وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥١] (١٠١٧) - (حَدَّثَنِي (^٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ،
_________________
(١) وفي نسخة: "ثلاث مرَّات".
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٩ / ٤٢١ ]
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللهِ -ﷺ- فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ، عُرَاةٌ، مُجْتَابِي النِّمَارِ، أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ، وَأقَامَ، فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وَالْآيةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ (^١) وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨]، "تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِه، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأنصَارِ بِصُرَّةٍ، كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تتابَعَ النّاسُ، حَتَّى رَأيتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجهَ رَسُول اللهِ -ﷺ- يَتَهَلَّلُ، كأنّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى الزمِنُ البصريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت الناقد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) السُّوائيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٨/ ١١٢٤.
_________________
(١) وفي نسخة: "يا أيها الذين آمنوا اتّقوا الله".
[ ١٩ / ٤٢٢ ]
٥ - (الْمُنْذِرُ بْنُ جَرِيرٍ) بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، ثقة (^١) [٣].
روى عن أبيه، وعنه عبد الملك بن عُمير، وعون بن أبي جُحَيفة، وأبو إسحاق السبيعيّ، والضحّاك بن المنذر، وأبو حيّان التيميّ، على خلاف فيه.
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، روى له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
٦ - (أَبُوهُ) جرير بن عبد الله بن جابر البجليّ الصحابي المشهور -﵁- المتوفّى سنة (٥١ هـ) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى المنذر، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ) وفي رواية أبي أسامة، ومعاذ العنبري الآتية قالا: "حدّثنا شعبة، حدّثني عون بن أبي جُحيفة، قال: سمعت المنذر بن جرير … " (عَنْ أَبِيهِ) جرير بن عبد الله البجليّ -﵁- أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللهِ -ﷺ-) وفي رواية عبد الملك بن عُمير، عن المنذر الآتية: "كنت جالسًا عند النبيّ -ﷺ-، فأتاه قوم … " (فِي صَدْرِ النَّهَارِ) أي: في أوله (قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ) وفي الرواية
_________________
(١) هذا أولى من قوله في "التقريب": مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثّقه المصنّف حيث أخرج له هنا في الأصول، وابن حبّان، والذهبيّ في "الكاشف"، ولم يتكلّم فيه أحد، فتنبّه.
[ ١٩ / ٤٢٣ ]
الآتية من طريق عبد الرحمن بن هلال العبسيّ، عن جرير بن عبد الله قال: "جاء ناسٌ من الأعراب إلى رسول الله -ﷺ-، عليهم الصوف … ".
(حُفَاةٌ) بالضمّ صفة لـ "قومٌ"، وهو: جمع حَافٍ، اسم فاعل، من حَفِي الرجلُ يَحْفَى، من باب تَعِبَ حَفَاءً، مثل سَلَامٍ: إذا مَشَى بغير نَعْلٍ، ولا خُفٍّ.
(عُرَاةٌ) بالضمّ، صفة لـ "قوم" بعد صفة، وهو: جمع عَارٍ، والمراد أنهم لم يلبسوا الثيابَ المعتادَ لبسُهَا، وإنما أوّلناه بهذا؛ لأن في رواية عبد الرحمن بن هلال الآتية: أنّ عليهم الصوفَ، فهم لابسو الصوفِ، ولقوله أيضًا: (مُجْتَابِي النِّمَارِ) اسم فاعل من اجتابَ الشيءَ: إذا خَرَقه، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]. أي: خَرَقوا النِّمَار، وقَوَّرُوا وسطها، و"النمار" -بكسر النون -جمع نَمِرَة- بفتح النون: وهي ثياب من صوف، فيها تنمير.
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "مجتابي النمار" هو بالجيم، وبعد الألف باء موحّدة، و"النمار": جمع نَمِرة، وهي كساء من صوف مُخطّط، ومعنى مُجتابيها: لابسوها، وقد خرقوها في رؤوسهم. انتهى (^١).
وقوله: (أَوِ الْعَبَاءِ) "أو" للشكّ من الراوي، و"العباء" بفتح العين، والمدّ، جمع عَبَاءة، وعَبَاية، لغتان، وهي أكسيةٌ غِلَاظٌ مُخَطَّطة (^٢).
(مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ) بالإضافة: أي: معلّقي السيوف على أعناقهم، ووقع في نسخة من النسائيّ: "متقلّدين السيوف"، بلا إضافة، وعليه فـ "السيوف" منصوبٌ على المفعوليّة (عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ) أي: غالبهم من قبيلة مضر -وهو بضمّ الميم، وفتح الضاد المعجمة، آخره راء- ابن نزار، وهو الشعب المعروف الذي تُنسب إليه قريش وغيرها، وهو وربيعة بن نِزَار صريح ولد إسماعيل بن إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- لا خلاف في ذلك، قاله في "اللباب" (^٣).
وقوله: (بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ) هذا إضرابٌ إلى التحقيق، فقوله: "عامّتهم"
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٦٦٩.
(٢) راجع: "شرح النوويّ على صحيح مسلم" ٧/ ١٠٤، و"المفهم" للقرطبيّ ٣/ ٦٢.
(٣) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٣٣٨.
[ ١٩ / ٤٢٤ ]
كان عن عدم تحقيق، واحتمال أن يكون بعضهم من غير مضر، أوّلَ الوَهْلَة، ثمّ تبيّن له أنّ كلهم من مضر، فأخبر به، فـ "بل" للإضراب الانتقاليّ، تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه، وتنقل الحكم إلى ما بعدها، كما هو مقرّرٌ في محلّه من كتب النحاة.
وقال الطيبيّ -﵀-: والعطف في "بل كلّهم" للحصر، وهو من قصر الموصوف على الصفة؛ أي: لا يتجاوزون عن مضر إلى غيرهم، وكذا العطف في "بل قد عَجَزَت"، وفائدته التأكيد، ورفع توهّم التجوّز. انتهى (^١).
(فَتَمَعَرَ) بالعين المهملة: أي: تغيّر، قال ابن الأثير -﵀-: أصل التمعّر قلّة النضارة، وعدم إشراق اللون، من قولهم: مكان أمعر، وهو الْجَدْبُ الذي لا خِصْب فيه. انتهى (^٢). (وَجْهُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- لِمَا رَأَى) بكسر اللام، و"ما" مصدريّة؛ أي: لرؤيته، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح اللام، وتشديد الميم، وهي "لَمَّا" الحينيّة؛ أي: حين رأى (بِهِمْ) أي: بهؤلاء القوم الذين جاءوه (مِنَ الْفَاقَةِ) أي: الفقر والحاجة (فَدَخَلَ) أي: دخل -ﷺ- بيته، ولعلّه لاحتمال أن يجد ما يدفع به فاقتهم (ثُمَّ خَرَجَ) لعله لم يجد في البيت شيئًا (فَأَمَرَ بِلَالًا) -﵁- ومفعوله محذف؛ أي: بالأذان (فَأَذنَ) أي: لصلاة الظهر، كما سيأتي في رواية عبد الملك بن عمير الآتية (وَأقَامَ، فَصَلَّى) النبيّ -ﷺ- صلاة الظهر إمامًا للناس (ثُمَّ خَطَبَ) وفي رواية عبد الملك بن عمير الآتية: "فصلّى الظهر، ثم صَعِد منبرًا صغيرًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الله تعالى أنزل في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الآية".
وإنما قرأ -ﷺ- في خطبته أول سورة النساء؛ تذكيرًا لهم أنهم كلَّهم من أصل واحد، فينبغي لهم أن يَعطِف بعضُهم على بعض (فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾) أمر الله تعالى خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده، لا شريك له، ونبههم على قدرته التي خلقهم بها ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾) وهي آدم -﵇-.
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩] أراد بالتلاوة من هذه الآية قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]؛
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٦٦٩.
(٢) "النهاية" ٤/ ٣٤٢.
[ ١٩ / ٤٢٥ ]
أي: اتقوا الله الذي خلقكم، واتقوا الله الذي تتناشدون به، واتّقوا الأرحام، فلا تقطعوها، وقد آذن الله تعالى حيث قرن الأرحام باسمه إلى أن صلتها منه بمكان، ومنزلة عظيمة. انتهى.
وقولى: (إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) أي: قرأ الآية إلى آخرها، ونصّ تمام الآية: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
فقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حوّاء -﵇- خُلقت من ضِلْعه الأيسر من خلفه، وهو نائمٌ، فاستيقظ، فرآها، فأعجبته، فأنس إليها، وأنست إليه.
