وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٧] (٩٥٨) - (وَحَدَّثَنَا (^٢) أَبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌ والنَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا، حَتى تُخَلِّفَكُمْ، أَوْ تُوضَعَ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَمِى شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب.
_________________
(١) "شرح النووي" ٧/ ٢٦.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٨ / ٤٨٤ ]
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا.
٥ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريبًا أيضًا.
٦ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
٧ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر العدويّ، أبو عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
٨ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب - ﵄ -، مات سنة (٧٣) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٩ - (عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن كعب بن مالك الْعَنْزيّ -بسكون النون- حليف آل الخطّاب صحابيّ مشهور، أسلم قديمًا، وهاجر، وشهِد بدرًا، ومات ليالي قتل عثمان - ﵁ - (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٥/ ١٦١٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ، قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة الأولين، فأبو بكر، وزهير ما أخرج لهما الترمذيّ، وعمرو ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، فأبو بكر، وابن نمير كوفيّان، وعمرو، وزهير بغداديّان، وسفيان كوفيّ مكيّ.
٤ - (ومنها): رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب - ﵄ - (عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) الْعَنْزيّ - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - "إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ) تقدّم ضبطه بالفتح والكسر، وفي رواية نافع الآتية: "إذا رأى أحدكم الجنازة، فإن لم يكن ماشيًا معها، فليَقُم حتى تُخَلِّفه، أو توضع من قبل أن تُخلّفه"، وفي رواية له: "فليقُم حين يراها حتى تُخلّفه إذا كان غير متّبعها".
[ ١٨ / ٤٨٥ ]
(فَقُومُوا لَهَا) فيه الأمر بالقيام للجنازة؛ إذا رآها الشخص، وإن لم يقصد تشييعها، والمراد عموم كلّ جنازة، من مؤمن وغيره، كما سيأتي أن النبيّ - ﷺ - قام لجنازة يهوديّ مرّت به، وعلّل ذلك بأنها نفس، وفي رواية بأن الموت فَزَعٌ، وقوله: (حَتى تُخَلِّفَكُمْ) بتشديد اللام المكسورة، من التخليف؛ أي: تترككم وراءها، ونسبة ذلك إلى الجنازة على سبيل المجاز؛ لأن المراد حاملها، وقوله: (أَوْ تُوضَعَ) "أو" هنا ليست للشكّ، وإنما هي للتنويع، فإن من رأى الجنازة، إما أن لا يتبعها، فهذا يقوم حتى تتجاوزه، ويكون وراءها، أو توضع عنده، بأن كان في المصلَّى، وإما أن يتبعها، فهذا لا يجلس حتى توضع.
[تنبيه]: قوله: "أَوْ تُوضَعَ" يَحْتَمِل أن يكون المراد حتى توضع على الأرض، أو توضع في اللحد.
وقد رُوي عن أبي هريرة - ﵁ - باللفظين، إلا أن البخاريّ أشار إلى ترجيح رواية: "حتى توضع بالأرض"، حيث قال: "بابٌ مَن تَبعَ جنازة، فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال"، وصرّح أبو داود بترجيحها، حيث قال بعد رواية حديث أبي سعيد - ﵁ - الآتي من طريق سهيل بن أبي صالح، بلفظ: "إذا تبعتم الجنازة، فلا تجلسوا حتى توضع" ما نصّه: ورَوَى الثوريّ هذا الحديث، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال فيه: "حتى توضع بالأرض"، ورواه أبو معاوية، عن سهيل، قال: "حتى توضع في اللحد"، وسفيان أحفظ من أبي معاوية. انتهى.
وكذا قال الأثرم، قال الحافظ ﵀: ورواه جرير، عن سهيل؛ أي عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فقال: "حتى توضع" حسبُ، وزاد سهيل: ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال، أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" بهذه الزيادة، والبيهقيّ (٤/ ٢٦) وهو في مسلم بدونها.
قال الحافظ: ورَجَحَتْ روايةُ "حتى توضع بالأرض" عند البخاريّ بفعل أبي صالح؛ لأنه رواي الخبر، وهو أعرف بالمراد منه، ورواية أبي معاوية مرجوحة، كما قال أبو داود. انتهى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٥٣٢.
[ ١٨ / ٤٨٦ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عامر بن ربيعة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٢١٧ و٢٢١٨ و٢٢١٩] (٩٥٨)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٠٧ و١٣٠٨ و١٣١٥)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٧٢)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٤٢)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٤٤)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٤٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦٣٠٥ و٦٣٠٦ و٦٣٠٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٤٥ و٤٤٦ و٤٤٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٩ - ٤٠)، (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٣٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه " (٧/ ٣٢٣ و٣٢٤) و(الطحاويّ) (١/ ٤٨٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بالقيام للجنازة.
