وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣٦] (٨٨١) - (وَحَدَّثنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بَكْر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٧ / ٣٨٦ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (منها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من سهيل، وشيخه نيسابوريّ، وخالد واسطيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ) أي: أدّى صلاتها، وفرغ منها (فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا") وفي رواية سفيان، عن سهيل الآتية: "من كان منكم مصليًا بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا".
وفيه إشارة إلى أن الأربع سنة، وليست بواجبة.
وقال النوويّ ﵀: في هذه الأحاديث استحبابُ سنّة الجمعة بعدها، والحثّ عليها، وأن أقلها ركعتان، وأكملها أربع، فنبّه -ﷺ- بقوله: "إذا صلى أحدكم بعد الجمعة، فليصلّ بعدها أربعًا" على الحثّ عليها، فأتى بصيغة الأمر، ونبّه بقوله: "من كان منكم مصليًا" على أنها سنة ليست واجبة، وذَكَرَ الأربع؛ لفضيلتها، وفَعَلَ الركعتين في أوقات؛ بيانًا لأن أقلها ركعتان، ومعلوم أنه -ﷺ- كان يصلي في أكثر الأوقات أربعًا (^١)؛ لأنه أمرنا بهنّ، وحَثّنا عليهنّ، وهو أرغب في الخير، وأحرص عليه، وأولى به. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "إذا صلّيت بعد الجمعة … إلخ" أي: إذا أردتم أن تصلّوا نفلًا، كما قال في الرواية الأخرى: "من كان مصلّيًا بعد الجمعة، فليُصلّ أربعًا"، قال المازريّ: وكل هذا إشارة إلى ترك الاقتصار على
_________________
(١) سيأتي تعقّب الحافظ العراقيّ له في هذا، فتنبّه.
(٢) "شرح النوويّ" ٦/ ١٦٩ - ١٧٠.
[ ١٧ / ٣٨٧ ]
ركعتين؛ لئلا تلتبس الجمعة بالظهر التي هي أربع على الجاهل، أو لئلا يتطرّق أهل الْبِاَع إلى صلاتها ظهرًا.
وإلى الأخذ بظاهر هذا الحديث ذهب أبو حنيفة، وإسحاق، فقالا: يصلي أربعًا لا يَفصِل بينهنّ، وروي عن جماعة من السلف أنه يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعًا، وهو مذهب الثوريّ، وأبي يوسف، لكن استَحَبّ أبو يوسف تقديم الأربع على الاثنتين، واستَحَبّ الشافعيّ التنفّل بعدها، وأن الأكثر أفضل، وأخذ مالك برواية ابن عمر أنه -ﷺ- كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي في بيته ركعتين، وجعله في الإمام أشدَّ، ووسَّعَ لغيره في الركوع في المسجد مع استحبابه أن لا يفعلوا، قاله عياضٌ. انتهى (^١).
وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٠٣٦ و٢٠٣٧ و٢٠٣٨] (٨٨١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٣١)، و(الترمذيّ) في "الجمعة" (٥٢٣)، و(النسائيّ) في "الجمعة" (١٤٢٦) و"الكبرى" (١٧٤٣)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٣٢)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٩٧٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٩ و٤٤٢ و٤٩٩)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٥٨٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٧٣ و١٨٧٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٧٩ و١٩٨٠ و١٩٨١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في التطوّع بعد الجمعة:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: قد اختلفوا في هذا الباب: فرأت طائفة أن يصلي بعدها أربعًا، هذا قول عبد الله بن مسعود، وإبراهيم، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥١٨ - ٥١٩.
[ ١٧ / ٣٨٨ ]
وذهبت طائفة إلى أنه يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعًا، رُوي هذا القول عن عليّ، وابن عمر، وأبي موسى الأشعريّ، ومجاهد، وعطاء، وحُميد بن عبد الرحمن، وبه قال سفيان الثوريّ، وقال أحمد: إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أربعًا.
وذهبت طائفة إلى أنه يصلي بعد الجمعة ركعتين، هكذا فعل ابن عمر، وروي عن النخعيّ.
قال ابن المنذر ﵀: إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أربعًا، ويصلي أربعًا يفصل بين كلّ ركعتين بتسليم أحبّ إليّ. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ بتصرف (^١).
وقال الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" بعد رواية حديث ابن عمر -﵄-: "كان يصلي بعد الجمعة ركعتين": والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعيّ، وأحمد، ثم قال بعد رواية حديث أبي هريرة -﵁-: "من كان منكم مصليًا بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا": والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعًا، وبعدها أربعًا، ورُوي عن علي بن أبي طالب أنه أمر أن يصلي بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعًا، وذهب سفيان الثوريّ، وابن المبارك إلى قول ابن مسعود، وقال إسحاق: إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعًا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين، واحتجّ بأن النبيّ -ﷺ- كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وبحديث النبيّ -ﷺ-: "من كان منكم مصليًا بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا".
