وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٣] (١٠٢٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ أبُو عَامِرٍ: حَدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثنَا بُرَيْدٌ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ الْخَازِنَ
[ ١٩ / ٤٨٢ ]
الْمُسْلِمَ الْأَمِينَ الَّذِي يُنْفِذُ (^١)، وَرُبَّمَا قَالَ: يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كَامِلًا، مُوَفرًا، طيِّبةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ، أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (ابْنُ نُمّيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٥ - (أَبُو أسَامَةَ) حمّاد بن اسامة بن زيد القرشيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٦ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقة [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٧ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٨ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ المشهور، مات -﵁سنة (٥٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وأبي عامر، كما أسلفته آنفًا.
_________________
(١) وفي نسخة "يُنَفِّذُ".
[ ١٩ / ٤٨٣ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵁-، وقد أثنى النبيّ -ﷺ- على حسن قراءته، وقال له: "يا أبا موسى، لقد أُوتيت مِزمارًا من مزامير آل داود"، أخرجه الشيخان، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: "إِنَّ الْخَازِنَ) لفظ هذا الحديث عند النسائيّ، من طريق الثوريّ، عن بُريد: قال رسول الله -ﷺ-: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يَشُدّ بعضه بعضًا، وقال: الخازن الأمين الذي يُعطي ما أُمر به طيبًا بها نفسُهُ أحد المتصدقين".
والمراد بالخادم هنا الذي يَخدُم غيره، أعمّ من أن يكون مملوكًا، أوأجيرًا، أو متبرعًا بالخدمة، قاله في "العمدة" (^١).
(الْمُسْلِمَ) قيّده به لإخراج الكافر؛ لأنه لا نيّة له (الْأَمِينَ) قيَّده به لإخراج الخائن؛ لأنه مأزور، لا مأجور (الّذِي يُنْفِذُ) بالذال المعجمة، وهو بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإنفاذ، فيكون من باب الإفْعال، وفي بعض النسخ: "يُنَفذ" بتشديد الفاء، فيكون من باب التفعيل، وهو الإمضاء؛ أي يُمضي ما أَمَرَه به الآمر (وَرُبَّمَا قَالَ) يَحْتَمِل أن يكون القائل هو النبيّ -ﷺ-، وَيحْتَمِل أن يكون مَن دونه، والله تعالى أعلم (يُعْطِي مَا أمِرَ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي ما أمره به صاحب المال (فَيُعْطِيهِ) الضمير المنصوب لـ "ما أمر به"؛ أي يُعطي الشيء الذي أُمر بإعطائه لمستحقّه (كَامِلًا، مُوَفَّرًا) المراد أنه يعطي من غير نقص شيء منه بهواه، وإنما رتّب الأجر على إعطائه ما أمر به غير ناقص؛ لأنه إذا خالف شيئًا من ذلك يكون خائنًا، فلا يستحقّ الأجر، وقوله: (طَيبَةً) بتاء التأنيث؛ لأنه مسند إلى "نفس"، وهي مؤنّثة، ووقع في رواية النسائيّ: "طيّبًا" بالتذكير،
_________________
(١) "عمدة القاري" ٨/ ٢٩٠.
[ ١٩ / ٤٨٤ ]
ويوجَّه بأن تأنيثها مجازيّ، ولأنه مفصول بالجارّ والمجرور، وهو منصوب على الحاليّة من "الخازن" (بِهِ) أي بالشيء المعطَى، وفي رواية النسائيّ: "بها" أي بالصدقة، وقوله: (نَفْسُهُ) مرفوع على الفاعليّة بـ "طيّبة"؛ يعني أن نفسه تكون راضيةً بذلك، وإنما قيّده به تنبيهًا على تحقّق النيّة؛ لأنّ بعض الناس، من أصحاب النفوس المريضة بالبخل لا يَرْضَى بخروج شيء من يده، وإن كان ملكًا لغيره، فربما يُخرِجها كارهًا بلا نيّة، فيفقد الأجر.
