وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤٧] (١٠١٦) - (حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ -ﷺ- يَقُولُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ) الهاشميّ مولاهم، أبو جعفر الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ) أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخرة [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ اختلط بآخرة [٣] (ت ١٢٩) تقدم في "المقدمة" (ع) ٣/ ١١.
_________________
(١) "جامع العلوم والحكم" ١/ ٢٥٨ - ٢٧٧.
[ ١٩ / ٤١٠ ]
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْقِلِ) (^١) بن مُقَرِّن المزنيّ، أبو الوليد الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣].
رَوَى عن أبيه، وعليّ، وابن مسعود، وثابت بن الضحاك، وكعب بن عُجْرة، وعديّ بن حاتم، وسالم مولى أبي حذيفة.
وروى عنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وعبد الملك بن عُمير، ويزيد بن أبي زياد، وعبد الرحمن بن الأصبهانيّ، وعبد الله بن السائب الكنديّ، وزياد بن أبي مريم، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وغيرهم.
قال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، من خيار التابعين، وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة بضع وثمانين بالبصرة، وقال البخاريّ في "تاريخه": قال لي أحمد: أنا عبد الله، أنا يونس، عن أبي إسحاق، قال: خرجنا سنة (٨٨)، فجعل عبد الله بن مَعْقِل في ذلك البعث، ثم إن الحجاج أخرجهم مع عتبة بن أبي عقيل، فمات ابن معقل بأنقرة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٠١٦)، وحديث (١٢١٠) وأعاده بعده، و(١٥٤٩) وأعاده بعده.
٥ - (عَدِيُّ بْنُ حَاتِم) بن عبد الله بن سعد الْحَشْرج الطائيّ، أبو طَرِيف الصحابيّ الشهير، وكانَ -﵁- ممن ثبت على الإسلام في الردّة، وحضر فتوح العراق، وحروب عليّ -﵁-، ومات سنة (٦٨) وهو ابن (١٢٠) سنة، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الجمعة" ١٥/ ٢٠١٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فإنه من أفراده.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
_________________
(١) بفتح أوله، وسكون العين المهملة، بعدها قاف.
[ ١٩ / ٤١١ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم) -﵁- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِق تَمْرَةٍ) -بكسر المعجمة-: أي: نصفها، أو جانبها؛ أي: ولو كان الاتّقاء بالتصدّق بشِقّ تمرة واحدة، فإنه يفيد (فَلْيَفْعَلْ) أي: ليتصدّق بها حتى يستر نفسه من النار، وفيه الحثّ على الصدقة، وأنه لا يمتنع منها لقلّتها، وأن قليلها سبب للنجاة من النار (^١).
وفي رواية البخاريّ: "اتقوا النار، ولو بشقّ تمرة"، وفي رواية الطبرانيّ من حديث فضالة بن عُبيد -﵁-، مرفوعًا: "اجعلوا بينكم وبين النار حجابًا، ولو بشِقّ تمرة"، ولأحمد من حديث أبن مسعود -﵁-، مرفوعًا أيضًا، بإسناد صحيح: "ليَتَّقِ أحدكم وجهه النار، ولو بشقّ تمرة"، وله من حديث عائشة -﵂-، بإسناد حسن: "يا عائشة استتري من النار، ولو بشقّ تمرة، فإنها تَسُدُّ من الجائع مَسدَّها من الشبعان"، ولأبي يعلى من حديث أبي بكر -﵁- نحوه، وأتمّ منه، بلفظ: "تقع من الجائع موقعها من الشبعان"، وكأنّ الجامع بينهما في ذلك حلاوتها، قاله في "الفتح" (^٢).
[تنبيه]: هذا الحديث مختصر من حديث عديّ بن حاتم -﵁- الطويل، وقد ساقه البخاريّ -﵀- في "كتاب المناقب" من "صحيحه" بطوله، فقال:
٣٥٩٥ - حدثني محمد بن الحكم، أخبرنا النضر، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا سعد الطائي، أخبرنا مُحِلّ بن خليفة، عن عدي بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبي -ﷺ-؛ إذ أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر، فشكا إليه قطع السبيل، فقال: "يا عدي هل رأيت الْحِيرَة؟ " قلت: لم أرها، وقد أُنبئت عنها، قال: "فإن طالت بك حياة، لَتَرَيَنَّ الظعينةَ ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله" -قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّار طَيِّئٍ الذين قد سَعّرُوا البلاد- "ولئن طالت بك حياة، لتُفتَحَنّ كنوز كسرى"، قلت:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٠١.
