وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٣٢] (٩٦٣) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مُعَاوِيةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ حَبِيب بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: صَلًّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ
[ ١٨ / ٥١٣ ]
دُعَائِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُم اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَكرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مَدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ، وَالثَّلْجِ، وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ (^١) "، قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ كُونَ أنا ذَلِكَ الْمَيِّتَ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ حافظ عابد فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) وله (٧٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدير الحضرميّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، ثقةٌ له إفرادات (^٢) [٧] (ت ١٥٨) وقيل: بعد السبعين (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
٤ - (حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ) الرَّحَبيّ، أبو حفص الْحِمْصيّ، ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢/ ١٥٨٤.
٥ - (جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرِ) بن مالك بن عامر الْحَضْرميّ الْحِمصيّ، ثقةٌ جليلٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٨٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
٦ - (عَوْفُ بْنُ مَالِكِ) بن أبي عوف الأشجعيّ الغطفانيّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حماد، ويقال: أبو عمر، وشَهِدَ فتح مكة، ويقال: كانت معه راية أشجع، ثم سكن دمشق.
_________________
(١) وفي نسخة: "ومن عذاب النار" بالواو.
(٢) قال في "التقريب": صدوق له أوهام، والأولى أنه ثقةٌ له إفرادات، كما قال ابن عديّ، فقد وثّقه الأئمة الكبار، ولم يطعن فيه إلا القطان على عادته في التشدد. انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب".
[ ١٨ / ٥١٤ ]
رَوَى عن النبيِّ - ﷺ -، وعن عبد الله بن سلام، وعنه أبو مسلم الْخَوْلانيّ، وجُبَير بن نُفَير، وعاصم بن حميد السَّكُونيّ، وكثير بن مُرّة، وأبو إدريس الخولانيّ، وأبو الْمَلِيح بن أسامة، وسيف الشاميّ، وشداد بن عمار، وعبد الرحمن بن عامر، وحَبِيب بن عُبيد، وراشد بن سعد، وجماعة.
قال الواقديّ: شَهِد خيبر، ونزل حِمْصَ، وبَقِي إلى خلافة عبد الملك، ومات سنة ثلاث وسبعين، وفيها أَرَّخه غير واحد.
وذكر ابن سعد أن النبيّ - ﷺ - آخى بينه وبين أبي الدرداء.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٩٦٣) وأعاده بعده، و(١٠٤٣) و(١٧٥٣) و(١٨٥٥) وأعاده بعده، و(٢٢٠٠).
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالحمصيين، من معاوية بن صالح، والباقيان مصريّان.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع.
٤ - (ومنها): أن فيه استعمال القاعدة المشهورة عند المحدثين، وهي أن الراوي إذا سمع من الشيخ وحده قال: حدّثني، وإذا سمع مع غيره قال: حدَّثنا، وإذا قرأ بنفسه على الشيخ قال: أخبرني، وإذا سمع قارئًا يقرأ على الشيح يقول: أخبرنا، فلما سمع المصنّف وحده قال: حدّثني هارون، ولما سمع هارون قراءة غيره على ابن وهب قال: أخبرنا، ولما قرأ ابن وهب على معاوية بنفسه قال: أخبرني، وإلى هذه القاعدة أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ حَدَّثَنِي … وَقَارِئٍ بِنَفْسه أخْبَرَنِي
وَإنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً حَدَّثَنَا … وَإنْ سَمعْتَ قَارئًا أَخْبَرَنَا
والله تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٥١٥ ]
شرح الحديث:
(عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ) بتصغير الاسمين، وقوله: (سَمِعَهُ) الفاعل ضمير حبيب بن عُبيد؛ أي: سمع حبيبُ بنُ عبيد جبيرَ بنَ نُفير (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ) الأشجعيّ - ﵁ -، وفي رواية النسائيّ: "قال: شَهِدت عوف بن مالك يقول" (يَقُولُ: صَلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى جَنَازَةٍ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرف صاحبها (^١). (فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ) - ﷺ - (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليةّ من الضمير المجرور "اللَّهُم اغْفِرْ لَهُ)؛ أي: استر ذنوب هذا الميت، واصفَح عنه، يقال: غفر الله له غَفْرًا، من باب ضَرَب، وغُفرانًا بالضمّ: صفح عنه، قاله في "المصباح". (وَارْحَمْهُ)؛ أي: ارفُقْ به، يقال: رَحِمت زيدًا رُحْمًا بضم الراء، ورَحْمة، ومَرحَمةً: إذا رَفَقت له، وحَنَنتَ، قاله في "المصباح" أيضًا. (وَعَافِهِ)؛ أي: ادفع عنه المكروه، قال في "القاموس": والعافية: دِفَاع الله عن العبد، ويقال: عافاه الله تعالى عن المكروه، عِفَاءً بالكسر، ومُعافاة، وعافية: إذا وهب له العافية من العلل، والبلاء، كأعفاه. انتهى. (وَاعْفُ عَنْهُ)؛ أي: امح عنه ذنوبه، يقال: عفا عنه، وعفا له ذنبه، وعن ذنبه: تركه، ولم يُعاقبه.