وفي الحديث الصحيح: "إن المرأة خُلقت من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الضلَع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمعت بها، وفيها عوج" ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي: وذَرَأَ من آدم وحوّاء رجالًا كثيرًا ونساءً، ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم، وصفاتهم، وألوانهم، ولغاتهم ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: اتقوه بطاعتكم إياه ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ حيث تقولون: أسألك بالله ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب أي: واتقوا الأرحامَ أن تقطعوها، بل برّوها، وصِلُوها، وقرأ بعضهم: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالجرّ عطفًا على الضمير في ﴿بِهِ﴾؛ أي: تساءلون بالله، وبالأرحام.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] بدل من "الآية" محكيّ لقصد لفظه، ومعناه: مراقب لجميع أحوالكم، وأعمالكم، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]. وفي الحديث الصحيح: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك"، وهذا إرشاد، وأمر بمراقبة الرقيب، ولهذا ذكر تعالى أنّ أصل الخلق من أَبٍ واحدٍ، وأمّ واحدة؛ لِيُعَطِّفَ بعضَهُم على بعض، ويحثّهم على ضعفائهم (^١)، وهذا هو سبب قراءة النبيّ -ﷺ- لهذه الآية في هذه المناسبة، حيث إنها أبلغ في تثبيت الأخوّة بين المؤمنين، وقوّة ترابطهم جنسًا، وعقيدةً، المقتضي لعطف بعضهم على بعض، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَالآيةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ) بنصب "الآيةَ" عطفًا على قوله: ﴿يَاأَيُّهَا
_________________
(١) راجع: "تفسير ابن كثير" رحمه الله تعالى أول سورة النساء.
[ ١٩ / ٤٢٦ ]
النَّاسُ اتَّقُوا﴾ من حيث المعنى، على تأويل "قال" بـ "قرأ"؛ أي: قرأ هذه الآية، والآيةَ التي في سورة الحشر، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا﴾ من حيث المعنى، على تأويل "قال" بـ "قرأ"؛ أي: قرأ هذه الآية، والآيةَ التي في سورة الحشر، وقوله: (﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾) يَحْتَمل أن يكون منصوبًا على البدليّة من "الآيةَ"، محكيًّا، ويَحْتَمل أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: هي.
ووقع في بعض النسخ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَمْرٌ من الله تعالى للمؤمنين بتقواه، وهو يَشْمَل فعل ما به أَمَر، وترك ما عنه زَجَر ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]) زاد في رواية الطبرانيّ: "إلى قوله: ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠].
والمعنى: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وانظروا ماذا ادّخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم، وعَرْضكم على ربّكم.
وسبب قراءته -ﷺ- هذه الآية كونها أبلغ في الحثّ على الصدقة، كما أن الآية المتقدّمة أبلغ في الترابط بين أجناس بني آدم، والله تعالى أعلم.
("تَصَدَّقَ رَجُل مِنْ دِينَارِهِ) أي: ليتصدّق رجل من ديناره، فهو خبر بمعنى الأمر، وفي رواية الطبرانيّ: "تَصَدَّقُوا قبل أَنْ لا تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقَ رَجُل من دِينَارِهِ، تَصَدَّقَ رَجُل من دِرْهَمِهِ، تَصَدَّقَ رَجُل من بُرِّهِ، تَصَدَّقَ رَجُلٌ من تَمْرِهِ، من شَعِيرِهِ، لا تَحْقِرَنَ شيئًا مِنَ الصَّدَقَةِ، وَلَوْ بشِقِّ تَمْرَةٍ … ".
[تنبيه]: قال أبو البقاء الْعُكبَريّ -﵀- في "إعراب الحديث": قوله: "تصدّق رجل" يَحْتَمِلُ وجهين:
[أحدهما]: أن يكون أراد الشرط؛ أي: إن تصدّق رجلٌ، ولو بشيء حقير من ماله أُثيب، وحُذف حرف الشرط وجوابه للعلم به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩] تقديره: إن أقمتَ على الطاعة.
[والوجه الثاني]: أن يكون الكلام محمولًا على الدعاء، فكانّه قال: رَحِم الله امرءأ تصدّق، كما قالوا: امرءًا اتَّقَى اللهَ؛ أي: رَحِمَ اللهُ، وجعل الفاعل، وهو قوله: "رجلٌ" مفسّرًا للمنصوب المحذوف.
ويَحْتَمِل وجهًا ثالثًا: وهو أن يكون على الخبر؛ أي: تصدّق رجلٌ من
[ ١٩ / ٤٢٧ ]
غيركم بكذا وكذا، فأُثيب، والغرض منه حثّهم على الصدقة، وأنّ غيرهم تصدّق بمثل ذلك، فأُثيب، فحكمهم كحكمه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأوجه الثلاثة التي ذكرها العكبريّ فيها بعذ، وتكلّفٌ لا يخفى.
وقيل: هو مجزومٌ بلام أمر مقدّرة، أصله ليتصدّق، وهذا الحذف مما جوّزه بعض النحاة.
