وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥٧] (١٠١٩) - (حَدَّثَنَا (^١) زُهَيْرٌ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ: "ألَا رَجُلٌ يَمْنَحُ أَهْلَ بَيْتٍ نَاقَةً، تَغْدُو بِعُسٍّ، وَتَرُوحُ بِعُسٍّ، إِن أَجْرَهَا لَعَظِيمٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) تقدّم قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ) الإمام الكوفيّ، ثم المكيّ الحافظ الحجة الثبت، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٣ - (أَبُو الزنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقية [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت فقية [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، ثم بغداديّ، وسفيان، فكوفيّ، ثمّ مكيّ.
٤ - (ومنها): أنه فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٩ / ٤٤٨ ]
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁- على بعض الأقوال.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-، وقوله: (يَبْلُغُ بِهِ) معناه: يبلغ به النبيّ -ﷺ-، فكأنه قال: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ألا رجل يمنح"، ولا فرق بين هاتين الصيغتين باتفاق العلماء، قاله النوويّ -﵀-، وقد مضى البحث في هذا مستوفًى غير مرّة.
("أَلَا رَجُلٌ) مبتدأ خبره جملة "إن أجرها لعظيم" (يَمْنَحُ) أي: يُعطي، يقال: مَنَحته الشيء مَنْحًا، من بابي نَفَعَ، وضَرَبَ: إذا أعطيته، والاسم المنيحة بفتح الميم، وكسر النون، والْمِنْحَةُ بكسر الميم، وسكون النون، والْمِنْحة في الأصل: هي الشاة، أو الناقة يُعطيها صاحبها رجلًا يشرب لبنها، ثمّ يرُدّها إذا انقطع اللبن، ثم كثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ عطاء، أفاده الفيّوميّ -﵀- (^١).
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "يَمْنَحُ" بفتح النون: أي: يعطيهم ناقةً يأكلون لبنها مُدّةً، ثم يردُّونها إليه، وقد تكون المنيحة عَطِيَّةً للرقبة بمنافعها مؤبَّدةً، مثل الهبة. انتهى (^٢).
وقوله: (أَهْلَ بَيْتٍ) مفعول أول، وقوله: (نَاقَةً) مفعول ثانٍ، والجملة في محلّ رفع صفة لـ"رجلٌ"، و"الناقةُ": هي الأنثى من الإبل، قال أبو عُبيدة: ولا تُسمّى ناقةً حتى تُجْذِعَ (^٣)، والجمع أَيْنُقٌ، ففيه القلب المكانيّ، حيث قُدّمت عين الكلمة على فائها (^٤)، وقوله: (تَغْدُو بِعُسٍّ) صفة لـ"ناقةً"، ومعنى "تغدو" أي: تأتي وقت الغدوّ، يقال: غدا غُدُوًّا، من باب قعد: ذهب غُدْوَةً، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وجمع الْغُدْوة غُدى، مثلُ مُدْيةٍ ومُدى، هذا أصله، ثمّ كثُرَ، حتى استُعْمِل في الذهاب والانطلاق أيَّ وقت كان، ومنه
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٥٨٠.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ١٠٦.
(٣) تُجذع الإبل في السنة الخامسة، والْجَذَع محرّكة ما قبل الثَّنِيّ.
(٤) راجع: "المصباح" مع هامشه ٢/ ٦٣١.
[ ١٩ / ٤٤٩ ]
حديث: "واغْدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (^١)، قاله الفيّوميّ (^٢).
و"الْعُسّ" -بضم العين، وتشديد السين المهملة-: هو الْقَدَحُ الكبير، قال النوويّ -﵀-: هكذا ضبطناه، ورُوي "بعشاء" بشين معجمة ممدودة، قال القاضي: وهذه رواية أكثر رواة مسلم، قال: والذي سمعناه من متقني شيوخنا: "بِعُسٍّ"، وهو القَدَحُ الضَّخْم، قال: وهذا هو الصواب المعروف، قال: ورُوي من رواية الحميديّ في غير مسلم: "بعساء" بالسين المهملة، وفسَّره الحميديّ بالْعُسّ الكبير، وهو من أهل اللسان، قال: وضبطنا عن أبي مروان بن سراج بكسر العين وفتحها معًا، ولم يقيده الجيانيّ، وأبو الحسن بن أبي مروان عنه، إلا بالكسر وحده، هذا كلام القاضي.
