وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٢] (١٠٢٢) - (حَدَّثَنِي سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ: لَأتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِي، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيٍّ، لأتصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنيٍّ، وَعَلَى سَارِقٍ، فَأُتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أمّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا، وَلَعَل الْغَنيَّ يَعْتَبِرُ، فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِهِ").
_________________
(١) "المصباح" ١/ ١١٢.
[ ١٩ / ٤٦٩ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثَانيّ، أبو محمد صدوقٌ، لكنه عَمِي، فتلقّن [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦١.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيةٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١)، أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"أبو الزناد": هو عبد الله بن ذكوان، و"الأعرج": هو عبد الرحمن بن هُرمُز.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، وشيخ شيخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه؛ أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ) -﵁- ووقع عند النسائيّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، قال: "حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ مِمَّا ذَكَر أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ بِهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-" (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ) قال الحافظ -﵀-: لم أقف على اسمه، ووقع عند أحمد من طريق ابن لهيعة، عن الأعرج في هذا الحديث أنه كان من بني إسرائيل. انتهى؛ أي قال في نفسه، أو قال لبعض أصحابه، أو في ندائه حال دعائه، قاله القاري (^١). (لأتَصَدَّقَنَّ) اللام فيه هي الْمُوَطّئة للقسم، والقسم فيه مقدّر؛ أي والله لأتصدّقن، وهو من باب الالتزام كالنذر، فصارت الصدقة واجبة، فصحّ
_________________
(١) "مرقاة المفاتيح" ٤/ ٣٢٨.
[ ١٩ / ٤٧٠ ]
الاستدلال به في صدقة الفرض، وهذا الاستدلال مبنيّ على أنّ شرع من قبلنا شَرْع لنا، ما لم يظهر نسخه، وإنكاره في شرعنا، وهو المذهب الحقّ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
(اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بما قبله (بِصَدَقَةٍ) قال القاري -﵀-: أي بصدقة عظيمة واقعة موقعها؛ ليتعلق بها قبول عظيم. انتهى.
(فَخَرَجَ) أي من بيته (بِصَدَقَتهِ) أي التي نَوَى أن يَضَعَها في يد مستحقّها (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ) امرأة (زَانِيَةٍ) أي لعدم علمه بكونها زانيةً (فَأَصْبَحُوا) أي القوم الذين كان فيهم ذلك المتصدّق، وقوله: (يَتَحَدَّثُونَ) في موضع نصب خبر "أصبحوا"؛ أي يُحدّث بعضهم بعضًا؛ تعجّبًا واستنكارًا (تُصُدِّقَ اللّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بما قبله (عَلَى زَانِيَةٍ) ببناء الفعل للمفعول، وهو إخبارٌ بمعنى التعجّب، أو الإنكار، قاله السنديّ -﵀- في "شرح النسائيّ".
(قَالَ) ذلك المتصدّق (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ) أي على تصدّقي على امرأة زانية؛ يعني أنه ليس في ذلك اختيار؛ حيث وقعت صدقتي بيد من لا يستحقّها، فلك الحمد؛ إذ كان ذلك بإرادتك، لا بإرادتي، فإن إرادتك كلها جميلة، ولا يُحمَد على المكروه سواك، وقدّم الخبر على المبتدأ في قوله: "لك الحمد" لإفادة الحصر.
وقال الطيبيّ: لما جَزَمَ بوضعها في موضعها بدلالة التنكير في "بصدقةٍ"، وأبرز كلامه في معرض القسم تأكيدًا، أو قطعًا للقبول بها، جُوزي بوضعها في يد سارق، فحمد الله، وشكره على أنه لم يقدر أن يتصدّق على من هوأسوأ حالًا منه؛ أي لك الحمد لأجل وقوع الصدقة في يده دون من هو أشدّ حالًا منه، أو أجرى الحمد مجرى التسبيح في استعماله عند مشاهدة ما يُتعجّب منه تعظيمًا لله؛ يعني أنه ذَكَرَ الحمد في موضع التعجّب، كما يُذكر التسبيح في موضعه، فلما تعجّبوا من فعله تعجّب هوأيضًا، فقال: اللهم لك الحمد على سارق. انتهى.
