وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٠٤] (٩٥١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، وَكَبَّرَ (^١) أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها)؟ أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة - ﵁ -.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
_________________
(١) وفي نسخة: "وكبّر عليه".
[ ١٨ / ٤٢٨ ]
٦ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَعَى لِلنَّاسِ)؛ أي: أخبرهم بموته.
[تنبيه]: "النَّعْيُ": بفتح النون، وإسكان العين المهملة، وكغنيّ: الإخبار بالموت، يقال: نَعَاه نَعْيًا، ونَعِيًّا، ونُعْيَانًا بالضمّ: أخبر بموته، والنَّعِيّ، كغنيّ: الناعي، والْمَنْعِيّ، قاله في "القاموس" (^١).
وقال في "المصباح": نَعَيتُ الميتَ نَعْيًا، من باب نفع: أخبرتُ بموته، فهو مَنْعِيّ، واسم الفعل الْمَنْعَى، والْمَنْعَاةُ بفتح الميم فيهما، مع القصر، والفاعل: نَعِيّ، على فعيل، يقال: جاء نَعِيّه؛ أي: ناعيه، وهو الذي يُخبر بموته، ويكون النَّعِيّ خَبَرًا أيضًا. انتهى (^٢).
وقال في "اللسان": قال ابن سِيدَهْ: والنَّعْيُ، والنَّعِيُّ، بوزن فَعِيلٍ: نداءُ الداعي، وقيل: هو الدعاء بموت الميت، والإشعارُ به، وجاء نَعِيُّ فلان: وهو خبر موته. وقال أبو زيد: النَّعِيُّ - أي كغنيّ - الرجل الميتُ، والنَّعْيُ - أي بفتح، فسكون - الفِعلُ. انتهى (^٣).
وفيه دليلٌ على جواز نعي الميت، وقد ورد النهي عنه، فيُحمل ذلك على النعي لغير غرض دينيّ، مثل نعي الجاهليّة المشتمل على ذكر مفاخر الميت، ومآثره، وإظهار التفجّع عليه، وإعظام حال موته، ويُحمل النعي الجائز على ما فيه غرض صحيحٌ، كتكثير المصلّين عليها؛ تحصيلًا لدعائهم، وتتميمًا للعدد الذي وُعِد بقبول شفاعتهم في الميت، كالمائة، أو الأربعين (^٤)، أو لتشييعه، وقضاء حقّه في ذلك، وقد ثبت في معنى ذلك قوله - ﷺ -: "هلا آذنتموني به"،
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٤/ ٣٩٦.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٤ - ٦١٥.
(٣) راجع: "لسان العرب" ١٥/ ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٤) راجع: "إحكام الأحكام" ٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠ بنسخة "الحاشية".
[ ١٨ / ٤٢٩ ]
ونعيه -ﷺ- أهل مؤتة، جعفرًا، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وكنعيه النجاشيّ في هذا الحديث (^١)، وسيأتي البحث بأتمّ من هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى-.
(النَّجَاشِيَ) بفتح النون، وتخفيف الجيم، وبعد الألف شين معجمة، ثم ياء ثقيلة، كياء النسب، وقيل: بالتخفيف، ورجّحه الصغانيّ، وهو لقبُ مَن ملك الحبشة، وحَكَى المطرّزيّ تشديد الجيم عن بعضهم، وخطّأه (^٢).
وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: والنجاشيّ لقب لكلّ من ملك الحبشة، وأما أصحمة، فهو اسمٌ عَلَئم لهذا الملك الصالح الذي كان في زمن النبيّﷺ-. قال المطرّزيّ، وابن خالويه، وآخرون، من الأئمة كلامًا متداخلًا، حاصله: أن كلّ مَن مَلَك المسلمين يقال له: أمير المؤمنين، ومَن ملك الحبشة النجاشي، ومن ملك الروم قيصر، ومن ملك الفُرْس كسرى، ومن ملك التُّرْك خاقان، ومن ملك القبط فرعون، ومن ملك مصر العزيز، ومن ملك اليمن تُبَّع، ومن ملك حِمْيَر القَيل بفتح القاف، وقيل: القيل أقلّ درجة من الملك. انتهى (^٣).
[فائدة]: قال في "الفتح": أرض الحبشة بالجانب الغربيّ من بلاد اليمن، ومسافتها طويلة جدًّا، وهم أجناس، وجميع فِرَق السودان يُعطُون الطاعةَ لملك الحبشة، وكان في القديم يلقّب بالنجاشيّ، وأما اليوم، فيقال له: الحَطِي -بفتح المهملة، وكسر الطاء المهملة الخفيفة، بعدها تحتانيّة خفيفة- ويقال: إنهم من ولد حبش بن كوش بن حام، قال ابن دُريد: جمع الحَبَش أُحبوش بضم أوله، وأما قولهم: الحَبَشَة فعلى غير القياس، وقد قالوا أيضًا: حُبْشان، وقالوا: أَحْبُش، وأصل التحبيش التجميع، والله أعلم. انتهى (^٤).
[فائدة]: النجاشيّ أول ملك أسلم، وصحّ إسلامه عند النبيّ -ﷺ-،
_________________
(١) راجع: "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧.
(٢) "الفتح" ٥٤٣/ ٣، كتاب الجنائز، باب الصفوف على الجنائز.
(٣) "شرح مسلم " في الموضع المتقدم.
(٤) "الفتح" ٧/ ٥٨٧، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة الحبشة رقم الحديث ٣٨٧٢ - ٣٨٧٦.
[ ١٨ / ٤٣٠ ]
فاستغفر له ثلاثًا، وصلّى عليه، وهو تابعيّ؛ لأنه آمن، ورأى الصحابة، ولم يرى النبيّ -ﷺ-، وإن ذكره ابن منده في "الصحابة" توسّعًا، وهذه المسألة تُلقى في المعاياة، فيقال: شخص صلى عليه النبي -ﷺ- عقيم وأصحابه، وهو تابعيّ، فيقال: هو النجاشيّ.
ومن الغرائب التي نظيرها نادرٌ أيضًا إسلام صحابيّ طويل الصحبة كثير الرواية على يد تابعيّ، وهو عمرو بن العاص -﵁-، فإنه أسلم على يد النجاشيّ ﵀، ذكره ابن الملقّن ﵀ (^١).
(فِي الْيَوْمِ) متعلّق بـ "نَعَى" (الَّذِي مَاتَ فِيهِ) قال ابن دحية في "التنوير": قال أهل السير: وتوفّي في رجب سنة تسع من الهجرة، وقال ابن الأثير: أسلم قبل الفتح، ومات قبله أيضًا، وصلى عليه النبيّ -ﷺ- بالمدينة (^٢).
(فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى) بضتم الميم، وفتح اللام المشدّدة، بصيغة اسم المفعول؛ أي: إلى المكان الذي كان يُصلَّى فيه على الجنازة، وفي رواية ابن ماجه: "فخرج وأصحابه إلى البقيع، فصفّنا خلفه"، قال في "الفتح": والمراد بالبقيع بقيع بُطحان، أو يكون المرادب "المصفى" موضعًا مُعدًّا للجنائز ببقيع الغَرْقَد، غير مُصَلَّى العيدين، والأول أظهر، وقد تقدّم في العيدين أن المصلّى كان ببطحان. انتهى (^٣).
(وَكَبَّرَ) وفي نسخة: "وكبّر عليه" (أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) فيه دليلٌ على أن سنة الصلاة على الجنازة التكبير أربعًا، وقد خالف في ذلك الشيعة، ووردت أحاديث أن النبيّ -ﷺ- كبّر خمسًا، وقيل: إن التكبير أربعًا متأخّر عن التكبير خمسًا، ورُوي فيه حديث عن ابن عبّاس -﵄-، ورُوي عن بعض المتقدّمين أنه يُكبّر على الجنازة ثلاثًا، وهذا الحديث يردّه، قاله ابن دقيق العيد ﵀ (^٤)، وسيأتي تمام البحث في هذا المسألة الثامنة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٣٨٥.
(٢) "الأعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٣٨٤.
(٣) " الفتح" ٣/ ٥٤٣.
(٤) "إحكام الأحكام" ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣ بنسخة "الحاشية".
