وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥٥] (١٠١٨) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ، قَالَ: كُنَّا نُحَامِلُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاع، قَالَ: وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ أَكثَرَ مِنْهُ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ إِلَّا رِيَاءً، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، وَلَمْ يَلْفِظْ بِشْرٌ بِالْمُطَوِّعِينَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ) بن عَوْن الْغَطَفَانيّ مولاهم، أبو زكريا البغداديّ، ثقةٌ حافظ مشهور، إمام الْجَرْح والتعديل [١٠] (ت ٢٣٣) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٢ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) الْعَسْكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ يُغْربُ [١٠] (ت ٣ أو ٢٥٥) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ٢٠٠.
٣ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرم ثقة [٢] (ت ٨٢) عن مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٤ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ الشهير، مات -﵁- قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٨.
[ ١٩ / ٤٣٩ ]
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"سليمان": هو الأعمش.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان فصل بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه بشر، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريّين، سوى ابن معين، فبغداديّ، ونصفه الثاني مسلسل بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريّ -﵁- أنه (قَالَ: أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ) ولفظ البخاريّ في "الزكاة": "لما نزلت آية الصدقة، كنّا نُحامل … ". قال في "الفتح": كأنه يشير إلى قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية. انتهى.
وقال في "العمدة": قوله: "لما نزلت آية الصدقة" هي قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]. قوله: (كنا نحامل) جواب: "لَمَّا"، ومعناه كنا نتكلف الحمل بالأجرة؛ لنكتسب ما نتصدق به، وفي رواية لمسلم: "كنا نحامل على ظهورنا"، ومعناه نحمل على ظهورنا بالأجرة، ونتصدق من تلك الأجرة، أو نتصدق بها كلِّها.
[فإن قلت]: "نُحَامِل" من باب المفاعلة، وهي لا تكون إلا بين اثنين.
[قلت]: قد يجيء هذا الباب بمعنى فَعَلَ، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]؛ أي: أسرعوا، ونحامل كذلك بمعنى نَحْمِل.
وقال صاحب "التلويح": قوله: "نُحامِل" قال ابن سِيدَهْ: تحامل في الأمر: تكلفه على مشقة وإعياء، وتحامل عليه كلّفه ما لا يطيق، وفيه نظر؛ لأن هذا المعنى لا يناسب هاهنا. انتهى (^١).
_________________
(١) "عمدة القاري" ٨/ ٢٧٦.
[ ١٩ / ٤٤٠ ]
قال الجامع عفا الله عنه: كون ما هنا مِن تحامَلَ في الأمر: إذا تكلّفه واضح، قال في "القاموس": وتحامل في الأمر وبه: تكلّفه على مشقّة، وعليه كلّفه ما لا يُطيق. انتهى (^١).
فقوله: "فيه نظرٌ"، فيه نظز لا يخفى، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو مسعود -﵁- (كُنَّا نُحَامِلُ) وفي الرواية الثانية: "كنا نحامل على ظهورنا"، ومعناه: نَحْمِل على ظهورنا بالأجرة، ونتصدق من تلك الأجرة، أو نتصدق بها كلِّها، ففيه التحريض على الاعتناء بالصدقة، وأنه إذا لم يكن له مال يتوصل إلى تحصيل ما يَتَصَدَّق به، من حمل بالأجرة، أو غيره من الأسباب المباحة (^٢).
(قَالَ) أبو مسعود -﵁- (فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ) اسم أبي عَقِيل هذا -وهو بفتح أوّله- حَبْحَاب- بمهملتين، بينهما موحّدة ساكنة، وآخره مثلها- ذكر عبد بن حُميد، والطبريّ، وابن منده من طريق أبي عروبة، عن قتادة، قال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٧٩]، قال: "جاء رجل من الأنصار، يقال له: الحبحاب، أبو عَقِيل، فقال: يا نبيّ الله بِتُّ أجُرُّ الجرير (^٣) على صاعين من تمر، فأما صاعٌ، فأمسكته لأهلي، وأما صاع فها هو ذا، فقال المنافقون: إن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عَقيل، فنزلت".
وهذا مرسل، ووصله الطبرانيّ، والباورديّ، والطبريّ من طريق موسى بن عُبيدة، عن خالد بن يسار، عن ابن أبي عَقيل، عن أبيه بهذا، ولكن لم يسمّوه، وذكر السهيليّ أنه رآه بخظ بعض الحفّاظ مضبوطًا بجيمين.