والعفو: الصفح، وترك عقوبة المستحقّ، قال المرتضى في شرح "القاموس": الصفح ترك التَّأنيب، وهو أبلغ من العفو، فقد يعفو، ولا يَصْفَح، وأما العفو، فهو القصد لتناول الشيء، هذا هو المعنى الأصليّ، قال الراغب: فمعنى عفوتُ عنك، كأنه قصد إزالة ذنبه، صارفًا عنه، فالمعفوّ المتروك، "وعنك" متعلّق بمضمر، فالعفو هو التجافي عن الذنب. انتهى. "القاموس" وشرحه، باختصار، وتغيير.
(وَأَكرِمْ نُزُلَهُ) بضمتين، ويُخفّف بتسكين ثانية، في الأصل طعام الضيف الذي يُهيّأ له، والمراد هنا ما يُعطيه الله لعبده عند لقائه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
(وَوَسِّعْ مَدْخَلَهُ) بفتح الميم، وضمها: محل الدخول، والمراد به هنا القبر (وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ، وَالثَّلْجِ، وَالْبَرَدِ) وفي الرواية التالية بتنكير الثلاث، و"الثلجُ" ماءٌ
_________________
(١) "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" (ص ١٨٢).
[ ١٨ / ٥١٦ ]
ينزل من السماء، ثم ينعقد على وجه الأرض، ثم يذوب بعد جموده، و"الْبَرَد" - بفتحتين-: هو حَبّ الغمام، وهو ماء ينزل من السماء جامدًا، كالملح، ثم يذوب على الأرض.
قال التوربشتيّ ﵀: ذكر أنواع المطهّرات المنزّلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها، بيانًا لأنواع المغفرة التي لا يُتَخَلّص من الذّنوب إلا بها؛ أي: طهّرني بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع في إزالة الأرجاس، ورفع الأحداث. انتهى.
وقال الخطابيّ ﵀: هذه أمثال، ولم يُرَد بها أعيان هذه المسمّيات، وإنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا، والمبالغة في محوها عنه، والثلج والبرد ماءان لم تمسّهما الأيدي، ولم يمتهنهما الاستعمال، فكان ضرب المثل بهما أوكد في بيان معنى ما أراده من تطهر الثوب. انتهى.
(وَنَقِّهِ) بتشديد القاف، من التنقية، وهو كناية عن إزالة الذنوب، ومحو أثرها (مِنَ الْخَطَايَا) جمع خطيّة، كعطيّة، وعطايا؛ أي: من الذنوب والمآثم (كَمَا نَقيْتَ)؛ أي: طهّرت، ونظّفت، وفي الرواية التالية: "كما يُنَقَّى" بصيغة المضارع (الثَّوْبَ الْأَبْيَض مِنَ الدَّنَسِ) بفتحتين؛ أي: الوَسَخ، ووقع التشبيه بالثوب الأبيض؛ لأن ظهور النَّقَاء فيه أشدّ، وأكمل؛ لصفائه، بخلاف غيره من الألوان.
(وَأَبْدِلْهُ)؛ أي: عوّضه، يقال: أبدلته بكذا، إبدالًا: إذا نَحَّيتَ الأوّل، وجعلتَ الثاني مكانه، وبدّلته، تبديلًا، بمعنى غيّرته تغييرًا، وبدّل الله السيّئات حسنات، يتعدّى إلى مفعولين بنفسه؛ لأنه بمعنى جَعَلَ، وصيّر، وقد استُعمل "أبدَلَ" بالألف مكان بدّل بالتشديد، فعُدّي بنفسه إلى مفعولين، لتقارب معناهما، وقد قرئ في السبعة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥] من أفعل، وفعّل.