[ ١٨ / ٤٣١ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٢٠٤ و٢٢٠٥ و٢٢٠٦] (٩٥١)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٤٥ و١٣١٨ و١٣٢٧ و١٣٣٣) و"مناقب الأنصار" (٣٨٨٠)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣٢٠٤)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٢٢)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٢٦ و٦٩ و٧٠ و٩٤)، و(مالك) في "الموطأ) (١/ ٢٢٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه " (٦٣٩٣)، و(أحمد) في "مسنده " (٢/ ٢٤١ و٢٨٠ و٥٢٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه " (٣٠٦٨ و٣٠٩٨ و٣١٠٠ و٣١٠١)، و(أبو عوانة) في "مستخرجه" (٢١٢٩ و٢١٣٠ و٢١٣١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٤٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٤٩٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز نعي الميت، وسيأتي تمام البحث في المسألة التالية- إن شاء الله تعالى-.
٢ - (منها): بيان مشروعيّة الصفوف للصلاة على الجنازة، قال في "الفتح": وفي الحديث دلالة على أن للصفوف على الجنازة تأثيرًا، ولو كان الجمع كثيرًا؛ لأن الظاهر أن الذين خرجوا معه -ﷺ- كانوا عددًا كثيرًا، وكان المصلى فضاءً واسعًا، ولا يضيق بهم لو صفّوا فيه صفًّا واحدًا، ومع ذلك فقد صفّهم، وهذا هو الذي فهمه مالك بن هبيرة الصحابي - ﵁ -، فكان يصُفّ من يحضر الصلاة على الجنازة ثلاثة صفوف، سواء قلّوا، أو كثروا، ويبقى النظر فيما إذا تعددت الصفوف، والعدد قليل، أو كان الصفّ واحدًا، والعدد كثير؛ أيهما أفضل؟. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكره ولم يبتّ الحكم، والذي يظهر لي أن تعدد الصفوف، وإن قلّ العدد هو الأولى؛ لأنه -ﷺ- صفّهم خلفه، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن الصلاة على الميت صلاة لا تجزئ إلا بطهارة، خلاف
[ ١٨ / ٤٣٢ ]
قول من قال: يجزئ أن يصلي على الجنازة بغير طهارة، ويؤيد ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية [التوبة: ٨٤]، فسماها الله تعالى صلاةً، وكذا رسوله - ﷺ -، حيث قال: "فصلّوا عليه" وقال: "صلوا على صاحبكم"، وقد صحّ عنه -ﷺ- قوله: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غُلُول".
٤ - (ومنها): أن في قصة النجاشيّ علَمًا من أعلام النبوّة؛ لأنه -ﷺ- أعلمهم بموته في اليوم الذي مات فيه، مع بعد ما بين أرض الحبشة والمدينة.
٥ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به مَن منع الصلاة على الجنازة في المسجد، وهو قول الحنفية، والمالكيّة، لكن قال أبو يوسف: إن أُعدّ مسجد للصلاة على الموتى لم يكن في الصلاة فيه عليهم بأس.
قال النوويّ: ولا حجة فيه؛ لأن الممتنع عند الحنفيّة إدخال الميت المسجد، لا مجرّد الصلاة عليه، حتى لو كان الميت خارج المسجد جازت الصلاة عليه لمن هو داخله.
وقال ابن بزيزة وغيره: استَدلّ به بعض المالكيّة، وهو باطل؛ لأنه ليس فيه صيغة نهي، ولاحتمال أن يكون خرج بهم إلى المصلى لأمر غير المعنى المذكور، وقد ثبت أنه -ﷺ- صلى على سهيل ابن بيضاء في المسجد، فكيف يترك هذا الصريح لأمر محتمل؟ بل الظاهر أنه إنما خرج بالمسلمين إلى المصلى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه، ولإشاعة كونه مات على الإسلام، فقد كان بعض الناس لم يدر كونه أسلم، فقد روى ابن أبي حاتم في "التفسير" من طريق ثابت، والدارقطنيُّ في الأفراد، والبزّار من طريق حميد، كلاهما عن أنس -﵁-: أن النبي -ﷺ- لما صلّى على النجاشيّ قال بعض أصحابه: صلى على عِلْج من الحبشة، فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩]، وله شاهد في "معجم الطبرانيّ الكبير" من حديث وحشيّ بن حرب، وآخر عنده في "الأوسط " من حديث أبي سعيد، وزاد فيه أن الذي طعن بذلك فيه كان منافقًا.
٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على مشروعيّة الصلاة على الميت الغائب عن البلد، وبذلك قال الشافعيّ، وأحمد، وجمهور السلف، حتى قال ابن حزم: لم
[ ١٨ / ٤٣٣ ]
يأت عن أحد من الصحابة منعه، وسيأتي تمام البحث فيه، وأن الراجح جوازه في المسألة السابعة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في حكم نعي الميت:
قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب الرجل يَنْعَى إلى أهل الميت بنفسه". انتهى.
فقال في "الفتح " بعد ذكر ما يتعلّق بالترجمة ما نصه: وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نُهي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يُعلنُ بخبر موت الميت على أبواب الدُّور والأسواق.
وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمّة؛ لما يترتّب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له، والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وما يترتّب على ذلك من الأحكام.
وأما نعي الجاهلية، فقال سعيد بن منصور: أخبرنا ابن عُليّة، عن ابن عون، قال: قلت لإبراهيم: أكانوا يكرهون النعي؟ قال: نعم، قال ابن عون: كانوا إذا تُوُفي الرجل ركب رجل دابّة، ثم صاح في الناس: أنعى فلانًا. وبه إلى ابن عون قال: قال ابن سيرين: لا أعلم بأسًا أن يُؤذِن الرجل صديقه وحميمه. وحاصله أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا.
وقد كان بعض السلف يشدّد في ذلك حتى كان حذيفة -﵁- إذا مات له الميت يقول: لا تؤذنوا به أحدًا، إني أخاف أن يكون نعيًا، إني سمعت رسول الله -ﷺ- بأذنيّ هاتين ينهى عن النعي، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه بإسناد حسن.
قال ابن العربي ﵀: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:
[الأولى]: إعلام الأهل والأصحاب، وأهل الصلاح، فهذا سنة.
[الثانية]: دعوة الْحَفْل للمفاخرة، فهذه تكره.
[ ١٨ / ٤٣٤ ]
[الثالثة]: الإعلام بنوع آخر، كالنياحة، ونحو ذلك، فهذا يحرم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن نعي الميت، على نوعين:
[أحدهما]: محرّم، وهو ما كان لغير غرض دينيّ، مثل نعي الجاهليّة المشتمل على ذكر مفاخر الميت، ومآثره، وإظهار التفجّع عليه، وعظام حال موته، فهذا النوع هو محمل ما ورد من النعي.
[الثاني]: ما كان لغرض صحيح دينيّ، كتكثير المصلّين عليه؛ تحصيلًا لدعائهم، وتتميمًا للعدد الذي وُعِد بقبول شفاعتهم في الميت، كالمائة، أو الأربعين، أو لتشييعه، وقضاء حقّه في ذلك، وقد ثبت في معنى ذلك قوله -ﷺ-: "هلا آذنتموني به"، ونعيه -ﷺ- أهل مؤتة، جعفرًا، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وكنعيه النجاشيّ في هذا الحديث، فهذا النوع جائز، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
(المسألةالخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على الميت:
قال الحافظ أبو عمر ﵀ ما حاصله: اختلف العلماء في حكم الصلاة على الجنائز، فقال أكثرهم: هي فرض على الكفاية، يسقط وجوبها بمن حضرها عمن لم يحضرها، وقال بعضهم: هي سنة واجبة على الكفاية.
وقال أيضًا: وفي صلاة النبي -ﷺ- على النجاشي؛ إذ لم يصلّ عليه أحد من قومه، وأمره -ﷺ- أصحابه بالصلاة عليه معه دليل على تأكيد الصلاة على الجنائز، وعلى أنه لا يجوز أن تترك الصلاة على مسلم مات، ولا يجوز دفنه دون أن يصلّى عليه لمن قدر على ذلك.
وعلى هذا جمهور علماء المسلمين، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، من فقهاء الأمصار، إلا أنهم اختلفوا في الصلاة على الشهداء، وعلى البغاة، وعلى أهل الأهواء، لمعان مختلفة متباينة، على ما نذكره في مواضعه، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٥٣.
[ ١٨ / ٤٣٥ ]
وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم، وإن كانوا أصحاب كبائر. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ ببعض تصرّف (^١).
وقال العلامة القرطبيّ ﵀: فيه- أي في قوله: "فقوموا، فصلوا عليه"- في ليل على وجوب الصلاة على الميت المسلم، وهو المشهور من مذاهب العلماء أنه واجب على الكفاية، ومن مذهب مالك، وقيل عنه: إنه سنة مؤكدة. انتهى (^٢).