قال الترمذيّ ﵀: وابن عمر زيمبن هو الذي رَوَى عن النبيّ -ﷺ- أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وابن عمر بعد النبيّ -ﷺ- صلى في المسجد بعد الجمعة ركعتين، وصلى بعد الركعتين أربعًا، ثم رواه كذلك.
وروى أبو داود في "سننه" عن ابن عمر -﵄-، أنه كان إذا كان بمكة، فصلى الجمعة، تقدّم، فصلى ركعتين، ثم تقدم، فصلى أربعًا، وإذا كان
_________________
(١) "الأوسط" ٤/ ١٢٥ - ١٢٧.
[ ١٧ / ٣٨٩ ]
بالمدينة صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلى ركعتين، ولم يصلّ في المسجد، فقيل له؟ فقال: "كان رسول الله -ﷺ- يفعل ذلك".
قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": والظاهر أن المرفوع منه آخر الحديث فقط، وهو ما كان يفعله بالمدينة، دون ما كان يفعله بمكة، فإن النبيّ -ﷺ- لم يصحّ أنه صلى الجمعة بمكة، وكان ابن عمر في زمنه بمكة قبل الهجرة صغيرًا، فإن أريد رفع فعله بمكة أيضًا، وهو بعيد، فيَحْتَمِل أنه رآه يصلي بمكة بعد الظهر في المسجد، أوأنه صلى الجمعة بمكة بعد الفتح، ولم يُنقل ذلك.
ثم قال بعد ذلك: قد يُسأل عن الحكمة في كون ابن عمر كان يصليها بمكة في المسجد، وفي المدينة بمنزلة.
وقد يجاب بأنه لعله كان يريد التأخر في مسجد مكة للطواف بالبيت، فيكره أن يفوته بمضيه إلى منزلة لصلاة سنة الجمعة زمن مما يغتنمه في الطواف، أوأنه يشقّ عليه الذهاب إلى منزلة، ثم الرجوع إلى المسجد للطواف، أوأنه كان يرى النوافل تضاعف بمسجد مكة، دون بقية مكة، فكان يتنفّل في المسجد لذلك، أو كان له أمر يتعلّق به في المسجد من الاجتماع بأحد، أو غير ذلك مما يقتضي أولوية صلاته في المسجد. انتهى.
قال ولي الدين ﵀: وهو مبنيّ على ما ذكره أوّلًا من أن المرفوع آخر الحديث فقط.
لكن ظاهر اللفظ أن تفريق ابن عمر بين البلدين في ذلك فعله لمجرّد الاتباع، والله أعلم.
وقال ابن عبد البرّ ﵀: قال أبو حنيفة: يصلي بعد الجمعة أربعًا، وقال في موضع آخر: ستًّا، وقال الثوريّ: إن صليت أربعًا، أو ستًّا، فحسن. وقال الحسن بن حيّ: يصلي أربعًا، وقال أحمد بن حنبل: أحبّ إليّ أن يصلي بعد الجمعة ستًّا، وإن صلى أربعًا فحسن، لا بأس به.
قال ابن عبد البرّ: وكل هذه الأقوال مروية عن الصحابة، قولًا، وعملًا، ولا خلاف بين العلماء أن ذلك على الاختيار.
[ ١٧ / ٣٩٠ ]
وقال ابن بطّال ﵀: قالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين، روي ذلك عن ابن عمر، وعمران بن حصين، والنخعيّ.
وقالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعًا، روي عن عليّ، وابن عمر، وأبي موسى، وهو قول عطاء، والثوريّ، وأبي يوسف، إلا أن أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين.
وقالت طائفة: يصلي أربعًا لا يفصل بينهنّ بسلام، روي ذلك عن ابن مسعود، وعلقمة، والنخعي، وهو قول أبي حنيفة، وإسحاق. انتهى.
وفي مصنَّف ابن أبي شيبة وغيره عن أبي عبد الرحمن، وهو السُّلَميّ، قال: قَدِم علينا ابن مسعود، فكان يأمرنا أن نصلي بعد الجمعة أربعًا، فلما قَدِم علينا عليّ أمرنا أن نصلي ستًّا، فأخذنا بقول عليّ، وتركنا قول عبد الله، قال: كان يصلي ركعتين، ثمّ أربعًا.
وذكر ابن العربيّ أن أمره -ﷺ- بالأربع لئلا يُتوهّم من الركعتين أنهما تكملة الركعتين المتقدّمتين، فيكون ظهرًا، وسبقه إلى ذلك المازريّ، فقال: وكلّ هذا إشارة إلى ترك الاقتصار على ركعتين، لئلا تلتبس الجمعة بالظهر التي هي أربع على الجاهل، أو لئلا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرًا أربعًا.
