، وهو دون ذلك الركوع، ثم رفع، وسجد، فانحلت الشمس، ثم قام، فقال: "إني رأيتكم تفتنون في القبور، كفتنة الدجال"، قال (^١): فكنت أسمع رسول الله - ﷺ - يتعوذ في صلاته من عذاب النار، ومن عذاب القبر.
قال: لفظ عبد الوهاب، وحديث حماد بن زيد مختصر. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) هكذا النسخة، والظاهر أنه "قالت"، كما هو عند المصنّف، فتأمل.
[ ١٨ / ٥٩ ]