قال النوويّ: ووقع في كثير من نسخ بلادنا، أو أكثرها، من "صحيح مسلم": "بِعَسَاء" بسين مهملة ممدودة، والعين مفتوحة. انتهى (^٣).
(وَتَرُوحُ) أي: ترجع، يقال: راح يَرُوح رَوَاحًا، وتَرَوَّحَ مثله، يكون بمعنى الغُدو، وبمعنى الرجوع، وقد طابق بينهما في قوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]؛ أي: ذهابها ورجوعها، وقد يَتَوَهَّم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح، والْغُدُوّ عند العرب يستعملان في المسير أَيَّ وقت كان من ليل أو نهار، قاله الأزهري وغيره (^٤). (بِعُسٍّ) متعلّق بـ "تروح"، وقوله: (إِنَّ أَجْرَهَما لَعَظِيمٌ") بكسر همزة "إنّ" لوقوعها في الابتداء، والجملة خبر المبتدأ، كما أسلفته.
[تنبيه]: هذا الحديث لفظه عند البخاريّ: قال رسول الله -ﷺ-: "نعم الصدقة اللّقْحَة الصَّفِيّ مِنْحَةً، والشاةُ الصَّفِيّ مِنحةً، تغدو بإناء، وتروح بآخر".
قال في "الفتح": والمنيحة بالنون والمهملة، وزن عظيمة، هي في الأصل العَطِيّة، قال أبو عبيد: المنيحة عند العرب على وجهين: أحدهما: أن يعطي الرجلُ صاحبه صِلَةً، فتكون له، والأخر أن يعطيه ناقةً، أو شاة ينتفع بحلبها،
_________________
(١) متّفقٌ عليه.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٣.
(٣) "شرح النوويّ" ٧/ ١٠٦.
(٤) "المصباح" ٢/ ٤٤٣.
[ ١٩ / ٤٥٠ ]
ووبرها زمنًا ثم يَرُدّها، وقال القزاز: قيل: لا تكون المنيحة إلا ناقةً أو شاةً، والأول أعرف.
وقوله: "نعم المنيحة اللَّقْحَة الصَّفِيَ مِنْحَةً"، اللقحة: الناقةُ ذات اللبن القريبة العهد بالولادة، وهي مكسورة اللام، ويجوز فتحها، والمعروف أن اللقحة -بفتح اللام- المرة الواحدة من الْحَلْب، والصَّفِيّ بفتح الصاد، وكسر الفاء: أي: الكريمة الغزيرة اللبن، ويقال لها: الصفية أيضًا، كذا رواه يحيى بن بكير.
وذكر البخاريّ بعده أن عبد الله بن يوسف، وإسماعيل بن أبي أويس روياه بلفظ: "نعم الصدقة اللقحة الصفي منحةً"، وهذا هو المشهور عن مالك، وكذا رواه شعيب، عن أبي الزناد.
قال ابن التين: من روى "نعم الصدقة" روى أحدهما بالمعنى؛ لأن المنحة العطية، والصدقة أيضًا عطية.
فتعقّبه الحافظ بان لا تلازم بينهما، فكل صدقة عطية، وليس كل عطية صدقة، وإطلاق الصدقة على المنحة مجاز، ولو كانت المنحة صدقةً لَمَا حَلَّت للنبيّ -ﷺ-، بل هي من جنس الهبة والهدية.
وقوله: "منحةً" منصوب على التمييز، قال ابن مالك: فيه وقوع التمييز بعد فاعل "نِعْمَ" ظاهرًا، وقد منعه سيبويه إلا مع الإضمار، مثل: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] وجوَّزه المبرد، وهو الصحيح.