وقوله: (فَيَدْفَعُهُ إِلَى الّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ) تأكيدٌ لما سبق، وإنما أكّد به إشارة إلى أن هذه الأوصاف لا بدّ من اعتبارها كلّها في تحصيل أجر الصدقة للخازن، فإنه إن لم يكن مسلمأ لم يصحّ منه التقرّب، وإن لم يكن أمينًا كان عليه وزر الخيانة، فكيف يحصل له أجر الصدقة؟، وإن لم يَطِب بذلك نفسًا لم يكن له نيّةٌ، فلا يؤجر، أفاده القرطبيّ -﵀- (^١).
وقال المظهر -﵀-: شَرَط في الحديث أربعة أشياء (^٢): الإذن، وعدم نقصان ما أُمر به، وطيب النفس بإعطاء ما أُمِر به، فإن البخيل كلَّ البخيل مَن بَخِل بمال الغير، وأن يُعطي مَن أُمر بالدفع إليه، لا إلى غيره. انتهى (^٣).
وقوله: (أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ،) خبر "الخازن"؛ يعني أنه يشارك صاحبَ المال في الصدقة، فيصيران متصدّقَين، ويكون هوأحَدَهُما، وهذا على أن الرواية بفتح القاف، وهو الذي صرّحوا به، قال في "العمدة": هو بلفظ التثنية كما يقال: "القلمُ أحدُ اللسانين"، و"الخالُ أحد الأبوين"؛ مبالغةً؛ أي الخادم والمتصدق بنفسه متصدقان، لا ترجيح لأحدهما على الآخر في أصل الأجر، قالوا: ولا يلزم منه أن يكون مقدار ثوابهما سواءً؛ لأن الأجر فضل من الله يؤتيه من يشاء. انتهى (^٤).
وقال في "الفتح": ضُبِطَ في جميع الروايات بفتح القاف. انتهى. وقال
_________________
(١) راجع: المفهم ٣/ ٦٨. وراجع: الفتح أيضًا ٤/ ٥٦.
(٢) سيأتي في المسألة الثالثة أنها ستة أشياء، فتنبّه.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٥٦٩.
(٤) "عمدة القاري" ٨/ ٢٩٠.
[ ١٩ / ٤٨٥ ]
القرطبيّ -﵀-: لم نَرْوِهِ إلا بالتثنية، ومعناه أنه بما فَعَلَ متصدّق، والذي أخرج الصدقة بما أخرج متصدّقٌ آخر، فهما متصدّقان. ويصحّ أن يقال على الجمع، ويكون معناه: أنه متصدّقٌ من جملة المتصدّقين. انتهى (^١).
والحاصل أن الروايات صحّت بضبط "المتصدِّقَين" بالتثنية، فتتعيّن، وإن كان المعنى يستقيم على الجمع أيضًا بالمعنى المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٢٣٦٣] (١٠٢٣)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٨١) و"الزكاة" (١٤٣٨) و"الإجارة" (٢٢٦٠) و"الوكالة" (٢٣١٩) و"المظالم" (٢٤٤٦) و"الأدب" (٦٠٢٧)، و(أبو داود) في "الزكاة" (١٦٨٤)، و(الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (١٩٢٨)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٦٠) وفي "الكبرى" (٢٣٤١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٣٠)، و(مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٦٣١)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٤ و٤٠٤ و٤٠٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٧٦٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٥٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أجر الخازن إذا تصدّق بإذن المالك.
٢ - (ومنها): بيان أن حصول الأجر للخازن مشروط بهذه الأوصاف المذكورة في هذا الحديث، فمهما اختلّ منها شرط لا يحصل له الأجر، فينبغي أن يَعتَنِي بها، ويُحافِظ عليها.
قال في "العمدة": قَيَّدَ فيه قيودًا:
_________________
(١) المفهم ٣/ ٦٨.
[ ١٩ / ٤٨٦ ]
[الأول]: أن يكون خازنًا؛ لأنه إذا لم يكن خازنًا لا يجوز له أن يتصدق من مال الغير.
[الثاني]: أن يكون مسلمًا، فأخرج به الكافر؛ لأنه لا نية له.
[الثالث]: أن يكون أمينًا، فأخرج به الخائن؛ لأنه مأزورٌ.
[الرابع]: أن يكون مُنَفِّذًا؛ أي مُنَفِّذًا صدقةَ الآمر، وهو معنى قوله: "الذي ينفذ".
