وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١١] (٩٥٤) - (حَدَّثنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله -ﷺ- صَلَّى عَلَى قَبْر بَعْدَمَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: فَقُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ (^١) قَالَ: الثِّقَةُ عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاسٍ، هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ حَسَنٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ: قَالَ: انْتَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ- إِلَى قَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفُّوا خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا، قُلْتُ لِعَامِرٍ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ (^٢) قَالَ: الثِّقَةُ مَنْ شَهِدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) البجليّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورانيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقية عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٤ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩.
٥ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو من (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر -﵄-، تقدّم قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
_________________
(١) وفي نسخة: "بهذا الحديث".
(٢) وفي نسخة: "من حدّثك هذا".
[ ١٨ / ٤٦١ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير ابن عبّاس -﵄-.
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الشَّعْبِي) عامر بن شَرَاحيل ﵀ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفنَ) بالبناء للمفعول، قال في "الفتح": ووقع في "الأوسط " للطبرانيّ من طريق محمد بن الصباح الدُّولابيّ، عن إسماعيل بن زكريا، عن الشيبانيّ، أنه صلى عليه بعد دفنه بليلتين، وقال: إن إسماعيل تفرّد بذلك، ورواه الدارقطنيّ من طريق هُريم بن سفيان، عن الشيبانيّ، فقال: بعد موته بثلاث، ومن طريق بشر بن آدم، عن أبي عاصم، عن سفيان الثوريّ، عن الشيبانيّ، فقال: بعد شهر، وهذه روايات شاذّة، وسياق الطرُق الصحيحة يدلّ على أنه صلى عليه في صبيحة دفنه. انتهى (^١).
أفَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا)؛ أي: أربع تكبيرات، وفي رواية ابن نُمير: "فصلّى عليه، وصفّوا خلفه، وكبّر أربعًا".
(قَالَ الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان (فَقُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل (مَنْ) استفهاميّة حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ وفي نسخة: "بهذا الحديث" (قَالَ) الشعبيّ (الثِّقَةُ) فاعل لفعل محذوف دلّ عليه السؤال، كما قال في "الخلاصة":
وَيرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْل أُضْمِرَا … كَمِثْلِ "زيذٌ" فِي جَوَابِ "مَنْ قَرَا؟ "
أي حدّثني الرجل الثقةُ، وقوله: (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) بدل من "الثقةُ"، أو عطف بيان له؟ أي: حدثني به ابن عباس -﵄- حيث إنه ممن صلّى مع النبي -ﷺ- على ذلك القبر.
(هَذَا)؛ أي: السياق الَفْظُ حَدِيثِ حَسَنِ) بن الربيع (وَفِي رِوَايَةِ) محمد بن عبد الله (بْنِ نُمَيْرٍ: قَالَ) الشعبيّ (انْتَهَى)؛ أي: وصل (رَسُولُ الله -ﷺ- إِلَى قَبْرٍ
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٥٦٥ - ٥٦٦.
[ ١٨ / ٤٦٢ ]
رَطْبٍ)؛ أي: جديد، وترابه رطبٌ بعدُ، لم تَطُل مدّته، فييبس.
وفي رواية للبخاريّ من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الشيبانيّ: مَرّ بقبر قد دُفِن ليلًا، فقال: "متى دُفن هذا؟ " قالوا: البارحةَ، قال: "أفلا آذنتموني"، قالوا: دفناه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك، فقام، فصَفَفْنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلى عليه.
(فَصَلَّى عَلَيْهِ) قال النوويّ ﵀: فيه دليل لمذهب الشافعيّ وموافقيه في الصلاة على القبور (وَصَفُّوا خَلْفَهُ)؛ أي: صفّ الصحابة -﵃ - خلف النبيّ -ﷺ- (وَكَبَّرَ أَرْبَعًا) قال ابن حبّان ﵀: في ترك إنكاره -ﷺ- على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه. انتهى.
وتعفب بان الذي يقع بالتبعيّة لا ينهض دليلًا للأصالة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التعقّب غير صحيح؛ إذ لو كان خاصًّا به -ﷺ-، أو تبعًا له لبيّن أن هذه الصلاة لا تجوز إلا تبعًا لي، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق أبي معاوية، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن ابن عباس -﵄-، قال: مات إنسان، كان رسول الله -ﷺ- ويعوده، فمات بالليل، فدفنوه ليلًا، فلما أصبح أخبروه، فقال: لزما منعكم أن تعلموني؟ "، قالوا: كان الليلُ، فكرهنا -وكانت ظلمة- أن نَشُقّ عليك، فأتى قبره، فصلى عليه.
قال في "الفتح": وقع في شرح سراج الدين عمر ابن الملقّن، أنه الميت المذكور في حديث أبي هريرة الذي كان يقمّ المسجد، وهو وَهَمٌ منه، لتغاير القضتين، فقد تقدّم أن الصحيح في الأول أنها امرأة، وأنها أم مِحْجَن، وأما هذا فهو رجل، واسمه طلحة بن البراء بن عُمير، الْبَلَويّ، حليف الأنصار، روى حديثه أبو داود مختصرًا، والطبرانيّ من طريق عروة بن سعيد الأنصاريّ، عن أبيه، عن حسين بن وَحْوَح الأنصاريّ، وهو بمهملتين بوزن جعفر: أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبيّ -ﷺ- يعوده، فقال: "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به، وعجّلوا"، فلم يبلغ النبي -ﷺ- بني سالم بن عوف حتى توفي، وكان قال لأهله، لما دخل الليل: إذا متّ، فادفنوني، ولا
[ ١٨ / ٤٦٣ ]
تدعو رسول الله -ﷺ-، فإني أخاف عليه يهودَ أن يصاب بسببي، فأخبر النبي -ﷺ- حين أصبح، فجاء، حتى وقف على قبره، فصفّ الناس معه، ثم رفع يديه، فقال: "اللهم القَ طلحة يضحك إليك، وتضحك إليه". انتهى (^١).