٢ - (ومنها): أن هذا الأمر للاستحباب على الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف، هل هو للوجوب، أم للاستحباب، أم هو منسوخ؟ في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): أن ظاهر هذا الأمر يعمّ كل جنازة، سواء كانت لمسلم، أو لكافر، كما تدلّ عليه أحاديث الباب التالي.
٤ - (ومنها): أن القيام للجنازة قد جاء تعليله في الحديث الآتي بقوله: "إن الموت فَزَعٌ"، فدلّ على أن القيام لتذكر الموت، وإعظامه، وجَعْلِهِ من أهمّ ما يَخْطُر بالإنسان، ولذا استوى فيه جنازة المؤمن والكافر، ويأتي أيضًا تعليله بقوله: "أليست نفسًا"، وثبت في رواية أحمد، وابن حبان تعليله بقوله: "إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس"، وفي رواية الحاكم بقوله: "إنما قمنا للملائكة"، ولا تنافي بين هذه الروايات، كما سيأتي بيان ذلك قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
٥ - (ومنها): ما قاله في "الفتح" من أن حديث أبي سعيد الآتي أبين سياقًا من حديث عامر بن ربيعة هذا، وهو يوضّح أن المراد بالغاية المذكورة
[ ١٨ / ٤٨٧ ]
مَن كان معها، أو مشاهدًا لها، وأما من مرّت به، فليس عليه القيام إلا قدر ما تمرّ عليه، أو توضع عنده بأن يكون بالمصلَّى مثلًا. وروى أحمد من طريق سعيد ابن مَرْجَانة، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: "من صلى على جنازة، فلم يمش معها، فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشى معها، فلا يجلس حتى توضع".
وفي هذا السياق بيان لغاية القيام، وأنه لا يختصّ بمن مرّت به، ولفظ القيام يتناول من كان قاعدًا، فأما من كان راكبًا، فيَحْتَمِل أن يقال: ينبغي له أن يَقِفَ، ويكون الوقوف في حقّه كالقيام في حقّ القاعد. انتهى (^١).
٦ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله في هذا الحديث: "فإن لم يكن ماشيًا معها … إلخ"، وكذا في حديث أبي سعيد - ﵁ - لآتي: "فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع" على أن شهود الجنازة لا يجب على الأعيان، ووجه ذلك أنه يدلّ على أن من لم يتبعها لا يقوم إلى أن توضع، بل حتى تخلّفه، فدلّ على أنه إن شاء اتبعها، ولا يجلس حتى توضع، وإن شاء لم يتبعها، ولكن يقوم حتى تخلّفه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم القيام للجنازة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد اختلفوا في القيام للجنائز إذا مرّت، فقالت طائفة: يقوم لها، فعل ذلك أبو مسعود البدريّ، وأبو سعيد الخدريّ، وقيس بن سعد، وسهل بن حُنيف، وسالم بن عبد الله.
ورأت طائفة أن لا يقوم المرء للجنازة تمرّ به، مُرَّ على سعيد بن المسيّب بجنازة، فلم يقم لها، وكان عروة بن الزبير يَعيب من يفعل ذلك، وقال مالك: ليس على الرجل أن يقوم للجنازة إذا رآها، ولا يقعد حتى تجاوزه، مسلمًا كان، أو كافرًا، وقال الشافعيّ: لا يقوم للجنازة من لا يشهدها، والقيام لها منسوخ، وقال أحمد: إن قام لم يقعد، وإن قعد فلا بأس، وكذلك قال إسحاق، وقال أحمد: قوله: "فليقم" إنما ذا على القاعد يقوم، وقال أحمد: من قام للجنازة فذاك، ومن لم يقم ذهب إلى حديث عليّ - ﵁ -: "قام رسول الله - ﷺ -، فقمنا، وقعد، فقعدنا"، قال أبو عبد الله: أما أنا فلا أقوم.
_________________
(١) "الفتح" بتصرّف ٣/ ٥٣٣.
[ ١٨ / ٤٨٨ ]
قال ابن المنذر ﵀: مذهب أحمد، وإسحاق حسن في الوجهين. انتهى (^١).
وقال النوويّ ﵀: قال القاضي عياض: اختلف الناس في هذه المسألة، فقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ: القيام منسوخ، وقال أحمد، وإسحاق، وابن حبيب، وابن الماجشون: هو مخيّر، قال: واختلفوا في قيام من يشيّعها عند القبر، فقال جماعة من الصحابة والسلف: لا يقعد حتى توضع، قالوا: والنسخ إنما هو في قيام من مرّت به، وبهذا قال الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، قال: واختلفوا في القيام على القبر حتى تدفن، فكرهه قوم، وعمل به آخرون، روي ذلك عن عثمان، وعليّ، وابن عمر، وغيرهم - ﵃ -، هذا كلام القاضي.
قال النوويّ: والمشهور في مذهبنا أن القيام ليس مستحبًّا، وقالوا: هو منسوخ بحديث عليّ، واختار المتولي من أصحابنا أنه مستحبّ، وهذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب، والقعودُ بيانًا للجواز، ولا يصحّ دعوى النسخ في مثل هذا؛ لأن النسخ إنما يكون إذا تعذّر الجمع بين الأحاديث، ولم يتعذر، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^٢)، وهو تحقيق نفيسٌ.