(٢) راجع: "الفتح" ٤/ ٣٢ - ٣٣.
[ ١٩ / ٤١٢ ]
كسرى بن هُرْمُز؟، قال: "كسرى بن هُرْمُز، ولئن طالت بك حياة، لترين الرجل يُخرِج مِلْءَ كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدًا يقبله منه، ولَيَلْقَيَنَّ الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فليقولنّ له: ألم أَبْعَث إليك رسولًا، فيبلغك؟، فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالًا، وأُفْضِل عليك؟، فيقول: بلى، فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره، فلا يرى إلا جهنم"، قال عديّ: سمعت النبيّ -ﷺ-، يقول: "اتقوا النار ولو بشقة تمرة، فمن لم يجد شقة تمرة، فبكلمة طيبة"، قال عديّ: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هُرْمُز، ولئن طالت بكم حياة، لَتَرَوُنَّ ما قال النبيّ أبو القاسم -ﷺ-: "يخرج ملء كفه". انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، والمسائل المتعلّقة به ستأتي في الحديث التالي، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤٨] (…) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"، زَادَ ابْنُ حُجْرٍ: قَالَ الْأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: "وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ"، وقَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ الْأَعْمَشُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
[ ١٩ / ٤١٣ ]
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ إمام مشهور [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (عَلِي بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي عيسى الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظ ورع، لكنه يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله منهم، وهو السماع من لفظهم مع غيره، ولذا قال: "حدثنا"، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم في كيفيّة تحمّلهم، فابن حجر سمع من عيسى بن يونس مع غيره، ولذا قال: "حدّثنا"، والآخران سمعا قارئًا يقرأ على عيسى، ولذا قالا: "أخبرنا".
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيوخه، كما أسلفته آنفًا في تراجمهم.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيوخه، فإنهم مروزيّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ خَيْثَمَةَ) -بفتح المعجمة، وسكون التحتانية، بعدها مثلثة- ابن عبد الرحمن الجعفيّ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم) الطائيّ -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: (مَا مِنْكُمْ) ظاهر الخطاب للصحابة -﵃-، وَيلتحق بهم المؤمنون كلهم، سابقهم ومُقصِّرهم، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة -﵀- (^١). (مِنْ أَحَدٍ)
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤٠٤.
[ ١٩ / ٤١٤ ]
"من" زائدة لتفيد استغراق النفي (إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ) في رواية وكيع، عن الأعمش، عند ابن ماجه: "سيكلمه ربه" (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ) أي: بين الله تعالى وبين الأحد (تُرْجُمَان) قال في "القاموس": الترجمان بضمّ التاء والجيم، وبفتحهما، وبفتح التاء، وضمّ الجيم: هو المفسّر للسان، وقد ترجمه، وعنه، والفعل يدلّ على أصالة التاء. انتهى (^١).
وقال في "المصباح": وتَرْجَم فلانٌ كلامه: إذا بيّنه، وأوضحه، وترجم كلام غيره: إذا عَبَّر عنه بلغةٍ غيرِ لغة المتكلم، واسم الفاعل تَرْجُمان، وفيه لغات: أجودها فتح التاء، وضم الجيم، والثانية ضمهما معًا بجعل التاء تابعةً للجيم، والثالثة فتحهما بجعل الجيم تابعةً للتاء، والجمع: تَرَاجِم، والتاء والميم أصليتان، فوزن ترجم فَعْلَلَ، مثل دحرج، وجعل الجوهري التاء زائدة، وأورده في تركيب رَجَمَ، ويوافقه ما في نسخة من "التهذيب" من باب رَجَمَ أيضًا، قال اللِّحيانيّ: وهو التَّرْجُمَانُ، والتُّرْجُمَانُ، لكنه ذكر الفعل في الرباعيّ، وله وجه، فإنه يقال: لسانٌ مِرْجَمٌ: إذا كان فصيحًا قوّالًا، لكن الأكثر على أصالة التاء. انتهى (^٢).