وقال النوويّ ﵀: الصلاة على ميت فرض كفاية بلا خلاف عندنا، وهو إجماع، والمرويّ عن بعض المالكية مردود. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الصلاة على الميت المسلم، وكذا المسلمة فرض على الكفاية، لصحة الأدلة الواردة في ذلك، كحديث الباب، والأحاديث الأخرى الصحيحة في صلاته -ﷺ- على الأموات، وأجمع على ذلك أهل العلم، فلا اختلاف بينهم في ذلك، إلا ما نُقل عن مالك، وهو مردود، كما بيّنه النوويّ ﵀ آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في المراد بالصلاة على الميت:
[اعلم]: أن المراد بالصلاة هنا هي الصلاة المعهودة الشرعيّة، لا الصلاة اللغويّة التي هي الدعاء، كما زعم بعضهم، وقد أشار الإمام البخاريّ ﵀ إلى الردّ على هذا الزعم، فبوّب له في "صحيحه"، فقال: "باب سنّة الصلاة على الجنائز"، وقال النبيّ -ﷺ-: "من صلّى على الجنازة"، وقال: "صَلّوا على صاحبكم"، وقال: "صلّوا على النجاشيّ"، سمّاها صلاةً، ليس فيها ركع، ولا سجود، ولا يُتكَلَّم فيها، وفيها تكبير وتسليم، وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهرًا، ولا يصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، ويرفع يديه، وقال الحسن: أدركت الناس، وأحقّهم على جنائزهم مَن رَضُوه لفرائضهم، وإذا
_________________
(١) "الاستذكار" ٧/ ٢٣٦ - ٢٣٨.
(٢) "المفهم " ٢/ ٦٠٩.
(٣) "المجموع شرح المهذّب" ٥/ ١٦٩.
[ ١٨ / ٤٣٦ ]
أحدث يوم العيد، أو عند الجنازة يطلب الماء، ولا يتيمّم، وإذا انتهى إلى الجنازة، وهم يصلّون يدخل معهم بتكبيرة، وقال ابن المسيِّب: يكبّر بالليل والنهار، والسفر والحضر أربعًا، وقال أنسٌ -﵁-: تكبيرة الواحد استفتاح الصلاة، ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، وفيه صفوفٌ، وإمامٌ، ثم أخرج بسنده عن الشعبيّ قال: أخبرني مَن مرّ مع نبيّكم -ﷺ- على قبر منبوذ، فأمّنا، فصففنا خلفه، فقلنا: يا أبا عمرو من حدّثك؟ قال: ابن عبّاس -﵄-. انتهى كلام البخاريّ ﵀.
قال في "الفتح": قال الزين ابن المنيِّر: المراد بالسنّة ما شرعه النبيّ -ﷺ- فيها؛ يعني فهو أعمّ من الواجب والمندوب، ومراده بما ذكره هنا من الآثار والأحاديث أن لها حكم غيرها من الصلوات، من الشرائط، والأركان، وليست مجرّد دعاء، فلا تجزي بغير طهارة مثلًا.
وقال في "الفتح " أيضًا: قال ابن رُشيد نقلًا عن ابن المرابط وغيره ما مُحَصَّله: مراد هذا الباب الردّ على من يقول: إن الصلاة على الجنازة إنما هي دعاء لها، واستغفارٌ، فتجوز على غير طهارة، فحاول المصنّف الردّ عليه من جهة التسمية التي سمّاها رسول الله -ﷺ-، ولو كان الغرض الدعاء وحده لَمَا أخرجهم إلى البقيع، ولدعا في المسجد، وأمرهم بالدعاء معه، أو التأمين على دعائه، ولَمَا صفهم خلفه كما يصنع في الصلاة المفروضة والمسنونة، وكذا وقوفه في الصلاة، وتكبيره في افتتاحه، وتسليمه في التحلّل منها، كلُّ ذلك دالّ على أنها على الأبدان، لا على اللسان وحده، وكذا امتناع الكلام فيها، وإنما لم يكن فيها ركوع ولا سجود؟ لئلا يتوهّم بعض الجهلة أنها عبادة للميت، فيضلّ بذلك. انتهى ما في الفتح (^١). وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الصلاة على الغائب:
ذهب جمهور السلف، إلى مشروعية الصلاة عليه، وإليه ذهب الشافعيّ، وأحمد.
قال أبو محمد بن حزم ﵀: ويصلّى على الميت الغائب بإمام
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٤/ ٨٩ - ٩٣.
[ ١٨ / ٤٣٧ ]
وجماعة، قد صلى رسول الله -ﷺ- على النجاشي﵁-، ومات بأرض الحبشة، وصلى معه أصحابه عليه صفوفًا، وهذا إجماع منهم، لا يجوز تعدّيه. انتهى (^١).
وقال الإمام الشافعي ﵀: الصلاة على الميت دعاء له، فكيف لا يُدعَى له، وهو غائب، أو في القبر؟.
وذهبت الحنفيّة، والمالكية إلى أنه لا تشرع الصلاة عليه مطلقًا.
وذهب بعض أهل العلم: إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه، أو ما قرب منه، لا إذا طالت المدة، حكاه ابن عبد البرّ.
وذهب ابن حِبّان إلى أنه إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة، قال المحبّ الطبريّ: لم أر ذلك لغيره.
واعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصة النجاشيّ باعذار، منها أنه كان بأرض لم يصلّ عليه بها أحد، ومن ثمّ قال الخطابيّ: لا يُصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بارض، ليس فيها من يصلي عليه، واستحسنه الرويانيّ، وترجم بذلك أبو داود في "السنن"، فقال: "باب الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك في بلد آخر"، قال الحافظ: وهذا مُحْتَمِل إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار أنه لم يصلّ عليه في بلده أحد. انتهى.
وممن اختار هذا التفصيل شيخ الإسلام ابن تيميّة، والمقبليّ، واستدلّ له بما أخرجه الطيالسيّ، وأحمد، وابن ماجه، وابن قانع، والطبرانيّ، والضياء المقدسيّ، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أَسِيد، أن النبي -ﷺ- قال: " إن أخاكم مات بغير أرضكم، فقوموا، فصلّوا عليه".
ومن الأعذار قولهم: كُشف له -ﷺ- حتى رآى، فيكون حكمه حكم الحاضرين بين يدي الإمام الذي لا يراه المؤتمون، ولا خلاف في جواز الصلاة على من كان بمذلك.
قال ابن دقيق العيد ﵀: هذا يحتاج إلى نقل، ولا يثبت بالاحتمال.
وتعقّبه بعض الحنفية بان الاحتمال كافٍ في مثل هذا من جهة المانع.
_________________
(١) "المحلى" ٥/ ١٦٩.
[ ١٨ / ٤٣٨ ]
قال الحافظ: وكان مستند القائل بذلك ما ذكره الواحديّ في أسباب النزول بغير إسناد عن ابن عباس -﵄-، قال: "كُشف للنبي -ﷺ- عن سرير النجاشيّ، حتى رآه، وصلى عليه"، ولابن حبّان من حديث عمران بن حصين -﵄-: "فقاموا، وصفّوا خلفه، وهم لا يظنّون إلا أن جنازته بين يديه"، ولأبي عوانة من طريق أبان وغيره، عن يحيى: "فصلينا خلفه، ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قُدّامنا".
ومن الأعذار أن ذلك خاصّ بالنجاشي؛ لأنه لم يثبت أنه -ﷺ- صلى على ميت غائب غيره.
وتعقّب بأنه -ﷺ- صلى على معاوية بن معاوية الليثيّ، وهو مات بالمدينة، والنبي -ﷺ- كان إذ ذاك بتبوك، ذكر ذلك في "الاستيعاب".
وروي أيضًا عن أبي أمامة الباهليّ مثل هذه القصّة في حقّ معاوية بن مقرّن.
وأخرج مثلها أيضًا عن أنس في ترجمة معاوية بن معاوية المزنيّ، ثم قال بعد ذلك: أسانيد هذه الأحاديث ليست بالقويّة، ولو أنها في الأحكام لم يكن شيء منها حجة.
وقال الحافظ في "الفتح"، متعقّبا لمن قال: إنه لم يصلّ على غير النجاشيّ، قال: وكأنه لم يثبت عنده قصّة معاوية بن معاوية الليثيّ، وقد ذكرت في ترجمته في الصحابة أن خبره قويّ بالنظر إلى مجموع طرقه. انتهى.
وقال الذهبيّ: لا نعلم في الصحابة معاوية بن معاوية، وكذلك تكلّم فيه البخاريّ.