وقال في "الفتح": وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أكثر الصحابة، والتابعين باستحبابه، كما نقله ابن المنذر، وهو قول الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، ورَوَى البيهقيّ من طريق أبي حازم الأشجعيّ، عن أبي هريرة، وابن عمر، وغيرهما أن القائم مثل الحامل -يعني في الأجر- وقال الشعبيّ، والنخعيّ: يكره القعود قبل أن توضع، وقال بعض السلف: يجب القيام، واحتجّ له برواية سعيد، عن أبي هريرة، وأبي سعيد - ﵄ - (^٣). انتهى (^٤).
_________________
(١) "الأوسط" ٥/ ٣٩٤ - ٣٩٥.
(٢) "شرح مسلم" ٧/ ٣٢.
(٣) هو ما أخرجه النسائيّ في "سننه" من طريق ابن جريج، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة وأبى سعيد، قالا: ما رأينا رسول الله - ﷺ - شَهِدَ جنازة قط، فجلس حتى توضع. وفي سنده عنعنة ابن جريج، وهو مدلّس، ومحمد بن عجلان اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - ﵁ -، وفي متنه نكارة، كما بيّنته في "شرح النسائيّ" (١٩/ ٩٥).
(٤) "الفتح" ٣/ ٥٣٢.
[ ١٨ / ٤٨٩ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عليّ - ﵁ - الذي استدلّوا به على النسخ هو الآتي للمصنّف ﵀ في الباب التالي أن عليّا - ﵁ - لَمّا ذُكر له القيامُ على الجنازة حتى توضع، قال: قام رسول الله - ﷺ -، ثم قعد.
ورواه أحمد، وابن حبان، وغيرهما بلفظ: "كان رسول اللهﷺ - أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس"، ولفظ البيهقيّ: "ثم قعد بعد ذلك، وأمرهم بالقعود".
ثم إن حديث علي باللفظ الأول لا يدلّ على النسخ، وإنما غايته أن يدلّ على أن الأمر ليس للوجوب، وأما حديثه باللفظ الثاني، فلو صحّ لكان دالًّا على النسخ؛ لقوله فيه: "وأمرنا بالجلوس"، لكنه بهذا اللفظ لا يصحّ؛ لمخالفة محمد بن عمرو بن علقمة لمن هوأحفظ منه، وهو يحيى بن سعيد الأنصاريّ، كما أخرجه مسلم وغيره من طريقه، وتابعه شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن مسعود بن الحكم، باللفظ الأول، وليس عندهما زيادةُ: "وأمرنا بالجلوس"، وإنما هو حكاية فعله عدم، وهو يدلّ على الندب، كما ذكرنا، لا على النسخ.
وأما ما أخرجه أبو داود والترمذيّ، وابن ماجه، والبزّار عن عبادة بن الصامت - ﵁ -، قال: كان رسول اللهﷺ - يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمرّ حبر من اليهود، فقال: هكذا نفعل، فجلس النبيّ - ﷺ -، وقال: "اجلسوا، خالفوهم".
فإنه ضعيف؛ لأن في سنده بشر بن رافع، وقد ضعّفه غير واحد، وقال عنه في "التقريب": فقيه ضعيف الحديث، من السابعة، وفيه أيضًا عبد الله بن سليمان، قال البخاريّ: فيه نظر، لا يتابع على حديثه، وأبوه سليمان، قال البخاريّ، وأبو حاتم: منكر الحديث.
وأما ما أخرجه أحمد في "مسنده" (١/ ١٤٢)، والحازمي في "الناسخ والمنسوخ" (ص ١٢١) من طريق أبي معمر، قال: "كنا مع عليّ، فمر به جنازة، فقام لها ناس، فقال عليّ: من أفتاكم هذا؟ فقالوا: أبو موسى، قال: إنما فعل رسول الله - ﷺ - مرّة، فكان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نُهِي انتهى". لفظ أحمد، ولفظ الحازميّ: "فلما نُسِخ ذلك، ونُهِي عنه انتهى". ففي سنده ليث بن أبي سُليم، وهو متروك.
[ ١٨ / ٤٩٠ ]
والحاصل أن دعوى النسخ، غير صحيحة؛ فإن أحاديث الأمر بالجلوس، لا تصحّ، وكذا حديث عليّ المذكور الدالّ على النسخ، لا يثبت، فلا ينبغي الالتفات إليها، في نسخ تلك السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة من طرق جماعة من الصحابة، بل المتحتّم الأخذ بها، واعتقاد أنها مستحبّة، مَن فعلها، فقد أحسن، ومن لا، فلا لوم عليه؛ لأنه - ﷺ - قام، وقعد، وهذا هو الحق، كما تقدّم ترجيح النوويّ ﵀ له، مخالفًا لمشهور مذهبه، من دعوى النسخ، فجزاه الله تعالى خيرًا على اتباعه الدليلَ، وعدم تعصّبه لمشهور مذهبه، كما هو ديدن المتفقهة، ولا سيما المتأخرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٨] (…) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ (^١)، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ (^٢)، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ (^٣)، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ، أنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ (ح) وَحَدَّثَنًَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُم الْجَنَازَةَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ، حَتَّى تُخَلِّفَهُ، أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلَفَهُ ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن مهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم قبل باب.