[تنبيه]: لم يُذْكَر في هذه الرواية ما يقول، وبَيَّنه في رواية البخاريّ في "الزكاة" من طريق مُحِلّ بن خَلِيفة، عن عديّ بن حاتم -﵁- بلفظ: "ثم لَيَقِفَنّ أحدكم بين يدي الله، ليس بينه وبينه حجابٌ، ولا ترجمان يُترجِم له، ثم ليقولنّ له: "ألم أوتك مالًا؟، فيقولنّ: بلى، ثم ليقولنّ: ألم أرسل إليك رسولًا؟، فليقولنّ بلى … " الحديث، وفي رواية له في "المناقب": "وليلقينّ الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فيقولنّ له: ألم أبعث إليك رسولًا، فيبلّغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أُعطك مالًا، وأُفضل عليك؟ فيقول: بلى … " (^٣).
(فَيَنْظُرُ) ذلك الأحد (أَيْمَنَ مِنْهُ) أي: في الجانب الذي على يمينه (فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ) أي: من أعماله الصالحات، وللترمذيّ من رواية أبي معاوية
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٤/ ٨٣.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٧٤.
(٣) "الفتح" ٤/ ٢٣٣ و٨/ ٢٧٢.
[ ١٩ / ٤١٥ ]
بلفظ: "فلا يرى شيئًا إلا شيئًا قدمه"، وفي رواية مُحِلّ بن خليفة: "فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا النار، وينظر عن شماله، فلا يرى إلا النار"، قال في "الفتح": وهذه الرواية مختصرةٌ، ورواية خيثمة مفسَّرة، فهي المعتمدة في ذلك. انتهى.
وقوله: "أيمن"، و"أشأم" بالنصب فيهما على الظرفية، والمراد بهما اليمين والشمال، قال ابن هبيرة -﵀-: نظر اليمين والشمال هنا كالمثل؛ لأن الإنسان من شأنه إذا دَهَمه أمر أن يلتفت يمينًا وشمالًا، يطلب الغوث.
قال الحافظ -﵀-: وَيحْتَمِل أن يكون سبب الالتفات أنه يَتَرَجَّى أن يجد طريقًا يذهب فيها؛ ليحصل له النجاة من النار، فلا يرى إلا ما يُفضي به إلى النار، كما وقع في رواية مُحِلّ بن خليفة. انتهى.
(وينْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ) أي: من أعماله السيّئات (وينْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) أي: في محاذاته، ومقابل وجهه، وفي رواية البخاريّ: "ثم ينظر بين يديه، فتستقبله النار"، وفي رواية له: "ينظر تلقاء وجهه، فتستقبله النار".
قال ابن هبيرة -﵀-: والسبب في ذلك أن النار تكون في مَمَرِّه، فلا يمكنه أن يحيد عنها؛ إذ لا بدّ له من المرور على الصراط. انتهى.
(فَاتَّقُوا النَّارَ) أي: احترزوا منها بالتقوى التي هي تجنّب المخالفات؛ لئلا يصيبكم، ويواقعكم عذابها (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ") أي: اجعلوا بينكم وبينها وقاية من الصدقة، وعمل البرّ، ولو بشيء يسير.
وقال الطيبيّ -﵀-: المعنى: إذا عرفتم أنه لا ينفعكم في ذلك اليوم شيء إلا الأعمال الصالحة، وأن أمامكم النار، فاجعلوا الصدقة جُنّةً بينكم وبينها، ولو بشقّ تمرة.
ونقل الطيبيّ قبل ذلك عن المظهر أن المعنى: إذا عرفتم ذلك، فاحذروا من النار، ولا تظلموا أحدًا، ولو بشقّ تمرة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد ما قاله المظهر، بل الظاهر ما قاله الطيبيّ.