قال الشيبانيّ (قُلْتُ لِعَامِرٍ) هو الشعبيّ (مَنْ حَدَّثَكَ؟) وفي نسخة: "من حدّثك هذا؟ " (قَالَ) عامر (الثِّقَةُ)؟ أي: حدَّثني الثقة، وقوله: (مَنْ شَهِدَهُ) بدل، أو عطف بيان و"الثقة"، وقوله: (ابْنُ عَبَّاسٍ) بدل، أو عطف بيان لما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس -﵄- هذا مُتّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٢٢١١ و٢٢١٢ و٢٢١٣] (٩٥٤)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (٨٥٧ و١٢٤٧ و١٣١٩ و١٣٢١ و١٣٢٢ و١٣٢٦ و١٣٣٦ و١٣٤٠)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٩٦)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٣٧)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٨٥)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٣٠)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٤ و٢٨٣ و٣٣٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٦ - ٣٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٨٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٤٦)، والله تعالى أعلم.
وبقيّة المسائل تأتي في شرح حديث أبي هريرة -﵁- الآتي بعد ثلاثة أحاديث- إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو كامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَّادٍ (ح) وَحَدَّثَنَا
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٥٤.
[ ١٨ / ٤٦٤ ]
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا مُحَمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثنَا شُعْبَةُ، كُل هَؤُلَاءِ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ (^١) مِنْهُمْ أَنَّ النَّبِيِّ -ﷺ- كَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية عشر:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير بن القاسم السَّلَمي، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن الحسين الْجحدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م دت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٤ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٥ - (إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّي، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم في الباب الماضي.
٨ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار ١٩١) ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٩ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجةٌ، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
١٠ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م دس) تقدم في "المقدمة" ٧/ ٣.
١١ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى
_________________
(١) وفي نسخة: "واحد".
[ ١٨ / ٤٦٥ ]
البصريّ القاضي، ثقةٌ متقن، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٧/ ٣.
[تنبيه]: معاذ بن معاذ هذا يروي هذا الحديث عن شعبة، لا عن الشيبانيّ، فكان الأولى للمصنف أن يذكر بعد ذكر محمد بن جعفر لفظة "قالا" بالتثنية، لا بالأفراد، حتى يعود الضمير إلى معاذ، ومحمد بن جعفر، وإنما نبّهت عليه؛ لأن قوله بعد التحويلات الخمسة: "كل هؤلاء … إلخ " يوهم أن معاذ بن معاذ أيضًا ممن روى عن الشيبانىّ، فتنبّه، فإنه من المزالّ، والله تعالى أعلم.
١٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَثَّى) تقدّم قبل باب.
١٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
١٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أسلفت آنفًا أنه كان الأولى أن يقول: "قالا: حدّثنا شعبة" بضمير التثنية الراجع إلى معاذ بن معاذ، ومحمد بن جعفر؟ لأن معاذًا يرويه عن شعبة، لا عن الشيبانيّ، فتنبّه.
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ … إلخ) وفي نسخة: "واحد"، وغرضه بهذا أن ذكر التكبير أربعًا لم يذكره هؤلاء الخمسة، وإنما هو في رواية عبد الله بن إدرشى، عن الشيبانيّ.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام المصنّف ﵀ هذا أن عبد الله بن إدرشى تفرّد عن الشيبانيّ بذكر التكبير أربعًا، ولم يتابعه أحد من هؤلاء، وهذا فيه نظر؛ لأن شعبة تابعه عند البخاريّ، قال في "صحيحه":
(١٣١٩) - حدّثنا مسلم، حدّثنا شعبة، حدّثنا الشيبانيّ، عن الشعبيّ، قال: أخبرني من شهد النبيّ -ﷺ- أَتَى على قبر منبوذ، فصفّهم، وكَبَّر أربعًا، قلت: من حدثك؟ قال: ابن عباس -﵄-.
فتبيّن بهذا أن شعبة تابعه من رواية مسلم بن إبراهيم الفراهيديّ، عنه، وإنما لم يذكر شعبة في رواية غندر عنه، كما سيأتي في التنبيه.
وقد تابعه غيره أيضًا، فقد أخرج الدارقطنيّ: ﵀ في "سننه" بعد إخراجه
[ ١٨ / ٤٦٦ ]
رواية عبد الله بن إدريس، بسنده عن أبي عوانة، عن الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن ابن عباس، أن النبيّ -ﷺ- صلى على قبر منبوذ، فكبر عليه أربعًا.
ثم قال: وكذلك رواه مسلم بن إبراهيم، عن شعبة (^١)، وأبو حذيفة، عن زائدة، وعبد الله بن جعفر، عن أبي معاوية، عن الشيبانيّ، وتابعهم منصور بن أبي الأسود، وعبد الواحد بن زياد، عن الشيبانيّ، كلهم قال: "كبر أربعًا". انتهى كلام الدارقطنيّ ﵀ (^٢).
فتبيّن بهذا أن عبد الله بن إدريس لم ينفرد بذكر التكبير من بين هؤلاء الخمسة، فقد تابعه منهم شعبة، وعبد الواحد بن زياد كما قال الدارقطنيّ، وتابعة أيضًا من غيرهم أبو عوانة، وأبو معاوية، ومنصور بن أبي الأسود، كما قاله الدارقطنيّ أيضًا، فتفطّن، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كُل هَؤُلَاءِ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) يعني أن هؤلاء الخمسة، وهم: هشيم، وعبد الواحد بن زياد، وجرير بن عبد الحميد، وسفيان الثوريّ، وشعبة رووا هذا الحديث عن سليمان الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن ابن عبّاس - ﵄ -، عن النبيّ -ﷺ- بمثل حديث عبد الله بن إدريس، عنه الماضي.