[الخامس]: أن تكون نفسه بذلك طَيِّبةً؛ لئلا يَعْدَم النية، فيفقدَ الأجر، وهو معنى قوله: "طيبة به نفسه".
[السادس]: أن يكون دفعه الصدقة إلى الذي امِر له به؛ أي إلى الشخص الذي أَمَر الآمر بالدفع له، فإن دفع إلى غيره يكون مخالفًا، فيَخْرُج عن الأمانة، وهذه القيود شرط لحصول هذا الثواب، فينبغي أن يُعْتَنَى بها، ويُحافَظَ عليها. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): بيان أن ثواب الصدقة لا يقتصر على المالك فقط، بل كلّ من تسبب في إيصالها إلى مستحقّها بنيّة خالصة مع بقيّة الشروط حصل له ثوابها، وهذا من فضل الله تعالى على من لا يجد مالًا للتصدّق به، فينبغي للمسلم أن يحرص على هذا الفضل العظيم.
٤ - (ومنها): بيان فضل الأمانة، وسخاوة النفس، وطيب النفس في فعل الخير، والإعانة على فعل الخير.
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: معنى هذه الأحاديث أن المشارِكَ في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة أن له أجرًا كما لصاحبه أجرٌ، وليس معناه أن يزاحمه في أجره، والمراد المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثواب، ولهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواءً، بل قد يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون عكسه، فإذا أَعْطَى المالكُ لخازنه، أو امرأته، أو غيرهما مائة درهم، أو نحوها؛ ليوصلها إلى مستحق الصدقة على باب داره، أو نحوه، فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٨/ ٣٠٥.
[ ١٩ / ٤٨٧ ]
رُمّانةً، أو رغيفًا، ونحوهما، مما ليس له كثيرُ قيمةٍ ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمانة والرغيف، فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلًا، فيكون مقدار الأجر سواءً. انتهى (^١)، وهو بحث نفيسٌ.
٦ - (ومنها): حثّ الإسلام على تحقّق التناصح، والتناصر، والتعاضد في المسلمين، حتى يكون المجتمع مجتمع خير، وبركة، يسوده الإخاء والمحبّة، ويكونَ يدًا واحدةً على أعدائه، فشبّهه النبيّ -ﷺ-، وهو في تلك الحالة بالبنيان الذي يقوّي بعض أجزائه بعضه، كما شبّهه في حديثه الآخر بالجسد الواحد، فقد أخرج الشيخان من حديث النعمان بن بشير -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادّهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد؛ إذا اشتكى عضو، تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى".
وأخرجا أيضًا من حديث عبد الله بن عمر -﵂-: أن رسول الله -ﷺ- قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسْلِمُهُ، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فَرّج عن مسلم كربة، فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة".
وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يَخذُلُه، ولا يحقره، التقوى ها هنا" -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- "بحسب امرئ من الشر، أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه، وماله، وعرضه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٤] (١٠٢٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١١١ - ١١٢.
[ ١٩ / ٤٨٨ ]
عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِذَا أنفَقَتِ الْمَرْأةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أنفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كسَبَ، وَللْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تّقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ الإمام، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٦ - (شَقِيقُ) بن سَلَمَة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢] (ت ٨٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٧ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع الْهَمْدانيّ الوادعيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ خضرمٌ [٢] (ت ٦ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٧.
٨ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق -﵁-، ماتت (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵁- أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِذَا أنفَقَتِ) أي تصدّقت، كما في رواية أخرى، ففي رواية للترمذيّ: "إذا تصدقت المرأة"، وفي رواية أخرى له: "إذا أعطت المرأة من بيت زوجها" (الْمَرْأةُ مِنْ طَعَامِ
[ ١٩ / ٤٨٩ ]
بَيْتِهَا) أي من طعام زوجها الذي في بيتها المتصرّفة هي فيه، وإنما خصّ الطعام بالذكر؛ لغلبة المسامحة به عادة، وإلا فغيره مثله؛ إذ الغرض أن المالك أذن لها في ذلك صريحًا أو دلالة (^١).
وقال في "العمدة": قيّد بالطعام؛ لأنه يُسْمَح به عادةٌ، بخلاف الدراهم والدنانير، فإن إنفاقها منها لا يجوز إلَّا بالإذن. انتهى (^٢).