قال الحافظ: لا يخفى بُعْدُ هذا الوجه، وأما الذي قبله، فأبعد منه، والذي يظهر الأول، وأنه سَلّم، وفوّض، ورَضِي بقضاء الله، فحمد الله على تلك الحال؛ لأنه المحمود على جميع الحال، لا يُحمد على المكروه سواه.
[ ١٩ / ٤٧١ ]
وقد ثبت أن النبيّ -ﷺ- كان إذا رأى ما لا يُعجبه، قال: "اللهمّ لك الحمد على كل حال". انتهى (^١).
(لأَتصَدَّقَن بِصَدَقَةٍ) أي صدقة أخرى على مستحقّها (فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ) رجل (غَنِيٍّ، فَاَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ) بالبناء للمفعول أيضًا (عَلَى غَنِىٍّ، قَالَ) ذلك المتصدّق (اللَهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيٍّ) أي على تصدّقي على رجل غنيّ حيث كان بإرادتك، لا بإرادتي، قال المتصدّق أيضًا: (لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ) رجل (سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ) بالبناء للمفعول أيضًا (عَلَى سَارِقٍ) وفي رواية أبي أُميّة: "تصدّق الليلةَ على سارق"، وفي رواية ابن لهيعة: "تُصُدّق الليلة على فلان السارق"، قال الحافظ -﵀-: ولم أر في شيء من الطرق تسمية أحد من الثلاثة المتصَدَّق عليهم (^٢).
(فَقَالَ: اللَهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، وَعَلَى سَارِقٍ) أي حيث كان كله بإرادتك، فأنت المحمود في جميع أفعالك؛ حيث كان كلّها جميلًا.
وقال القرطبيّ -﵀-: وقول المتصدّق: "اللهم لك الحمد على زانية" إشعار بألم قلبه؛ إذ ظنّ أن صدقته لم توافق محلّها، وأن ذلك لم ينفعه، ولذلك كرّر الصدقة، فلما علم الله صحّة نيّته تقبّلها منه، وأعلمه بفوائد صدقاته. انتهى.
(فَأُتِيَ) بالبناء للمفعول؛ أي أتاه آتٍ في منامه، ففي رواية الطبرانيّ في "مسند الشاميين" عن أحمد بن عبد الوهّاب، عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة بهذا الإسناد: "فساءه ذلك، فأُتي في منامه". وأخرجه أبو نُعيم في "المستخرج" عنه، وكذا الإسماعيليّ من طريق عليّ بن عيّاش، عن شعيب، وفيه تعيين أحد الاحتمالات التي ذكرها ابن التين وغيره، قال الكرمانيّ: قوله: "أُتي" أي أُرِي في المنام، أو سمع هاتفًا، أو غيره، أو أخبره نبيّ، أو أفتاه عالم، وقال غيره: أوأتاه ملك، فكلّمه، فقد كانت الملائكة تكلّم بعضهم في بعض الأمور.
_________________
(١) الفتح ٤/ ٤١.
(٢) راجع: "الفتح" ٤/ ٤٠.
[ ١٩ / ٤٧٢ ]
قال الحافظ -﵀-: وقد ظهر بالنقل الصحيح أنها كلّها لم تقع، إلا النقل الأول. انتهى.
وقال السنديّ -﵀-: ورؤيا غير الأنبياء، وإن كان لا حجة فيها، لكن هذه الرؤيا قد قرّرها النبيّ -ﷺ-، فحصل الاحتجاج بتقريره -ﷺ-. انتهى (^١).