[تنبيه]: رواية هشيم، عن الشيبانيّ، ساقها الترمذي ﵀، فقال:
(١٠٣٧) - حدّثنا أحمد بن منيع، حدّثنا هشيم، أخبرنا الشّيبانيّ، حدّثنا الشعبيّ، أخبرني من رأى النبي -ﷺ-، ورأى قبرًا مُنْتَبِذًا، فصَفَّ أصحابَهُ خلفه، فصلى عليه، فقيل له: من أخبركه؟ فقال: ابن عباس، قال: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. انتهى.
وأما رواية عبد الواحد، عن الشيبانيّ، فساقها البخاريّ ﵀، فقال: (١٣٢١) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا عبد الواحد، حدّثنا الشيبانيّ، عن عامر، عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- مَرَّ بقبر قد دُفِن ليلًا، فقال: "متى دُفِن هذا؟ "، قالوا: البارحةَ، قال: "أفلا آذنتموني؟ " قالوا:
_________________
(١) رواية مسلم بن إبراهيم، عن شعبة التي ذكرتها آنفًا عند البخاريّ ﵀.
(٢) "سنن الدارقطني" ٢/ ٧٧.
[ ١٨ / ٤٦٧ ]
دفناه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك، فقام، فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلى عليه.
وأما رواية جرير، عن الشيبانيّ، فساقها البخاريّ ﵀ أيضًا، فقال:
(١٣٤٠) - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن ابن عباس قال: صلى النبيّ -ﷺ- على رجل بعدما دُفِن بليلة، قام هو وأصحابه، وكان سال عنه، فقال: "مَن هذا؟ "، فقالوا: فلانٌ، دُفِن البارحة، فصَلَّوا عليه.
وأما رواية شعبة، عن الشيبانيّ، فساقها البخاريّ ﵀ أيضًا بسند المصنف ﵀، فقال:
(٨٥٧) - حدّثنا محمد بن المثنى، قال: حدّثني غندر، قال: حدّثنا شعبة، قال: سمعت سليمان الشيبانيّ قال: سمعت الشعبيّ قال: أخبرني مَن مَرّ مع النبيّ -ﷺ- على قبر منبوذ، فأمَّهم، وصَفُّوا عليه، فقلت: يا أبا عمرو مَن حدثك؟ فقال: ابن عباس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المئصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٣] (…) - (وَحَدثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، جَمِيعًا عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍ والرَّازِيُّ، حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ الضَّرَيْسِ، حَدَّثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّعْبِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النّبِيُّ -ﷺ- فِي صَلَاِتهِ عَلَى الْقَبْرِ، نَحْوَ حَدِيثِ الشَّيْبَانِيِّ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ: وَكَبَّرَ أَرْبَعًا).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله) الحمّال، أبو موسى البغداديّ البزّاز، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٥.
[ ١٨ / ٤٦٨ ]
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرحِ المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
٤ - (أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ) زُنَيج، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) أو بعدها (م دق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٨.
٥ - (يَحْيَى بْنُ الضُّرَيْسِ) - بمعجمة، ثم مهملة، مصغّرًا- البجليّ مولاهم الرازيّ القاضي، ثقةٌ [٩].
رَأَى ابن أبي ليلى، ورَوَى عن إبراهيم بن طَهْمان، وابن إسحاق، وعكرمة بن عمار، وزائدة، وزكرياء بن إسحاق، وزهير بن معاوية، والثوريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه جرير بن عبد الحميد، وهو أكبر منه، ويحيى بن معين، ومحمد بن عَمْرو زُنَيج، وأخوه صالح بن الضُّريس، وإبراهيم بن موسى الرازي، وإسحاق ابن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن حُميد الرازيّ، وغيرهم.
قال عبد الله بن عمران الأصبهانيّ، عن وكيع: يحيى بن الضريس من حُفّاظ الناس، لولا أنه خلط في حديثين، وذكر حديث المنصور، وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: كان كَيِّسًا ثقةٌ، وقال أبو حاتم: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: كان جرير مُعْجَبًا بيحيى بن الضريس، وأثنى عليه عثمان، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما خلط، وقال محمد بن سعيد المقبريّ: سئل عبد الرحمن بن بشير بن سليمان الرازيّ، عن يحيى بن الضريس، فقال: كان صحيح الكتاب، جَيِّد الأخذ، وكان بهز بن أسد يُثني عليه، وعرفه.
وقال البخاريّ، عن يوسف بن موسى بن راشد الرازيّ: مات سنة ثلاث ومائتين في ربيع الأول.
تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وله في الترمذيّ حديث واحد، وهو حديث: "لا يرُدّ القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البرّ".
٦ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) أبو سعيد الخراسانيّ، سكن نيسابور، ثم مكة،
[ ١٨ / ٤٦٩ ]
ثقةٌ يُغْرب، وتُكُلّم فيه بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] (ت ١٦٨) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣١/ ١٣٩١.
٧ - (أَبُو حَصِينٍ) - بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، وربّما دلس [٤] (ت ١٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الشَّعْبِيِّ) ضمير التثنية لإسماعيل بن أبي خالد، وأبي حَصِين.
وقوله: (لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ) كان الأولى أن يقول: "في حديثهما"؛ لأن الضمير لإسماعيل، وأبي حصين، كما أسلفته آنفًا، إلا على القول بأن أقل الجمع اثنان، وهو مذهب صحيح، كما بيّنته في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" في الأصول، فتأمل.