وقال النووي في "شرح مسلم": نبّه بقوله: "من كان منكم مصليًا" على أنها سنة، ليست بواجبة، وذَكَرَ الأربعَ لفضلها، وفعل الركعتين في أوقات، بيانًا؛ لأن أقلها ركعتان، قال: ومعلوم أنه -ﷺ- كان يصلي في أكثر الأوقات أربعًا؛ لأنه أمرنا بهنّ، وحثّنا عليهنّ، وهو أرغب في الخير، وأحرص عليه، وأولى به. انتهى.
قال العراقيّ ﵀: وما ادعاه من أنه معلوم أنه كان يصلي في أكثر الأوقات أربعًا فيه نظر، فليس ذلك بمعلوم، ولا مظنون؛ لأن الذي صح عنه صلاة ركعتين في بيته، ولا يلزم من كونه أمر به أن يفعله.
وكون ابن عمر كان يصلي بمكة بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعًا، وإذا كان بالمدينة صلى بعدها ركعتين في بيته، فقيل له؟ فقال: "كان رسول الله -ﷺ- يفعل ذلك".
فليس في ذلك علم، ولا ظنّ أنه -ﷺ- كان يفعل بمكّة ذلك، وإنما أراد
[ ١٧ / ٣٩١ ]
رفع فعله بالمدينة، فحسبُ؛ لأنه لم يصحّ أنه صلى الجمعة بمكة، وعلى تقدير وقوعه بمكة منه، فليس ذلك في أكثر الأوقات، بل نادرٌ.
وربما كانت الخصائص في حقه بالتخفيف في بعض الأوقات، فإنه -ﷺ- "كان إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنه منذر جيش، يقول: صبّحكم، ومسّاكم … " الحديث، رواه مسلم.
فربما لَحِقَه تَعَبٌ من ذلك، فاقتصر على الركعتين في بيته، وكان يطيلهما كما ثبت في رواية النسائي: "وأفضل الصلاة طول القنوت"؛ أي: القيام، فلعلها كانت أطول من أربع ركعات خِفَاف، أو متوسطات، وكما ترك قيام الليل ليلة المزدلفة في حجة الوداع، ونام حتى أصبح؛ لما تقدم له من الأعمال بعرفة من وقوفه من الزوال إلى ما بعد الغروب، واجتهاده في الدعاء، وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، فاقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرًا، ورقد بقية ليله، مع كونه كان يقوم في الليل حتى تورّمت قدماه، ولكنه أراح نفسه؛ لما تقدّم في عرفة، ولما هو بصدده يوم النحر من كونه نحر بيده ثلاثًا وستين بدنة، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. انتهى كلام العراقيّ ﵀ (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أقوال أهل العلم في قبلية الجمعة:
قال الحافظ ولي الدين ﵀: قد أنكر جماعة كون الجمعة لها سنة قبلها، وبالغوا في إنكاره، وجعلوه بدعة، وذلك لأنه -ﷺ- لم يكن يؤذَّن للجمعة إلا بين يديه، وهو على المنبر، فلم يكن يصليها، وكذلك الصحابة -﵃-؛ لأنه إذا خرج الإمام انقطعت الصلاة.
وممن أنكر ذلك من متأخري الشافعية، وجعله من البِدَع، والحوادث الإمام شهاب الدين أبو شامة.
قال: ولم أر في كلام الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة استحباب سنة للجمعة قبلها.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٣/ ٣٧ - ٤١، و"نيل الأوطار" ٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤.
[ ١٧ / ٣٩٢ ]
وذهب آخرون إلى أن لها سنةً قبلها، منهم النوويّ، فقال: يسنّ قبلها ما قبل الظهر، وقال: العمدة فيه القياس على الظهر، ويُستأنس بحديث سنن ابن ماجه أن النبيّ -ﷺ- كان يصلي قبلها أربعًا، وإسناده ضعيف جدًّا، بل قال النووي في "الخلاصة": هو حديث باطل، في سنده مبشر بن عُبيد متروك، بل رماه أحمد بالوضع.
واستدلّوا أيضًا بما رواه ابن ماجه في "سننه" بإسناد صحيح عن أبي هريرة -﵁-، قال: جاء سُليك الغَطَفانيّ، ورسول الله -ﷺ- يخطب، فقال له رسول الله -ﷺ-: "أصليت قبل أن تجيء؟ " قال: لا، قال: "فصلّ ركعتين، وتجوّز فيهما"، قال المجد ابن تيمية في "الأحكام": رجال إسناده ثقات، ورواه ابن ماجه أيضًا من حديث جابر -﵁-، قال العراقيّ ﵀: وإسناده صحيح.
قالوا: فقوله: "قبل أن تجيء" يدلّ على أن الصلاة المأمور بها ليست تحية المسجد؛ لأن فعلها في البيت لا يقوم مقام فعلها في المسجد، فتعيّن أنها سنة الجمعة.
