وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥٩] (١٠٢١) - (حَدَّثنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: "مًثَلُ الْمُنْفِقِ، وَالْمُتَصَدَّقِ، كمَثَلِ رَجُل، عَلَيْهِ جُبّتَانِ، أَوْ جُنَّتَانِ، مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ -وَقَالَ الْآخَرُ-: فَإِذَا أَرَادَ الْمُتَصَدِّقُ أَنْ يَتَصَدَّقَ، سَبَغَتْ عَلَيْهِ، أَوْ مَرَّتْ، وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ، قَلَصَتْ عَلَيْهِ، وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا، حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ، وَتَعْفُوَ أثَرَهُ"، قَالَ: فَقَالَ أَبو هُرَيْرَةَ: فَقَالَ: يُوَسَّعُهَا فَلَا (^١) تَتَّسِعُ).
رجال هذا الإسناد: ثماينة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، أبو الوليد، وأبو خالد الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يُدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٣ - (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ) بن يَنّاق (^٢) المكيّ، ثقة [٥] مات بعد المائة بقليل (خ م د س ق) تقدم في "صلاة العيدين" ١/ ٢٠٤٤.
٤ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة ثبت فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
_________________
(١) وفي نسخة: "ولا".
(٢) بفتح الياء التحتانيّة، وتشديد النون، وآخره قاف.
[ ١٩ / ٤٥٦ ]
والباقون تقدّموا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، بالنسبة للإسناد الأول، ومن سداسيّاته بالنسبة للثاني.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والحسن بن مسلم، فما أخرج له الترمذيّ.
(ومنها): أن الأول مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فبغداديّ، وسفيان فمكيّ، والثاني مسلسل بالمكيين غير شيخه أيضًا، وطاوس فيمني، وأبي هريرة فمدنيّ، والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره.
[تنبيه]: قوله: "قال عمرو" من كلام المصنّف -﵀-؛ يعني به: شيخه عمر الناقد، وقوله: "قال: وقال ابن جريج" فاعل "قال" الأول ضمير ابن عيينة، قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في النسخ: "وقال ابن جريج" بالواو، وهي صحيحة مَلِيحة، وإنما أتى بالواو؛ لأن ابن عيينة قال لعمرو: قال ابن جريج كذا، فإذا رَوَى عمرٌ والثانيَ من تلك الأحاديث أتى بالواو؛ لأن ابن عيينة قال في الثاني: وقال ابن جريج كذا، وقد سبق التنبيه على مثل هذا مرات في أول الكتاب. انتهى (^١).
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة: حدّثنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن حدّثه، أنه سمع أبا هريرة -﵁-، أنه سمع رسول الله -ﷺ-، وفي رواية النسائيّ: عن طاوس، قال: سمعت أبا هريرة، وقال البخاريّ تعليقًا: "وقال حنظلة: سمعت طاوسًا، سمعت أبا هريرة" (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: "مَثَلُ الْمُنْفِقِ، وَالْمُتَصَدِّقِ) هكذا وقع هذا الحديث
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٠٧.
[ ١٩ / ٤٥٧ ]
في جميع النسخ من رواية عَمْرو: "مثلُ المنفق والمتصدق"، قال القاضي عياضٌ وغيره: هذا وَهَمٌ، وصوابه مثل ما وقع في باقي الروايات: "مثل البخيل والمتصدق"، وتفسيرهما آخر الحديث يُبَيِّن هذا، وقد يَحْتَمِل أن صحة رواية عمرو هكذا أن تكون على وجهها، وفيها محذوف، تقديره: مثل المنفق والمتصدق وقسيمهما، وهو البخيل، وحُذِف "البخيل"؛ لدلالة المنفق والمتصدّق عليه، كقول الله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ﴾ الآية [النحل: ٨١]: أي: "والبرد"، وحُذف ذكر البرد لدلالة الكلام عليه. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١).
وقال الحافظ -﵀-: قد رواه الحميديّ، وأحمد، وابن أبي عمر، وغيرهم في "مسانيدهم" عن ابن عيينة، فقالوا في رواياتهم: "مثل المنفق، والبخيل"، كما في رواية شعيب، عن أبي الزناد، وهو الصواب. انتهى (^٢).