وقوله: (لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ: وَكَبَّرَ أَرْبَعًا) هكذا قال المصنّف ﵀، لكن الذي في "مستخرج أبي نعيم" أنه ثابت في رواية أبي حَصِين، ودونك نصّه:
(٢١٤٠) - حدّثنا حبيب بن الحسن، ثنا أحمد بن الحسين الصوفيّ، ثنا محمد بن حميد، ثنا يحيى بن ضريس (ح) وثنا أحمد بن بُندار، ثنا ابن أبي داود، ثنا عمرو بن عثمان، ثنا ابن حميد، قالا (^١): ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي حصين (^٢) عن الشعبيّ، عن ابن عباس، قال: أتى النبيّ -ﷺ- قبرًا حديث عهد بدفن، فسأل عنه، فقيل: قبر فلان، فنزل، فصلى عليه، وأنا فيمن صلى على ذلك القبر، مع رسول الله -ﷺ-، فكبّر عليه أربعًا. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٤] (٩٥٥) - (وَحَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ، حَدَّثنَا
_________________
(١) هكذا النسخة بالتثنية، والظاهر أنه بالإفراد؛ لأن ابن حميد هو محمد المذكور في السند الماضي، على ما يظهر، والله تعالى أعلم.
(٢) وقع في النسخة: "ابن حصين"، وهو غلط بلا شكّ.
[ ١٨ / ٤٧٠ ]
غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنسٍ، أَن النبِيَّ -ﷺ- صَلَّى عَلَى قَبْرٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ) البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، تُكُلّم فيه في بعض سماعه [١٠] (ت ٢٣١) (م د س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣١/ ١٣٩٤.
٢ - (حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ) الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت هـ ١٤) (ع) تقدم في "الصلاة" ١١/ ٨٨٧.
٣ - (ثَابتٌ) البنانيّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أنسُ) بن مالك -﵁-، تقدّم أيضًا قبل بابين.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
وقوله: (صَلَّي عَلَى قَبْرٍ) ولفظ أبي نعيم في "المستخرج" (٣/ ٣٧): "صلّى على قبر امرأة بعدما دُفنت"، وأخرج الحديث البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٤/ ٤٦) مطوّلًا من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، أن النبيّ -ﷺ- مَرّ بقبر يُدْفَن، فقال: "قبر من هذا؟ " قالوا: قبر فلان، قال: "أفلا كنتم آذنتموني؟ " قال: فصغروا أمره، وحقروه، فصلى عليه بعدما دُفِن، وقال: "هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة، وإن الله ﷿ لينوّرها بصلاتي عليها"، وقد رواه ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، وهو محفوظ من الوجهين جميعًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام البيهقيّ ﵀ يفيد أن حديث أنس -﵁- هذا هو حديث أبي هريرة -﵁- الآتي بعده، وإنما اختصره حبيب بن الشهيد، وسيأتي تمام البحث فيه هناك- إن شاء الله تعالى- وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا من أفراد المصنّف: ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٢٢١٤] (٩٥٥)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٣١)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٨٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٧٧)،
[ ١٨ / ٤٧١ ]
و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٤٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٥] (٩٥٦) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ امْرَأً سَوْدَاءَ، كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَسَأَل عَنْهَا، أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: (أفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ " قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ"، فَدَلّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: "إِن هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ ﷿ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو رَافِعٍ) نُفيع الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهور بكنيته [٢] (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ ٢ ص ٤٦٢.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له ابن ماجه، وأخرج له البخاريّ تعليقًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ -﵁-، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره.
[ ١٨ / ٤٧٢ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي رَافِعٍ) هو الصائغ التابعي الكبير، ووَهِمَ بعض الشراح، فقال: إنه أبو رافع الصحابيّ، وقال: هو من رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وليس كما قال؛ فإن ثابتًا البنانيّ لم يدرك أبا رافع الصحابي -﵁-، قاله في "الفتح" (^١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أنَّ امْرَأةً سَوْدَاءَ) وفي رواية البخاريّ: "أن رجلًا أسود، أو امرأة سوداء"، قال في "الفتح": الشك فيه من ثابت؛ لأنه رواه عنه جماعة هكذا، أو من أبي رافع، وجاء من وجه آخر عن حماد بهذا الإسناد، قال: "ولا أراه إلا امرأة"، ورواه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فقال: "امرأة سوداء"، ولم يشكّ، ورواه البيهقيّ بإسناد حسن من حديث ابن بُرَيدة، عن أبيه، فسماها أمّ مِحْجَن، وأفاد أن الذي أجاب النبيّ -ﷺ- عن سؤاله عنها أبو بكر الصديق -﵁-، وذكر ابن منده في "الصحابة" خرقاء امرأة سوداء، كانت تَقُمّ المسجد، ووقع ذكرها في حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، وذكرها ابن حبان في "الصحابة" بذلك بدون ذكر السند، فإن كان محفوظًا، فهذا اسمها، وكنيتها أم مِحْجَن. انتهى (^٢).
(كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ) بقاف مضمومة؛ أي: يجمع الْقُمامة، وهو من قَمّ الشيءَ يَقُمّه قَمًّا من باب نصر: إذا كَنَسَهُ، والقُمامة بضم القاف: الْكُناسة، قاله ابن سِيدَهْ، وقال اللحيانيّ: قُمامة البيت ما كُنِس منه، فألقي بعضه على بعض، وهي لغة حجازيّةٌ، والْمِقَمّة بكسر الميم: الْمِكْنَسة (^٣).