وقوله: (زَادَ ابْنُ حُجْرٍ) أي عليّ بن حُجر شيخه الأول؛ أي: فهو
[ ١٩ / ٤١٦ ]
موصول بالسند الماضي (قَالَ الْأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ مِثْلَهُ) غرض المصنّف -﵀- بيان أن شيخه عليّ بن حجر قال في روايته عن عيسى بن يونس قال: قال الأعمش: وحدّثني عمرو بن مرّة، وقد صرّح بالتحديث، عن خيثمة بن عبد الرحمن، مثل الحديث الماضي.
وحاصل المعنى: أن الأعمش -﵀- روى هذا الحديث عن خيثمة بن عبد الرحمن بلا واسطة، ورواه أيضًا عنه بواسطة عمرو بن مرّة، وكلا الطريقين صحيح.
قال الإمام ابن حبّان في "صحيحه": سمع هذا الخبرَ الأعمشُ عن خيثمة، وسمعه عن عمرو بن مرة، عن خيثمة، رَوَى هذا الخبر أبو معاوية، وهو من أعلم الناس بحديث الأعمش بعد الثوريّ، وكذلك وكيع في وصله عن الأعمش، عن خيثمة، وروى قطبة بن عبد العزيز، وجرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن خيثمة، فالطريقان جميعًا صحيحان. انتهى (^١).
وقوله: (وَزَادَ فِيهِ) أي في الحديث؛ يعني: أن الأعمش زاد في روايته عن عمرو بن مرّة قوله: (وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيبَةٍ) أي التي فيها تطييب قلب إنسان إذا كانت مباحةً، أو طاعةً، وفيه أن الكلمة الطيّبة سبب للنجاة من النار، قاله النوويّ -﵀- (^٢).
وقال المناويّ﵀-: قوله: "فبكلمة طيّبة": أي: فاتقوا النار بكلمة طيبة، تُطَيِّب قلب السائل، مما يُتَلَطَّف به في القول والفعل، فإن ذلك سبب للنجاة من النار، وقيل: الكلمة الطيبة ما يدلّ على هُدًى، أو يَرُدّ عن رَدى، أو يصلح بين اثنين، أو يفصل بين متنازعين، أو يَحُلّ مشكلًا، أو يكشف غامضًا، أو يدفع تأثيرًا، أو يُسَكِّن غضبًا.
قال: واستدلّ الشافعية بهذا الخبر على أنه لو قال: لزيد عندي شيءٌ، وفسّره بما لا يُتَمَوَّل، كحبة بُرّ، وشِقّ تمرة قُبِلَ. انتهى (^٣).
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" ١٦/ ٣٧٣.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ١٠١.
(٣) "فيض القدير" ١/ ١٣٨.
[ ١٩ / ٤١٧ ]
وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ الْأَعْمَشُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ) غرضه منه بيان أن شيخه إسحاق ابن راهويه قال في روايته عن عيسى بن يونس، قال: قال الأعمش: عن عمرو بن مرّة، عن خيثمة؛ يعني: أنه عنعنه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عديّ بن حاتم -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٢٣٤٨ و٢٣٤٩ و٢٣٥٠] (١٠١٦)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤١٣ و١٤١٧)، و"المناقب" (٣٥٩٥)، و"الأدب" (٦٠٢٣)، و"الرقاق" (٦٥٣٩ و٧٥١٣) و"التوحيد" (٧٥١٢)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٥٢ و٢٥٥٣)، وفي "الكبرى" (٢٣٣٣ و٢٣٣٤)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٠٣٦ و١٠٣٧ و١٠٣٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١١٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٥٦ و٢٥٨ و٢٥٩ و٣٧٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٦٥٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٢ - ٩٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٧٣ و٣٣٠٠ و٧٣٧٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٢٢٠)، و(ابن السنّيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٣٢٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على الصدقة، ولو بالقليل.
٢ - (ومنها): أن الصدقة تُقبَل، ولو قلّت، لكن بشرط أن تكون طيّبة؛ لحديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ- " "أيها الناس، إن الله طيب، لا يقبل إلا طيبًا … " الحديث تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ومنها): عدم احتقار القليل من الصدقة، وغيرها؛ لأنها تربو عند الله حتى تكون كالجبل، كما دلّ عليه حديثُ أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من تصدق بعدل تمرة، من كسبِ طيِّبٍ … " الحديث المذكور في الباب الماضي أيضًا.