والبَدَل -بفتحتين- والْبِدْلُ -بالكسر- والْبَدِيل -كأمير-: كلها بمعنى الْخَلَف، والجمع أَبدالٌ. انتهى. "المصباح " بتصرّف.
(دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ) هي دار الجنة التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذّ الأعين (وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ) قال القرطبيّ ﵀: الأهل هنا عبارة عن الخَدَم
[ ١٨ / ٥١٧ ]
والْخَوَل، ولا تدخل الزوجة فيهم؛ لأنه قد خصّها بالذكر بعد ذلك، حيث قال: "وزوجًا خيرًا من زوجه"، ويَحْتَمِل أن يكون من باب: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨] ويفهم منه أن نساء الجنّة أفضل من نساء الآدميات، وإن دخلن الجنّة، وقد اختُلِف في هذا المعنى. انتهى (^١).
(وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ) قال السنديّ ﵀ في شرحه على النسائيّ: هذا من عطف الخاصّ على العامّ، على أن المراد بالأهل ما يعمّ الخدم أيضًا، وفيه إطلاق "الزوج" على المرأة، قيل: هو أفصح من "الزوجة". انتهى.
وقال الفيّوميّ ﵀: الرجل زوج المرأة، وهي زوجة أيضًا، هذه هي اللغة العالية، وبها جاء القرآن، نحو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الآية [البقرة: ٣٥] والجمع فيهما أزواج، قاله أبو حاتم، وأهل نجد يقولون في المرأة: زوجة بالهاء، وأهل الحرم يتكلّمون بها، وعَكَس ابن السكِّيت، فقال: وأهل الحجاز يقولون للمرأة: زوج بغير هاء، وسائر العرب: زوجة بالهاء، وجمعها زوجات، والفقهاء يقتصرون في الاستعمال عليها؛ للإيضاح، وخوف لبس الذكر بالأنثى؛ إذ لو قيل: تركة فيها زوج، وابن، لم يُعلَم، أذكرٌ هو، أم أنثى؟. انتهى.
وذكر السيوطيّ ﵀ في "شرحه على النسائيّ" أن طائفة من الفقهاء قالوا: هذا خاصّ بالرجل، ولا يقال في الصلاة على المرأة: أبدلها خيرًا من زوجها؛ لجواز أن تكون لزوجها في الجنّة، فإن المرأة لا يمكن الاشتراك فيها، والرجل يقبل ذلك. انتهى (^٢).
(وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ") هكذا في بعض النسخ بـ "أو"، وفي بعضها "وعذاب النار" بالواو، وفي الرواية التالية: "وقه فتنة القبر، وعذاب النار".
(قَالَ) عوف بن مالك الصحابيِّ الراو لهذا الحديث - ﵁ - (حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ) بالفتح مصدريّة بخلاف الآتية في الرواية التالية، فإنها مخفّفة من الثقيلة، كما يأتي بيانه هناك (كُونَ أنا) تأكيد للضمير المتّصل (ذَلِكَ الْمَيِّتَ) بتشديد
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٦١٤ - ٦١٥.
(٢) "زهر الربى" ٣/ ٧٣ - ٧٥.
[ ١٨ / ٥١٨ ]
الياء وتخفيفها، وفي الرواية التالية: "قال عوفٌ: فتمنّيتُ أن لو كنت أنا الميت؛ لدعاء رسول الله - ﷺ - على ذلك الميت".
[فإان قلت]: صحّ عنه النبيّ - ﷺ - أنه نهى عن تمنّي الموت، فقد أخرج الشيخان عن أنس - ﵁ - مرفوعًا: "لا يتمَنَّيَنَ أحدٌ منكم الموت؛ لضرٍّ نزل به … " الحديث، فكيف تمنّاه عوف - ﵁ - هنا؟.
[قلت]: هذا ليس من باب تمنّي الموت؛ لأنه لا يلزم من تمنّيه دعاءَ النبيّ - ﷺ - أن يتمنّى الموت؛ إذ المراد تمنّي دعائه - ﷺ - إذا جاءه الموت عند انقضاء أجله، لا أنه يتمنّى الموت الآن، فافهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عوف بن مالك هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٢٢٣٢ و٢٢٣٣ و٢٢٣٤] (٩٦٣)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٩٢٥)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٦٢ و١٩٨٣ و١٩٨٤) و"الكبرى" (٢١١٠ و٢١١١) وفي "عمل اليوم والليلة" (١٠٨٧)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٠٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٣ و٢٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٣ - ٤٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الدعاء في صلاة الجنازة، وهو معظم مقصودها.