وقوله: (أَوْ شَابًّا) "أو" للشكّ من الراوي، وتقدّم آنفًا أنه من ثابت، أو من أبي رافع (فَفَقَدَهَا) يقال: فقدته فَقْدًا، من باب ضرب، وفِقْدانًا: إذا عَدِمته، فهو مفقود، وفَقِيدٌ، وافتقدته مثله، وتفقّدته: طَلَبْتُهُ عند غيبته (^٤). (رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَسَأَل عَنْهَا)؛ أي: عن حال تلك المرأة السوداء، ومفعول "سأل " محذوف؛
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٠٦.
(٢) "الفتح" ٢/ ٢٠٦.
(٣) راجع: "عمدة القاري" ٤/ ٢٣٠.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٤٧٨.
[ ١٨ / ٤٧٣ ]
أي: الناسَ (أَوْ عَنْهُ)؛ أي: عن حال الشابّ، فـ"أو" للشكّ من الراوي، كما مرّ آنفًا (فَقَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون لديه -ﷺ- (مَاتَ، قَالَ) -ﷺ- ("أفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُورنِي؟ ") بالمدّ: أي: أعلمتموني بموته حتى أصلي عليه.
(قَالَ) الراوي (فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا)؛ أي: المرأة (أَوْ أَمْرَهُ)؛ أي: الشابّ، وفي رواية للبخاريّ: "فحَقَروا شأنه"، وفي رواية ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن: "قالوا: مات من الليل، فكرهنا أن نوقظك" (فَقَالَ) -ﷺ - ("دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ") زاد عند البخاريّ: "أو قال: قبرها" (فَدَلُّوهُ)؛ أي: على قبره، أو قبرها (فَصَلَّى عَلَيْهَا) وللبخاريّ: "فأتى قبرها، فصلّى عليها" (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- ("إِن هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَة عَلَى أَهْلِهَا، وَإِن اللهَ ﷿ يُنَوِّرُهَا)؛ أي: يُضيؤها (لَهُمْ بِصَلَاِتِي عَلَيْهِمْ")؛ أي: بسبب صلاتي عليهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٢٢١٥] (٩٥٦)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٥٨ و٤٦٠) و"الجنائز" (١٣٣٧)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣٢٠٣)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٢٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده " (٢٤٤٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٥٣ و٣٨٨ و٤٠٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٩٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٨٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧ - ٣٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٤٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في الكلام على قوله: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة … إلخ".
(اعلم): أن هذه الكلام هكذا ثبتٌ في رواية المصنّف متّصلًا بالحديث، وليس عند البخاريّ، قال في "الفتح": وإنما لم يُخرج البخاريّ هذه الزيادة؛ لأنها مدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسيل ثابت، بَين ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد، وقد أوضحت ذلك بدلائله في "كتاب بيان المدرج".
[ ١٨ / ٤٧٤ ]
قال البيهقيّ: يغلب على الظن أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت، كما قال أحمد بن عبدة، أو من رواية ثابت، عن أنس؛ يعني كما رواه ابن منده، ووقع في "مسند أبي داود الطيالسيّ" عن حماد بن زيد، وأبي عامر الخزّاز، كلاهما عن ثابت، بهذه الزيادة، وزاد بعدها: "فقال رجل من الأنصار: إن أبي، أو أخي مات، أو دُفِن، فَصَلِّ عليه، قال: فانطلق معه رسول الله -ﷺ"-. انتهى.
وقد أوضح الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ ﵀ هذا الإدراج في كتابه "الفصل للوصل المدرج"، فقال ما حاصله: في حديث أبي هريرة هذا كلام مدرج، وليس منه، وهو قوله: "إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمةً، وإن الله ينوّرها بصلاتي عليها، أو عليهم".
كان ثابت يرسل هذا الكلام عن النبيّ -ﷺ-، ولا يُسنده، بَيَّن ذلك عارم بن الفضل، وعفّان بن مسلم، ومحمد بن عُبيد بن حِسَاب، جميعًا عن حماد بن زيد.
وقد روى هذا الحديث سليمان بن حرب، ومسدد، من طريق أبي داود السجستانيّ عنه، ويونس بن محمد المؤدّب، عن حماد بن زيد، فاقتصروا على ذكر المسند منه فقط، دون ما أرسله ثابت.
قال: أما حديث سليمان بن حرب ومسدد بذلك، فأخبرناه القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشميّ، نا محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤيّ، نا أبو داود، نا سليمان بن حرب ومسدد، قالا: نا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء، أو رجلًا كان يَقُمّ المسجد، ففقده النبيّ -ﷺ-، فسأل عنه، فقيل: مات، فقال: "ألا آذنتموني به؟ " قال: "دُلُّوني على قبره"، فدلّوه، فصلى عليه.
قال: وأما حديث يونس بن محمد عن حماد الموافق لهذه الرواية، فأخبرناه الحسن بن علي التميميّ، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان، نا عبد الله بن أحمد، حدّثني أبي، نا يونس بن محمد، نا حماد؛ يعني ابن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء، أو رجلًا كان يَقُمّ المسجد، ففقده رسول الله -ﷺ-، قالوا: مات، فقال: "ألا كنتم آذنتموني به؟ "، قالوا: إنه كان، قال: فقال: "دُلُّوني على قبره"، ودَلُّوه، فأتَى قبره فصلى عليه.