وقال ابن القيّم: لا يصحّ حديث صلاته -ﷺ- على معاوية بن معاوية؛ لأن في إسناده العلاء بن يزيد، قال ابن المدينيّ: كان يضع الحديث.
وقال النوويّ ﵀ مجيبًا عمن قال بأن ذلك خاصّ بالنجاشي: إنه لو فُتح باب هذا الخصوص لانسدّ كثير من ظواهر الشرع، مع أنه لو كان شيء مما ذكروه لتوفّرت الدواعي إلى نقله. انتهى.
وقال ابن العربيّ ﵀: قال المالكيّة: ليس ذلك إلا لمحمد -ﷺ-.
قلنا: وما عمل به محمد -ﷺ- تعمل به أمته -يعني لأنه الأصل عدم الخصوص-.
[ ١٨ / ٤٣٩ ]
قالوا: طُوِيت له الأرضُ، وأُحضرت الجنازة بين يديه، قلنا: إن ربّنا عليه لقادر، وإن نبيّنا -ﷺ- لأهلٌ لذلك، ولكن لا تقولوا: إلا ما رَوَيتم، ولا تخترعوا حديثًا من عند أنفسكم، ولا تحدثوا إلا بالثابت، ودعوا الضعاف، فإنه سبيل إتلاف، إلى ما ليس له تلاف. انتهى.
وقال الكرمانيّ ﵀: قولهم: رُفع الحجاب عنه. ممنوع، ولئن سلّمنا، فكان غائبًا عن الصحابة الذين صلّوا عليه مع النبي -ﷺ-.
قال العلامة الشوكانيّ رحمه الله تعالى بعد ذكر ما تقدّم:
والحاصل أنه لم يأت المانعون من الصلاة على الغائب بشيء يعتدّ به، سوى الاعتذار بأن ذلك مختصّ بمن كان في أرض لا يصلّي عليه فيها أحد، وهو أيضًا جمود على قصّة النجاشيّ، يدفعه الأثر، والنظر. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي في هذه المسألة قول من قال بجواز الصلاة على الغائب، وأقوى دليل على ذلك قصّة النجاشيّ -﵁- فإن أقل ما يستفاد منه أنه -ﷺ- فعله لبيان الجواز، وأما ما عداها مما يدل على أنه -ﷺ- صلى على غائب غيره، فلا يثبت شيء منها.
فقد ذُكر أنه -ﷺ- صلى على ثلاثة غير النجاشيّ، معاوية بن معاوية المزنيّ، وزيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، لكنها كلها لم تثبت.
أما حديث صلاته على معاوية بن معاوية المزنيّ، فقد وردت قصته من حديث أنس، وأبي أمامة، مسندة، ومن طريق ابن المسيّب، والحسن البصريّ مرسلة.
فأما حديث أنس، ففي سندها محبوب بن هلال المزني، قال في الميزان: لا يعرف، وحديثه منكر، وقال البخاريّ: لا يتابع على حديثه، وله طريق آخر فيه يحيى بن أبي محمد قد ضُعّف، وبقية بن الوليد مدلّس تدليس التسوية، وله طريق ثالث، وفيها العلاء بن يزيد الثقفيّ، متفق على ضعفه، بل قال ابن المدينيّ: يضع الحديث، وقال ابن حبان: روى عن أنس نسخة موضوعة، منها الصلاة بتبوك صلاة الغائب على معاوية بن معاوية الليثيّ.
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٤/ ٦٠ - ٦٣.
[ ١٨ / ٤٤٠ ]
وأما حديث أبي أمامة، ففيه نوح بن عُمرو السكسكيّ، قال ابن حبان: إنه سرق هذا الحديث، وفيه بقية المذكور أيضًا.
فقد تبيّن لك مما سقناه من كلام أهل العلم على أسانيدها، وبيانهم شدة ضعفها أنها غير صالحة للاحتجاج بها.
وقد تعب صاحب "عون المعبود" في الكلام عليها، وحاول أن يقويها، فلم يأت بشيء له طائل، فتأمله بإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فائدة]: قال في "الفتح": أجمع كلّ من أجاز الصلاة على الغائب أن ذلك يُسقط فرضَ الكفاية، إلا ما حُكي عن ابن القطّان، أحد أصحاب الوجوه من الشافعيّة أنه قال: يجوز، ولا يُسقط الفرض. انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في عدد التكبيرات على الجنازة:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في عدد التكبيرات على الجنائز على أقوال:
(الأول): يكبّر ثلاثًا، وهو قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وجابر بن زيد، وقال محمد بن سيرين: إنما كان التكبير ثلاثًا، فزادوا واحدًا.
(الثاني): يكبّر أربعًا، هذا قول أكثر أهل العلم، وممن قال به عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وابن أبي أوفى، وابن عمر، والحسن بن عليّ، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعقبة بن عامر، ومحمد ابن الحنفية، وعطاء بن أبي رباح، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
(الثالث): يكبّر خمسًا، هذا قول ابن مسعود، وزيد بن أرقم، وروي ذلك عن الضحّاك بن مزاحم.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٥٤٥، كتاب الجنائز، باب الصفوف على الجنائز.
[ ١٨ / ٤٤١ ]
(الرابع): لا يزاد على سبع، ولا يُنقص عن ثلاث، هذا قول بكر بن عبد الله المزنيّ.
(الخامس): قول أحمد: لا ينقص من أربع، ولا يزاد على سبع.
(السادس): يكبّرون ما كبّر إمامهم، روي ذلك عن ابن مسعود، وكان إسحاق يقول: إذا كبّر الإمام على الجنازة خمسًا، أو أربعًا، أو ما زاد إلى أن يبلغ سبعًا لزم المقتدي به أن ينتهي إلى تكبير الإمام.
(السابع): يكبّر ستًا، روينا ذلك عن علي بن أبي طالب أنه صلى على سهل بن حُنيف، فكبّر ستًّا، وروي ذلك عن ابن مسعود، وروي عن علي بن أبي طالب أنه صلّى على أبي قتادة، فكبّر عليه سبعًا، وروي عنه أنه كان يكبّر على أهل بدر ستًا، وعلى أصحاب رسول الله -ﷺ خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا.
قال: وقد اختلف بعض من رأى أن التكبير على الجنائز أربع في الإمام يكبر خمسًا، فقالت طائفة: إذا زاد الإمام على أربع انصرف، هذا قول الثوريّ، وكذلك فعل، انصرف لمّا ذهب الإمام يكبّر الخامسة، وكان النعمان يقطعه حيث يكبّر الرابعة، ويسلّم، ثم ينصرف، وقال مالك في هذا: قف حيث وَقَفتِ السنّةُ أن لا تكئر الخامسة.
وقالت طائفة: يكبر خمسًا إذا كبّر الإمام خمسًا، هذا قول أحمد بن حنبل، وقال إسحاق: لو كبر ستًا، أو سبعًا -يعني يتبعه-. وذكر لأحمد إذا كبّر ستًا، أو سبعًا، أو ثمانيًا، قال: أما هذا فلا، وأما خمس فقد روي عن النبي -ﷺ-، ونحن نختار أربعًا.
قال ابن المنذر ﵀: ثبتت الأخبار عن رسول الله -ﷺ- من وجوه شتّى أنه كبّر على الجنائز أربعًا، وقد تكلّم في حديث زيد بن أرقم، فقالت طائفة من أصحاب الحديث به، وممن كان لا يمتنع منه، ولا ينهى عنه، ويرى الاقتداء بالإمام إذا كبّر خمسًا أحمد بن حنبل، وكان يرى أن يكبّر أربعًا، ودفعت طائفة من أصحابنا حديث زيد بن أرقم، وقالت: لم يكن زيد يكبّر أربعًا إلا لعلمه أن النبي -ﷺ- كان يكبّر خمسًا، ثم صار آخر الأمر إلى أن كبّر أربعًا، ولولا ذلك ما كان زيد يكبّر أربعًا، فدلّ فعله على أن آخر الأمرين من رسول الله -ﷺ-
[ ١٨ / ٤٤٢ ]
ما كان زيد يختاره، والدليل على ذلك حديث عمر -﵁-:
حدّثنا موسى بن هارون، قال: ثنا أبي، قال: ثنا يزيد بن هارون، ووهب بن جرير، قالا: أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن المسيّب، قال: قال عمر: كل ذلك قد كان، خمس، وأربع، فجمع الناس على أربع. وقال وهب في حديثه: فأمر الناس بأربع (^١).