وفيه نظر فلم يتعين ذلك (^١) فلا يجوز إثبات سنة الجمعة لمجرد هذا؛ إذ يحتمل أن معناه قبل أن تقترب مني لسماع الخطبة، وليس المراد قبل أن يجيء إلى المسجد؛ لأن صلاته قبل مجيء المسجد غير مشروعة، فكيف يسأله عنها؛ إذ المأمور به بعد دخول وقت الجمعة السعي إلى مكان الجمعة، وقبله لا يصحّ فعلها بتقدير ثبوتها.
واستدلُّوا أيضًا بما رواه أبو داود، وابن حبان في "صحيحه" عن نافع، قال: "كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث أن النبيّ -ﷺ- كان يفعل ذلك".
قال العراقيّ ﵀: وفي الاستدلال به نظر من وجهين:
(أحدهما): أنه لا يلزم من إطالته الصلاة قبل الجمعة أن يكون ذلك سنة للجمعة، بل قد يكون قبل الزوال في انتظاره.
_________________
(١) هكذا نسخة "الطرح"، ولعلّ الصواب: "إذ لم يتعيّن ذلك"، والله أعلم.
[ ١٧ / ٣٩٣ ]
(والوجه الثاني): أن الظاهر أن المراد بالمرفوع منه صلاة ركعتين بعدها في بيته على وفق حديثه المتَّفَق عليه في "الصحيحين"، فأما إطالة الصلاة قبلها، فلم يُنقل عنه فعله؛ لأنه كان يخرج إلى صلاة الجمعة، فيؤذن بين يديه، ثم يخطب. انتهى.
واستدلوا أيضا بما ثبت في "الصحيحين" عن عبد الله بن مغفّل -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-: "بين كلّ أذانين صلاة".
قال العراقيّ ﵀: ولقائل أن يعترض على الاستدلال به بأن ذلك كان متعذِّرًا في حياته -ﷺ-؛ لأنه كان بين الأذان والإقامة الخطبة، فلا صلاة حينئذ بينهما، نعم بعد أن جَدَّد عثمان الأذان على الزوراء يمكن أن يصلي سنة الجمعة قبل خروج الإمام للخطبة، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الكلام نظر لا يخفى؛ إذ الكلام في مشروعية سنة الجمعة القبلية، هل لها دليل تثبت به من قوله -ﷺ-، أو فعله، أم لا؟، لا عما أحدث بعده -ﷺ-، وأيضا الثابت عن عثمان -﵁- هو الأمر بالأذان، ولم يثبت عنه أنه أمر بسنة الجمعة القبليّة. فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
واستدلوا أيضًا بما رواه ابن حبان في "صحيحه"، والدارقطني في "سننه"، وغيرهما عن عبد الله بن الزبير -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ما من صلاة مفروضة، إلا وبين يديها ركعتان"، وهذا يتناول الجمعة وغيرها.
لكن يُضَعَّفُ الاستدلالُ به من جهة أنه عموم يقبل التخصيص، فيقدّم عليه ما هو الظاهر من حال النبيّ - ﷺ -، والصحابة أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك.
قال العراقيّ ﵀: واستَدَلّ بعضهم بحديث عبد الله السائب، وأبي أيوب الأنصاريّ، وثوبان -﵃- في صلاة أربع ركعات بعد الزوال، وقوله -ﷺ-: "إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء".
ولقائل أن يقول: هذه سنة الزوال، ففي حديث عليّ -﵁- أنه كان يصلي بعدها أربعًا قبل الظهر.
وقد يجاب عنه بأنه حصل في الجملة استحباب أربع بعد الزوال كل يوم، سواء الجمعة وغيرها، وهو المقصود. انتهى.
[ ١٧ / ٣٩٤ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الجواب عن هذا كالجواب عن سابقه، فيقال: هذا عامّ خُصّ منه يوم الجمعة بما ثبت عن النبيّ -ﷺ-، وأصحابه -﵃- أنهم ما كانوا يصلون قبل الجمعة، كما تقدم، والله تعالى أعلم.
وقال ولي الدين ﵀: وهذه الأمور التي استُدِلّ بها على سنة الجمعة قبلها وإن كان في كلّ منها على انفراده نظرٌ، فمجموعها قويّ يضعف معه إنكارها.
وأقوى ما يُعارض ذلك أنه -ﷺ- لم يكن يؤذن في زمنه يوم الجمعة غير أذان واحد في أول الوقت، وهو على المنبر، وذلك الأذان يعقبه الخطبة، ثم الصلاة، فلا يمكن مع ذلك أن يفعلها النبيّ -ﷺ-، ولا أحد من أصحابه.
وبالجملة فالمسألة مشكلة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلام ولي الدين ﵀ هذا نظر لا يخفى.