[ ١٨ / ٤٧٥ ]
قال: وأما حديث عارم بن الفضل الذي أورد فيه الكلمات التي كان ثابت يرسلها، وبَيَّنها، ومَيَّزها عن الألفاظ المسندة، فأخبرناه محمد بن الحسين بن محمد بن محمد بن الفضل القطان، والحسن بن أبي بكر بن شاذان، قالا: أنا حامد بن محمد الهروفي، نا -وفي حديث ابن شاذان: أنا- على بن عبد العزيز البغويّ، نا أبو النعمان عارم بن الفضل، نا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء، أو رجلًا كان يكون في المسجد، يَقُمُّ المسجد، فمات، فلم يعلم النبيّ -ﷺ- بموته، فذكر ذات يوم، فقال: "ما فعل ذاك الإنسان؟ " قالوا: مات يا رسول الله، قال: "أفلا آذنتموني؟ " قال: فقالوا له: كان كذا وكذا، قال: فحقروا شأنه، قال: "فدُلُّوني على قبره" فأتى قبره، فصلى عليه.
قال حماد: فأتبع ثابت هذا الحديث، قال: فنُبِّئتُ أن رسول الله -ﷺ- أتى قبرًا، وصاحبه يُدْفَن، فسأل عنه، فقالوا: فلانٌ، فقال رسول الله -ﷺ-: "إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله ينوّرها بصلاتي عليها".
قال: وأما حديث عفان، عن حماد الموافق لرواية عارم هذه، فأخبرناه الحسن بن عليّ التميميّ، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعيّ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، نا عفان، نا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن إنسانًا كان يَقُمّ المسجد أسود، فمات، أو ماتت، ففقدها النبيّ -ﷺ-، فقال: "ما فعل الإنسان الذي كان يَقُمّ المسجد؟ " قال: فقيل: مات، فقال: "هلا آذنتموني به؟ "، فقالوا: إنه كان، قال: "فدُلُّوني على قبرها"، قال: فأتى القبر، فصلى عليها، قال ثابت عند ذاك، أو في حديث آخر: "إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله ينوّرها بصلاتي عليهم".
قال: وأما حديث محمد بن عُبيد بن حِسَاب، عن حماد نحو هذه الرواية، فأخبرناه أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الفقيه، نا أبو بكر الإسماعيليّ، أخبرني الحسن بن سفيان، نا محمد بن عُبيد بن حِسَاب، نا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء، أو رجلًا كان يقُمّ المسجد، توفيت، ففقدها النبيّ -ﷺ- فسأل عنها بعدُ، فقال:
[ ١٨ / ٤٧٦ ]
"ما فعل ذلك الإنسان؟ " قالوا: مات، أو ماتت، قال: "فهلا كنتم آذنتموني؟ " قالوا: إنه كان من أمرها، فأتى قبرها، فصلى عليها، وذكر كلام ثابت. انتهى كلام الخطيب ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة البحث أن هذا الحديث رواه جماعة عن حماد بن زيد، عن ثابت البنانيّ، فاختلفوا على حمّاد، فرواه أبو الرَّبيع الزهرانيّ، وأبو كامل الجحدريّ، عند المصنّف، وأبو داود الطيالسيّ، ومسدّد، كما قال الخطيب عن حماد بن زيد، عن ثابت البنانيّ، وفيه هذه الزيادة، قال الخطيب: وتابعهما يحيى بن الحمانيّ على رواية آخر المتن عن حماد، وقَرَن أبو داود رواية حماد برواية أبي عامر الخزّاز، عن ثابت. انتهى.
وخالفهم في ذلك جماعة، منهم: عارم بن الفضل، وعفّان بن مسلم، ومحمد بن عُبيد بن حِسَاب جميعًا عن حماد بن زيد، فجعلوا قوله: "إن هذه القبور مملوءة … إلخ " من مرسل ثابت، وليس متّصلًا بالحديث.
فتبيّن بهذا أن الأرجح كونها مدرجةً؛ لأمور:
(الأول): ما ذكرناه اَنفًا من بيان هؤلاء الحفّاظ كونها مدرجة، حيث فصّلوها.
(الثاني): أن جماعة رووا هذا الحديث عن حمّاد بن زيد، ولم يذكروا هذه الزيادة، وهم: سليمان بن حرب، عنه، وروايته هي التي أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، ومسدد، وروايته عند أبي داود السجستانيّ، عنه، ويونس بن محمد المؤدِّب، ثلاثتهم عن حماد بن زيد، فاقتصروا على ذكر المسند منه فقط، وهو إلى قوله: "دلّوني على قبره"، دون ما أرسله ثابت، وهو قوله: "إن هذه القبور مملوءة … إلخ".
فاتّفاق هؤلاء على إسقاط هذه الزيادة يرجّح كونها مدرجةً.
(الثالث): صنيع الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، حيث أخرج الحديث من طريق من أسقط الزيادة، فلو كانت غير مدرجة لأخرجها من طريق من وصلها.
_________________
(١) "الفصل للوصل المدرج" ٢/ ٦٣٦ - ٦٣٩.
[ ١٨ / ٤٧٧ ]
(الرابع): أن الأئمة الحفّاظ مالوا إلى ذلك، منهم: الحافظ الخطيب البغداديّ، والحافظ أبو بكر البيهقيّ، والحافظ ابن حجر -رحمهم الله تعالى-.
والحاصل أن إدراجها هو الأشبه، ولكن المصنّف ﵀ لم ير هذه العلّة قادحةً، فرجّح رواية الوصل؛ لكون رواتها ثقات، ولكن الذي يميل إليه القلب ما قاله الأولون، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الصلاة على القبر، وسيأتي تمام البحث في المسألة التالية- إن شاء الله تعالى-.
٢ - (ومنها): بيان فضل تنظيف المسجد، وقال ابن بطال: وفيه الحضّ على كنس المساجد وتنظيفها؟ لأنه إنما خصه بالصلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك. انتهى.
٣ - (ومنها): أن فيه السؤال عن الخادم والصديق إذا غاب، وافتقاده.