والأخبار التي رويت عن النبي -ﷺ- أنه كبّر أربعًا أسانيدها جياد صحاح، لا عفة لشيء منها. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ باختصار وتصرّف (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن الأولى أن يكبّر أربعًا، لورود الأدلّة بذلك، وثبوتها ثبوتًا متواترًا، من طرق جماعة من الصحابة: أبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وعقبة بن عامر، والبراء بن عازب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وغيرهم -﵃-، وإن كبّر خمسًا، جاز؛ لثبوته من حديث ابن أرقم -﵁-، أخرجه مسلم في "صحيحه " في الباب التالي.
وأما قول ابن عبد البرّ: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع، وأجمع الفقهاء، وأهل الفتوى بالأمصار على أربع، على ما جاء في الأحاديث الصحاح، وما سوى ذلك عندهم فشذوذ، لا يلتفت إليه. انتهى.
فدعوى باطلة، فإن الخلاف في ذلك معروف بين الصحابة ومن بعدهم، وقد استوعب اختلاف الصحابة، فمن بعدهم، أبو بكر بن المنذر -﵀-، في كتابه "الأوسط" [٥/ ٤٢٩ - ٤٣٥]، كما أسلفنا عنه بعض كلامه، وأبو محمد بن حزم ﵀ في "المحلّى" [٥/ ١٢٤ - ١٢٨] وقد فنّد رحمه الله تعالى دعوى الإجماع على أربع تكبيرات، فأجاد، وأفاد.
قال: ولم نجد عن أحد من الأئمة تكبيرًا أكثر من سبع، ولا أقلّ من ثلاث، فمن زاد على خمس، وبلغ ستًا، أو سبعًا، فقد عمل عملًا، لم يصحّ عن النبي -ﷺ - قط، فكرهناه لذلك، ولم ينه ﵇ عنه، فلم نقل: بتحريمه؛ لذلك، وكذلك القول فيمن كبّر ثلاثًا، وأما ما دون الثلاث، وفوق السبع، فلم
_________________
(١) قلت: حديث ابن المسيب فيه انقطاع؛ لأنه لم يسمعه من عمر -﵁-.
(٢) "الأوسط" ٥/ ٤٢٩ - ٤٣٤.
[ ١٨ / ٤٤٣ ]
يفعله النبي -ﷺ-، ولا علمنا أحدًا قال به، فهو تكلّف، وقد نهينا أن نكون من المتكلّفين. انتهى كلام ابن حزم ﵀ باختصار (^١).
والحاصل أن الأولى أن يكبّر أربعًا، فلو بلغ خمسًا، فلا بأس؛ لصحة الحديث بذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في رفع اليدين في تكبيرات الصلاة على الجنازة:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: أجمع عوامّ أهل العلم على أن المصلي على الجنازة يرفع يديه في أول تكبيرة يكبّرها، واختلفوا في رفع اليدين في سائر التكبيرات:
فقالت طائفة: تُرفع الأيدي في كلّ تكبيرة على الجنازة، كذلك كان عمر يفعل، وبه قال عطاء، وعمر بن عبد العزيز، وقيس بن أبي حازم، والزهريّ، وسالم بن عبد الله بن عمر، وروينا ذلك عن مكحول، والنخعيّ، وموسى بن نعيم، وبه قال الأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
واختُلِفَ فيه عن مالك، فحكى ابن وهب عنه أنه قال: يعجبني أن يرفع اليدين في التكبيرات الأربع، وحكى ابن نافع عنه أنه قال: أستحبّ أن يرفع يديه في التكبيرة الأولى، وحكى ابن القاسم أنه حضره يصلي على الجنازة، فما رفع يديه في أول تكبيرة، ولا غيرها.
وقالت طائفة: ترفع اليد في أول تكبيرة من الصلاة على الميت، ثم لا ترفع بعدُ، كذلك قال الثوريّ، وأصحاب الرأي، ورُوي ذلك عن النخعيّ، خلافَ القول الأول عنه.
قال ابن المنذر ﵀: بقول ابن عمر أقول؛ اتباعًا له، ولأن النبيّ -ﷺ- لما بيّن رفع اليدين في كلّ تكبيرة يكبّرها المرء وهو قائم، وكانت تكبيرات العيدين، والجنائز في موضع القيام، ثبت رفع اليدين فيها قياسًا على رفع اليدين في التكبير في موضع القيام، ولما أجمعوا على الرفع في أول تكبيرة (^٢)،
_________________
(١) "المحلّى" ٥/ ١٢٨.
(٢) عبارة الأوسط فيها ركاكة، وهي هكذا: "ولما أجمعوا أن لا يدرى فرفع في أول تكبيرة إلخ". فلتحرّر.
[ ١٨ / ٤٤٤ ]
واختلفوا فيما سواها، كان حكم ما اختلفوا فيه حكمَ ما أجمعوا عليه. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ بتصرّف (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن المنذر ﵀، من استحباب رفع اليدين في جميع التكبيرات هو الأرجح عندي؟ لأنه لم يثبت عن النبيّ -ﷺ- خلافه، وصحّ عن ابن عمر، موقوفًا عليه، أخرجه البخاريّ في "جزء رفع اليدين " بسند صحيح، ولم يثبت لدينا مخالفة الصحابة له في ذلك، فدلّ مع شدة اتباع ابن عمر لآثار النبي -ﷺ- أنه فعله اتباعًا، لا سيّما، وقد رُوي عنه مرفوعًا أيضًا، وإن رجّح الدارقطنيّ وقفه.
والحاصل أن الأرجح مشروعيّة رفع اليدين في جميع تكبيرات الصلاة على الجنازة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في وجوب القراءة في صلاة الجنازة: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة على الجنازة، فكان ابن عباس يقول: ذلك من السنّة، وروينا عن ابن مسعود أنه قرأها، وروي ذلك عن ابن الزبير، وعُبيد بن عُمير. وبه قال الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
قال: وروينا عن المسور بن مخرمة أنه صلى جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى، وسورة قصيرة، ورفع بها صوته، فلما فرغ قال: لا أجهل أن تكون هذه صلاة عجماء، ولكنّي أردت أن أعلّمكم أن فيها قراءة. وروينا عن الحسن بن عليّ أنه قرأ في الصلاة على الجنازة بفاتحة الكتاب ثلاث مرّات. وعن الحسن البصريّ مثله.
وقالت طائفة: ليس في الصلاة على الجنائز قراءةٌ، هذا قول ابن سيرين، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جُبير، وسعيد بن المسيّب، والشعبيّ، ومجاهد، والحكم، وحماد، ومالك بن أنس، وسفيان، وأصحاب الرأي، وكان ابن عمر لا يقرأ في الصلاة على الجنائز، وروي ذلك عن أبي هريرة -﵃-.
_________________
(١) "الأوسط" ٥/ ٤٢٦ - ٤٢٨.
[ ١٨ / ٤٤٥ ]
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: يقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب، وإن قرأ بفاتحة الكتاب، وسورة قصيرة فحسن؛ لأن الإسنادين اللذين رويناهما عن ابن عبّاس حديث الشافعيّ، عن إبراهيم بن سعد، وحديث الوَرَكانيّ (^١) عن إبراهيم بن سعد، جيّدان (^٢). انتهى كلام ابن المنذر ﵀ بتصرّف، واختصار (^٣).
وقال أبو محمد بن حزم ﵀: فإن كبّر في الأولى قرأ أم القرآن، ولا بدّ، وصلّى على رسول الله -ﷺ-، فإن دعا للمسلمين فحسن، ثم يدعو للميت في باقي الصلاة.
أما قراءة أم القرآن، فلأن رسول الله -ﷺ- سماها صلاة بقوله: "صلّوا على صاحبكم"، وقال ﵇: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن"، ثم أخرج بسنده حديث ابن عباس المذكور في الباب، وحديث أبي أمامة بن سهل، والضحّاك بن قيس الآتي. قال: وعن ابن مسعود: أنه كان يقرأ على الجنازة بأم الكتاب. وأورد أيضا أثر المسور بن مخرمة المتقدّم، قال: فرأى ابن عباس، والمسور بن مخرمة المخافتة ليست فرضًا.
وعن أبي هريرة، وأبي الدرداء، وابن مسعود، وأنس بن مالك: أنهم كانوا يقرؤون بأم القرآن، ويدعون، ويستغفرون بعد كلّ تكبيرة، من الثلاث في الجنازة، ثم يكبّرون، وينصرفون، ولا يقرؤون. وعن معمر، عن الزهريّ، سمعت أبا أمامة بن سهل بن حُنيف، يحدّث سعيد بن المسيّب، قال: السنّة في الصلاة على الجنائز أن تكبّر، ثم تقرأ بأم القرآن، ثم تصلي على النبيّ -ﷺ-، ثم تخلص الدعاء للميت، ولا تقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم يسلّم في نفسه عن يمينه.