٤ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى، تقدّم قريبًا.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا ابن رمح".
(٢) وفي نسخة: "حرملة بن يحيى".
(٣) وفي نسخة: "حدّثني ابن وهب".
[ ١٨ / ٤٩١ ]
٥ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم قريبًا أيضًا.
٦ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٧ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قريبًا أيضًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ) يعني أن كلًّا من الليث بن سعد، ويونس بن يزيد رويا هذا الحديث عن ابن شهاب بسنده الماضي، وهو: عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة - ﵄ -.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ) بيّن به أن في رواية يونس بن يزيد صرّح عامر بن ربيعة بأنه سمع النبيّ - ﷺ - يقول: "إذا رأيت الجنازة، فقوموا لها … إلخ".
وقوله: (أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ) فيه بيان للمراد من رواية سالم الماضية بلفظ: "أو توضع"، وسيأتي من طريق ابن جريج، عن نافع بلفظ: "إذا رأى أحدكم الجنازة، فليقُم حين يراها حتى تُخلّفه إذا كان غير متّبعها".
[تنبيه]: رواية الليث، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ، فقال:
(١٩١٦) - أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة العدويّ، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا، حتى تُخَلِّفكم، أو توضع".
وأما رواية يونس، عن ابن شهاب، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢١٩] (…) - (وَحَدَّثَنِي (^١) أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّاد (ح) وَحَدثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدثنا إِسْمَاعِيلُ، جَمِيعًا عَنْ أَيُوبَ (ح) وَحَدَّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدثنَا ابْنُ أَبِي
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٨ / ٤٩٢ ]
عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ (ح) وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيث ابْنِ جُرَيْجٍ، قَال النَّبِيُّ - ﷺ - " (^١): "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الْجَنَازَةَ فَلْيَقُمْ حِينَ يَرَاهَا، حَتَى تُخَلِّفَهُ، إِذَا كَانَ غَيْرَ مُتَّبِعِهَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة عشر:
١ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثير الدورقيّ.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ) ابن عليّة، تقدّم قبل باب.
٥ - (أَيُّوبُ) السختيانيّ، تقدّم أيضًا قبل باب.
٦ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي.
٧ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل باب.
٨ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٩ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، تقدّم قريبًا.
١٠ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
١١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا.
١٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين.
١٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب.
١٤ - (نَافِعٌ) ذُكر قبله.
_________________
(١) وفي نسخة: "قال: قال النبيّ - ﷺ - ".
[ ١٨ / ٤٩٣ ]
وقوله: (جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ)؛ أي: أن كلًّا من حماد بن زيد، وإسماعيل بن عليّة رويا هذا الحديث عن أيوب السختياني.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة: أيوب السختيانيّ، وعبيد الله العمريّ، وعبد الله بن عون، وابن جُريج رووا هذا الحديث عن نافع مولى ابن عمر بهذا الإسناد الماضي، وهو: عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة، عن النبيّ - ﷺ -.
وقوله: (فَلْيَقُمْ حِينَ يَرَاهَا) ظاهره أنه يقوم بمجرّد رؤيتها قبل أن تصل إليه، قاله النوويّ ﵀ (^١).
وقوله: (حَتَّى تُخَلِّفَهُ) بضمّ التاء، وكسر اللام المشدّدة: أي: تصيِّره وراءها، غائبًا عنها.
وقوله: (إِذَا كَانَ غَيْرَ مُتّبِعِهَا) فيه أن اتّباع الجنائز كفائيّ، وليس من الواجبات العينيّة.
[تنبيه]: رواية أيوب، عن نافع هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٥٢٥٨) - حدّثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا رأيت جنازةً، فإن لم تك ماشيًا معها، فقم لها حتى تُخَلِّفك، أو توضع"، قال: فكان ابن عمر ربما تقدّم الجنازة، فقعد حتى إذا رآها قد أشرفت قام، حتى توضع، وربما سترته.
وأما رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، فساقها الإمام أحمد ﵀ أيضًا، فقال:
(١٥٢٤٨) - حدّثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إذا رأى أحدكم الجنازة، ولم يكن ماشيًا معها، فليقم حتى تجاوزه، أو توضع".
وأما رواية ابن جريج، عن نافع، فساقها الإمام أحمد ﵀ أيضًا، فقال:
(١٥٢٥٠) - حدّثنا عبد الرزاق، وابن بكر، قالا: حدّثنا ابن جريج،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٢٩.