وفيه أنّ حقّه حينئذ أن يكون يتصدّق -بياء تحتيّة، بعدها تاء فوقيّةٌ - ولا وجه لحذفها.
فالصواب عندي أنّ صيغته صيغة خبرٍ ومعناه الأمر، ولا يقال: إن كونه خبرًا لا يساعده قوله: "ولو بشقّ تمرة"؛ لأنّنا نقول: إنّما يتوجّه ذلك لو كان خبرًا معنًى أيضًا، وأما إذا كان أمرًا معنًى فلا يتوجّه هذا الاستشكال.
والحاصل أنّ هذا خبر بمعنى الأمر؛ أي: ليتصدّق، وإنما عبّر بصيغة الخبر؛ حثًّا للمخاطبين على امتثاله، وترغيبًا لهم في حصوله منهم، وكونه بصيغة الماضي أبلغ في ذلك، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر ابن مالك -﵀- نحو هذا الإعراب في كتابه "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" في أَثَرِ عمر بن الخطّاب﵁-: "إذا وسّع الله، فأوسعوا، صَلّى رجلٌ في إزارٍ ورداء، في إزارٍ وقميصٍ، في إزارٍ وقباء"، قال: تضمّن هذا الحديث فائدتين:
[إحداهما]: ورود الفعل الماضي بمعنى الأمر، وهو "صَلّى رجلٌ"، والمعنى: ليصلّ رجلٌ، ومثله في كلام العرب: اتّقى الله امرؤٌ فعل خيرًا يُثبْ عليه. والمعنى: ليتّق، وليفعل. ولكونه بمعنى الأمر جيء بعده بجواب مجزوم، كما يُجاء بعد الأمر الصريح، وأكثر مجيء الماضي بمعنى الطلب في الدعاء، نحو: نصر الله من والاك، وخَذَل من عاداك.
[والفائدة الثانية]: حذف حرف العطف، فإن الأصل: صَلَّى رجلٌ في
_________________
(١) راجع: "إعراب الحديث النبويّ" للعكبريّ ص ١٥٨ - ١٥٩.
[ ١٩ / ٤٢٨ ]
إزار ورداء، أو في إزار وقميص، أو في إزار وقباء، فحذف حرف العطف مرّتين؛ لصحّة المعنى بحذفه.
ونظير هذا الحديث في تضمّن الفائدتين قول النبيّ -ﷺ-: "تصدّق امرؤٌ من ديناره، من درهمه، من صاع برّه، من صاع تمره". انتهى كلام ابن مالك -﵀- (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: أنكر ابن القيّم -﵀- كتابه "بدائع الفوائد" كون الكلام المذكور ونحوه مما حُذف منه حرف العطف (^٢)، وعندي أن ما ذهب إليه ابن مالك -﵀- هو الأظهر والأقرب، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "رجلٌ" نكرة وُضعت موضع الجمع المعرّف، فأفاد الاستغراق في أفراده، وإن لم يكن في سياق النفي، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]، فإن ﴿شَجَرَةٍ﴾ وقعت موقع الأشجار، فأفادت الاستغراق، ومن ثَمَّ كَرّر "من" في الحديث مرارًا، ولم يعطف. انتهى (^٣).
وقوله: (مِنْ دِرْهَمِهِ) معطوفٌ بحرف عطف مقدّر، كما بيّنه ابن مالك -﵀- في كلامه المذكور آنفًا، وكذا ما بعده.
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "من درهمه" "من" يَحْتَمل أن تكون تبعيضيّة منصوبة المحلّ، و"ديناره"، و"درهمه" جنس؛ أي: ليتصدّق ببعض ما عنده من هذا الجنس، ويَحْتَمِل أن تكون ابتدائيّةً متعلّقة بالفعل، فالإضافة في "ديناره"، و"درهمه" بمعنى اللام؛ أي: ليتصدّق بما هو مختصّ به، وهو مفتقر إليه، على نحو قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية [الحشر: ٩]. انتهى (^٤).
(مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ) النبيّ -ﷺ- (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ") أي: ليتصدّق، ولو كانت صدقته قليلةً، كشِقّ تمرة؛ أي: نصفها.
_________________
(١) راجع: "شواهد التوضيح، والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" ص ٦٢ - ٦٣.
(٢) "بدائع الفوائد" ١/ ٢١٦.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٦٧٠.
(٤) "الكاشف" ٢/ ٦٧٠.