_________________
(١) الوركاني بفتح الواو، والراء، ووقع في الأوسط "الودكانيّ" بالدال بدل الراء، وهو تصحيف، وهو محمد بن جعفر.
(٢) أراد ابن المنذر ﵀ حديث الباب، فإنه أخرجه من طريق الشافعيّ، عن إبراهيم بن سعد بسند المصنّف، ومن طريق محمد بن جعفر الوركانيّ، عن إبراهيم بن سعد المذكور بسنده.
(٣) "الأوسط" ٥/ ٤٣٧ - ٤٤٠.
[ ١٨ / ٤٤٦ ]
وعن ابن جريج: قال: قال ابن شهاب: القراءة على الميت في الصلاة في التكبيرة الأولى. وعن ابن جريج، عن مجاهد في الصلاة على الجنازة: يكبّر، ثم يقرأ بأمّ القرآن، ثم يصلي على النبيّ -ﷺ- ثم ذكر دعاء. وعن سفيان الثوريّ، عن يونس بن عبيد، عن الحسن: أنه كان يقرأ بفاتحة الكتاب في كلّ تكبيرة في صلاة الجنازة. وهو قول الشافعيّ، وأبي سليمان -يعني داود الظاهريّ- وأصحابهما.
قال أبو محمد: واحتجّ من منع من قراءة القرآن فيها بأن قالوا: روي عن النبيّ -ﷺ-: "أخلصوا له الدعاء". قال: هذا حديث ساقط، ما روي قط من طريق يُشتغل بها، ثم لو صحّ لما منع من القراءة؛ لأنه ليس في إخلاص الدعاء للميت نهي عن القراءة، ونحن نخلص له الدعاء، ونقرأ كما أمرنا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "حديث ساقط" فيه نظر، بل حديث صحيح، رواه أبو داود، وابن ماجه، من طريق محمد ين إسحاق، وهو حجة، لكنه يدلّس، وقد صرّح في بعض طرقه عند ابن حبّان بالتحديث (^١)، فزالت تهمة التدليس، فالجواب الصحيح عن اعتراضهم هو ما ذكره بعد هذا، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: وقالوا: قد روي عن أبي هريرة أنه سئل عن الصلاة على الجنازة؟ فذكر دعاء، ولم يذكر قراءة. وعن فَضَالة بن عُبيد أنه سئل: أيقرأ في الجنازة بشيء من القرآن؟ قال: لا. وعن ابن عمر أنه كان لا يقرأ في صلاة الجنازة.
قال أبو محمد: فقلنا: ليس عن واحد من هؤلاء أنه لا يقرأ فيها بأم القرآن، ونعم نحن نقول: لا يقرأ فيها بشيء من القرآن إلا أم القرآن (^٢)، فلا
_________________
(١) قال ابن حبان رحمه الله تعالى في "صحيحها: "ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن ابن إسحاق لم يسمع هذا الخبر من محمد بن إبراهيم"، ثم أخرجه بسنده، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن إبراهيم … . إلخ.
(٢) قلت: هذا غير صحيح، بل صحّ قراة سورة مع الفاتحة في حديث ابن عباس -﵄- المذكور، فتبصّر.
[ ١٨ / ٤٤٧ ]
يصحّ خلاف بين هؤلاء، وبين من صرّح بقراءة القرآن من الصحابة -﵃ -، كابن عبّاس، والمسور، والضحّاك بن قيس، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وابن مسعود، وأنس، لا سيما وأبو هريرة لم يذكر تكبيرًا، ولا تسليمًا، فبطل أن يكون لهم به متعلّق، وقد روي عنه قراءة القرآن في الجنازة، فكيف، ولو صحّ عنهم في ذلك خلاف، لوجب الردّ عند تنازعهم إلى ما أمر الله تعالى بالردّ إليه، من القرآن والسنّة، وقد قال ﵇: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن". وقالوا: لعلّ هؤلاء قرؤوها على أنها دعاء.
فقلنا: هذا باطل؛ لأنهم ثبت عنهم الأمر بقراءتها، وأنها سنتها، فقول من قال: لعلهم قرؤوها على أنها دعاء كذب بحت، ثم لا ندري ما الذي حملهم على المنع من قراءتها حتى يتقحّموا في الكذب بمثل هذه الوجوه الضعيفة، والعجب أنهم أصحاب قياس، وهم يرون أنها صلاة، ويوجبون فيها التكبير، واستقبال القبلة، والإمامة للرجال، والطهارة، والسلام، ثم يسقطون القراءة.
فإن قالوا: لما سقط الركوع، والسجود، والجلوس، سقطت القراءة.
قلنا: ومن أين يوجب هذا القياس دون قياس القراءة على التكبير والتسليم؟ بل لو صحّ القياس لكان قياس القراءة على التكبير، والتسليم- لأن كل ذلك ذكر باللسان- أولى من قياس القراءة على عمل الجسد، ولكن هذا علمهم بالقياس والسنن، وهم يعظّمون خلاف العمل بالمدينة، وهاهنا أريناهم عمل الصحابة، وسعيد بن المسيّب، وأبي أمامة، والزهريّ، علماءِ المدينة، وخالفوهم، وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن حزم ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما نقلت كلام ابن حزم ﵀، وإن كان فيه طول؛ لكونه اشتمل على تفنيد آراء القائلين بعدم مشروعيّة قراءة الفاتحة في الصلاة على الجنازة، مع صحة السنة بذلك.
والحاصل أن وجوب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، هو المذهب الحقّ، هان زاد سورة، فحسن؛ لصحة حديث ابن عباس، فقد أخرج البخاريّ
_________________
(١) "المحلى" ٥/ ١٢٩ - ١٣١.
[ ١٨ / ٤٤٨ ]
في "صحيحه"، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: صليت خلف ابن عباس -﵄- على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: ليعلموا أنها سنة.
وأخرجه أيضًاا لنساليّ، ولفظه: قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجَهَرَ حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده، فسألته، فقال: سنّةٌ وحقٌ.
وأما قول ابن حزم في خلال كلامه السابق: "لا يقرأ فيها بشيء من القرآن إلا بأم القرآن"، ففيه نظر لا يخفى؟ لما عرفت من صحة السنة بقراءة سورة مع الفاتحة، فتبصّر.
والحاصل أن السنة أن يقرأ الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، وإن زاد سورة، فحسن، ثم يكبّر، ثم يصلّي على النبيّ -ﷺ-، ثم يكبّر، ثم يدعو للميت، ثم يكبّر، ثم يسلّم.
قال النسائيّ ﵀: أخبرنا قتيبة، قال: حدّثنا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة، أنه قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مُخافتةً، ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة.
أخبرنا قتيبة، قال: حدّثنا الليث، عن ابن شهاب، عن محمد بن سُويد الدمشقي الْفِهْريّ، عن الضحاك بن قيس الدمشقي بنحو ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث صحيحٌ.
[فإن قلت]: إن أبا أمامة، وإن كانت له رؤية، إلا أنه تابعيّ، من حيث الرواية، فقوله: "السنة في الصلاة على الجنازة إلخ " ليس له حكم الرفع، عل ما تقدّم عن ابن عباس -﵄ -، فكيف يكون صحيحًا؟.
أقلت،: قد ثبت أنه رواه عن أصحاب النبيّ -ﷺ-، فقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وكان من كبراء الأنصار، وعلمائهم، وأبناء الذين شهدوا بدرًا مع رسول الله -ﷺ-، أخبره رجال من أصحاب رسول الله -ﷺ- في الصلاة على الجنازة، أن يكبّر الإمام، ثمّ يصلّي على النبيّ -ﷺ-، ويُخلص الصلاة في التكبيرات الثلاث، ثم يسلّم تسليمًا خفيًّا حين ينصرف، والسنّة أن يفعل من وراءه مثل ما فعل إمامه.
[ ١٨ / ٤٤٩ ]
قال الزهريّ: حدّثني بذلك أبو أمامة، وابن المسيّب يسمع، فلم يُنكر ذلك عليه، قال ابن شهاب: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة على الميت لمحمد بن سويد، قال: وأنا سمعت الضحَّاك بن قيس، يحدّث عن حبيب بن مسلمة في صلاة صلّاها على الميت، مثل الذي حدثنا أبو أمامة.
قال الحاكم ﵀: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وليس في التسليمة الواحدة على الجنازة أصحّ منه. انتهى. وأقره الذهبي.