أما قوله: "فمجموعها قويّ يضعف معه إنكارها"، فقد كفانا الجواب عنه هو بنفسه، حيث قال: وأقوى ما يعارِضُ ذلك … إلخ، فأيّ قوة من هذه الأمور المعترَضَة بما سبق مع هذا الصريح الصحيح الثابت عن النبيّ -ﷺ-، وأصحابه -﵃-، أنهم ما كانوا يصلون سنة الجمعة القبلية المزعومة؟.
وكيف لا يُنكَر على من ادَّعَى شرعية ما لم يَشْرَعه الله تعالى على لسان نبيه -ﷺ-، ولا ثبت من فعله، ولا فُعل بمحضره -ﷺ-؟ أليس هذا هو الابتداع الذي ينبغي إنكاره؟ إن هذا لشيء عجيب!!.
وأما قوله: "وبالجملة فالمسألة مشكلة"، فجوابه أنه لا إشكال -بحمد الله تعالى- في هذه المسألة عند من لم يُعْمِه التقليد، والتقيُّد برأي فلان، أو فلان، والتجمّد عليه؛ إذ حكمها واضح وضوحَ الشمس في رائعة النهار؛ إذ مَن ادَّعى سنية قبلية الجمعة ما أتى بدليل يُستند إليه، إلا القياس على الظهر، فهذا أقوى دليل عندهم، كما تقدم في كلام النوويّ ﵀، وأما مستندهم من الأحاديث، فقد عرفت ضعفها فيما سبق، وقد صحّ لدينا أنه -ﷺ- ما صلى قبلية الجمعة، ولا أمر بها، ولا فعلها أصحابه بحضرته، بل كان يؤذن بين يديه -ﷺ-،
[ ١٧ / ٣٩٥ ]
فيقوم، فيخطب، ثم ينزل، فيصلي، فإذا ثبت هذا بطل القياس؛ إذ هو في مقابلة النص فاسد الاعتبار، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
وبالجملة فمسألتنا واضحة لا إشكال فيها، ولله الحمد والمنة.
والحاصل أن قبلية الجمعة مما لا أثارة عليه من علم، بل هي من الأمور المحدثة التي ينبغي إنكارها.
ومن أغرب ما نراه ممن لا يبالي بالسنة أن كثيرًا منهم يواظب على صلاة ركعتين، أو أربع بزعم أنها سنة قبلية للجمعة، ولا يترك ذلك، ولو رأى الإمام جالسًا على المنبر، أو شارعًا في الخطبة، ثم يتساهل فيما ثبت عنه -ﷺ- من قوله: "إذا صلى أحدكم الجمعة، فليصلّ بعدها أربعًا"، فلا يلتفت لهذا الأمر، بل إن صلى يصلي ركعتين فقط، أو يترك الصلاة بالكلية يذهب لحاجته، وهذا هو نتيجة التساهل في التمسك بالسنة، ومن تقديم البدعة عليها، نسأل الله تعالى أن يعيذنا من الحرمان والخذلان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيهان]:
(الأول): أنه ينبغي أن يُتنبه إلى شيء مُهمّ جدًّا، وهو أن إنكار الصلاة قبل الجمعة إنما هو لمن يعتقد أنها سنة قبلية ثابتة كسنة الظهر، وأما مطلق الصلاة لمن حضر قبل حضور الإمام، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة.
فقد تقدّم للمصنّف من حديث أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: "من اغتسل يوم الجمعة، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قُدّر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام".
فينبغي أن يَشتغل من أتى إلى الجمعة بالصلاة إلى أن يجلس الإمام على المنبر؛ لينال هذا الفضل العظيم.
وكذا من دخل المسجد بعد خروج الإمام، ولو في حال الخطبة يستحب له أن يصلي ركعتين خفيفتين كما تقدم في حديث: "إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإمام، فليصلّ ركعتين"، وفي لفظ: "إذا جاء أحدكم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما".