وقال القاضي عياض -﵀- في "شرحه": وقع في هذا الحديث أوهام كثيرة من الرواة، وتصحيفٌ، وتحريفٌ، وتقديم وتأخيرٌ، ويُعرف صوابه من الأحاديث التي بعده، فمنه: "مثلُ المنفق والمتصدق"، وصوابه: المتصدق والبخيل، ومنه: "كمثل رجل"، وصوابه: رجلين عليهما جنتان، ومنه قوله: "جنتان أو جبتان" بالشك، وصوابه: جنتان بالنون بلا شك، كما في الحديث الآخر بالنون بلا شك، والجنة الدرع، ويدل عليه في الحديث نفسه قوله: "فأخذت كل حلقة موضعها"، وفي الحديث الآخر: "جنتان من حديد"، ومنه قوله: "سَبَغَت عليه، أو مَرّت"، كذا هو في النسخ "مَرَّت" بالراء، قيل: إن صوابه مُدَّت بالدال، بمعنى سَبَغَت، وكما قال في الحديث الآخر: "انبَسَطَت"، لكنه قد يَصِحّ "مَرَّت" على نحو هذا المعنى، والسابغُ: الكاملُ، وقد رواه البخاريّ: "مَادَتْ" بدال مخففة، من مَادَ: إذا مال، ورواه بعضهم "مَارَتْ"، ومعناه: سألت عليه، وامتدت، وقال الأزهريّ: معناه: تَرَدَّدت وذهبت وجاءت؛ يعني: لكمالها.
ومنه قوله: "وإذا أراد البخيل أن يُنفق قَلَصَت عليه، وأَخَذت كلُّ حَلْقة
_________________
(١) راجع: "شرح مسلم" للنوويّ ٧/ ١٠٧ - ١٠٨. طبعة دار الريّان للتراث.
(٢) راجع: "الفتح" ٤/ ٦٠.
[ ١٩ / ٤٥٨ ]
موضعها، حتى تُجِنّ بنانه، وتَعْفُوَ أثره"، قال: فقال أبو هريرة: "يوسعها فلا تتسع"، وفي هذا الكلام اختلال كثيرٌ؛ لأن قوله: "حتى تُجِنّ بَنَانَهُ، وتَعْفُو أَثَرَه" إنما جاء في المتصدق، لا في البخيل، وهو على ضدّ ما هو وصف البخيل في قوله: "قَلَصَت كلُّ حلقة موضعها"، وقوله بعد هذا: "يوسعها فلا تتسع"، وهذا من وصف البخيل، فأدخله في وصف المتصدق، فاختلّ الكلام، وتناقض، وقد ذُكِر في الأحاديث على الصواب.
ومنه رواية بعضهم في موضع "تُجنّ": "تحزّ" بالحاء والزاي، وهو وهم، والصواب رواية الجمهور "تُجِنّ " بالجيم والنون؛ أي: تستتر.
ومنه رواية بعضهم: "ثيابه" بالثاء المثلثة، وهو وَهَمٌ، والصواب: "بنانه" بالنون، وهو رواية الجمهور، كما قال في الحديث الآخر: "أنامله".
ومعنى "تَقَلَّصت": انقبضت، ومجنى "تعفو أثره" أي: تمحو أثر مشيه بسبوغها وكمالها، وهو تمثيل لنماء المال بالصدقة والإنفاق، والبخل بضدّ ذلك، وقيل: هو تمثيل لكثرة الجود والبخل، وأن المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء، وتَعَوَّدَ ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادةً له، وفي الحديث الترغيب في الصدقة وفضلها.
وقيل: معنى "تعفو أثره" أي: تذهب بخطاياه، وتمحوها، وقيل في البخيل: "قَلَصت ولَزِمَت كلُّ حلقة مكانها" أي: يُحْمَى عليه يوم القيامة، فيُكْوَى بها، والصواب الأول، والحديث جاء على التمثيل، لا على الخبر عن كائن، وقيل: ضُرِب المثل بهما؛ لأن المنفق يستره الله تعالى بنفقته، ويستر عوراته في الدنيا والآخرة، كستر هذه الْجُنَّة لابسها، والبخيل كمن لَبِس جُبّة إلى ثدييه، فيبقى مكشوفًا بادي العورة، مُفتضَحًا في الدنيا والآخرة. انتهى كلام القاضي عياض -﵀- ببعض تصرّف، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا (^١).