(فَقِيلَ لَهُ: أمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ) بالبناء للمفعول، وفي رواية الطبرانيّ: "إن الله قد قَبِلَ صدقتك" (أمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ) أي تمتنع، يقال: عفّ عن الشيء يَعِفُّ، من باب ضَرَبَ عِفَّة بالكسر وعَفًّا بالفتح: امتَنَعَ عنه، فهو عَفِيفٌ، واستَعَفَّ عن المسألة مثلُ عَفَّ، ورجل عَفّ، وامرأةٌ عَفّة بفتح العين فيهما، وتعفّف كذلك، ويتعدّى بالألف، فيقال: أعفّه الله إعفافًا، وجمعُ العفيف أَعِفة، وأَعِفاءُ، قاله الفيّوميّ (^٢).
(بِهَا) أي بسبب صدقتك (عَنْ زِنَاهَا) بالقصر، ويجوز مدّه عند بعضهم، قال الفيّوميّ -﵀-: زَنَى يَزْنِي زِنًا، مقصورٌ، فهو زانٍ، والجمع زُناةٌ، مثل قاضٍ وقضاةٍ، وزاناها مُزاناةً، وزِناءً، مثلُ قاتل مُقاتلةً، وقتالًا، ومنهم من يَجعل المقصور والممدود لغتين في الثلاثيّ، ويقول: المقصور لغة الحجاز، والممدود لغة نجد. انتهى (^٣).
(وَلَعَلَّ الْغَنيَّ يَعْتَبِرُ) أي يتّعِظ، ويتذكّر (فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ) فيه أن بعض الناس يترك فعل الخير غفلةً، وذُهُولًا، فينبغي أن يُذَكَّر بذلك، كي يتنبّه، ويفعله.
(وَلَعَل السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ) أي يمتنع (بِهَا) أي بسبب صدقتك (عَنْ سَرِقَتِهِ) فيه إيماء إلى أنّ الغالب في السارق، ومثله الزانية أنهما يرتكبان المعصية للحاجة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) شرح السنديّ ٥/ ٥٦.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤١٨.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢٥٧.
[ ١٩ / ٤٧٣ ]
مسائل تتعلَّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٢٣٦٢] (١٠٢٢)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٢١)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٢٣) وفي " الكبرى" (٢٣٠٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٢٢ و٣٥٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ١٤٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٢ و٧/ ٣٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أنه إذا دفع الزكاة إلى غير مستحقّها، ظانًّا استحقاقه سقطت عنه، قال القرطبيّ -﵀-: يستفاد من الحديث صحّة الصدقة، وإن لم توافق محلًّا، مرضيًّا؛ إذا حسنت نيّة المتصدّق، فأما لو عَلِم المتصدّق أن المتصدَّق عليه يستعين بتلك الصدقة على معصية الله لحرم عليه ذلك، فإنه من باب التعاون على الإثم والعدوان. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": ولا دلالة في الحديث على الإجزاء، ولا على المنع، ومن ثمّ ترجم البخاريّ على هذا الحديث بلفظ الاستفهام، فقال: "باب إذا تصدّق على غنيّ، وهو لا يعلم"، ولم يجزم بالحكم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قاله نظر من وجهين:
(الأول): أن قوله: "بلفظ الاستفهام" غير صحيح، بل إنما هو بلفظ الشكّ، ولم يذكر جوابه اتكالًا على كونه معلومًا من نصّ الحديث، حيث قال: "أما صدقتك، فقد تقبّلت"، كما في رواية مسلم، وغيره.
(الثاني): قد تقدّم أن وجه الاستدلال به على الإجزاء في الصدقة الواجبة أن قوله: "لأتصدّقنّ" من باب الالتزام، كالنذر، فصارت الصدقة واجبة عليه، وقد قرّر النبيّ -ﷺ- رؤيا المتصدّق في قبول صدقته، فصحّ الاستدلال به في إجزاء زكاة الفرض، والله تعالى أعلم.
قال في "الفتح": [فإن قيل]: إن الخبر إنما تضمّن قصّة خاصّة، وقع
_________________
(١) راجع: "المفهم" ٣/ ٦٧.
[ ١٩ / ٤٧٤ ]
الاطلاع فيها على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفاقيّة، فمن أين يقع تعميم الحكم؟.