[ ١٩ / ٤٢٩ ]
(فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأنصَارِ) لا يُعرف اسمه، كما قاله صاحب "التنبيه" (^١). (بِصُرَّةٍ) بضمّ الصاد المهملة، وتشديد الراء: وِعَاءُ الدراهم، والدنانير، جمعها صُرَرٌ، مثلُ غُرْفَة وغُرَفِ (كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا) بكسر الجيم، من باب ضَرَب، وعَجِزَ -بكسر الجيم- يَعْجَز -بفتحها- عَجَزًا- بفتحتين- من باب تَعِبَ، لغةٌ لبعض قَيسِ عَيْلَانَ، ذكرها أبو زيدٍ، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد رَوَى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يُقال: عَجِزَ الإنسان -بالكسر- إلا إذا عَظُمت عَجِيزَته، ذكره في "المصباح" (^٢). (بَلْ قَدْ عَجَزَتْ) "بل" في مثل هذا للإضراب الإبطاليّ، أَخْبَرَ أوّلًا بأنّ كفّ الرجل قاربت العجز، ثم تبيّن له أنها عجزت حقيقةً، فأخبر به، والمراد أن الرجل تصدّق بمال كثير.
(ثُمَّ تتَابَعَ النَّاسُ) أي: تبع بعضهم بعضًا في المجيء بالصدقة (حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ) بفتح الكاف، وضمّها، قال القاضي عياض﵀-: ضبطه بعضهم بالفتح، وبعضهم بالضمّ، قال ابن السراج: هو بالضمّ اسم لما كُوِّمَ، وبالفتح المرّة الواحدة، قال: والكُومة -بالضمّ-: الصُّبْرة، والكُوم العظيم من كلّ شيء، والكوم المكان المرتفع، كالرابية، قال القاضي: فالفتح هنا أولى؛ لأنّ مقصوده الكثرة، والتشبيه بالرابية. انتهى (^٣). (مِنْ طَعَام وَثيَاب) بيان للكوم (حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُول اللهِ -ﷺيتَهَلَّلُ) أي: يَستنير فرَحًا وسُرورًا.
وقوله: (كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ) قال النوويّ -﵀-: ضبطوه بوجهين:
[أحدهما]: وهو المشهور، وبه جزم القاضي، والجمهور "مُذْهَبة" بذال معجمة، وفتح الهاء، وبعدها باءٌ موحّدة.
[والثاني]: - ولم يذكر الحُمَيديّ في "الجمع بين الصحيحين" غيره -"مُدْهُنَة"- بدال مهملة، وضم الهاء، وبعدها نون- وشرحه الحميديّ في كتابه "غريب الجمع بين الصحيحين"، فقال: هو وغيره ممن فسّر هذه الرواية، إن صحّت: الْمُدهُن: الإناء الذي يُدهَن فيه، وهو أيضًا اسمٌ للنُّقْرة في الجبل التي
_________________
(١) "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" (ص ١٩١).
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٩٣.
(٣) راجع: شرح مسلم للنوويّ ٧/ ١٠٥.
[ ١٩ / ٤٣٠ ]
يُستَنْقَع فيها ماءُ المطر، فشبّه صفاء وجهه الكريم -ﷺ- بإشراق السرور بصفاء هذا الماء الْمُستَنقع في الحجر، أو بصفاء الدُّهْن والْمُدْهُن.
وقال القاضي عياض في "المشارق" وغيره من الأئمّة: هذا تصحيفٌ، وهو بالذال المعجمة، والباء الموحّدة، وهو المعروف في الروايات، وعلى هذا ذكر القاضي وجهين في تفسيره:
[أحدهما]: معناه فضة مُذهبة، كما قال الشاعر:
كَأنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ
ويعني به: تشبيه إشراق وجهه وتنويره، فهو أبلغ في ذلك.
[والثاني]: شبّهه في حسنه، ونوره بالْمُذْهَبَة من الجلود، والسُّرُوج، والأقداح، وغير ذلك، وجمعها مذاهب، وهي شيءٌ كانت العرب تصنعه من جلود، وتَجعَل فيها خطوطًا مُذْهَبَة، يُرَى بعضها إثرَ بعض.
وأما سبب سروره -ﷺ-، فهو الفرح بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذلِ أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله -ﷺ-، ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البرّ والتقوى، فينبغي للإنسان إذا رأى شيئًا من هذا القبيل أن يفرح، ويُظهر سروره، ويكون فرحه لما ذكرناه. انتهى كلام النووي -﵀- في "شرحه"، بزيادة من "المفهم" (^١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً) أي: مَن أَتَى بطريقة مرضيّة، يُقتَدَى به فيها، كما فعل هذا الأنصاريّ الذي أَتَى بصُرّة، يقال: سنّ الطريقةَ: إذا سار فيها، كاستسنّها، قاله في "القاموس".
