وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٠٢] (٩٥٠) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدَّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: "مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ، وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: "الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه المشهور [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٧٨.
[ ١٨ / ٤٢٢ ]
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) - بمهملتين مفتوحتين، ولامين، الأولى ساكنة، والثانية مفتوحة - الدِّيليّ المدنيّ، ثقة [٦] (خ م د س) تقدم في "الحيض" ٢٣/ ٨٠٦.
٤ - (مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريّ السَّلَميّ - بفتحتين - المدنيّ، مقبول [٣] (خ م خد س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٠.
٥ - (أَبُو قَتَادَةَ بْنُ رِبْعِيٍّ) هو: الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة السَّلَميّ الأنصاريّ المدنيّ الصحابيّ المشهور، مات سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في "الطهارة" ١٨/ ٦١٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى محمد بن عمرو، ومعبد، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بغلانيًّا إلا أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة، فارس رسول الله - ﷺ -، قال رسول الله - ﷺ - في غزوة ذي قَرَد: "خير فرساننا اليوم أبو قتادة"، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) تقدّم الخلاف في اسمه آنفًا (ابْنِ رِبْعِيٍّ) - بكسر الراء، وسكون الموحّدة، وعين مهملة -.
قال الحافظ ابن عبد البرِّ - ﵀ -: هكذا الحديث في "الموطّآت" بهذا الإسناد، وأخطأ فيه سُويد بن سعيد، عن مالك، فقال: "عن معبد بن كعب، عن أبيه"، وليس بشيء. انتهى.
(أَنَّهُ كَانَ يُحَدَّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مُرَّ) - بضم الميم - مبنيًّا للمفعول، قال الحافظ - ﵀ -: لم أقف على اسم المارّ، ولا الممرور بجنازته. انتهى. (عَلَيْهِ)؛ أي: على النبيّ - ﷺ -، ووقع في "الموطآت" للدارقطنيّ، من طريق إسحاق بن عيسى، عن مالك بلفظ: "مَرَّ برسول الله - ﷺ - جنازة"، والباء على هذا بمعنى
[ ١٨ / ٤٢٣ ]
"على"، وذكّر الجنازة باعتبار الميت، قاله في "الفتح" (بِجَنَازَةٍ) متعلّق بـ "مُرّ" (فَقَالَ) - ﷺ - ("مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ") قال ابن الأثير - ﵀ -: يقال: أراح الرجلُ، واستراح: إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعياء. انتهى.
والواو فيه بمعنى "أو"، والتقدير: هذا الميت، أو كلّ ميت إمّا مستريح، أو مستراح منه، أو بمعناها، على أن هذا الكلام بيان لمقدّر، يقتضيه الكلام، كأنه قال: هذا الميت، أو كلّ ميت أحد رجلين، فقال: مستريح، ومستراح منه.
وقال السيوطيّ: الواو فيه بمعنى "أو"، وهي للتقسيم، وقال أبو البقاء في إعرابه: التقدير: الناس، أو الموتى مستريح، أو مستراح منه.
قال السندي: ولا يخفى ما فيه من عدم المطابقة بين المبتدأ والخبر، فليُتأمّل. انتهى.
(قَالُوا)؛ أي: الصحابة - ﵃ -، قال الحافظ - ﵀ -: لم أقف على اسم السائل منهم، إلا أن في رواية إبراهيم الحربيّ، عند أبي نُعيم: "قلنا"، فيدخل فيهم أبو قتادة، فيَحْتَمِل أن يكون هو السائل. انتهى.
(مَا الْمُسْتَرِيحُ؟، وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟، فَقَالَ) - ﷺ - ("الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ) قال ابن التين - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يريد بـ "المؤمن" التقيّ خاصّة، وَيحْتَمِل كلّ مؤمن. انتهى. (يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا) بفتح النون، والصاد المهملة: التعَب وزنًا ومعنى، زاد في رواية يحيى الآتية: "يستريح من أذى الدنيا، ونصبها إلى رحمة الله".
(وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ) قال ابن التين - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يريد بـ "الفاجر" الكافر، ويَحْتَمِل أن يدخل فيه العاصي. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وقع في رواية ابن حبّان بلفظ "الكافر" بدل الفاجر، ولفظه: "والكافر يموت، فيستريح منه العباد، والبلاد، والشجر، والدوابّ".
(يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ") قال الداوديّ - ﵀ -: أما استراحة العباد، فلما يأتي به من المنكرات، فإن أنكروا عليه آذاهم، وإن تركوه
[ ١٨ / ٤٢٤ ]
أَثِمُوا، واستراحة البلاد مما يأتي به من المعاصي، فإن ذلك مما يحصل به الْجَدْب، فيقتضي هلاك الحرث والنسل.