[فالجواب]: أن التنصيص في هذا الخبر على رجاء الاستعفاف، هو الدّالّ على تعدية الحكم، فيقتضي ارتباط القبول بهذه الأسباب. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): بيان أن شريعة من قبلنا شريعة لنا؛ إذا لم يأت في شرعنا ما يخالفه، وهذا هو القول الحقّ، وهو مذهب البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، حيث أوردوا حديث الباب للاحتجاج على إجزاء الزكاة إذا دُفعت لغير مستحقّها جهلًا، وسيأتي تمام البحث في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): استحباب إعادة الصدقة إذا لم يقع موقعها، وإن أجزأت.
٤ - (ومنها): أن الحكم للظاهر حتى يتبيّن سواه.
٥ - (ومنها): بركة التسليم والرضا، وذمّ التضجّر والتسخّط بالقضاء، كما قال بعض السلف: لا تقطع الخدمة، ولو ظهر لك عدم القبول.
٦ - (ومنها): فضل صدقة السرّ، وفضل الإخلاص، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دفع الزكاة لغنيّ، أو نحوه، ممن لا يستحقّها على ظنّ أنه يستحقّها:
قال العلّامة ابن قُدامة -﵀-: إذا أعطى من يظنّه فقيرًا، فبان غنيًّا، فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما: يجزئه؛ أي تسقط عنه الزكاة، ولا تجب عليه الإعادة، واختارها أبو بكر، وهذا قول الحسن، وأبي عُبيد، وأبي حنيفة؛ لأن النبيّ -ﷺ- أعطى الرجلين الْجَلْدَين، وقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظّ فيها لغنيّ، ولا لقويّ مكتسب"، وقال للرجل الذي سأله الصدقة: "إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقّك". ولو اعتَبَر حقيقةً لما اكتَفَى لقولهم، ثم ذكر ابن قُدامة حديث أبي هريرة -﵁- المذكور في هذا الباب.
قال: والرواية الثانية: لا يجزئه، وعليه الإعادة؛ لأنه دفع الواجب إلى غير مستحقّه، فلم يخرج من عهدته، كما لو دفعها إلى كافر، وهذا قول
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٤١.
[ ١٩ / ٤٧٥ ]
الثوريّ، والحسن بن صالح، وأبي يوسف، وابن المنذر، وللشافعيّ قولان كالروايتين. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول من قولي الإمام أحمد -﵀- هو الأرجح عندي؛ لظهور أدلته التي تقدمت آنفًا.
والحاصل أن من دفع زكاته إلى غنيّ، أو نحوه ممن لا يستحقّها، ظانًّا أنه مستحقّها، ثم ظهر بخلافه، سقطت عنه، ولا يلزمه إعادتها، ولكن لو أعادها، كما أعاد الرجل المذكور في حديث الباب، كان حسنًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في بيان مسألة مهمّة تُستفاد من حديث الباب، وهي مسألة "هل شَرْعُ مَن قبلنا شرع لنا، أم لا؟ "، وقد اختلف أهل العلم في ذلك، والحقّ- وهو الذي عليه الجمهور، ومنهم الإمام البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ حيث استدلوا بحديث الباب على حكم المسألة- أنه شرع لنا بشرط أن يُنصّ عليه في شرعنا، وأن لا يأتي في شرعنا ما يخالفه.
وقد ذكر العلامة الزركشيّ -﵀- في كتابه "البحر المحيط" في أصول الفقه، الخلاف في ذلك، وهاك ملخّصه:
قال -﵀- ما مختصره-: هل تُعُبّد النبيّ -ﷺ- بعد النبوّة بشرع من قبله، أم كان منهيًّا عنه؟ فيه أربعة مذاهب:
(الأول): أنه لم يكن متعبَّدًا، بل كان منهيًّا عنها، وعليه أكثر المتكلّمين، وجماعة من الشافعيّة، والحنفيّة، واختاره الغزاليّ، وصححه ابن السمعانيّ، والنوويّ، وابن حزم، وغيرهم.