وقوله: (كَمَثَلِ رَجُلٍ) قال النوويّ -﵀-: هكذا وقع في الأصول كلّها "كمثل رجل" بالإفراد، والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وصوابه: "كمثل رجلين". انتهى.
_________________
(١) راجع: "إكمال المعلم" ٣/ ٥٤٥ - ٥٤٧.
[ ١٩ / ٤٥٩ ]
(عَلَيْهِ جُبَّتَانِ) بضمّ الجيم، وتشديد الموحّدة، تثنية جُبّة، وهو ثوب مخصوص (أَوْ جُنَّتَانِ) بالنون بدل الباء الموحّدة، وهي الدرع، وهذا شكّ من الراوي، وصوّبوا النون؛ لقوله: "من حديد"، وقوله: "واتسعت عليه الدرع"، وغير ذلك، ذكره النوويّ. وأفاد في "الفتح" أن المحفوظ في هذه الرواية بالموحّدة، ومَن رواه فيها بالنون، فقد صحّف، قال: ورُجّحت رواية النون لقوله: "من حديد"، والجنّة في الأصل الحصن، وسمّيت بها الدرع؛ لأنها تُجِنّ صاحبها؛ أي: تحصنه، والجبّة -بالموحّدة- ثوب مخصوص، ولا مانع من إطلاقه على الدرع. انتهى (^١).
وقال السنديّ -﵀-: نعم إطلاق الجبّة -بالباء- على الجنّة -بالنون- مجازًا غير بعيد، فينبغي أن تكون الجنّة -بالنون- هي المرادة في الروايتين. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن ما أشار إليه السنديّ -﵀- من تصحيح الروايتين حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا) "من" ابتدائيّة متعلّق بحال محذوف؛ أي: حال كون الجبّتين، أو الجنّتين كائنتين من ثُديّهما.
قال النوويّ: -﵀-: قوله: "من لدن ثُدِيّهما" هكذا هو في كثير من النسخ المعتمدة، أو أكثرها "ثُدِيّهما" بضم الثاء، وبياء واحدة مشددة على الجمع، وفي بعضها "ثَدْيَيْهِمَا" بالتثنية. انتهى (^٣).
و"الثُّدِيُّ "-بضمّ المثلّثة، وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء - جمع ثَدْي - بفتح، فسكون- كفلس، وفُلُوس، وأصله ثُدُويٌ، اجتمعت الواو والياء في كلمة، وسبقت إحداهما بالسكون الأصليّ، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء، كما قال ابن مالك -﵀- في "الخلاصة":
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا
===
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٤/ ٦٠.
(٢) "شرح السندي على النسائيّ" ٥/ ٧١.
(٣) "شرح النوويّ" ٧/ ١٠٨.
[ ١٩ / ٤٦٠ ]
فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
قال في "المصباح": الثَّدْيُ للمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا، قاله ابن السّكّيت. ويُذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الثَّدْيُ، وهي الثَّديُ، والجمع أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، وأصلهما أَفْعُل، وفُعُولٌ، مثل أفلُسٍ، وفُلُوسٍ، وربّما جُمع على ثِدَاءٍ، مثلُ سَهْمٍ وسِهَام. انتهى (^١).
وفي "القاموس": " الثَّدْيُ -أي: بالفتح -ويُكسر، وكالثَّرَى: خاصّ بالمرأة، أو عامّ، ويؤنّث، وجمعه أَثْدٍ، وثُدِيٌ، كَحُليٍّ. انتهى. قال الشارح المرتضى: قوله: "كحليّ" أي: بالضمّ على فُعُولٍ، كما في "الصحاح"، قال: و"ثِدِيّ" أيضًا بكسر الثاء إتباعًا. انتهى.
(إِلَى تَرَاقِيهِمَا) بفتح المثنّاة الفوقيّة، وقاف، جمع تَرْقُوة -بفتح المثنّاة، وسكون الراء، وفتح الواو-: هما العظمان المشرفان في أعلى الصدر.
قال في "المصباح": التَّرْقُوَة: وزنُهَا فَعْلُولَة -بفتح الفاء، وضمّ اللام- وهو العظم الذي بين ثُغْرَة النَّحْر والعاتق من الجانبين، والجمع: التَرَاقِي، قال بعضهم: ولا تكون التَّرْقُوة لشيء من الحيوان إلا للإنسان. انتهى (^٢).