وروى الطبرانئ في "الأوسط"، وابن منده من طريق سعيد بن عثمان البلويّ، عن جدّته بنت عديّ، أن أمها عميرة بنت سهل بن رافع، صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون خرج بزكاته، صاع تمر، وبابنته عميرة إلى
_________________
(١) "القاموس المحيط " ٣/ ٣٦١.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ١٠٥.
(٣) الجرير بالفتح: حبل يُجعل في عنق الناقة. قاله في "المصباح".
[ ١٩ / ٤٤١ ]
النبيّ -ﷺ-، فدعا لهما بالبركة، وكذا ذكر ابن الكلبيّ أن سهل بن رافع، هو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون.
وروى عبد بن حميد من طريق عكرمة، قال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]: هو رفاعة بن سهل، ووقع عند ابن أبي حاتم: رفاعة بن سعد، فَيَحْتَمِل أن يكون تصحيفًا، وَيحْتَمِل أن يكون اسم أبي عَقيل سهل، ولقبه حبحاب، أو هما اثنان.
وفي الصحابة أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة البلويّ بدريّ، لم يسمّه موسى بن عقبة، ولا ابن إسحاق، وسماه الواقديّ: عبد الرحمن، قال: واستُشهِد باليمامة، وكلام الطبريّ يدلّ على أنه هو صاحب الصاع عنده، وتبعه بعض المتأخّرين، قال الحافظ: والأول أولى.
وقيل: هو عبد الرحمن بن سمحان (^١)، وقد ثبت في حديث كعب بن مالك في قصّة توبته، قال: "وجاء رجل يزول به السراب، فقال النبيّ -ﷺ-: "كن أبا خيثمة"، فإذا هو أبو خيثمة"، وهو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، واسم أبي خيثمة هذا عبد الله بن خيثمة، من بني سالم، من الأنصار.
قال الحافظ: فهذا يدلّ على تعدّد من جاء بالصاع، ويؤيّد ذلك أن أكثر الروايات فيها أنه جاء بصاع، وكذا وقع عند البخاريّ في "الزكاة": "فجاء رجل، فتصدّق بصاع"، وفي حديث الباب: "فجاء أبو عقيل بنصف صاع".
وجزم الواقديّ بأن الذي جاء بصدقة ماله هو زيد بن أسلم العجلانيّ، والذي جاء بالصاع هو عُلَيّة بن زيد المحاربيّ.
وسمّي من الذين قالوا: إن هذا مُرَاءٍ، وإن الله غنيّ عن صدقة هذا: مُعَتّب بن قُشَير، وعبد الله بن نَبْتَل، وأورده الخطيب في "المبهمات" من طريق الواقديّ، وفيه: عبد الرحمن بن نَبْتَل- وهو بنون، ثمّ موحّدة، ثمّ مثنّاة، ثم لام بوزن جعفر- وسيأتي أيضًا ما يدلّ على تعدّد من جاء بأكثر من ذلك.
(قَالَ) أبو مسعود (وَجَاءَ إِنْسَان بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ) أي: مما جاء به أبو
_________________
(١) في هامش طبعة بولاق: كذا في بعض النسخ، وفي بعضها "سحان" بغير ميم.
[ ١٩ / ٤٤٢ ]
عَقيل، وفي رواية البخاريّ في "الزكاة": "وجاء رجل بشيء كثير".