(الثاني): أنه كان مُتعبّدًا باتباعها، إلا ما نُسخ منها، ونقله ابن السمعانيّ عن أكثر الشافعتة، والحنفيّة، وطائفة من المتكلّمين. وقال ابن القشيريّ: هو الذي صار إليه الفقهاء. وقال سُليم: إنه قول أكثر أصحابنا -الشافعيّة-، واختاره الشيخ أبو إسحاق أوّلًا في "التبصرة"، واختاره ابن بَرْهان، وقال: إنه قول أصحابنا، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن محمد بن الحسن، قال: ولذلك استدلّ بقصّة صالح النبيّ -ﷺ-، وقومه في شِرْب الناقة على إجازة المهايأة، وقال الخفّاف في "شرح الخصال": شرائع من قبلنا واجبة علينا إلا في
[ ١٩ / ٤٧٦ ]
خصلتين: أن يكون شرعنا ناسخًا لها، أو يكون في شرعنا ذكر لها، فعلينا اتباع ما كان من شرعنا، وإن كان في شرعهم مقدّمًا، واختاره ابن الحاجب، وقال ابن الرفعة في "المطلب": إن الشافعيّ نصّ عليه في "الأمّ" في "كتاب الإجارة"، وأنه أظهر القولين في "الحاوي"، وقال إمام الحرمين: للشافعيّ ميلٌ إلى هذا، وبَنَى عليه أصلًا من أصوله في "كتاب الأطعمة"، وتابعه معظم الأصحاب، وقال في "النهاية": وقد استأنس الشافعيّ لصحّة الضمان بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، فكان الْحِمْلُ في معنى الجعالة لمن ينادي في العير بالصواع، ولعلّه كان معلومًا عندهم، وتعلّق الضمان به، وقال أيضًا في "كتاب الضمان" فيمن حلف لَيَضربنّ عبده مائة سوط، فضربه بالْعِثْكَال (^١): إنه يبرأ؛ لقصّه أيوب﵇-، واتفق العلماء على أن هذه الآية معمول بها في ملّتنا، والسبب فيه أن الملل لا تختلف في موجب الألفاظ، وفيما يقع بِرًّا وحنثًا، وثبت عن ابن عبّاس -﵁- أنه سجد في "سورة ص"، وقرأ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فاستنبط التشريع من هذه الآية. رواه البخاريّ، وأحمد، وسعيد بن منصور (^٢).
وقال أبو بكر عبد الوهاب: إنه الذي تقتضيه أصول مالك، وكذا قال القرطبيّ: ذهب إليه معظم أصحابنا، وقال ابن العربيّ في "القبس": نصّ عليه مالك في "كتاب الديات" من "الموطأ"، ولا خلاف عنده فيه.
(الثالث): أنه لم يتعبّد فيها بأمر، ولا نهي، حكاه ابن السمعانيّ.
(الرابع): الوقف. حكاه ابن القشيريّ. انتهى كلام الزركشيّ -﵀- باختصار (^٣).
وقد ذكر الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطيّ -﵀- في كتابه "نثر الورود، شرح مراقي السعود" عند قول الناظم:
وَلَمْ يَكُنْ مُكَلّفًا بِشَرْعِ … صلي عليه الله قَبْلَ الْوَضْعِ (^٤)
_________________
(١) بالكسر، كقرطاس: الْعِذْق. اهـ. ق.
(٢) أخرجه البخاريّ في "الصحيح" في الجمعة، والأنبياء، والتفسير.
(٣) البحر المحيط ٦/ ٤١ - ٤٤.
(٤) أي قبل نزول الوحي عليه.