وقال أبو البقاء: "اللقحة" هي المخصوصة بالمدح، و"منحةً" منصوب على التمييز توكيدًا، وهو كقول الشاعر:
فَنِعْمَ الزَّادُ زَادُ أَبِيكَ زَادَا
وقوله: "تغدو بإناء، وتروح بإناء"؛ أي: من اللبن؛ أي: تُحْلَب إناءً بالغداة، وإناءً بالعشيّ. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤٨٧ "كتاب الهبة" رقم (٢٦٢٩).
[ ١٩ / ٤٥١ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٣٥٧] (١٠١٩)، و(البخاريّ) في "الهبة" (٢٦٢٩) و"الأشربة" (٥٦٠٨)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٤٥٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٦)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ١٧٨)، و(الطبرانئ) في "مسند الشاميين" (٤/ ٢٨٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل المنيحة، وهي أن تكون له ناقة، أو بقرةٌ، أو شاة ذات لبن، فيدفعها إلى مَن يَشْرَب لبنها مدةً، ثم يردها إليه.
٢ - (ومنها): الحثّ على إيصال النفع إلى المسلمين بأيّ وجه وبأيّ طريق كان.
٣ - (ومنها): مشروعيّة هبة المنافع دون تمليك الرقبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥٨] (١٠٢٠) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرو، عَنْ زيدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، أنَّهُ نَهَى، فَذَكَرَ خِصَالًا، وَقَالَ: "مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةً (^١)، غَدَتْ بِصَدَقَةٍ، وَرَاحَتْ بِصَدَقَةٍ، صَبُوحَهَا وَغَبُوقَهَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السّلميّ، أبو عبد الله البغداديّ الْقَطِيعيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (م د) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٢.
_________________
(١) وفي نسخة: "مِنْحَةً".
[ ١٩ / ٤٥٢ ]
٢ - (زَكَرِياءُ بْنُ عَدِيِّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [١٠] (ت ١١ أو ٢١٢) (خ م مد ت س ق) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٨٨.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن أبي الوليد الجَزَريّ الرقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيه ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٧٩) سنةً (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٩٦.
٤ - (زيدُ) بن أبي انيسة، أبو أسامة الْجزريّ، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقةٌ له أفراد [٦] (ت ١١٩) أو (١٢٤) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٩٦.
٥ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي بالتشيّع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
٦ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٢٤.
و"أبو هريرة" ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، أنَّهُ نَهَى) يَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير النبيّ -ﷺ-، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، وضمير "أنه" للشأن؛ أي: أن الأمر والشأن نُهِي عن أشياء كثيرةً، كما أشار إليه بقوله: (فَذَكَرَ) أي: النبيّ -ﷺ-، ويَحْتَمِل أن يكون الضمير لأبي هريرة -﵁-، والأول أشبه، ويؤيّده عطف قوله: "وقال: من منح إلخ"؛ إذ فاعل "قال" ضمير النبيّ -ﷺ- (خِصَالًا) أي: أمورًا عديدة من المنهيّات.
[ ١٩ / ٤٥٣ ]
[تنبيه]: الخصال التي أبهمها المصنّف -﵀- هنا قد ذكرها الحافظ أبو عوانة -﵀- في "مسنده" (٣/ ٢٦١) فقال:
(٤٨٩٧) - حدّثني هلال بن العلاء، حدثنا أبي (ح) وحدثنا الصغانيّ، حدثنا زكريا بن عديّ، قالا: ثنا عبيد الله بن عَمْرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عديّ بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- نَهَى أن يُتَلَقَّى الْجَلَبُ، وأن يَستام الرجل على سوم أخيه، ونَهَى عن التصرية، ونَهَى عن أن يُتناجَش، ونَهَى أن يتلقى الجلب، ونَهَى أن تسأل المرأة طلاق أختها، ونَهَى أن يُباع الماءُ مخافةَ أن يُرْعَى الكلأ، ونَهَى أن يبيع حاضر لباد، وقال: "ومن منح منيحةً غَدَت وراحت بصدقة، صَبوحها وغَبُوقها". انتهى.