[ ١٨ / ٤٩٤ ]
قال: سمعت نافعًا يقول: كان عبد الله بن عمر يَأْثُرُ عن عامر بن ربيعة، أنه كان يقول: قال النبيّ - ﷺ -: "إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها، حتى تُخَلِّفه؛ إذا كان غير متبعها".
وأما رواية بن عون، فساقها البزار في "مسنده" (٩/ ٢٦٧) فقال:
(٣٨٠٩) - وحدّثنا يحيى بن حكيم، قال: نا أبو بحر، وأزهر بن سعد، قالا: نا ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن عامر بن ربيعة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إذا رأى أحدكم الجنازة، فإن لم يكن معها ماشيًا، فليقم لها حتى تُخَلِّفه، أو توضع". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٢٠] (٩٥٩) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي قالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا اتبعْتُمْ جَنَازَةً، فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ [١٠] (ت ٢٣٩) عن (٨٣) سنة (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) المدنيّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (أبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدني، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥ أو ٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٨٥.
وشرح الحديث يُعلم مما سبق، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
[ ١٨ / ٤٩٥ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٢٢٠ و٢٢٢١] (٩٥٩)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (٣٠٩ و٣١٠)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٧٣)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٥٤٣)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٤٣ - ٤٤ و٧٧)، و(أحمد) في "مسنده" ٣/ ٢٥ و٤١ و٤٨ و٥١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٢١] (…) - (وَحَدَّثَني سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي (^١)، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا رَأَيتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتى تُوضَعَ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت هـ ٢٣) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٩٥/ ٢٠٢.
٢ - (عَلِي بْنُ حُجْرٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (هِشَامٌ الدَّسْتَوَائيُّ) تقدّم قريبًا.
٤ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويرسل [٥] (١٣٢) أو قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرني أبي".
[ ١٨ / ٤٩٦ ]
وشرح الحديث يُعلم مما سبق، وهو متّفق عليه، وتقدّم تخريجه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٢٢] (٩٦٠) - (وَحَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: مَرَّتْ جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا يَهُودِيَّة، فَقَالَ: "إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ، فَإذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مِقْسَمٍ) القرشيّ، مولى ابن أبي نَمِر المدنيّ، ثقةٌ مشهور [٤].
رَوَى عن جابر، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي صالح السمّان، والقاسم بن محمد، وعطاء بن يسار.
وروى عنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وأبو حازم بن دينار، وسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن عجلان، ويحيى بن أبي كثير، وداود بن قيس الفرّاء، وإسحاق بن حازم المدنيّ، وبكير بن عبد الله بن الأشج.
قال أبو داود، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ لا بأس به، ووَثَّقه يعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٩٦٠) و(١١٩٨) و(١٩١٥) و(١٩٣٥) و(٢٥٧٨) و(٢٧٨٨).
٢ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريّ - ﵄ -، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
[ ١٨ / ٤٩٧ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمّل والأداء، كما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو والبخاريّ، والنسائي، والثاني ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وعبيد الله بن مقسم ما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يحيى، عن عبيد الله.
٤ - (ومنها): أن فيه جابر بن عبد الله - ﵄ - صحابيّ ابن صحابيّ، أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - أنه (قَالَ: مَرَّتْ جَنَازَةٌ) فيه تجوّز؛ لأن المارّ حاملها بها (فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ)؛ أي: لا تستحقّ التكريم لها (فَقَالَ) - ﷺ - ("إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ) وفي رواية النسائيّ: "إن للموت فَزَعًا"، قال القرطبيّ ﵀: معناه: إن الموت يُفزَع إليه، إشارةٌ إلى استعظامه، ومقصودُ الحديث أن لا يستمرّ الإنسان على الغفلة بعد رؤية الميت؛ لما يُشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن ثَم استوى فيه الميت مسلمًا، أو غير مسلم.
وقال غيره: جَعَل نفس الموت فَزَعًا، مبالغة، كما يقال: رجل عدلٌ.
وقال البيضاويّ: هو مصدرٌ، جَرَى مَجْرَى الوصف؛ للمبالغة، أو فيه تقديرٌ؛ أي: الموت ذو فزَعٍ.
ويؤيّد الثاني- كما قال الحافظ ﵀ رواية النسائيّ، وابن ماجه بلفظ: "إن للموت فَزَعًا"، وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يَقْلَق من أجلها، ويضطرب، ولا يَظهَر منه عدم الاحتفال (^١) والمبالاة.
_________________
(١) الاحتفال: حسن القيام بالأمور، ويقال: ما احتفل به: أي ما بالى. أفاده في "ق". فيكون قوله: "والمبالاة" عطف تفسير.
[ ١٨ / ٤٩٨ ]
قاله في "الفتح" (^١).