[ ١٩ / ٤٧٧ ]
وَهُوَ وَالأمَّةُ بَعْدُ كلِّفَا … إِلَّا إِذَا التَّكْلِيفُ بِالنَّصِّ انْتَفَى
وَقِيلَ لَا وَالْخُلْفُ فِيمَا شُرِعَا … وَلَمْ يَكُنْ دَاعٍ إِلَيْهِ سُمِعَا
ما حاصله: يعني أن النبيّ -ﷺ-، وأمته بعد نزول الوحي مكلّفون بشرع من قبلهم، خلافًا للشافعيّ، ومحلّ الخلاف فيما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم يثبت في شرعنا أنه شرع لنا.
قال: وهذه المسألة هي مسألة: هل شرعُ من قبلنا شرعٌ لنا؟. وتحقيق المقام فيها أن لها ثلاث حالات:
(الأولى): يكون شرع من قبلنا فيها شرعًا لنا بلا خلاف، وهي ما إذا ثبت في شرعنا أنه كان شرعًا لمن كان قبلنا، ثمّ نصّ لنا في شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص؛ لأن الله بَيّن أنه كان شرعًا لمن قبلنا بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، ونصّ على أنه شرع لنا أيضًا في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨].
(الثانية): ليس شرعًا لنا فيها بلا خلاف، وهي في صورتين:
(إحداهما): ما لم يثبت بشرعنا أصلًا، ولو زعموا أنه من شرعهم.
(والأخرى): ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لهم، ونُصّ لنا على أنه ليس شرعًا لنا، كالآصار، والأثقال التي شُرعت على من قبلنا، كإيجابه على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم توبةً من عبادة العجل المنصوص في قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٥٤]، فإن هذه الآصار رُفعت عنّا، كما قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وثبت في "صحيح مسلم": "أنّ النبيّ -ﷺ- لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله: قد فعلت".
(الثالثة): هي محلّ الخلاف، وهي ما إذا ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم ينصّ في شرعنا على أنه مشروع لنا، ولا غير مشروع، والجمهور على أنه شرعٌ لنا؛ خلافًا للشافعيّ (^١).
_________________
(١) وقد تقدّم في كلام الزركشيّ أن الشافعيّ نصّ في كتابه "الأمّ" بما قال الجمهور، فالظاهر أن له قولين في المسألة، فتنبّه.
[ ١٩ / ٤٧٨ ]
وحجة الجمهور أنه ما ذُكر لنا في شرعنا إلا للاعتبار، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] وثمرة الاعتبار العمل، وقد حضّ تعالى في آيات كثيرة على الاعتبار بأحوال الأمم الماضية.
ومما استدلّ به الجمهور أن الله لما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام، قال للنبيّ -ﷺ-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، والأصحّ أن الأمر للوجوب، وأنّ الأمّة تدخل تحت الخطاب الخاصّ به -ﷺ-.
واستدلّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣] وبقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٦].
واحتجّ الإمام الشافعيّ على أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [المائدة: ٤٨]، وقال: إن الْهُدَى في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، والدينَ في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ المراد بهما العقائد، دون الفروع العمليّة، بدليل الآية المذكورة.
والحقّ أنه لا يختصّ بذلك؛ لما في "صحيح البخاريّ" عن مجاهد أنه سأل ابن عبّاس -﵁- من أين سجدتَّ؟ -يعني في ﴿ص﴾ - فقال: أوَ ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، فكان داود ممن أُمر نبيّكم -ﷺ- أن يقتدي به، فسجدها رسول الله -ﷺ-.
فهذا نصّ صريحٌ مرفوعٌ إلى النبيّ -ﷺ- في "صحيح البخاريّ" على أنّ سجود التلاوة داخل في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وهو ليس من العقائد بالإجماع، فظهر عدم الاختصاص بالعقائد.
وأجاب الجمهور عن احتجاج الشافعيّ بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بأن المراد بها نسخ بعض ما كان مشروعًا، أو زيادةُ ما لم يكن مشروعًا، وكلاهما ليس من محلّ النزاع.