[ ١٩ / ٤١٨ ]
٤ - (ومنها): أن الكلمة الطيّبة تكون وِقايةً عن النار كصدقة المال، وقد ثبت كونها صدقة، فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "كلُّ سُلامَى من الناس، عليه صدقة، كلَّ يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين الاثنين صدقة، وُيعين الرجل على دابته، فيحمله عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويُمِيط الأذى عن الطريق صدقة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤٩] (…) - (حَدَّثَنَا (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- النَّارَ، فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ، ثُمَّ قَالَ: "اتّقُوا النَّارَ"، ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، حَتَّى ظنَنَّا أنَّهُ كَأنّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: "اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طيِّبَةٍ"، وَلَمْ يَذْكُرْ (^٢) أَبُو كُرَيْبٍ: كَأنَّمَا، وَقَالَ: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، حَدثنَا الْأَعْمَشُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الايمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابد، رُمي بالإرجاء [٥] (١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "لم يذكر".
[ ١٩ / ٤١٩ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحادهما في التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما أبو كريب، فمن مشايخ الجماعة، بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عمرو، عن خيثمة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطائيّ) -﵁- أنه (قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- النَّارَ، فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ) -بشين معجمة، وحاء مهملة-: أي: أظهر الْحَذَر منها، قال الخليل: أشاح بوجهه عن الشيء: نَحَّاه عنه، وقال الفرّاء: الْمُشِيح: الْحَذِرُ، والْجادّ في الأمر، والْمُقبِلُ في خطابه، المانع لما وراء ظهره، فيجوز أن يكون أشاح أحد هذه المعاني: أي: حَذِرَ النارَ، كأنه ينظر إليها، أو جَدَّ على الوصيّة باتّقائها، أو أقبل على أصحابه في خطابه بعد أن أعرض عن النار لَمَّا ذكرها. انتهى (^١).
وحكى ابن التين: أنّ معنى "أشاح" صَدّ، وانكمش، وقيل: صرف وجهه كالخائف أن تناله. انتهى.
(ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- ("اتقُوا النَّارَ"، ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، حَتَّى ظنَنَّا أَنَّهُ كَأنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا) وفي رواية شعبة التالية: "أنه ذكر النار، فتعوّذ منها، وأشاح بوجهه ثلاث مرار" (ثُمَّ قَالَ: "اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقَ تَمْرَةٍ) أي: اجعلوا بينكم وبين النار وِقَاية، من الصدقة، وعَمَلِ البرّ، ولو بشيء يسير (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي: ما يتصدّق به من المال اليسير (فَبِكَلِمَةٍ طيبَةٍ") أي: فتصدّقوا بكلمة طيّبة، وهي الكلمة التي تُطيّب قلب سامعها؛ لكونها موافقة لغرضه، مع كونها طاعة، أو مباحةً.
_________________
(١) راجع: "النهاية في غريب الحديث" ٢/ ٥ بزيادة من "فتح الباري ١٣/ ٢٢١ - ٢٢٢.
[ ١٩ / ٤٢٠ ]
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ) وفي نسخة: "لم يذكر" بحذف العاطف (أَبُو كُرَيْب: كَأنَّمَا) يعني: أنه قال: (حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها).
وقوله: (وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ) يعني: أن أبا كريب قال في روايته: "حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش"، فصرّح بالتحديث في الموضعين، بخلاف أبي بكر بن أبي شيبة، فرواه بالعنعنة، والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم بيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم، عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ ذَكَرَ النَّارَ، فَتَعَوَّذَ مِنْهَا، وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ، ثَلَاثَ مِرَارٍ (^١)، ثُمَّ قَالَ: "اتقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طيِّبةٍ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
كلهم تقدّموا قبل باب، سوى خيثمة، والصحابيّ، فقد ذُكرا في السند الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.