وأخرجه أيضًا أبو يعلى في "مسنده" (١١/ ٤٧) فقال:
(٦١٨٧) - حدّثنا هاشم بن الحارث، حدّثنا عبيد الله بن عَمْرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عديّ بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- نَهَى أن يُساوم الرجل على سوم أخيه، ونَهَى عن التناجش، ونَهَى أن يُتَلَقَّى الجلَبُ، ونَهَى أن تسأل المرأة طلاق أختها، ونَهى أن يُمنَع الماءُ مخافةَ أن يُرْعَى الكلأ، وَنَهَى أن يبيع حاضر لباد، ومَن منح منحةً غَدَت بصدقة، وراحت بصدقة، صَبُوحها وغَبُوقها. انتهى.
(وَقَالَ: "مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةً) قال النوويّ -﵀-: وقع في بعض النسخ "مَنِيحة"، وبعضها "مِنْحَةً" بحذف الياء، قال أهل اللغة: المنحة بكسر الميم، والمنيحة بفتحها مع زيادة الياء: هي العطية، وتكون في الحيوان، وفي الثمار، وغيرهما، وفي "الصحيح": "أن النبيّ -ﷺ- مَنَحَ أُمَّ أيمن عِذاقًا" أي: نخيلًا، ثم قد تكون المنيحة عطيةً للرقبة بمنافعها، وهي الهبة، وقد تكون عطية اللبن، أو الثمرة مُدّةً، وتكون الرقبة باقية على ملك صاحبها، ويردُّها إليه إذا انقضى اللبن، أو الثمر المأذون فيه.
فقوله: "مَنْ مَنَحَ مَنِيحةً" "من" موصولة، أو شرطيّة مبتدأ، خبرها جملة "غدت بصدقة"، والضمير الراجع إلى الموصول محذوف، تقديره: غدت له بصدقة؛ أي: غدت تلك المنيحة له ملتبسة بصدقة، وقيل: "غَدَت" صفة لمنيحة، والخبر محذوف: أي: جمع أجرًا جزيلًا، والوجه الأول أقرب.
وقال القرطبيّ -﵀-: "من" شرطيّة في موضع رفع بالابتداء، جوابه:
[ ١٩ / ٤٥٤ ]
"غدت بصدقة، وراحت بصدقة"، وهو خبر المبتدأ على قول، والصحيح أن خبرها ما بعدها؛ لأن "مَن" الشرطيّة لا تحتاج إلى صلة، بل هي اسم تامّ، وإنما لم يتمّ الكلام بما بعدها لما تضمّنته من معنى الشرط، فتدبّره، فإنه الصحيح.
قال: والمَنِيحة، والْمِنْحة: عطيّة ذوات الألبان؛ لينتفع المعطَى له باللبن، ثم يردّ المحلوب.
ومعنى الكلام: أن مَن مَنَحَ مَنِيحةً كان للمانح صدقةً كلّما غدت أو راحت؛ لأجل ما ينال منها في الصباح والمساء، والغُدُوّ: البُكْرة، والرواح: العشيّ. انتهى (^١).
(كَدَتْ) أي: تلك المنيحة لمانحها (بِصَدَقَةٍ) أي: بثواب صدقة عظيمة، فالتنوين للتعظيم، كما دلّ عليه الحديث الماضي: "إن أجرها لعظيم" (وَرَاحَتْ بِصَدَقَةٍ) وقوله: (صَبُوحَهَا وَغَبُوقَهَا") منصوبان على الظرفيّة، أو مجروران على البدليّة من قوله: "صدقةٍ"، و"الصبوح" بفتح الصاد: الشرب أول النهار، و"الغبوق" بفتح الغين: الشرب أول الليل، قاله القاضي عياض -﵀- (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: الصَّبُوح: شرب الصباح، والْغَبُوق: شرب العشيّ، والجاشريّة: شرب نصف النهار. انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٣٥٨] (١٠٢٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٦٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٦)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ٢٦)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ٤٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٦٥.
(٢) راجع: "إكمال المعلم" ٣/ ٥٤٣.
(٣) "المفهم" ٣/ ٦٥.
[ ١٩ / ٤٥٥ ]