٤ - (ومنها): أن فيه المكافأةَ بالدعاء، والترحم على من وقف نفسه على نفع المسلمين ومصالحهم.
٥ - (ومنها): أن فيه الترغيب في شهود جنائز الصالحين.
٦ - (ومنها): مشروعيّة الصلاة على الميت الحاضر عند قبره لمن لم يصلّ عليه.
٧ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من كمال الأخلاق، وكمال الرأفة بأمته، حيث كان يعتني بالضعفاء والمساكين أشدَّ عناية، فيسأل عن أحوالهم، ويعود مرضاهم، ويصلي على موتاهم، ويُشَيِّع جنائزهم، فكان -ﷺ- في الذروة العليا من مكام الأخلاق، كما وصفه الله ﷾ بذلك، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
٨ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة -﵁- من حسن الأدب معه -ﷺ-، فلا يجترؤون على أن يوقظوه إذا نام، حتى يكون هو المستيقظَ.
٩ - (ومنها): مشروعية الإعلام بموت الإنسان حتى يجتمع المسلمون، فيصلّوا عليه، لقوله -ﷺ-: "أفلا كنتم آذنتموني".
[ ١٨ / ٤٧٨ ]
١٠ - (ومنها): أن فيه الردّ لقول من كَرِهَ الإذن بالجنازة، فاستحبّ أن لا يُؤذَن به أحد، ولا يُشعَر بجنازته جارٌ، ولا غيره.
١١ - (ومنها): مشروعية تكرار الصلاة على الميت، ولو صُلّيَ عليه، فإن هذه المرأة، كانوا قد صَلَّوا عليها قبل الدفن، ثم صلّوا عليها مع النبي -ﷺ- بعد الدفن.
١٢ - (ومنها): مشروعية الصف في الصلاة على الجنازة.
١٣ - (ومنها): بيان أن صلاته -ﷺ- على أمته رحمة لهم، ونور يزيل ظلمة القبر عنهم.
١٤ - (ومنها): ما قاله ابن حبّان ﵀: إن بعض المخالفين احتَجَّ بقوله -ﷺ-: "وإن الله ﷿ ينوّرها لهم بصلاتي عليهم" على أن ذلك من خصائصه -ﷺ-، ثم ساق من طريق خارجة بن زيد بن ثابت نحو هذه القصة، وفيها: "ثم أتى القبر، فصففنا خلفه، وكبر عليه أربعًا"، قال ابن حبان: في ترك إنكاره -ﷺ- على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه.
وتُعقِّب بان الذي يقع بالتبعية، لا ينهض دليلًا للأصالة، قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامح عفا الله عنه: لا يخفى بُعد هذا التعقّب، والحقّ ما قاله ابن حبّان ﵀، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
١٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على ردّ التفصيل بين من صُلِّى عليه فلا يصلى عليه، بأن القصة وردت فيمن صُلِّي عليه.
وأجيب بأن ذلك خصوصية له -ﷺ-، وفيه أنه لا دليل على الخصوصيّة، فتبصّر.
١٦ - (ومنها): ما قاله الكرماني ﵀: وفيه أن على الراوي التنبيه على شكّه فيما رواه مشكوكًا. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) ٤/ ١١٣.
[ ١٨ / ٤٧٩ ]
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على القبر: قال الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" بعد إخراجه حديث الباب ما نصّه: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ - ﷺ - وغيرهم، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: لا يُصَلَّى على القبر، وهو قول مالك بن أنس، وقال عبد الله بن المبارك: إذا دُفِن الميت، ولم يُصَلَّ عليه صُلِّي على القبر، ورأى ابن المبارك الصلاة على القبر، وقال أحمد، وإسحاق: يُصَلَّى على القبر إلى شهر، وقالا: أكثر ما سمعنا عن ابن المسيِّب أن النبيّ - ﷺ - صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر. انتهى كلام الترمذيّ ﵀.
وقال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في الصلاة على القبر، فكان عبد الله بن عمر، وأبو موسى الأشعريّ، وعائشة أم المؤمنين - ﵃ - يرون الصلاة على القبر، وروينا عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ - أنه أمر قَرَظَة أن يصلي على جنازة، قد صُلِّي عليها مرّة.
وممن كان يرى الصلاة على القبر محمد بن سيرين، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وقال أحمد: روي عن النبيّ - ﷺ - من ستة وجوه، وكان النعمان يقول: إن دُفن قبل أن يصلّى عليه، صلي عليه، وهو في القبر، وكذلك قال الحسن.
وقالت طائفة: لا تعاد الصلاة على الميت، هذا قول النخعيّ، ومالك، والنعمان.
قال ابن المنذر ﵀: ثبتت الأخبار عن النبيّ - ﷺ - أنه صلى على القبر. انتهى كلامه ﵀ بتصرّف (^١).
وقال أبو محمد بن حزم ﵀: والصلاة جائزة على القبر، وإن كان قد صُلي على المدفون فيه.
وقال أبو حنيفة: إن دُفن بلا صلاة صُلِّي على القبر ما بين دفنه إلى ثلاثة أيام، ولا يُصلّى عليه بعد ذلك، وإن دُفن بعد أن صلي عليه لم يُصَلّ أحد على قبره.
_________________
(١) "الأوسط" ٥/ ٤١٠ - ٤١١.
[ ١٨ / ٤٨٠ ]
وقال مالك: لا يصلى على قبر، وروي ذلك عن إبراهيم النخعيّ.
وقال الشافعيّ، والأوزاعيّ، وأبو سليمان -يعني داود الظاهري-: يصلى على القبر، وإن كان قد صُلِّي على المدفون فيه، وقد روي هذا عن ابن سيرين.