٢ - (ومنها): مشروعية الصلاة على الجنازة، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى.
٣ - (ومنها): استحباب هذا الدعاء.
٤ - (ومنها): أن فيه إشارة إلى الجهر بالدعاء في صلاة الجنازة، قال النوويّ ﵀: وقد اتفق أصحابنا على أنه إن صلّى عليها بالنهار أسرّ بالقراءة، وإن صلى بالليل ففيه وجهان، الصحيح الذي عليه الجمهور: يسرّه، والثاني:
[ ١٨ / ٥١٩ ]
يجهر، وأما الدعاء، فيسرّ به بلا خلاف، وحينئذ يتأول هذا الحديث على أن قوله: (حفظت من دعائه "؛ أي: علّمنيه بعد الصلاة، فحفظته. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل فيه نظر لا يخفى؛ إذ هو مخالف لظاهر الحديث.
قال العلامة الشوكانيّ ﵀ بعد ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث ما نضه: جميع ذلك يدلّ على أن النبي - ﷺ - جهر بالدعاء، وهو خلاف ما صرّح به جماعة من استحباب الإسرار بالدعاء، وقد قيل: إن جهره - ﷺ - الدعاء لقصد تعليمهم.
وأخرج أحمد عن جابر - ﵁ - قال: ما أباح لنا في دعاء الجنازة رسول الله ل - ﷺ -، ولا أبو بكر، ولا عمر (^٢)، وفسّر "ما أباح " بمعنى قَدّر، قال الحافظ: والذي وقفت عليه باح بمعنى جهر (^٣).
قال الشوكانيّ: والظاهر أن الجهر والإسرار بالدعاء جائزان. انتهى (^٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ ﵀ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): مشروعيّة الطهارة بماء الثلج، والبرد، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في "الطهارة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(قَالَ: وَحَدَّثَني عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ جُبَيْرٍ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - هَذَا الْحَدِيثِ أَيضًا).
قمال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد فرع عن الإسناد الماضي، فهو موصول به، وليس معلّقًا، ففاعل "قال" ضمير معاوية بن صالح الراوي عن
_________________
(١) "شرح مسلم" ٧/ ٣٤.
(٢) وأخرجه ابن ماجه أيضًا، وفي إسنادهما حجاج بن أرطاة، كثير الخطأ، والتدليس.
(٣) "التلخيص الحبير"٢/ ٢٨٩.
(٤) "نيل الأوطار" ٤/ ٧٩.
[ ١٨ / ٥٢٠ ]
حبيب بن عُبيد، عن جُبير بن نُفير، عن عوف - ﵁ - في الأول، فهو يرويه أيضًا عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عوف - ﵁ -.
ولذلك يوجد في بعض النسخ كتابة (ح) بدل "قال" إشارة إلى تحويل الإسناد من حبيب إلى عبد الرحمن، ولذا لم أعطه رقمًا خاصًّا به، وإنما هو داخل تحت الرقم الأول، فتنبّه.
والظاهر أنه إنما لم يذكره المصنّف ضمن الإسناد الأول؛ للاختلاف في لفظ الحديث، كما أشار إليه بقوله: "بنحو هذا الحديث"، فإنه لو ذكره هناك، لتوُهّم أن متنهما واحد، والله تعالى أعلم.
ورجاله: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ جُبَيْرِ) بن نُفَير، أبو حُميد ويقال: أبو حِمْيَر الحضرميّ الحمصيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وخالد بن معدان، وكثير بن مُرّة، وروى عن ثوبان، والصحيح عن أبيه عن ثوبان.
ورَوَى عنه يحيى بن جابر الطائيّ، ومعاوية بن صالح، ويزيد بن خُمَير، وثور بن يزيد، وزهير بن سالم، وصفوان بن عمرو، ومحمد بن الوليد الزبيديّ، وإسماعيل بن عياش، وجماعة.