وهذا إشارة إلى ما جُبل عليه الإنسان من الشحّ، ولذا جمع بين البخيل، والجواد فيه.
(فَإذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ) وقوله: (وَقَالَ الآخَرُ) أراد به أحد شيخي ابن عيينة: أبا الزناد، وابن جريج؛ يعني: أحدهما قال: "فإذا أراد المنفق"، وقال الآخر: (فَإذَا أَرَادَ الْمُتَصَدِّق أَنْ يَتَصَدَّقَ، سَبَغَتْ) أي: امتدّت، وغطّت (عَلَيْهِ) أي: المتصدّق، وفي رواية النسائيّ: "فإذا أراد المنفق أن يُنفق اتّسعت عليه الدرع"، وقوله: (أَوْ مَرَّتْ) أي: جازت ذلك المحلّ، و"أو" للشكّ من بعض الرواة.
(وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ، قَلَصَتْ عَلَيْهِ) -بفتح القاف، واللام، والصاد المهملة-: أي: انقبضت. يقال: قَلَصَتْ شَفَتُهُ تَقْلِصُ، من باب ضرب: انزَوَتْ، وتقلَّصَت مثله، وقَلَصَ الظلُّ: ارتفع، وقَلَصَ الثوبُ: انزوَى بعد غَسْلِهِ، قاله الفيّوميّ (وَأَخَذَتْ) وفي رواية البخاريّ: "إلا لَزِقت"، للنسائيّ:
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٨٠.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٧٤.
[ ١٩ / ٤٦١ ]
"وَلَزِمَتْ" (كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا) يعني: اشتدّت، والتصقت الحلقة بعضها ببعض.
قال الفيّوميّ -﵀-: حَلْقَةُ الباب بسكون اللام، من حديد وغيره، وحَلْقَةُ القوم الذين يجتمعون مستديرين، والحَلْقَة السّلاحُ كلُّهُ بالسكون، والجمعُ حَلَقٌ بفتحتين، على غير قياس، وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَقٌ بكسر، ففتح، مثلُ قَصْعَة وقِصَعٍ، وبَدْرَةٍ وبِدَرٍ، وحَكَى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أنّ الحَلَقَة بفتح اللام لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياسٌ، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ، وجَمَعَ ابنُ السّرّاج بينهما، وقال: فقالوا: حَلَقٌ بفتحتين، ثمّ خفَّفُوا الواحد حين ألحقوه الزيادة، وغُيِّرَ المعنى، قال: وهذا لفظ سيبويه. انتهى كلام الفيّوميّ ببعض تصرّف (^١).
وقال المجد اللغويّ -﵀-: وحَلْقَةُ الباب، والقومِ، وقد تُفتحُ لامهما، وتُكسرُ، أو ليس في الكلام حَلَقَةٌ، محرَّكَةً، إلّا جَمْعَ حالق، أو لغةٌ ضعيفة، جمعه حَلَقٌ، محرَّكَةً، وكَبِدَرٍ، وحَلَقَاتٌ، محرّكةً، وتكسر الحاء. انتهى (^٢).
قمال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصّل من مجموع ما ذُكر أن "الْحَلْقَة" يجوز في حائه الفتح، والكسر، وفي لامه السكون، وهو الأفصح، والفتح، وهو قليل، وذَكَرَ في "تاج العروس" عن "العُباب" كسر اللام، قال: نقله الفرّاء، والأمويّ، وقالا: هي لغة بلحرث بن كعب.
وأما جمعه فحَلَقٌ محرّكةً، وحِلَق، بكسر، ففتح، وحَلَقَات، محرّكةً، وتكسر حاؤه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ، وَتَعْفُوَ أثَرَهُ") قد تقدّم في كلام عياض -﵀- أن هذا وَهَمٌ؛ لأنه من وصف المنفق، وليس من وصف البخيل، فتنبّه.
(حَتى تُحن) -بضمّ أوّله، وكسر الجيم، وتشديد النون- من أجنّ الشيءَ: إذا ستره؛ أي: تستر (بَنَانَهُ) بالنصب مفعول "تُجِنّ" وهو -بفتح الموحّدة، ونونين خفيفتين- قال الفيّوميّ -﵀-: البَنَانُ: الأصابع. وقيل: أطرافها،
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ١٤٦ - ١٤٧.
(٢) راجع: "القاموس المحيط" ٣/ ٢٢٢.