وقال السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ": قوله: "إن للموت فزعًا": أي: فلا ينبغي الاستمرار على الغفلة على رؤية الميت، فالقيام لترك الغفلة، والتشمير للجدّ والاجتهاد في الخير، وفي بعض النسخ: "إن الموت فَزَعٌ"؛ أي: ذو فزع، أو هو من باب المبالغة. انتهى.
(فَإذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا")؛ أي: تعظيمًا لهول الموت وفَزَعه، لا تعظيمًا للميت، فلا يختصّ القيام بميت دون ميت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى)؛ حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٢٢٢ و٢٢٢٣ و٢٢٢٤] (٩٦٠)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٣١١)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٧٤)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (١٩٢٢ و١٩٢٨) و"الكبرى" (٢٠٤٩ و٢٠٥٦)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (٥٤٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٩ و٣٣٤ و٣٥٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٠ - ٤١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٢٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي (^٢) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَّنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (^٣)، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أنهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - (^٤) لِجَنَازَةٍ مَرَّتْ بِهِ، حَتَّى تَوَارَتْ).
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٥٣٤.
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
(٣) وفي نسخة: "عن ابن جريح".
(٤) وفي نسخة: "قام رسول الله - ﷺ - ".
[ ١٨ / ٤٩٩ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (لِجَنَازَةٍ مَرَّتْ بِهِ) وفي رواية النسائيّ: "لجنازة يهوديّ، مرّت به".
وقوله: (حَتى تَوَارَتْ)؛ أي: تباعدت، واختفت عن أعينهم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٢٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزبَيْرِ أيْضًا، أَنهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ، حَتَّى تَوَارَتْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة، وهم المذكورون في السند الماضي، وكذا الحديث هو الماضي، وإنما أعاده؛ لكون ابن جريج سمعه من أبي الزبير مرّتين، كما يشير إليه قوله: "أيضًا"، وبين الإخبارين فرقٌ، وذلك أن في الأول الاقتصار على قيام النبيّ - ﷺ -، بخلاف الثاني، فقد بيّن فيه قيام أصحابه - ﵃ - معه، ففيه بيان أن القيام سنّة عامّة له وللأمة، سواء كان الميت مسلمًا، أو غير مسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٢٥] (٩٦١) - (حَدَّثَنَا (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ، وَسَهْلَ بْنَ
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٨ / ٥٠٠ ]
حُنَيْفٍ، كَانَا بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا جَنَازَةٌ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَقَالَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ، فَقَامَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: "ألَيْسَتْ نَفْسًا؟ ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (قَيْسُ بْنُ سَعْدِ) بن عُبادة بن دُلَيهم بن حارثة الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الملك، ويقال: أبو الفضل المدنيّ، قال أنس بن مالك: كان قيس بن سعد من النبيّ - ﷺ - بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن أبيه، وعبد الله بن حنظلة بن الراهب، وهو أصغر منه.
ورَوَى عنه أنس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وثعلبة بن أبي مالك الْقُرَظيّ، وأبو ميسرة عمرو بن شُرَحبيل، وعامر الشعبيّ، وعروة بن الزبير، وميمون بن أبي شبيب، وأبو تميم الجيشانيّ، وآخرون.
قال الحميديّ، عن سفيان، عن عمرو بن دينار: كان قيس بن سعد رجلًا ضَخْمًا جسيمًا، وكان إذا ركب الحمار خَطَّت رجلاه الأرض، وقال بكر بن سَوَادة، عن أبي حمزة الحميريّ، عن جابر، فذكر حديثًا، قال: وكان عليهم قيس بن سعد، ونَحَرَ لهم تسع ركائب، وقال فيه: فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - ذكروا له من أمر قيس بن سعد، فقال: "إن الجود من شِيمَة أهل ذلك البيت"، وقال يونس، عن الزهريّ: كان من دُهَاة العرب، وقال عروة: قال قيس بن سعد: اللهم ارزقني مالًا، فإنه لا يصلح الفِعَال إلا بالمال.
قال خليفة وغيره: تُوُفِّي بالمدينة في آخر خلافة معاوية، وقال ابن حبان: يُكْنَى أبا القاسم، وكان على مقدمة عليّ يوم صِفِّين، ثم هَرَب من معاوية سنة (٥٨) وسكن تَفْلِيس (^١)، ومات بها في ولاية عبد الملك بن مروان.
أخرج له الجماعة، وله عند المصنف هذا الحديث فقط، وله عند
_________________
(١) في "القاموس": "تَفْلِيس" بفتح التاء، وقد تكسر: بلد افتُتِح في خلافة عثمان - ﵁ -. انتهى.
[ ١٨ / ٥٠١ ]
البخاريّ هذا، وحديث آخر في "الجهاد والسير" (^١)، وعند الترمذيّ حديث: "لا حول ولا قوة إلا بالله".
٢ - (سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ) بن واهب بن الْعُكَيم بن ثعلبة بن مَجْدَعة بن الحارث الأوسيّ الأنصاريّ، أبو ثابت، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو سعد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو الوليد المدنيّ.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن زيد بن ثابت.