وقال أحمد بن حنبل: يصلى عليه إلى شهر، ولا يُصلَّى عليه بعد ذلك.
وقال إسحاق: يصلي الغائب على القبر إلى شهر، ويصلي عليه الحاضر إلى ثلاث.
ثم أخرج بسنده حديث أبي هريرة - ﵁ - (^١).
قال: فادَّعَى قوم أن هذا الكلام منه - ﷺ - دليل على أنه خصوص له، قال: وليس كما قالوا، وإنما في هذا الكلام بركة صلاته - ﷺ -، وفضيلتها على صلاة غيره فقط، وليس فيه نهي غيره عن الصلاة على القبر أصلًا، بل قد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١].
ثم أورد مما يدلّ على بطلان دعوى الخصوص حديث ابن عباس - ﵄ - المتقدّم، ثم قال: فهذا أبطل الخصوص؛ لأن أصحابه - ﷺ -، وعليهم رضوان الله صلّوا معه على القبر، فبطلت دعوى الخصوص، ثم أخرج عن ثابت، عن أنس - ﵁ - المذكور قبل هذا: "أن النبيَّ - ﷺ - صلى على قبر".
قال: فهذه آثار متواترة لا يسع الخروج عنها.
وأورد أيضًا أن عائشة قَدِمت مكة بعد أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت: أين قبر أخي؟ فدُلَّت عليه، فوُضِعَت في هودجها عند قبره، فصلت على قبره.
وعن نافع عن ابن عمر، أنه قَدِم، وقد مات أخوه عاصم، فقال: أين قبر أخي؟ فدُلّ عليه، فصلى عليه، ودعا له.
وعن عليّ - ﵁ - أنه أمر قَرَظَة بن كعب الأنصاريّ أن يصلي على قبر سهل بن حُنَيف بقوم جاؤوا بعدما دفن، وصلى عليه.
وعن عليّ - ﵁ - أيضًا أنه صلى على جنازة بعدما صلي عليها.
_________________
(١) وأخرجه أيضًا البخاريّ، مختصرًا.
[ ١٨ / ٤٨١ ]
وعن أنس أنه صلى على جنازة بعدما صلي عليها، وعن ابن مسعود نحو ذلك، وعن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد أنه صلى على جنازة بعدما صلي عليها، وعن قتادة أنه كان إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى عليها.
قال: فهذه طوائف من الصحابة لا يُعرف لهم منهم مخالف.
قال: وأما تحديد الصلاة بشهر، أو ثلاثة أيام، فخطأ لا يُشْكِل؛ لأنه تحديد بلا دليل، ولا فرق بين من حدّ بهذا، أو من حدّ بغير ذلك. انتهى كلام ابن حزم ﵀ باختصار وتصرّف (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأدلة الصحيحة، ومن أقوال أهل العلم أن الصواب جواز الصلاة على القبر، وإن دفن الميت بعد الصلاة عليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكناب قال:
[٢٢١٦] (٩٥٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ زيدٌ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَألتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ بُكَبِّرُهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] ت (١١٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
_________________
(١) "المحلى" ٥/ ١٣٩ - ١٤٢.
[ ١٨ / ٤٨٢ ]
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) يسار الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ فقيه [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (زيدُ) بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ المشهور، أول مشاهده الخندق، مات سنة (٦ أو ٦٨) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٧/ ١٢٠٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما شيخاه: ابن المثنى، وابن بشّار، فمن التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، غير أبي بكر، فكوفيّ، ونصفه الثاني مسلسل بالكوفيين، والصحابيّ - ﵁ - ممن نزل الكوفة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - من مشاهير الصحابة، وقد أنزل الله تعالى في تصديقه سورة كاملة في القرآن، وهي سورة "المنافقون"، وقصّته مشهورة في "الصحيحين"، وغيرهما.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) تقدّم أن اسم أبيه يسار أنه (قَالَ: كَانَ زَيْدٌ)؛ أي: ابن أرقم، كما بُيّن ذلك في رواية أبي داود، والنسائيّ (يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا)؛ أي: أربع تكبيرات فقط (وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا)؛ أي: خمس تكبيرات (فَسَألتُهُ)؛ أي: عن تكبيره خمسًا من أين أخذه؟ (فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يُكَبِّرُهَا)؛ أي: كان يكبّر أحيانًا خمس مرّات، كما كان يكبّر في أحيان أخرى أربع تكبيرات.
قال النوويّ ﵀: هذا الحديث عند العلماء منسوخ، دلّ الإجماع على نسخه، وقد سبق أن ابن عبد البرّ وغيره نقلوا الإجماع على أنه لا يكبر اليوم
[ ١٨ / ٤٨٣ ]
إلا أربعًا، وهذا دليل على أنهم أجمعوا بعد زيد بن أرقم، والأصح أن الإجماع بعد الخلاف يصح. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الصواب أنه لا نسخ لهذا الحديث، وأن دعوى الإجماع على نسخه غير صحيحة، فإن الخلاف في ذلك معروف بين الصحابة، ومن بعدهم، وقد استوعب ذلك ابن المنذر في "الأوسط"، وابن حزم في "المحلَّى"، فلتراجعهما.
والحاصل أن التكبير خمسًا ثابتٌ صحيح، لكن الأولى أن يكبّر أربعًا، لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بذلك، فلو بلغ خمسًا لا يُنكر عليه؛ لصحّة حديث زيد بن أرقم - ﵁ - هذا، وإن أردت تحقيق المسألة على وجهها فلتراجع المسألة الثامنة من المسائل المذكورة في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - في قصّة نعي النجاشيّ - ﵁ -، تستفد علمًا جمّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.