[ ١٩ / ٤٦٢ ]
الواحدة بَنَانَةٌ. قيل: سمّيت بَنَانًا؛ لأنّ بها صلاحَ الأحوال التي يستقرّ بها الإنسان؛ لأنه يقال: أَبَنَّ بالمكان: إذا استقرّ به. انتهى.
(وَتَعْفُوَ أثَرَهُ) أي: تمحوَ أثر مشيه بسبوغها، وكمالها، يقال: عفا المنزلُ عَفْوًا، وعَفَاءً -بالفتح، والمدّ-: دَرَسَ، وعَفَتْهُ الريحُ، يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، ومنه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣]؛ أي: محا ذنوبك، وعفوتُ الحقّ: أسقطته، كأنّك محوته عن الذي هو عليه، وعافاه الله: محا عنه الأسقام، قاله الفيّوميّ.
والمناسب هنا المتعدّي، ولذا نَصَبَ "أثرَهَ". والمعنى: أن الصدقة تستر خطاياه، كما يغطّي الثوبُ الذي يُجَرُّ على الأرض أثرَ صاحبه؛ إذا مشى بمرور الذيل عليه، قاله في "الفتح".
(قَالَ) الراوي، وهو الأعرج، أو طاوس (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (فَقَالَ) أي: أخذ -ﷺ-، ففيه إطلاق القول على الفعل، وقد تقدّم غير مرّة (يُوَسِّعُهَا) أي: الْجُنّةَ (فَلَا) وفي نسخة بالواو (تَتَّسِعُ) وفي الرواية التالية: "قال: فأنا رأيت رسول الله -ﷺ- يقول بإصبَعه في جيبه، فلو رأيته يوسّعها، ولا تتّسع"، ووقع عند أحمد من طريق ابن إسحاق، عن أبي الزناد في الحديث: "وأما البخيل، فإنها لا تزداد عليه إلا استحكامًا".
وحاصل المعنى: أنه يحاول في توسيعها، ولكنّها لا تقبل التوسيع؛ لاستحكام تقلّصها، وثبوتها في مكانها.
قال التوربشتيّ -﵀-: معنى الحديث أنّ الجواد الموفّق إذا همّ بالصدقة اتّسع لذلك صدره، وطاوعته نفسه، وانبسطت بالبذل والعطاء يداه، كالذي لبس درعًا، فاسترسلت عليه، وأخرج منها يديه، فانبسطت حتى خلصت إلى ظهور قدميه، فأجنّته، وحصنته، وأنّ البخيل إذا أراد الإنفاق حَرِجَ به صدره، واشمأزّت عنه نفسه، وانقبضت عنه يداه، كالذي أراد أن يستجنّ بالدرع، وقد غُلّت يداه إلى عنقه، فحال ما ابتُلي به بينه وبين ما يبتغيه، فلا يزيده لبسها إلا ثقلًا، ووبالًا، والتزامًا في العنق، والتواءً، وأَخْذًا بالترقوة. انتهى.
[ ١٩ / ٤٦٣ ]
وقال في "الفتح": قال الخطّابيّ وغيره: وهذا مثلٌ ضربه النبيّ -ﷺ- للبخيل والمتصدّق، فشبّههما برجلين أراد كلّ واحد منهما أن يلبس درعًا، يستتر به من سلاح عدوّه، فصبّها على رأسه ليلبسها، والدرعُ أول ما تقع على الصدر، والثديين إلى أن يُدخل الإنسان يديه في كمّيها، فجَعَلَ المنفقَ كمن لبس درعًا سابغةً، فاستَرسَلَت عليه، حتّى سترت جميع بدنه، وهو معنى قوله: "حتّى تعفوَ أثره": أي: تستر جميع بدنه. وجَعَلَ البخيلَ كمثل رجل غُلَّت يداه إلى عنقه، كلّما أراد لبسها، اجتمعت في عنقه، فلزمت ترقوتَهُ، وهذا معنى قوله: "قلَصَت": أي: تضامّت، واجتمعت.
والمراد أنّ الجواد إذا هَمَّ بالصدقة انفسح لها صدره، وطابت نفسه، فتوسّعت في الإنفاق -أي: وطاوعت يداه بالعطاء-. والبخيل إذا حدّث نفسه بالصدقة شحّت نفسه، فضاق صدره، وانقبضت يداه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. انتهى.