والسنة الحسنة هي: الطريقة المحمودة، التي يدلّ عليها الكتاب والسنّة (فَلَهُ أَجْرُهَا) قال الطيبئ -﵀-: الضمير للسنّة، والإضافة يكفي في استقامتها أدنى ملابسة، فإن السنّة الحسنة لَمّا كانت سببًا في ثبوت أجر عاملها أضيف الأجر إليها بهذا، كما إذا رأيت بناءً رفيعًا، فقلت: هذا بناء الأمير، أو أن المضاف محذوف؛ أي: فله أجر عملها، فيكون من إضافة المصدر إلى المفعول. انتهى (^٢).
_________________
(١) "شرح مسلم للنوويّ" ٧/ ١٠٥، و"المفهم" للقرطبيّ ٣/ ٦٢ - ٦٣.
(٢) "الكاشف" ٢/ ٦٧١.
[ ١٩ / ٤٣١ ]
(وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ) ظاهره أنّه يَحْصُل له الأجر، ولو لم ينو المبتدئ أن يُتّبع فيها، ففيه ثبوت الأجر مع عدم نيّة الفاعل، فيكون مُخَصِّصًا لحديث "إنما الأعمال بالنيّات"، والله تعالى أعلم. (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْءٌ) "نقص" يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، يقال: نَقَصَ المالُ نَقْصًا، وانتقَصَ: إذا ذهب منه شيء بعد تمامه، فهو لازم، ويقال: نقصته، فهو متعدٍّ، وهذه هي اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ الآية [الرعد: ٤١]، وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعذى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصت زيدًا حقّه، وانتقصته مثله، أفاده الفيّوميّ.
قال الجامع عفا الله عنه: إذا عرفت هذا، فما هنا من اللازم، ولهذا رُفع قوله: "شئٌ" على الفاعليّة، ووقع في رواية النسائيّ بنصب "شيئًا"، فيكون من المتعدّي، فتنبّه، والله تعالى أعلى أعلم.
(وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً) أي: مَن فَعَل فعلًا قبيحًا، فاقتُدِي به.
والسنّة السيّئة هي الطريقة المذمومة، وهي التي تُبتدَع بعد تمام الدين على أنها منه، وهي الْمَعْنِيّة بقوله -ﷺ-: "كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار" (كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا) -بكسر، فسكون-: الإثم، والثِّقَل، يقال: وَزَرَ يَزِرُ، من باب وَعَدَة إذا حَمَلَ الإثمَ، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [الإسراء: ١٥]. والجمع أوزارٌ، مثلُ حِمْلٍ وأحمالِ. أي: عليه إثم فعلها (وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ) أي: ومثل وزر مَن عَمِل بها، وهذا لا يعارض قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] لأنّ هذا فعله، لا فعل غيره، وذلك لأنه ابتدأ هذه السنّة السيّئة، وتبعه عليها غيره، فصار سببًا في الشرّ، فالإثم جاءه من تسبّبه، والله تعالى أعلم.
(مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيءٌ") يعني: أنهم يتحمّلون أوزار عملهم السيّئ كاملة، وهو يتحمّل وزر تسبّبه في ذلك.
قال النوويّ -﵀-: وسبب هذا الكلام في هذا الحديث، أنه قال في أوّله: "فجاء رجل بِصُرَّة، كادت كفّه تَعْجِزُ عنها، ثمّ تتابع الناس"، وكان
[ ١٩ / ٤٣٢ ]
الفضل العظيم للبادئ بهذا الخير، والفاتحِ لباب هذا الإحسان.
وفي هذا الحديث تخصيص قوله -ﷺ-: "كلّ مُحْدَثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة"، وأن المراد به المحدثات الباطلة، والبدع المذمومة، قال: والبدع خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرّمة، ومكروهة، ومباحة. انتهى كلامه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام النوويّ هذا فيه نظرٌ من وجهين:
[الأول]: دعواه التخصيص المذكور، فإنه غير صحيح، بل قوله -ﷺ-: "كلّ محدثة بدعة إلخ" باق على عمومه، فإن المراد بالبدعة هي البدعة الشرعيّة، وهي التى ابتُدِعت بعد إكمال الله تعالى الدينَ بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]، فلا يَشْهَد لها كتابٌ، ولا سنّة، كما بيّن ذلك النبيّ -ﷺ- فيما أخرجه الشيخان، بقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه" الحديث، فقد بيّن أن إحداث ما دلّ عليه الكتاب والسنّة ليس من البدعة شرعًا، وإن كان يسمّى بها لغة.