ولم يزل العلماء يستدلّون على الأحكام بالقصص الماضية، كاستدلال المالكيّة، وغيرهم على أن القرينة الجازمة ربما تكفي عن البينة بجعل شاهد يوسف قرينةَ شقّ القميص من دبر مقتضية صدقَ يوسف -﵇-، وكذب امرأة العزيز المنصوص في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ الآية [يوسف: ٢٨] ولذا صارت القرينة
[ ١٩ / ٤٧٩ ]
تكفي عن البيّنة في أمور كثيرة، كقول مالك: إن مَن استُنكِهَ، فَشُمّ من نكهته رائحة الخمر أنه يُجلد جلدَ شارب الخمر. وكمسيس الزوجة التي زُفّت إليه مع نساء لا تُثبت شهادتهنّ عينَ الزوجة؛ اعتمادًا على القرينة. وكالضيف يأتيه الصبيّ، أو الوليدة بالطعام، فيباح له أكله من غير بيّنة؛ اعتمادًا على القرينة. وكأخذ المالكيّة، وغيرهم أيضًا أن القرينة تُبطلها قرينة أقوى منها، من قصة يعقوب، وأولاده حيث جعلوا دم السخلة على قميص يوسف؛ ليكون الدم قرينة لهم على صدقهم في أنّ يوسف أكله الذئب، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها، وهي عدم شقّ القميص، فقال: سبحان الله، متى كان الذئب حليمًا كيّسًا، يقتل يوسف، ولا يشقّ قميصه (^١). كما ذكر الله عنهم في قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ الآية [يوسف: ١٨].
وكأخذ المالكيّة وغيرهم جوازَ ضمان الغُرْم من قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾.
وكأخذ بعض الشافعية جواز ضمان الوجه المعروف عندهم بالكفالة، من قصّة يعقوب وأولاده المنصوص في قوله: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ الآية [يوسف: ٦٦].
وكاخذ الحنابلة جواز طول مدّة الإجارة من قوله في قصّة موسى وشُعيب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ الآية إلى قوله: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
وكأخذ المالكيّة وجوب الإعذار للخصم بـ "أَبَقِيَ لَكَ حُجّةٌ؟ " من قوله في قصّة سليمان في الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ [النمل: ٢١].
وكأخذهم أيضًا أن التلوّم للخصم بعد انقضاء الآجال ثلاثةُ أيّام، من قوله تعالى في قصّة صالح -﵇- وقومه: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ الآية [هود: ٦٥].
وكأخذ العلماء جواز وقوع كرامات الأولياء من قوله تعالى في قصّة مريم: ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ٣٧].
_________________
(١) ذكره القرطبيّ في تفسيره هذه الآية.
[ ١٩ / ٤٨٠ ]
وأمثال هذا كثيرة جدًّا. انتهى ما كتبه الشيخ الشنقيطيّ رحمه الله تعالى في كتابه المذكور (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
إذا علمت ما سبق من التحقيق، فقد تبيّن لك أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو أيضًا منصوص للإمام الشافعيّ، من أنّ شرع من قبلنا؛ إذا قصّه الله تعالى في كتابه، أو قصّه النبيّ -ﷺ- فيما صحّ عنه، ولم يَرِد في شرعنا ما يخالفه، فإنه يكون شرعًا لنا.
ومن الأدلة القوية لذلك ما أخرجه البخاري -﵀- في "الصحيح" من حديث أبي هريرة: أن رسول الله -ﷺ- قال: "بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يَلْهَث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له"، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: "نعم في كل ذات كبد رطبة أجر".
ومحل الشاهد قول الصحابة -﵃-: "وإن لنا … إلخ" حيث فهموا من ذكر النبي -ﷺ- هذا القصّة أنهم لو عملوا بمثل عمله يؤجرون مثل أجره، فاستثبتوا ذلك منه -ﷺ-، فأقرّهم على فهمهم، وأوضح لهم بأن لهم في كل حيوان ذات كبد رطبة أجرًا، وإلا لقال لهم: إن هذه الحكاية ليست لكم، وإنما هي لمن كان قبلكم فقط، فليُتنبه، والله تعالى أعلم.