وقال الطيبيّ: أوقع المتصدّق مقابل البخيل، والمقابل الحقيقيّ السخيّ، إيذانًا بأنّ السخاء ما أَمَرَ به الشرع، وندب إليه من الإنفاق، لا ما يتعاناه المبذّرون، وخصّ المشبّه بهما بلبس الجبّتين من الحديد، إعلامًا بأنّ الشّحّ، والقبض من جبلّة الإنسان، وخلقته، وأنّ السخاء من عطاء الله تعالى، وتوفيقه، يمنحه من يشاء من عباده المفلحين، وخصّ اليد بالذكر؛ لأنّ السخيّ، والبخيل يوصفان ببسط اليد وقبضها، فإذا أريد المبالغة في البخل قيل: مغلولة يده إلى عنقه، وثديه، وتراقيه. وإنما عدل عن الغُلّ إلى الدرع لتصوّر معنى الانبساط والتقلّص. والأسلوبُ من التشبيه المفرّق، شبّه السخيّ الموفّق؛ إذا قصد التصدّق، يسهل عليه، ويطاوعه قلبه بمن عليه الدرع، ويده تحت الدرع، فإذا أراد أن يُخرجها منها، وينزعها يسهل عليه، والبخيل على عكسه. انتهى.
وقال المنذريّ: شبّه -ﷺ- نِعَمَ الله تعالى، ورزقه بالْجُنَّة، وفي رواية بالْجُبَّة، فالمنفق كلّما أنفق اتّسعت عليه النعم، وسَبَغَت، ووَفَرَت حتّى تستره سَتْرًا كاملًا شاملًا، والبخيل كلّما أراد أن يُنفق منعه الشحّ، والحرص، وخوف النقص، فهو بمنعه يطلب أن يزيد ما عنده، وأن تتّسع عليه النعم، فلا تتّسع،
[ ١٩ / ٤٦٤ ]
ولا تستر منه ما يروم ستره. والله سبحانه، وتعالى أعلم. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٢٣٥٩ و٢٣٦٠ و٢٣٦١] (١٠٢١)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٢٥٢) وفي "الجهاد والسير" (٢٧٠١) وفي "اللباس" (٥٣٥١)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٤٧ و٢٥٤٨) وفي "الكبرى" (٢٣٢٧ و٢٣٢٨)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٠٦٤ و١٠٦٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٦ و٥٢٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٣٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٦ - ٩٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٦) و"المعرفة" (٣/ ٣٣٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): بيان صفة البخيل في الصدقة، فقد مثّله في الحديث بالمثل السَّوْء، والمراد منه التنفير عن البخل، وأنه صفة اللؤماء.
٢ - (ومنها): بيان صفة السخيّ في الصدقة، وأن السخاء من صفات الكرماء المفلحين الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
٣ - (ومنها): مشروعيّة ضرب الأمثال؛ لتوضيح المقال، حتّى يتّضح للسامع أتمّ الاتضاح، فيحصُرَه، ويستقرّ في ذهنه غاية الاستقرار، فيستحضره.
٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: وفي هذا دليل على لباس القميص، وكذا ترجم عليه البخاريّ: -﵀-: "باب جيب القميص من عند الصدر"؛ لأنه المفهوم من لباس النبيّ -ﷺ- في هذه القصّة، مع أحاديث أخرى صحيحة، وردت في ذلك. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "الترغيب والترهيب" ٤/ ٣٩، و"مرعاة المفاتيح" ٦/ ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٢) شرح مسلم ٧/ ١١٠.
[ ١٩ / ٤٦٥ ]
قال ابن بطّال -﵀-: وموضع الدلالة منه أنّ البخيل إذا أراد إخراج يده أمسكت في الموضع الذي ضاق عليها، وهو الثدي، والتراقي، وذلك في الصدر، قال: فبان أنّ جيبه -ﷺ- كان في صدره؛ لأنه لو كان في يده لم تضطرّ يداه إلى ثدييه، وتراقيه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٠] (…) - (حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثنَا أَبُو عَامِرٍ، يَعْنِي الْعَقَدِيَّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِم، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصّدِّقِ، كمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطُرَّتْ (^١) أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيهِمَا، وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ، حَتَّى تُغَشِّيَ أنَامِلَهُ، وَتَعْفُوَ أثَرَهُ، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ، وَأَخَدَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، قَالَ: فَأَنا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ بِإصْبَعِهِ فِي جَيْبِهِ، فَلَوْ رَأَيْتَهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَوَسَّعُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أيُّوبَ الْغَيْلَانيُّ) المازنيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٦ أو ٢٤٧) (م س) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٧٧.