والحاصل أن البدعة اللغويّة أعمّ من البدعة الشرعيّة، حيث إنها تُطْلَق على ما يدلّ عليه النصّ، وما لا يدلّ عليه، بخلاف الشرعيّة، فإنها لا تطلق إلا على ما لا يدلّ عليه دليل، فكلّ بدعة شرعيّة بدعة لغويّة، ولا عكس، فقوله: "كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة" لا يُخَصّ منه شيء، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف.
[والثاني]: أن تقسيمه لمطلق البدعة إلى خمسة أقسام غير صحيح، فإن هذا التقسيم للبدعة اللغويّة، لا للشرعيّة، فإنها قسم واحد مذموم.
والحاصل أن الذي يقبل التقسيم المذكور هو اللغويّ، ومنه قول عمر بن الخطّاب -﵁-: نعمت البدعة لصلاة التراويح، فإنه محمول على المعنى اللغويّ، وكذلك ما نُقل عن الشافعيّ -﵀-، وغيره من تقسيمهم البدعة إلى محمودة ومذمومة، أو بدعة حسنة، وبدعة غير حسنة محمول على هذا المعنى، فتبصّر، ولا تتحيّر، وقد بسطت الكلام على هذا في "شرح سنن ابن ماجه"، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[ ١٩ / ٤٣٣ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٣٥١ و٢٣٥٢ و٢٣٥٣ و٢٣٥٤] (١٠١٧)، و(الترمذيّ) في "العلم" (٢٦٧٥)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٥٤)، وفي "الكبرى" (٢٣٣٥)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (٢٠٣)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٩٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٥٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (٥١٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٣ - ٩٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢/ ٣٣٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة تحريض الإمام الناس على الصدقة إذا دعت الحاجة لذلك.
٢ - (ومنها): بيان كمال رحمة النبيّ -ﷺ- لأمته، وشدة رأفته بهم، كما وصفه الله تعالى بذلك في كتابه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
٣ - (ومنها): استحباب جمع الناس للأمور المهمّة، ووعظهم، وحثّهم على مصالحهم، وتحذيرهم من القبائح.
٤ - (ومنها): الحثّ على الابتداء بالخيرات، وسَنّ السنن الحسنات.
٥ - (ومنها): التحذير من البِاَع والخرافات التي لا يؤيّدها دليلٌ شرعيّ، بل يردّها، ولبطلها.
٦ - (ومنها): أن بعض الأفعال لا ينقطع ثوابها، وكذا لا ينتهي وزرها، وهي التي تكون سببًا للاقتداء بفاعلها، فيجب على العاقل أن يكون مفتاحًا للخير، لا مفتاحًا للشرّ، جعلنا الله تعالى من عباده الذين جعلهم مفتاحًا للخيرات، ومِغْلاقًا للشرّ والسيّئات، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ ١٩ / ٤٣٤ ]
وبالسند المئصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثنا أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُنْذِرَ بْنَ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللهِ -ﷺ- صَدْرَ النَّهَارِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ، وَفي حَدِيثِ ابْنِ مُعَاذٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ خَطَبَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٧/ ٣.
٣ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية أبي أسامة، ومعاذ بن معاذ، كلاهما عن شعبة هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥٣] (…) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو كامِلٍ، وَمُحَمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُموِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النبِيِّ -ﷺ-، فَأَتَاهُ قَوْمٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِقِصَتِهِ، وَفيهِ: فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ صَعِدَ مِنْبَرًا صَغِيرًا، فَحَمِدَ اللهَ، وَأثنَى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: "أما بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ أنزَلَ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الآية [النساء: ١] ").
[ ١٩ / ٤٣٥ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥.
٢ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن الحسين الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافط [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارب، واسمه عبد الله بن أبي عثمان البصريّ، صدوقٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٦.
٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، ثقة ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرِ) بن سُويد اللَّخْميّ الفَرَسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقية تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَسَاقُوأ الْحَدِيثَ) الضمير لشيوخه الثلاثة: عبيد الله بن معاذ، وأبي كامل، ومحمد بن عبد الملك.
وقوله: (ثُمَّ صَعِدَ مِنْبَرًا صَغِيرًا) الظاهر أن هذا المنبر غير المنبر النبويّ المعروف.