قال الجامع عفا الله تعالى: في قوله: "على شرط الشيخين" نظر؛ لأن حرملة بن يحيى ليس من رجال البخاري، بل هو من رجال مسلم، لكن أخرج الحديث الطحاويّ في "شرح معاني الآثار" [١/ ٥٠٠] عن ابن أبي داود، عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ به، بلفظ: "أن رجلًا من أصحاب النبيّ -ﷺ- أخبره أن السنّة في الصلاة على الجنازة أن يكبّر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب سرّأ في نفسه، ثم يختم الصلاة في التكبيرات الثلاث".
قال الزهريّ: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من ذلك لمحمد بن سُويد الفهريّ، فقال: وأنا سمعت الضحّاك بن قيس يحدّث عن حبيب بن مسلمة، في الصلاة على الجنازة، مثل الذي حدّثك أبو أمامة. انتهى (^١). وهذا من شرطهما، بلا شكّ.
والحاصل أن حديث أبي أمامة كحديث ابن عباس -﵄- صحيح، له حكم الرفع؛ لأنه رواه عن رجال من الصحابة -﵃-، ومثل هذا يأتي في حديث الضحّاك بن قيس، فإنه رواه عن مسلمة بن حبيب، كما مرّ آنفًا.
[تنبيه]: لا يشرع دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة، خلافًا لمن زعم ذلك:
قال ابن المنذر ﵀: لم نجد في الأخبار التي جاءت عن النبيّ -ﷺ- أنه قال بعد أن افتتح الصلاة على الجنازة، كما قال بعد أن افتتح الصلاة المكتوبة
_________________
(١) "شرح معاني الآثار" ١/ ٥٠٠.
[ ١٨ / ٤٥٠ ]
قولًا، ولا وجدنا ذلك عن أصحابه، ولا عن التابعين. وقد كان الثوريّ، وإسحاق ابن راهويه يستحبّان أن يقول المرء بعد التكبيرة الأولى من الصلاة على الجنازة: "سبحانك اللهم، وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك"، وذُكر ذلك لأحمد، فقال: ما سمعت.
قال ابن المنذر: ولم أجد ذكر ذلك في كتب سائر علماء الأمصار، فإن قاله قائل، فلا شيء عليه، وإن تركه، فلا شيء عليه. انتهى كلامه (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ هنا يخالف مذهبه الذي التزمه في مؤلفاته النافعة، وهو اتباع الآثار الصحيحة، وقد اعترف هو نفسه بانه لم يثبت ذلك عنده، فلِمَاذا خيّر بين الأمرين؟ إن هذا منه عجيب. فالصواب عندي أن لا يقرأ الاستفتاح المذكور؛ لعدم ثبوت ذلك عن النبيّ -ﷺ-، بل الثابت عنه إخلاص الدعاء للميت، فقد أمر به، فما زاد على الدعاء لا بدّ من أن يثبت بنقل صحيح حتى يُعمَل به، مثل قراءة الفاتحة، وسورة، والصلاة على النبيّ -ﷺ-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في عدد تسليم الصلاة على الجنازة:
قال الإمام ابن المنذر: ﵀: اختلفوا في ذلك، فقال كثير منهم: يسلم تسليمة واحدةً، روينا هذا القول عن عليّ، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع، وابن أبي أوفى، وأبي هريرة، وأبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وأنس، وابن عبّاس، وابن عمر -﵄-.
وبه قال ابن سيرين، والحسن، وسعيد بن جبير، وسفيان الثوريّ، وابن عيينة، وابن المبارك، وعيسى بن يونس، ووكيع، وابن مهديّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق.
واختَلَفَ قول الشافعيّ، فقال في "كتاب الجنائز": إن شاء سلّم تسليمة، وإن شاء تسليمتين، وحَكَى البويطيّ عنه أنه قال: يسلّم تسليمتين.
_________________
(١) "الأوسط" ٥/ ٤٣٦.
[ ١٨ / ٤٥١ ]
وقالت طائفة: يسلّم تسليمتين، هكذا قال أصحاب الرأي، وحُكي عن الشعبيّ، وأبي إسحاق مثل قولهم، واختُلِفَ فيه عن النخعيّ.
قال ابن المثذر: تسليمة أحبّ إليّ؛ لحديث أبي أمامة بن سهل، قال: حدثنا ابن عبد الحكم، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، عن رجال من أصحاب رسول الله -ﷺ - أنه يسلم تسليمًا خفيفًا حتى ينصرف، والسنة أن يفعل من وراءه ما يفعل إمامه.
قال: ولأنه الذي عليه أصحاب رسول الله -ﷺ-، وهم أعلم بالسنّة من غيرهم، ولأنهم الذين حضروا صلاة رسول الله -ﷺ-، وحفظوا عنه، ولم يَختَلِف ممن روينا ذلك عنهم منهم أن التسليم تسليمة واحدة، وقد أجمع أهل العلم أنه يكون بتسليمة واحدة خارجًا من الصلاة. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ بتصرف. واختصار (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ تحقيق حسن جدًّا.
وحاصله ترجيح مذهب القائلين بالتسليمة الواحدة في صلاة الجنازة؛ لقوة دليله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: ذكر ابن المنذر رحمه الله تعالى استحباب وقوف الإمام بعد التكبيرة الرابعة وقفةً يدعو فيها قبل التسليم، واستدلّ على ذلك بما أخرجه هو، وأحمد في "مسنده"، والحاكم في "مستدركه" بأسانيدهم عن شعبة، عن إبراهيم الْهَجَريّ، عن عبد الله بن أبي أوفى، وكان من أصحاب الشجرة، فماتت ابنة له، وكان يتبع جنازتها على بغلة خلفها، فجعل النساء يبكين، فقال: لا ترثين، فإن رسول الله -ﷺ- نهى عن المراثي، فتفيض إحداكنّ من عبرتها ما شاءت، ثم كبّر عليها أربعًا، ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين، يدعو، وقال: كان رسول الله -ﷺ- يصنع في الجنازة هكذا. انتهى. واللفظ لأحمد ﵀ (^٢).
قال: وكان أحمد بن حنبل يرى أن يقف بعد الرابعة قبل التسليم، فاحتجّ
_________________
(١) " الأوسط " ٥/ ٤٤٤ - ٤٤٨.
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٣٥٦، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٣٦٠.
[ ١٨ / ٤٥٢ ]
بهذا الحديث، وقال: لا أعرف شيئًا يخالفه، واستحبّ ذلك إسحاق ابن راهويه. انتهى.
قمال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده إبراهيم الْهَجَريّ، وقد ضعّفوه، وقال في "التقريب": ليّن الحديث، رفع موقوفات. انتهى.
فالاستدلال بمثله على استحباب الوقوف المذكور محلّ نظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٠٥] (…) - (وَحَدَّثَنى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَني أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي (^١) مُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ يسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: نَعَى لَنَا رَسُولُ الله -ﷺ- النَّجَاشِيَ، صَاحِبَ الْحَبَشَةِ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ"، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- صَفَّ بِهِمْ بِالْمُصَلَّى، فَصَلَّى، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ يكْبِيرَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٣ ص ٤٢٣.
والباقون تقدّموا، فمن قبل ابن شهاب تقدّموا قبل ثلاثة أبواب، وهو ومن بعده في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَاب: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيبِ) قائل "قال " هو عُقيل، فهو داخل تحت الإسنًا د السابق، ولفظ البخاريّ: "وعن ابن شهاب … إلخ " وهو معطوف على "ابن شهاب" السابق.
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرني"، وفي أخرى: "حدّثنا".
[ ١٨ / ٤٥٣ ]
[فائدة]: هكذا وقع التفصيل في رواية عُقيل، عن ابن شهاب بأن قصّة نعي النجاشيّ، والأمر بالاستغفار له عنده عن سعيد بن المسيّب، وأبي سلمة جميعًا، وقصّة الصلاة عليه، والتكبير فعنده عن سعيد وحده.