[ ١٧ / ٣٩٦ ]
وإنما نبهت على هذا، وإن كان واضحًا؛ لئلا يعتقد القاصر إذا سمع إنكار قبلية الجمعة، أن الصلاة قبلها غير مشروعة مطلقًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(التنبيه الثاني): قبليّة الجمعة التي سبق إنكارها هي التي تُسمّى في أصول الفقه بالسنة التركيّة، وقد استوفيت البحث فيها في "التحفة المرضية"، ودونك نصّها:
وَتَرْكُهُ فِعْلًا مِنَ الأَفْعَالِ … يَكُونُ حُجّةً بِلَا جِدَالِ
نَقْلُ الصَّحَابَةِ لَهُ يَنْقَسِمُ … إِلَى صَرِيحٍ دُونَ لَبْسٍ يُفْهَمُ
كَمِثْلِ صَلَّى عِيدَهُ بِلَا أَذَانِ … وَلَا إِقَامَةٍ فَحَقِّقِ الْبَيَانِ
وَالثَّانِ أَنْ لَا يَنْقُلُوا فِعْلًا لَهُ … مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي نَقْلَهُ
كَتَرْكِ لَفْظِ نِيّةِ الصَّلَاةِ مَعْ … تَرْكِهِ لِلدَّعَاءِ بَعْدَهَا فَدَعْ
أَيْ مَعَ تَأْمِينِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهْ … وَنَحْوِ ذَا مِمَّا الصِّحَابُ لَمْ يَعُوهْ
وَتَرْكُهُ يَكُونُ حُجَّةً إِذَا … وُجِدَتِ الشُّرُوطُ فَادْرِ الْمَأْخَذَا
أَنْ يُوجَدَ السَّبَبُ مِمَّا يَقْتَضِي … الْفِعْلَ ذَا فِي عَهْد الَّذِي ارْتُضِي
وَالثَّانِ أَنْ تَقُومَ حَاجَةٌ إِلَى … ذَاكَ الَّذِي تَرَكَهُ لِيُفْعَلَا
وَالثَّالثُ انْتِفَاءُ مَانِعٍ فَقَدْ … بَانَتْ شُرُوطُ التَّرْكِ فَاحْفَظْ تُعْتَمَدْ
فَتَرْكُهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ دَلْ … لِكَوْنِهِ سَنَّ لَنَا تَرْكَ الْعَمَلْ
أَمَّا إِذَا خَلَا عَنِ الشُّرُوطِ لَا … يَدُلُّ تَرْكُهُ عَلَى السَّنِّ انْجَلى
خُلَاصَةُ الْقَوْلِ لِتَرْكِ الْفِعْلِ لَا … يَخْلُو مِنَ الْحَالَاتِ تَأْتِي فَاعْقِلَا
أَوَّلُهَا التَّرْكُ لِفَقْدِ الْمُقْتَضِي … كَتَرْكِ مَانِعِ الزَّكَاةِ الْمُعْرِضِ
وَالثَّانِ تَرْكُهُ لِمَانِعٍ حَصَلْ … كَتَرْكِهِ الْقِيَامَ خَوْفًا لِلْمَلَلْ
ثَالِثُهَا التَّرْكُ مَعَ اقْتِضَاءِ … لَهُ كَذَا الْمَانِعُ ذُو انْتِفَاءِ
كَتَرْكِهِ الأَذَانَ لِلْعِيدَيْنِ … نَقُولُ تَشْرِيعٌ بِغَيْرِ مَيْنِ
فَهَذِهِ بِالسُّنَّةِ التَّرْكِيَّهْ … يَدْعُونَهَا فَاتْرُكْ بِحُسْنِ نِيَّهْ
وَسُنَّةُ التَّرْكِ عَلَى ثَلَاثَةِ … تُبْنَى كَمَالَ الدِّينِ مِنْهَا أَثْبِتِ
إِذْ هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الزَّيْدِ فَقَدْ … رَضِيَهُ دِينًا إلَهُنَا الصَّمَدْ
وَالثَّانِ أَنَّ الْمُصْطَفَى بَيَّنَهُ … أَتَمَّ تَبْيِينٍ فَمَا أَحْسَنَهُ
فَمَا مِنَ الْخَيْرَاتِ إِلَّا أَرْشَدَا … أُمَّتَهُ لَهَا وحَثًّا أَكَّدَا
[ ١٧ / ٣٩٧ ]
وَمَا مِنَ الشُّرُورِ إِلَّا حَذَّرَا … وَشَدَّدَ النَّكِيرَ حَتَّى تَحْذَرَا
ثَالِثُهَا حِفْظُ الإِلَهِ الدِّينَ مِنْ … كَيْدِ الشَّيَاطِينِ فَشَرَّهُمْ أَمِنْ
وإن أردت تحقيق البحث في هذه المسألة فلتراجع الشرح "المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضيّة"، تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَصَلُّوا أَرْبَعًا،، زَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: قَالَ سُهَيْلٌ: "فَإِنْ عَجِلَ بِكَ شَيْءٌ، فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَكْعَتَيْنِ إِذَا رَجَعْتَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) عن بضع وسبعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (زَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ … إلخ) يعني: أن شيخه عمرًا الناقد زاد في روايته ما لفظه: "قال إدريس: قال سُهيلٌ: فإن عَجِلَ بك شيء … إلخ"، والمعنى: أنك إن استعجلت، فلم تتمكّن من إكمال أربع ركعات بعد الجمعة في المسجد، فصلّ ركعتين فيه، وركعتين في بيتك، وفيه إشارة إلى تأكّد الأمر بأربع ركعات.
[تنبيه]: قوله: "قال ابن إدريس: قال سُهيل … إلخ" ظاهره أنه من كلام سُهيل موقوفًا عليه، وليس مرفوعًا، وتدلّ على ذلك رواية أبي داود، ولفظه: "قال: فقال لي أبي: يا بُنيّ، فإن صلّيت في المسجد ركعتين، ثم أتيت المنزل، أو البيت، فصل ركعتين". انتهى.