وروى البزّار من طريق عُمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "تصدّقوا، فإني أريد أن أبعث بعثًا"، فجاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: يا رسول الله عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربّي، وألفين أمسكهما لعيالي، فقال: "بارك الله لك فيما أعطيت، وفيما أمسكت"، قال: وبات رجل من الأنصار، فأصاب صاعين من تمر … الحديث. قال البزّار: لم يُسنده إلا طالوت بن عبّاد، عن أبي عوانة، عن عمر، قال: وحدّثناه أبو كامل، عن أبي عوانة، فلم يذكر أبا هريرة فيه، وكذلك أخرجه عبد بن حُميد، عن يونس بن محمد، عن أبي عوانة، وأخرجه ابن أبي حاتم، والطبريّ، وابن مردويه من طرق أخرى، عن أبي عوانة، مرسلًا، وذكره ابن إسحاق في "المغازي" بغير إسناد، وأخرجه الطبريّ من طريق يحيى بن أبي كثير، ومن طريق سعيد، عن قتادة، وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، والمعنى واحد، قال: "وحثّ رسول الله -ﷺ- على الصدقة -يعني: في غزوة تبوك- فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، فقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف، جئتك بنصفها، فقال: "بارك الله لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت"، وتصدّق يومئذ عاصم بن عديّ بمائة وسقٍ من تمر، وجاء أبو عَقِيل بصاع من تمر … " الحديث، وكذا أخرجه الطبريّ من طريق الْعَوْفيّ، عن ابن عبّاس نحوه، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، قال: "جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب" بمعناه، وعند عبد بن حميد، وابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس، قال: "جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعمائة أوقيّة من ذهب، فقال: إن لي ثمانمائة أوقيّة من ذهب … " الحديث، وأخرجه عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، فقال: "ثمانية آلاف دينار"، ومثله لابن أبي حاتم من طريق مجاهد. وحكى عياض في "الشفا" أنه جاء يومئذ بتسعمائة بعير.
وهذا اختلاف شديدٌ في القدر الذي أحضره عبد الرحمن بن عوف، وأصحّ الطرق فيه ثمانية آلاف درهم، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أو غيره، والله أعلم.
[ ١٩ / ٤٤٣ ]
ووقع في "معاني الفرّاء" أن النبيّ -ﷺ- حثّ على الصدقة، فجاء عمر بصدقة، وعثمان بصدقة عظيمة، وبعض أصحاب النبيّ -ﷺيعني: عبد الرحمن بن عوف، ثم جاء أبو عَقيل بصاع من تمر، فقال المنافقون: ما أخرج هؤلاء صدقاتهم إلا رياء، وأما أبو عَقِيل، فإنما جاء بصاعه ليذكّر بنفسه، فنزلت، ولابن مردويه من طريق أبي سعيد: "فجاء عبد الرحمن بن عوف بصدقته، وجاء المطّوّعون من المؤمنين … " الحديث، ذكره في "الفتح" (^١).
(فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا) أي: عن صدقة أبي عَقِيل (وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ) بالرفع بدلًا من اسم الإشارة، وعَنَوا به الإنسان الذي جاء بمال كثير، وقد تقدّم الخلاف فيه آنفًا (إِلَّا رِيَاءً) أي: إلا إظهارًا لصدقته للناس، لِيَرَوه، ويَظُنّوا به خيرًا، ويحمدوه عليها.
(فنزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ أي: يعيبون ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ قرأ الجمهور بتشديد الطاء، والواو، وأصله المتطوعين، فأدغمت التاء في الطاء، وهم الذين يغزون بغير استعانة برزق من سلطان، أو غيره (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾) بيان للمطّوعين (﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾) متعلق بيلمزون (﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾) معطوف على "المطّوّعين"، وأخطأ من قال: إنه معطوف على ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾؛ لاستلزامه فساد المعنى، وكذا من قال: معطوف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنه يُفْهَم منه أن ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ ليسوا بمؤمنين؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، فكأنه قيل: الذين يلمزون المطّوّعين من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدون إلا جهدهم، فكأن الأولين مُطّوّعون مؤمنون، والثاني مطّوّعون غير مؤمنين، وليس بصحيح، فالحقّ أنه معطوف على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾، ويكون من عطف الخاصّ على العامّ، والنكتة فيه التنويه بالخاصّ؛ لأن السخريّة من المقلّ أشدّ من المكثر غالبًا، والله أعلم. قاله في "الفتح".
قال أهل اللغة: الْجُهْد بالضم: الطاقة، والْجَهْد بالفتح: المشقة، وقال الشعبيّ: الْجُهْد هو القدرة، والْجَهْد في العمل (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٢) "عمدة القاري" ٨/ ٢٧٧.