قال في "الفتح " ما حاصله: كذا -يعني كونه عن الزهري، عن سعيد فقط- رواه أصحاب معمر البصريون عنه، وكذا هو في "مصنف عبد الرزاق"، عن معمر، وأخرجه النسائيّ عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، فقال فيه: "عن سعيد وأبي سلمة"، وكذا أخرجه ابن حبّان، من طريق يونس، عن الزهريّ عنهما، وكذا ذكره الدارقطني في "غرائب مالك"، من طريق خالد بن مخلد وغيره، عن مالك، والمحفوظ عن مالك ليس فيه ذكر أبي سلمة، كذا هو في "الموطأ"، وكذا أخرجه البخاريّ في أوائل "الجنائز"، والمحفوظ عن الزهريّ أن نعي النجاشيّ، والأمر بالاستغفار له عنده عن سعيد وأبي سلمة جميعًا، وأما قصة الصلاة عليه، والتكبير فعنده عن سعيد وحده، كذا فصّله عُقيل عنه، وكذا صالح بن كيسان عنه، وذكر الدارقطني في "العلل" الاختلاف فيه، وقال: إن الصواب ما ذكرناه. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٠٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي (^١) عَمْرٌ والنَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِي، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، كَرِوَايَةِ عُقَيْلٍ بِالاسْنَادَيْنِ جَمِيعًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْزو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م دس) تقدم في "المقدمة" ٢٣/ ٤.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٨ / ٤٥٤ ]
٢ - (حَسَن الْحُلْوَانِيُّ) ابن علىّ بن محمد الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٨] (١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٦ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقية [٤] مات بعد (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والزهريّ ذُكر قبله.
وقوله: (كَرِوَايَةِ عُقَيْلٍ بِالاسْنَادَيْنِ جَمِيعًا) أراد با لإسناد الأول إسناد الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي هريرة.
وبالثاني: إسناد ابن شهاب الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب وحده، عن أبي هريرة -﵁-.
[تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب بالإسناد الأول هذه ساقها البخاريّ، فقال:
(٣٨٨٠) - حدّثنا زهير بن حرب، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن المسيِّبِ أن أبا هريرة -﵁- أخبرهما، أن رسول الله -ﷺ- نَعَى لهم النجاشيّ، صاحب الحبشة، في اليوم الذي مات فيه، وقال: "استغفروا لأخيكم".
وأما رواية صالح بالإسناد الثاني، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٠٧] (٩٥٢) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِي، فكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا).
[ ١٨ / ٤٥٥ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السّلميّ، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
٣ - (سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ) هو: - سليم بفتح السين المهملة، وكسر اللام- ابن حيّان- بفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة- ابن بِسطام الْهُذَليّ البصريّ، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، وسعيد بن ميناء، وعمرو بن دينار، وقتادة، ومروان الأصغر، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن مهديّ، ويحيى القطان، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو داود الطيالسيّ، وأبو خالد الأحمر، والأصمعيّ، وأبو عليّ الحنفيّ، ويزيد بن هارون، وعفّان بن مسلم، ومحمد بن سنان الْعَوَقيّ، ومسلم بن إبراهيم، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ما به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، سوى النسائي، فأخرج له في "عمل اليوم والليلة"، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٩٥٢) و(١١٥٩) و(١٢٥٠) و(١٣٣٣) و(١٥٣٦) وأعاده بعده، و(٢٢٨٥) و(٢٢٨٧).
[تنبيه]: ليس في الكتب الستة من يُسمّى سَلِيم بفتح السين المهملة، مكبّرًا إلا سَلِيم بن حيّان هذا، ومن عداه كلهم سُلَيم مصغّرًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) الحجازيّ المكيّ، ويقال: المدنيّ، أبو الوليد، مولى الْبَخْتريّ بن أبي ذُبَاب، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عبد الله بن الزبير، وجابر، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، والأصبغ بن نُبَاتة، والقاسم بن محمد.
ورَوَى عنه حنظلة بن أبي سفيان، وسلِيم بن حَيّان، وأيوب السَّخْتيانيّ، وابن جريج، وابن إسحاق، وجماعة.
[ ١٨ / ٤٥٦ ]
قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: مكيّ، ورَفَعَهُ، وقال النسائئ في "الجرح والتعديل": ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، سوى النسائي، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط برقم (٩٥٢) و(١١٥٩) و(١٣٣٣) و(١٥٣٦) وكرّره أربع مرّات، و(٢٠٣٩) و(٢٢٨٥) و(٢٢٨٧).
٥ - (جَمابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄ -، مات بالمدينة بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان " ٤/ ١١٧.
وقوله: (عَلَى أَصْحَمَةَ) قال النوويّ ﵀: بفتح الهمزة، وَإِسكان الصاد، وفتح الحاء المهملتين، وهذا هو الذي وقع في رواية مسلم، وهو الصواب المعروف فيه، وهكذا هو في كتب الحديث والمغازي، وغيرها، ووقع في مسند ابن أبي شيبة في هذا الحديث تسميته "صَحْمَة" بفتح الصاد، هاسكان الحاء، وقال: هكذا قال لنا يزيد -يعني ابن هارون- هانما هو "صَمْحة" يعني بتقديم الميم على الحاء، وهذان شاذّان، والصواب "أصحمة" بالألف.
قال قتيبة وغيره: ومعناه بالعربيّة عطيّة. انتهى (^١).
وقوله: (النَّجَاشِي) بدل من "أصحمة"، وهو: بفتح النون، وتخفيف الجيم، وبعد الألف شين معجمة، ثم ياء ثقيلة، كياء النسب، وقيل: بالتخفيف، ورجّحه الصغانيّ، وهو لقب من ملك الحبشة، وحكى المطرّزيّ تشديد الجيم عن بعضهم، وخطّاه (^٢)، وقد تقدّم تمام البحث فيه، وشرح الحديث يُعلم مما سبق، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٢٠٧ و٢٢٠٨ و٢٢٠٩] (٩٥٢)،
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢٥/ ٧، كتاب الجنائز، باب في التكبير على الجنائز.
(٢) "الفتح" ٣/ ٥٤٣، كتاب الجنائز، باب الصفوف على الجنائز.
[ ١٨ / ٤٥٧ ]
و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٣١٧ و١٣٢٠ و١٣٣٤) و"المناقب " (٣٨٧٧ و٣٨٧٨ و٣٨٧٩)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٦٩ و٧٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٩٥ و٣١٩ و٣٦١ و٣٦٣ و٣٦٩ و٤٠٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤ - ٣٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٥)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٩٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٠٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: (مَاتَ الْيَوْمَ عَبْدٌ للهِ صَالِحٌ، أَصْحَمَةُ"، فَقَامَ، فَأَمَّنَا، وَصَلَّى عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقية فاضل، يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
و"جابر بن عبد الله " -﵄- ذُكر قبله.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٠٩] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُ، حَدَّثَنَا حَمَّادة عَنْ أَيُوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثنَا أَيُوبُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ،
[ ١٨ / ٤٥٨ ]
قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ: "إِنَّ أَخًا لَكُمْ، قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا، فَصَلُّوا عَلَيْهِ"، قَالَ: فَقُمْنَا، فَصَفنَا صَفيْنِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (م د س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَيُوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أَبُو الزبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم قبل باب.
٦ - (ابْنُ عُلَيةَ) إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم أيضًا قبل باب.
وقوله: (فَقُومُوا، فَصَلُّوا عَلَيْهِ) فيه وجوب الصلاة على الميت، وهي فرض كفاية بالإجماع، كما سبق بيانه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٠] (٩٥٣) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِي بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (ح) وَحَدثنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِن أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا، فَصَلُّوا عَلَيْهِ"، يَعْني النَّجَاشِيَّ، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: "إِن أَخَاكُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَليُّ بْنُ حُجْرٍ) تقدّم أيضًا قبل باب.
[ ١٨ / ٤٥٩ ]
٣ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، فيه نصبٌ يسير [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٤ - (أَبُو الْمُهَلَّبِ) الْجَرْميّ البصريّ، عمّ أبي قلابة، اسمه عمرو، أو عبد الرحمن بن معاوية، أو ابن عمرو، وقيل: النضر، وقيل: معاوية، ثقةٌ [٢] (بخ م ٤) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٩/ ١٢٩٦.
٥ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزاعيّ، أبو نُجيد الصحابي ابن الصحابيّ -﵄-، أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، مات -﵁- سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٩.
والباقون ذُكروا قبله، و"إسماعيل" هو: ابن عُليّة المذكور في السند الثاني.
وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حصين -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٢١٠] (٩٥٣)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٣٩)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (١٩٤٦ و١٩٧٠ و١٧٧٣ و١٩٧٥) و"الكبرى" (٢٠٧٣ و٢٠٩٧ و٢١٠٠ و٢١٠٢)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٣٥)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٦٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٣٣ و٤٣٩ و٤٤١ و٤٤٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٤٤٨ و٤٦٠ و٤٦٢ و٤٨٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣١٠٢)، و(البيهقىّ) في "الكبرى" (٤/ ٥٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ١٨ / ٤٦٠ ]