ورواية أبي داود صريحة في أن سهيلًا أمره به أبوه، وظاهر رواية
[ ١٧ / ٣٩٨ ]
المصنّف أنه أمر به ابنَ إدريس، ولعله أمره به أبوه، ثم هوأمر به ابن إدريس، والله تعالى أعلم.
وقوله أيضًا: (فَإِنْ عَجلَ بِكَ شَيْءٌ) بكسر الجيم، من باب تَعِبَ؛ أي: حملك على الاستعجال، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣٨] (…) - (وَحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا"، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: "مِنْكُمْ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
وكلّهم تقدّموا، فمن سُهيل ذُكروا في الباب، ومن قبله في الباب الماضي، سوى جرير، قبل باب، وسفيان هو الثوريّ.
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: "مِنْكُمْ") يعني: أن لفظ "منكم" لم يُذكر في حديث جرير، وإنما ذُكر في حديث وكيع فقط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣٩] (٨٨٢) - (وَحَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثنا (^٢) قُتَيْبَةُ، حَدَّثنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ "قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَصْنَعُ ذَلِكَ).
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٧ / ٣٩٩ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) ذُكر في الباب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) تقدّم قريبًا.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (قتيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم قبل باب.
٥ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ المشهور، مات -﵁- سنة (٧٣) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، وشرح الحديث واضحٌ.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٠٣٩ و٢٠٤٠ و٢٠٤١] (٨٨٢)، و(البخاريّ) في "الجمعة" (٩٣٧) و"التطوّع" (١١٧٢ و١١٨٠)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٢٥٢)، و(الترمذيّ) في "الجمعة" (٥٢١ و٥٢٢)، و(النسائيّ) في "الجمعة" (١٢٢٨) و"الكبرى" (٣٢٦ و٥١٥ و١٦٧٠)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٣٠ و١١٣١)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٦٧٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٩٨ و١٨٧١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٨٢ و١٩٨٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٤٠] (…) - (وَحَدَّثنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ وَصَفَ تَطَوُّعَ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَالَ (^٢): فَكَانَ
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
(٢) وفي نسخة: "فقال".
[ ١٧ / ٤٠٠ ]
لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي (^١) رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، قَالَ يَحْيَى: أَظُنُّنِي (^٢) قَرَأْتُ: فَيُصَلِّي، أَوْ أَلْبَتَّةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلهم ذُكروا قبله، غير:
١ - (مالك) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين، وإمام المجتهدين، [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٣٤) من رباعيّات الكتاب، وهو أصحّ الأسانيد، فقد نُقل عن البخاريّ أنه قال: أصحّ الأسانيد كلّها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-.
وقوله: (أَنَّهُ وَصَفَ … إلخ) الضمير لابن عمر -﵄-.
وقوله: (قَالَ: فَكَانَ … إلخ) وفي نسخة: "فقال … إلخ".
وقوله: (فَيُصَلِّي) وفي نسخة: "فصلّى".
وقوله: (قَالَ يَحْيَى: أَظنُنِي قَرَأْتُ: فَيُصَلِّي، أَوْ أَلبَتَّةَ) قال النوويّ ﵀: معناه أظنّ أني قرأت على مالك في روايتي عنه: "فيصلّي"، أوأجزم بذلك، فحاصله أنه قال: أظنّ هذه اللفظة، أوأجزم بها. انتهى (^٣).
ووقع في بعض النسخ: "أظنّه" بضمير الغائب، وعليه فالضمير للشأن، والجملة بعده مفسّرة له.
وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "أظن قرأت … إلخ" هذا لفظ يُشكل ظاهره، وتفسيره أنه شكّ هل قرأ على مالك قوله: فيُصلي ركعتين، أو غير هذا اللفظ، كيركع، أو سقط من كتابه لفظة "يصلي"؟ ثم غَالَبَ ظنه وقوع هذه اللفظة وشهرتها في حديث مالك، قال: أو ألبتّة؛ أي: أنا متردّد بين الظنّ واليقين في هذه اللفظة؛ تحرّيًا في الأداء، قال: وكان ﵀ مع علمه وحفظه
_________________
(١) وفي نسخة: "فصلى".
(٢) وفي نسخة: "أظنه".
(٣) "شرح النوويّ" ٦/ ١٧٠.
[ ١٧ / ٤٠١ ]
كثير التشكك في الألفاظ؛ لورعه وتقاه حتى لُقِّب بالشكّاك. انتهى (^١).
[فائدة مهمّة]: قال العلامة ابن عابدين ﵀ في "الفوائد العجيبة": قولهم: "لا أفعله البَتَّةَ"، هي مصدر من البَتّ بمعنى القطع، وفي "القاموس": لا أفعلُهُ البَتَّةَ، وبتَّةً لكلِّ أمرٍ لا رَجْعَةَ فيه. انتهى.