[ ١٩ / ٤٤٤ ]
وقوله: (وَلَمْ يَلْفِظْ بِشْرٌ بِالْمُطَّوِّعِينَ) أشار به إلى أن شيخه بشر بن خالد خالف يحيى بن معين في ذكر لفظة "المطّوّعين"، هذا هو ظاهر ما دلّ عليه كلامه، ولكن لم يظهر لي وجهه، فإن الحديث أخرجه البخاريّ، والنسائيّ عن بشر، وفيه لفظ "المطوّعين"، ودونك نصّ البخاريّ في "كتاب التفسير"، قال -﵀-: (٤٦٦٨) - حدّثني بشر بن خالد أبو محمد، أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود، قال: لما أُمِرنا بالصدقة، كنا نتحامل، فجاء أبو عَقِيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رئاءً، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٧٩]. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٢٣٥٥ و٢٣٥٦] (١٠١٨)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤١٥ و١٤١٦)، و"الإجارة" (٢٢٧٣)، و"التفسير" (٤٦٦٨ و٤٦٦٩)، و(النسائيّ) في الزكاة" (٢٥٣٠)، وفي "الكبرى" (٢٣٠٩)، و(ابن ماجه) في "الزهد" (٤١٥٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٥)، و(ابن أبي حاتم) في "تفسيره" (٦/ ١٨٥٠)، و(ابن جرير الطبريّ) في "تفسيره" (٨/ ٢١٥ و١٠/ ١٩٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضلِ صدقةِ قليلِ المال.
٢ - (ومنها): مشروعيّة حثّ الإمام الناسَ على الصدقة لإزالة فاقة المحتاجين.
[ ١٩ / ٤٤٥ ]
٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃-، من المسارعة إلى الخيرات، كل على حسب حاله، فالغنيّ يجود بالكثير، والفقير بقدر استطاعته.
٤ - (ومنها): بيان أخلاق المنافقين، وسوء طويّتهم، وأنهم لا يَسْلَم من لَمْزهم وغَمْزهم أحدٌ من المؤمنين في جميع الأحوال، لا الأغنياء، ولا المقلّون، فإن تصدّق أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مُرَاءٍ، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغنيّ عن صدقة هذا.
وبالجملة فهم يتّهمون المؤمنين المخلصين بما هم بريئون منه، بل هو من صفات المنافقين أنفسِهِم، فإن الرياء والسمعة، وحُبّ المحمدة بما لم يفعلوا، ونحوها من الأخلاق المذمومة هي بضاعتهم، وفيها تجارتهم، ولقد جازاهم الله تعالى على هذا الخلُق الذميم، كما أخبر بذلك في قوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥٦] (…) - (وَحَدَّثنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَني سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، كلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وفى حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ) العامريّ الْحَرَشيّ، أبو زيد الْهَرَويّ البصريّ، ثقة من صغار [٩] أقدم شيخ للبخاريّ وفاةً (ت ٢١١) (خ م ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٠/ ١٤٥٠.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقة ثبث [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثناه".
[ ١٩ / ٤٤٦ ]
٤ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية سعيد بن الربيع، عن شعبة هذه، ساقها ابن حبّان -﵀- في "صحيحه" (٨/ ١٢٧) فقال:
(٣٣٣٨) - أخبرنا عُمَرُ بن محمد بن بُجَير الْهَمْداني بالصُّغْد، حدّثنا محمد بن بشار، حدثنا سعيد بن الربيع، حدّثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت أبا وائل، عن ابن مسعود، قال: كنا نتحامل على ظهورنا، فيجيء الرجل بالشيء، فيتصدق به، فجاء رجل بنصف صاع، وجاء آخر بشيء كثير، فقالوا: إن الله غَنِيّ عن صدقة هذا، وهذا مُرَاءٍ، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٧٩]. انتهى.
وأما رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، فساقها البيهقيّ -﵀- في "الكبرى" (٤/ ١٧٧) فقال:
(٧٥٣٧) - أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فُورك، أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود (ح) وأخبرنا أبو صالح ابن بنت يحيى بن منصور القاضي، أنبأ جَدِّي، ثنا أحمد بن سلمة، أنبأ إسحاق بن منصور، أنبأ أبو داود، ثنا شعبة، عن الأعمش، قال: سمعت أبا وائل يحدِّث عن أبي مسعود، قال: كنا نتحامل، فيتصدق الرجل بالصدقة العظيمة، فيقال: هذا مرائي، ويتصدق الرجل بنصف صاع، فيقال: إن الله لغني عن هذا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ إلي ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٠]، لفظ حديث أبي صالح، وفي رواية أبي بكر قال: عن أبي مسعود البدريّ قال: كنا نتحامل، فيجيء الرجل بالصدقة العظيمة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ١٩ / ٤٤٧ ]