٢ - (أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ) المخزوميّ، أبو إسحاق المكيّ، ثقة حافظ [٧] (ع).
رَوَى عن الحسن بن مسلم بن يَنّاق، وابن أبي نَجِيح، وكثير بن كثير، وعطاء بن أبي رَبَاح، وعدّة.
_________________
(١) وفي نسخة: "قَدِ اضْطَرَّتْ" بالبناء للفاعل.
[ ١٩ / ٤٦٦ ]
وروى عنه ابن المبارك، وابن مهديّ، وأبو عامر العَقَديّ، وأبو نعيم، وخلاد بن يحعص، ويحيي بن أبي بُكَير.
قال ابن عيينة: كان حافظًا، وقال ابن مهديّ: كان أوثق شيخ بمكة، وقال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وفي "مسند يعقوب بن شيبة": قال وكيع: كان إبراهيم يقول بالقدر، وقال يعقوب: وكان أحمد يُطْريه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (١٠٢١) و(١٢١١) و(٢٠٧٧) و(٢٠٨٥) و(٢١٢٣).
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (جُنَّتَانِ) هنا وفي الرواية التالية بالنون بلا شكّ ولا خلاف.
وقوله: (قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا) بالبناء للمفعول، ووقع في بعض النسخ بالبناء للفاعل، قال القسطلّانيّ -﵀- في "شرح البخاريّ": قوله: "اضطرّت أيديهما" بفتح الطاء، ونصب التحتانيّة الثانية، من "أيديهما" عند أبي ذرّ على المفعوليّة، ولغيره بضمّ الطاء، وسكون التحتيّة، مرفوعٌ نائبٌ عن الفاعل.
وقال القاري: بضمّ الطاء: أي: شُدّت، وضُمّت، والتَصَقَت. وفي نسخة بفتح الطاء، ونصب "أيديهما" على أنّ ضمير الفعل إلى جنس الْجُنّة المفهوم من التثنية. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أنّ في اضطرّ ضبطين: أحدهما: البناء للفاعل، وعليه فالفاعل ضمير يعود إلى الجنّة المفهومة من ذكر الجنتين، و"أيديَهُما" منصوب على المفعوليّة، والثاني البناء للمفعول، وعليه و"أيديهما" نائب عن الفاعل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (انْبَسَطَتْ عَنْهُ) الفاعل ضمير الجنّة.
_________________
(١) راجع: "المرعاة" ٦/ ٢٨٧.
[ ١٩ / ٤٦٧ ]
وقوله: (حَتى تُغَشَّيَ) بضمّ أوله، من التغشية، وهو التغطية.
وقوله: (وَجَعَلَ الْبَخِيلُ) أي: طفِق، وشرع.
وقوله: (كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ) أي: قصد أن يتصدّق.
وقوله: (يَقُولُ) فيه إطلاق القول على الفعل.
وقوله: (وَلَا تَوَسَّعُ) أصله تتوسّع بتاءين، فحُذفت إحداهما؛ للتخفيف، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَرْ
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦١] (…) - (وَحَدّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ وُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدَّقِ، مَثَلُ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، إِذَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ، اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ، حَتَّى تُعَفيَ (^١) أثَرَهُ، وَإِذَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِصَدَقَةٍ، تَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ، وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ، وَانْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا"، قَالَ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "فَيَجْهَدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا، فَلَا يَسْتَطِيعُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ) أبو إسحاق البصريّ، ثقة حافظ [٩] (ت ٢١١) (م د ت س) تقدم في "صلاة المسافرين" ٤/ ١٦٠٩.
_________________
(١) وفي نسخة: "حتى تُعْفِيَ" بضم أوله، وسكون ثانية، وكسر ثالثه.
[ ١٩ / ٤٦٨ ]
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ) أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمَة" ٤/ ١٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَيَجْهَدُ) بفتح أوله، وثالثه، مضارع جَهَدَ، يقال: جَهَدَ في الأمر، من باب نَفَعَ: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب (^١)، والفاعل ضمير البخيل.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