[تنبيه]: رواية عبد الملك بن عُمير، عن المنذر بن جرير هذه ساقها البيهقيّ -﵀- في "الكبرى" (٤/ ١٧٦) فقال:
(٧٥٣١) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو بن أبي جعفر، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عُمير، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، قال: كنت جالسًا عند النبيّ -ﷺ-، فأتاه قوم مُجتابي النِّمَار، متقلدي السيوف، وليس عليهم أُزُرٌ، ولا شيءٌ غيرها، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فلما رأى رسول الله -ﷺ- الذي بهم من الْجَهْد والْعُرْي والجوع، تغير وجهه، ثم قام، فدخل بيته، ثم راح إلى المسجد، فصلى الظَهر، ثم صَعِدَ منبره منبرًا صغيرًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد فإن الله -﷿- أنزل في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا
[ ١٩ / ٤٣٦ ]
النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠]، تَصَدَّقوا قبل أن لا تَصَّدّقوا، تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة، تَصَدَّق امرؤ من ديناره، من درهمه، من بُرّه، من شعيره، ولا يحقرن أحدكم شيئًا من الصدقة، ولو بشق تمرة، فقام رجل من الأنصار بِصُرَّة في كفه، فناولها رسول الله -ﷺ-، وهو على منبره، فقبضها رسول الله -ﷺ- يُعْرَف السرور في وجه رسول الله -ﷺ-، وقال: مَن سَنَّ سنةً حسنةً، فعُمِل بها، كان له أجرها، ومثل أجر مَن عَمِل بها، لا يَنْقُص من أجورهم شيءٌ، ومَن سَنَّ سنةً سيئة، فعُمِل بها كان عليه وزرها، ومثل وزر مَن عَمِلَ بها، لا يَنقُص من أوزارهم شيءٌ"، فقام الناس، فتفرقوا، فمِنْ ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي، ومن ذي، قال: فاجتمع، فقسمه بينهم. انتهى.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي الضُّحَىً، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ الْعَبْسِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُول اللهِ -ﷺ-، عَلَيْهِمُ الصُّوفُ، فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ، قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَة، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) الأنصاريّ الْخَطْميّ -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة- الكوفيّ، ثقة [٤].
رَوَى عن أبيه، وأمه بنت حذيفة، وأبي حُميد الساعديّ، وعن امرأة من بني عبد الأشهل، لها صحبةٌ، وعن عبد الرحمن بن هلال العبسيّ،
[ ١٩ / ٤٣٧ ]
وعبد الرحمن بن أبي قتادة، وعبد الرحمن بن بشير بن مسعود الأنصاريّ، وعن امرأة من بني أسد، ورَوَى أيضًا عن سليمان بن صُرَدٍ أنه رآه يتكلم في أذانه، وقد عَلَّق البخاريّ هذه القصة، ووصلها ابن أبي شيبة وغيره.
ورَوَى عنه ابنه عمر، والأعمش، ومنصور، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الله بن عيسى بن أبي ليلى، ومِسْعَر بن كِدَام، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم.
قال ابن معين، والعجليّ، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
علّق له البخاريّ الأثر المذكور، وأخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده في "كتاب العلم".
٥ - (أَبُو الضُّحَى) مُسلم بن صُبيح -بالتصغير- الْهَمْدانيّ الكوفيّ العطّار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضل [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٥.
٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِي) -بالموحّدة- الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (بخ م د س ق) تقدم في "الزكاة" ٨/ ٢٢٩٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن هلال، عن جرير -﵁- هذه ساقها المصنّف في "كتاب العلم"، فقال:
(١٠١٧) - حدّثني زهير بن حرب، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، وأبي الضُّحَى، عن عبد الرحمن بن هلال الْعَبْسيّ، عن جرير بن عبد الله، قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله -ﷺ-، عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجة، فحَثّ الناس على الصدقة، فأبطئوا عنه، حتى رُئي ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلًا من الأنصار جاء بِصُرَّة من وَرِقٍ، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا، حتى عُرِف السرور في وجهه، فقال رسول الله -ﷺ-: "مَن سَنّ في الإسلام سنة حسنةً، فعُمِل بها بعده، كُتب له مثلُ أجر مَن عَمِل بها، ولا ينقص من أجورهم شيءٌ، ومَن سَنَّ في الإسلام سنة سيئةً، فعُمِل بها بعده، كُتب عليه مثلُ وِزْر مَن عَمِل بها، ولا
[ ١٩ / ٤٣٨ ]
ينقص من أوزارهم شيءٌ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.