قال أبو زرعة، والنسائي: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقةٌ، وبعض الناس يستنكر حديثه، ومات سنة ثماني عشرة ومائة في خلافة هشام.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب أحد عشر حديثًا بالمكرّر.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه هذه ساقها البزار ﵀ في "مسنده " (٧/ ١٧٢ - ١٧٣) فقال:
(٢٧٣٩) - قال: وأخبرنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن أبيه، عن عوف بن مالك، قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - على جنازة، فحفظت من دعائه: "اللهم اغفر له، وارحمه،
[ ١٨ / ٥٢١ ]
وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار"، حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٣٣] (…) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيّ، حَدَّثنَا مُعَاوِيةُ بْنُ صَالِحٍ بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ وَهْب).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
- (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
- (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِي) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
"ومعاوية بن صالح، ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح بالإسناد الأول ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٢٣٤٥٥) - حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن معاوية، عن حبيب بن عبيد، قال: حدّثني جُبير بن نُفير، عن عوف، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - صلى على ميت، ففهمت من صلاته عليه: "اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسِّع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجة خيرًا من زوجة، وأدخله الجنة، ونَجِّه من النار، وقِهِ عذاب القبر". انتهى.
وأما بالإسناد الثاني، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٨ / ٥٢٢ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٣٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا (^١) نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَاِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الْحِمْصِّي (ح) وَحَدَّثَني أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي الطَّاهِرِ، قَالَا: حَدَّثنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَصَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، يَقُولُ: "اللَّهُم اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَعَافِهِ، وَكرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ، وَثَلْجٍ، وَبَرَدٍ، وَنَقَهِ مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا يُنَقى الثوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَعَذَابَ النَّارِ"، قَالَ عَوْف: فَتَمَنَّيْتُ أَنْ لَوْ كُنْتُ أنا الْمَيِّتَ؛ لِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
وهو أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، فلا تغفل.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفي، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) أو (١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (أَبُو حَمْزَةَ الْحِمْصِيُّ) هو: عيسى بن سُليم الْحِمْصيّ الرَّسْتَنيّ -بفتح الراء، والمثناة، بينهما سين مهملة ساكنة، وآخره نون- الْعَنْسيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٧].
رَوَى عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، وراشد بن سعد، وشعوذ بن عبد الرحمن بن يونس، وشبيب الكَلاعيّ، وأبي عون الأنصاريّ.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدثنا".
[ ١٨ / ٥٢٣ ]
وروى عنه عمرو بن الحارث المصريّ، وبقية، وعيسى بن يونس، ومعاوية بن صالح الحضرميّ، ويحيى بن حمزة.
قال أبو حاتم: ثقةٌ صدوق، وقال أحمد: لا أعرفه.
قال الحافظ: وأما عيسى بن سُليم الذي ذكره العقيلي في "الضعفاء"، فهو آخر كوفيّ، روى عن أبي وائل، شقيق بن سلمة، وعنه أبوْ بكر بن عياش، ولعله الذي قال فيه أحمد: لا أعرفه، قاله الحافظ ﵀ (^١).
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن سرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حافظ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
والباقون ذُكروا في الباب، وأبو حمزة بن سُليم هو أبو حمزة الحمصيّ المذكور قبله.
وقوله: (وَقهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ) أمر من وقى يقي؛ أي: احفظه.
وقوله: (أَنْ لَوْ كنْتُ) "أَنْ" بفتح الهمزة، وسكون النون: هي مخففة من "أنّ" المشدّدة، واسمها محذوف؛ أي: أنّي لو كنتُ، قال ابن مالك ﵀ في "الخلاصة":
وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ " فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَة مِنْ بَعْدِ "أَنْ"
وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا … وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا
فَالأحْسَنُ الْفَصْلُ بِـ "قَدْ" أَوْ نَفْى أَوْ … تَنْفِيسٍ أوْ "لَوْ" وَقَلِيلٌ ذِكْرُ "لَوْ"
وقوله: (الْمَيِّتَ) "أل" فيه للعهد الذكريّ؛ أي: ذلك الميت الذي في قوله: "صلى على جنازة"، وَيحْتَمِل أن تكون للعهد الحضوريّ باعتبار وقت التمني؛ أي: الميت الحاضر بين يدي النبي - ﷺ -.
وقوله: (لِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ) الجارّ والمجرور الأول
_________________
(١) راجع: "تهذيب التهذيب" ٨/ ١٨٩.
[ ١٨ / ٥٢٤ ]
يتعلّق بـ "تمنّيت"، والثاني ب "دعاء"؛ يعني أنه إنما تمنّى أن يكون ذلك الميتَ لأجل أن تناله بركة دعاء النبيّ - ﷺ -.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.