وروى عنه ابْنَاهُ: أبو أمامة أسعد، وعبد الله، ويقال: عبد الرحمن، وأبو وائل، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعبيد الله بن السّبّاق، ويُسَير بن عمرو، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم.
قال ابن عبد البرّ: شَهِدَ بدرًا، والمشاهد كلّها، وثبت مع رسول اللهﷺ - يوم أحد، وكان بايعه على الموت، ثم صَحِبَ عليًّا من حين بويع، فاستخلفه على البصرة، ثم شَهِد معه صِفين، وولاه فارس، ومات سنة (٣٨) وصلى عليه على، وكبر ستًّا.
وقال ابن سعد: آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين عليّ وشَهِد بدرًا، وكان عمر يقول: سهل غيرُ حَزْن، ولما تُوُفِّي كَبَّر عليه على خمسًا، ثم التفت إليهم، فقال: إنه بدريّ.
أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٩٦١) و(١٠٦٨) وأعاده بعده، و(١٣٧٥) و(١٧٨٥) وكرّره ثلاثة مرّات، و(١٩٠٩) و(٢٢٥١).
والباقون ذُكرُوا في هذا الباب، والذي قبله.
_________________
(١) هو ما أخرجه البخاريّ في "الجهاد والسير" برقم (٢٩٧٤) قال: حدّثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدّثني الليث، قال: أخبرني عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني ثعلبة بن أبي مالك القُرَظيّ أن قيس بن سعد الأنصاريّ - ﵁ -، وكان صاحب لواء رسول اللهﷺ - أراد الحج، فَرَجَّلَ.
[ ١٨ / ٥٠٢ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما ابن المثنّى وابن بشّار، فمن التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، عن صحابيين.
شرح الحديث:
(عَنِ) عبد الرحمن (بْنِ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ ﵀، وفي رواية للبخاريّ، ذكرها تعليقًا عن أبي حمزة السُّكّريّ، عن عمرو، عن ابن أبي ليلى، قال: "كنت مع قيس، وسهل - ﵄ -، فقالا: كنا مع النبيّ - ﷺ - "، ففيها بيان سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى لهذا الحديث من سهل، وقيس - ﵄ -.
(أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ، وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ) - ﵄ - (كَانَا بِالْقَادِسِيةِ) موضعٍ بقرب الكوفة، من جهة المغرب، على طرف البادية، نحو خمسة عشر فرسخًا، وهي آخر أرض العرب، وأول حَدّ سواد العراق، وكان هناك وقعة عظيمة في خلافة عمر - ﵁ -، ويقال: إن إبراهيم الخليل ﵇ دعا لتلك الأرض بالقُدُس، فسُمِّيت بذلك، ذكره في "المصباح".
وقال في "القاموس": "القادسيّة" قرية قرب الكوفة، مرّ بها إبراهيم ﵇، فوجد بها عجوزًا، فغسلت رأسه، فقال: قُدِّستِ من أرض، فسميت بالقادسيّة. انتهى.
واختُلِف في وقعة القادسية فذكر ابن إسحاق أنها كانت سنة (١٥) وزعم الواقديّ أنها سنة (١٦) وذكر سيف بن عمر، وابن جرير، وجماعة أنه سنة (١٤) وكانت وقعة القادسية وقعة عظيمة، لم يكن بالعراق أعجب منها، وكان عدد المسلمين على ما قال ابن إسحاق ما بين سبعة آلاف، إلى ثمانية آلاف، وكان قائدهم سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، وأن الفرس كانوا ستين ألفًا، وقيل: كان عددهم أكثر من ذلك، وقائد الفرس رجل اسمه رستم، وانتهت المعركة
[ ١٨ / ٥٠٣ ]
بانتصار المسلمين (^١).
(فَمَرَّتْ بِهِمَا جَنَازَةٌ) تقدّم ضبطها بالفتح والكسر، وفي رواية البخاريّ: "فمرُّوا عليهما بجنازة"، وفي رواية النسائيّ: "فمُرّ عليهما بجنازة" ببناء الفعل للمفعول" (فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا)؛ أي: الجنازة (مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ)؛ أي: جنازة كافر من أهل الذمّة، وإنما سُمِّي أهل الذمة بأهل الأرض؛ لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقرّوهم على عَمَل الأرض، وحَمْل الخراج إليهم (فَقَالَا)؛ أي: قيس، وسهل - ﵄ - (إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ، فَقَامَ، فَقِيلَ)؛ أي: له - ﷺ - (إِنَّهُ)؛ أي: إن الميت (يَهُودِيٌّ)؛ أي: رجلٌ منسوب إلى يهود، القبيلةِ المعروفة، قال الفيّوميّ ﵀: ويقال: هو يَهُودُ، غير منصرف، للعلمية، ووزن الفعل، ويجوز دخول الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا، فلا يمتنع التنوين؛ لأنه نُقل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، وقيل: اليهوديّ نسبة إلى يهودا بن يعقوب ﵇، هكذا أورده الصغانيّ "يَهُودا" في باب المهملة. انتهى.