وتعقّب الباجي أوّلَ كلامه بأن من ناله أذاه لا يأثم بتركه؛ لأنه بعد أن ينكر بقلبه، أو ينكر بوجه، لا يناله به أذى.
وَيحْتَمِل أن يكون المراد براحة العباد منه، لما يقع لهم من ظلمه، وراحةُ الأرض منه لما يقع عليها من غصبها، ومنعها من حقّها، وصرفه في غير وجهه، وراحة الدوابّ منه مما لا يجوز من إتعابها، ذكره في "الفتح".
وقال النوويّ - ﵀ -: معنى استراحة العباد من الفاجر، اندفاع أذاه عنهم، وأذاه يكون من وجوه: منها ظلمه لهم، ومنها ارتكابه للمنكرات، فإن أنكروها قاسَوْا مشقّة من ذلك، وربما نالهم ضرره، وإن سكتوا عنه أثموا.
واستراحة الدوابّ منه كذلك؛ لأنه يؤذيها بضربها، وتحميلها ما لا تطيقه، وُيجيعها في بعض الأوقات، وغير ذلك.
واستراحة البلاد والشجر، فقيل: لأنها تُمنَع القطرَ بمعصيته، قاله الداوديّ، وقال الباجيّ: لأنه يَغصِبها، ويمنعها حقّها، من الشرب، وغيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن جميع ما ذكروه من أنواع الأذى صالح للدخول في معنى الحديث، فالأولى حمل الحديث على جميع أنواع الأذى من غير تعيين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة - ﵁ - هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٢٢٠٢ و٢٢٠٣، (٩٥٠)، و(البخاريّ) في "الرقاق" (٦٥١٢ و٦٥١٣)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (١٩٣٠ و١٩٣١) و"الكبرى" (٢٠٥٧ و٢٠٥٨)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٤١)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٩٦ و٣٠٢ و٣٠٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٢ و٣٣)،
[ ١٨ / ٤٢٥ ]
و(ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (٧/ ١٠٧)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٣/ ٤٤٣)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٩٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٠٧ و٣٠١٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٧٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٤٥٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استراحة المؤمن من تعب الدنيا، وهمومها بموته.
٢ - (ومنها): تقسيم الناس إلى قسمين: مؤمن، وفاجر.
٣ - (ومنها): بيان فضل الإيمان.
٤ - (ومنها): بيان قبح الفجور، وأنه سبب البلايا والمصائب.
٥ - (ومنها): أن فجور الفاجر يتسبّب منه ضرر العباد، والبلاد، كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ الآية [الروم: ٤١]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٠٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: "يَسْتَرِيحُ مِنْ أَذَى الدُّنْيَا، وَنَصَبِهَا اِلَى رَحْمَةِ اللهِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين.
[ ١٨ / ٤٢٦ ]
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) الفزاريّ مولاهم، أبو بكر المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٦] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٣١/ ١٨٢٥.
والباقون ذُكروا قبله، وابن كعب بن مالك، هو معبد المذكور قبله.
وقوله: (إِلَى رَحْمَةِ اللهِ)؛ أي: إلى جنته؛ لأنها رحمته، كما سمّاها الله تعالى بذلك، فيما أخرجه الشيخان من حديث عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: "تحاجّت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسَقَطُهم؟ قال الله ﵎ للجنة: أنت رحمتي، أرحم بكِ من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها … " الحديث.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" فقال:
(٢٢٠٣٠) - حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا عبد الله بن سعيد؛ يعني ابن أبي هند، حدّثني محمد بن عمرو بن حَلْحَلة، عن ابن لكعب بن مالك، عن أبي قتادة بن رِبْعِيّ، قال: مُرّ على النبيّ - ﷺ - بجنازة، قال: "مستريح، ومستراح منه"، قالوا: يا رسول الله، ما المستريح، والمستراح منه؟ قال: "المؤمن استراح من نَصَب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والفاجر استراح منه العباد والبلاد والشجر والدواب".
وأما رواية عبد الرزّاق، عن عبد الله بن سعيد، فساقها أيضًا الإمام أحمد - ﵀ - فقال:
(٢٢٠٨٦) - حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، حدّثني محمد بن عمرو بن حَلْحَلة الدِّيليّ، عن ابن كعب بن مالك، عن أبي قتادة، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - يومًا، فمُرّ عليه بجنازة، فقال: "مستريح، ومستراح منه"، قال: قلنا: أي رسول الله، ما مستريحٌ، ومستراح منه؟ قال: "العبد الصالح يستريح من نَصَب الدنيا وهَمِّها إلى رحمة الله تعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.
[ ١٨ / ٤٢٧ ]