والمشهور على الألسنة أنّ همزتها همزة قطع، وبه صَرَّح الإِمام الكِرْمانيّ في "شرح البخاريّ"، وردّه الحافظ ابنُ حجر في شرحه "فتح الباري" بما حاصله أَنَّه لم يَرَ أحدًا من أهل اللغة صرَّحَ بذلك، ونازعه البدر العَيْنيّ في "شرحه" أيضًا بانّ عدم رؤيته واطلاعه على التصريح بذلك لا يُنافي وجوده.
قال ابن عابدين: القياس يقتضي ما قاله الحافظ، فإنّه من المصادر الثلاثية، وهمزاتها همزة وصل، وبمنازعة العينيّ لا يثبت المدَّعى، نَعَمْ قد يُقال من حُسْنِ الظنِّ بالإِمام الكِرْماني أنّه لا يقولُ ذلك من رأيه مع مخالفته لقياسه على نظائره، فلولا وقوفه على ثَبَت في ذلك لما قاله.
وصرّح بعض الفضلاء بأنّ المشهور كونها همزة قطع، وأنّه مما خالف القياس، وهو يؤيد ما قاله الكِرْمانيّ، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال.
قال: ثمّ رأيت في "الشرح الكبير" للعلامة الدمامينيّ على "المغني" عند قوله في "باب الهمزة": ولو كان على الاستفهام الحقيقيّ لم يكن مدحًا البَتةَ، ما نَصُّهُ: هي بمعنى القول المقطوع به، قالَ الرضيّ: وكأنَّ اللام فيها في الأصل للعهد؛ أي: القَطْعَة المعلومة التي لا تردّد فيها، فالتقدير هنا: أجزمُ بهذا الأمر، وهوأنّه لو كان على حقيقة الاستفهام لم يكن مدحًا قَطْعةً واحدةً، والمعنى أنّه ليس فيه تردّد، بحيث أجزم به، ثُمّ يبدو لي، ثُمّ أجزمُ به مرة أخرى، فيكون قطعتين، أو أكثر، بل هو قطعة واحدة لا يُثَنَّى فيها النظر، فالبَتَّة بمعنى القَطْعَة، ونصبها نصب المصادر. انتهى.
وفي هذا إشارة ظاهرة إلى أنّ الهمزة همزة وصل، بل كلام الرضيّ كالصريح في ذلك، اللهمّ إلّا أنْ يكونَ ذلك بناءً على ما هو القياس، فلا يُنافي ما قدّمناه من أنّ قطع همزتها مما خالف القياس.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٣/ ٢٨٧ - ٢٨٨، و"شرح الأبيّ" ٣/ ٣٢ - ٣٣.
[ ١٧ / ٤٠٢ ]
قال: ثُمَّ رأيتُ التصريح بذلك في "تصريح الشيخ خالد الأزهريّ" في بحث المعرفة حيث قال: البَتَّة بقطع الهمزة سماعًا، قاله شارح اللباب، والقياس وصلها. انتهى. فليتأمَّل.
وجاء في "لباب الإعراب": أنّ الأكثر فيه التعريف، وقطع الهمزة بمعزل عن القياس، لكنه مسموع. انتهى كلام ابن عابدين ﵀ (^١)
وقال المرتضى الزَّبِيديّ ﵀ في "شرح القاموس" عند قوله: "ولا أفعله البتّةَ، وبَتَّةً لكلّ أمر لا رجعة فيه"، ما نصّه: ونصبه على المصدر، قال ابن برّيّ: مذهب سيبويه وأصحابه أن البتّة لا تكون إلا معرفة لا غير، وإنما أجاز تنكيره الفرّاء وحده، وهو كوفيّ، ونقل شيخنا عن الدمامينيّ في "شرح التسهيل": زَعَمَ في "اللباب" أنه سُمِع في "البتّة" قطع الهمزة، وقال شارحه في "العباب": إنه المسموع، قال البدر: ولا أعرف ذلك من جهة غيرهما، وبالغ في ردّه وتعقُّبه، وتصدّى لذلك أيضًا عبد الملك العصاميّ في حاشيته على شرح القطر. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من كلام المحقّقين أن الصواب في همزة "البتّة" أنها وصل، على ما هو القياس، وليست بقطع؛ لأن ذلك لم يثبُت عند المحققين، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى بيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٤١] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثنا عَمْرٌو، عَنِ الزهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي.
_________________
(١) "الفوائد العجيبة" ١/ ٥٢ - ٥٤.
(٢) "تاج العروس من جواهر القاموس" ١/ ٥٣٤.
[ ١٧ / ٤٠٣ ]
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الحافظ المشهور، من رؤوس ٤١، (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عمر، أوأبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
وشرح الحديث واضحٌ، وقد تقدّم تخريجه قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.