والياء فيه للفرق بين اسم الجنس، وبين واحدة، كما يقال: عرب وعربيّ، وعجم وعجميّ، وروم وروميّ، وترك وتركيّ، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) - ﷺ - ردّا عليهم، وبيانًا لسبب مشروعيّة القيام للجنازة ("ألَيْستْ نَفْسًا؟ ") المعنى أن القيام إنما شُرع لكونها نفسًا، لا لكونها مؤمنة، ومعنى القيام لكونها نفسًا أنها حلّ بها الموت الذي هوأمر عظيم، وخَطَر جسيم على الإنسان، فينبغي له أن يقابله بالفزع والرهبة، والخضوع والاستكانة، لا بالغفلة، والذهول، والتكبّر والأَنَفَة، وهذا المعنى لا يخص نفس المؤمن، بل يعمّ منفس حلّ بها الموت.
وهذا لا يعارض التعليل السابق في الحديث الماضي بقوله: "إن الموت فَزَغ"، وفي رواية النسائيّ: "إن للموت فَزَعًا"، وكذا ما أخرجه الحاكم من طريق قتادة، عن أنس - ﵁ -، مرفوعًا، فقال: "إنما قمنا للملائكة"، ونحوه
_________________
(١) راجع: قصة القادسية في "البداية والنهاية" لابن كثير ٧/ ٣٨ - ٥٠ وغيره من كتب التواريخ.
[ ١٨ / ٥٠٤ ]
لأحمد من حديث أبي موسى - ﵁ -، ولأحمد، وابن حبان، والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: "إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس"، ولفظ ابن حبّان: "إعظاما للذي يقبض الأرواح" (^١)، فإن ذلك أيضًا لا ينافي التعليل السابق؛ لأن القيام للفَزَع من الموت فيه تعظيم لأمر الله، وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك، وهم الملائكة.
وأما ما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن عليّ - ﵄ -، قال: "إنما قام رسول الله - ﷺ - تأذّيًا بريح اليهوديّ"، زاد الطبرانيّ من حديث عبد الله بن عياش - بالتحتانية، والمعجمة-: "فآذاه ريح بَخُورها"، وللطبرانيّ، والبيهقيّ من وجه آخر عن الحسن: "كراهية أن تعلو رأسه"، فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة.
أما أوّلًا، فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصحّة، وأما ثانيًا، فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبيّ - ﷺ -، فكأن الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه، فعَلَّل باجتهاده.
وقد رَوَى ابن أبي شيبة، من طريق خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمة يزيد بن ثابت، قال: "كنا مع رسول الله - ﷺ -، فطلعت جنازة، فلما رآها قام، وقام أصحابه حتى بَعُدَت، والله ما أدري: من شأنها، أو من تضايق المكان؟، وما سألناه عن قيامه".
ثم إن مقتضى التعليل بقوله: "أليست نفسًا" أن ذلك يستحبّ لكلّ جنازة، وقد تقدّم في المسألة الرابعة من شرح حديث عامر بن ربيعة - ﵁ - بيانُ اختلاف أهل العلم في حكم القيام للجنازة، وأن الراجح هو القول بالاستحباب، جمعًا بين الأحاديث، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: استُدلّ بهذا الحديث على جواز إخراج جنائز أهل الذمة نهارًا غير متميّزة عن جنائز المسلمين، أشار إلى ذلك الزين ابن المنيّر ﵀، قال: وإلزامهم بمخالفة رسوم المسلمين وقع اجتهادًا من الأئمّة.
ويمكن أن يقال: إذا ثبت النسخ للقيام تبعه ما عداه، فيحمل على أن
_________________
(١) انظر: "صحيح ابن حبان" ٧/ ٣٢٤ - ٣٢٥ رقم الحديث ٣٠٥٣.
[ ١٨ / ٥٠٥ ]
ذلك كان عند مشروعيّة القيام، فلما تُرك القيام منع من الإظهار، قاله في "الفتح " (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الكلام نظرٌ لا يخفى؛ لأنه إذا لم يرد نصّ على أجمر الذميّ بالتميّز، فمن أين أتى المنع من الإظهار؟، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث قيس بن سع، وسهل بن حُنيف - ﵄ - هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرَجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٢٢٥ و٢٢٢٦] (٩٦١)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٣١٢)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٤٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٢)، وفوائد الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٢٦] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَفِيهِ: فَقَالَا: كُنَّا مَعَ رَسُولي اللهِ - ﷺ -، فَمَرَّتْ عَلَيْنَا جَنَازَةٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِياءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
_________________
(١) "الفتح " ٣/ ٥٣٥.
[ ١٨ / ٥٠٦ ]
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظ مقرئ ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٢٩٧.
و"عمرو بن مرّة" ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وتخريجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.