وقد نظمت ما سبق من التحقيق في "التحفة المرضيّة" بقولي:
اعْلَمْ بِأَنَ دِينَ الَانْبِيَاءِ … مُتَّفِقٌ لِيْسَ بِهِ تَنَاءِ
دِينُهُمُ التَّوْحِيدُ وَالْعِبَادَةُ … لِلَّهِ وَحْدَهُ لَهُ الْعِنَايَةُ
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتِ الشَّرَائِعُ … بِحِكْمَةِ الْمَوْلَى يَكُونُ الْوَاقِعُ
وَلَمْ يَكُنْ نَبِيُّنَا مُتَّبِعَا … دِينَ قُرَيْشٍ قَبْلَ بَعْثٍ فَاقْطَعَا
بَلْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَكِنْ مَا ثَبَتْ … نَوْعُ الْعِبَادَةِ فَصَوِّبْ مَنْ سَكَت
وَشَرْعُ مَنْ قَبْلُ ثَلَاثَةً يُرَى … شَرْعٌ لَنَا بِلَا خِلَافٍ قَدْ جَرَى
_________________
(١) "نثر الورود في شرح مراقي السعود" ١/ ٣٧٣ - ٣٧٦.
[ ١٩ / ٤٨١ ]
وَهُوَ مَا صَحَّ لَدَيْنَا شَرْعَا … وَعِنْدَهُمْ كَالصَّوْم خُذْهُ قَطْعَا
وَالثَّانِ مَا لَيْسَ لَنَا بِشَرْعِ … بِلَا خَلَافٍ بَيْنِ أَهْلِ الْقَطْعِ
وَهُوَ مَا لَيْسَ لَدَيْنَا مُثْبَتَا … كَوْنُهُ شَرْعَهُمْ بِنَقْلٍ ثَبَتَا
مِثْلُ الَّذِي نُقِلَ مِمَّا سَلَفَا … مِنْ كُتُبٍ تَحْرِيفُهُمْ لَهَا وَفَا
أَوْ هُوَ ثَابِتٌ وَلَكِنْ وُضِعَا … كَالإِصْرِ وَالأَغْلَالِ إِذْ قَدْ رُفِعَا
ثَالِثُهَا فِيهِ اخْتِلَافٌ مَا اشْتَمَلْ … عَلَى ثَلَاثَةِ ضَوَابِطَ اكْتَمَلْ
أَوَّلُهَا كَوْنُهُ شَرْعَ مَنْ سَبَقْ … ثَبَتَ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ فَاتَّسَقْ
وَثَانِهَا أَنْ لَا يَجِي فِي شَرْعِنَا … مُؤَيِّدٌ لَهُ وَإِلَّا شَرْعُنَا
ثَالِثُهَا أَنْ لَا يَجِي مَا يُبْطِلُهْ … فِي شَرْعِنَا فَإِنْ يَجِي لَا نَقْبَلُهْ
فَذِي الضَّوَابِطُ إِذَا تَوَفَّرَتْ … بِهْ احْتِجَاجُ الأَكْثَرِينَ قَدْ ثَبَتْ
وَهْوَ الصَّوَابُ إِذْ إِلَاهُنَا عَلَا … مَا قَصَّ الاخْبَارَ سِوَى أَنْ نَعْمَلَا
كَذَلِكَ الرَّسُولُ لَمَّا أَخْبَرَا … عَنْ رَجُلٍ بِسَقْي كَلْبٍ أُجِرَا
سُئِلَ هَلْ نُؤْجَرُ فِي الْبَهَائِمِ … قَالَ نَعَمْ مُقَرِّرًا لِلْهَائِمِ
وَرَدُّ ذَا الْخِلَافِ لِلَّفْظِ لِمَنْ … أَمْعَنَ فِي النَّظَرِ تَوْجِيهٌ حَسَنْ
وإن أردت تحقيق معاني الأبيات، فلتُراجع الشرح "المنحة الرضيّة" تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