وقوله: (غَيْرَ مُفْسِدَةٍ) منصوب على الحال من "المرأة"؛ أي غير مسرفة في التصدّق بأن لا تتعدّى إلى الكثرة المؤدّية إلى النقص الظاهر، وهذا محمول على إذن الزوج لها بذلك صريحًا، أو دلالة، وقيل: هذا جارٍ على عادة أهل الحجاز، فإن عادتهم أن يأذنوا لزوجاتهم وخَدَمهم بأن يُضيفوا الأضياف، ويُطعموا السائل والمسكين والجيران، فحرّض رسول الله -ﷺ- أمته على هذه العادة الحسنة، والخصال المستحسنة، وهذا الحديث ليس فيه دلالة صريحة على جواز تصدّق المرأة من مال الزوج بغير إذنه، قال البغويّ -﵀-: عامّة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدّق من مال زوجها بغير إذنه، وكذا الخادم، والحديث الدالّ على الجواز أُخرج على عادة أهل الحجاز؛ لأنهم يُطلقون الأمر للأهل والخادم في التصدّق والإنفاق مما حَضَر في البيت عند حضور السائل، ونزول الضيف، كما قال -ﷺ-: "لا توعي، فيوعي الله عليك". انتهى (^٣).
وقال الخطّابيّ -﵀- في "المعالم": هذا الكلام خارج على عادة الناس بالحجاز، وبغيرها من البلدان في أنّ ربّ البيت قد يأذن لأهله، ولعياله، وللخادم، مما يكون في البيت، من طعام، وإدام، ونحوه، ويطلق أمرهم في الصدقة منه؛ إذا حضرهم السائل، ونزل بهم الضيف، فحضّهم رسول الله -ﷺ- على لزوم هذه العادة، واستدامة ذلك الصنيع، ووعدهم الأجر والثواب عليه، وأفرد كلّ واحد منهم باسمه، ليتسارعوا إليه، ولا يتقاعدوا عنه. انتهى كلام الخطّابيّ -﵀- (^٤).
_________________
(١) "المرعاة" ٦/ ٣٧٨.
(٢) "عمدة القاري" ٨/ ٢٩١.
(٣) راجع: "المرعاة" ٦/ ٣٨٦.
(٤) راجع: "معالم السنن" ٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧.
[ ١٩ / ٤٩٠ ]
(كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أنفَقَتْ) أي بسبب إنفاقها غير مفسدة، فالباء سببئة (وَلزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ) أي بسبب كسبه وتحصيله (وَللْخَازِنِ) أي الشخص الذي يكون بيده حفظ الطعام المتصدّق منه، من خادم، وقَهْرمان، وقيّم لأهل المنزل، والمراد به المسلم، كما تقدّم تقييده في حديث أبي موسى الماضي، حيث قال: "إن الخازن المسلم … " (مِثْلُ ذَلِكَ) أي مثل أجرها.
وقال في "الفتح": قوله: "وللخازن مثل ذلك" أي بالشروط المذكورة في حديث أبي موسى -﵁-، وظاهره يقتضي تساويهم في الأجر، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالمثل حصول الأجر في الجملة، وإن كان أجر الكاسب أوفر، لكن التعبير في حديث أبي هريرة -﵁- بقوله: "فلها نصف أجره" (^١)، يشعر بالتساوي، قال: والمراد بقوله: "لا ينقص بعضهم أجر بعض" عدم المساهمة، والمزاحمة في الأجر، وَيحْتَمِل أن يراد مساواة بعضهم بعضًا والله أعلم. انتهى (^٢).
وقال في "العمدة": المعنى أن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشارك أن له أجرًا كما لصاحبه أجرٌ، وليس معناه أن يزاحمه في أجره، أو المراد المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواءً، بل يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون بعكسه. انتهى (^٣).
(لَا يَنْقُصُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر (بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ) أي من أجر بعضهم، فهو منصوب بنزع الخافض، وقوله: (شَيْئًا") منصوب على أنه مفعول "يَنقُص"، وَيحْتَمل أن يكون "أجرَ" مفعولًا أول و"ينقص"، و"شيئًا" مفعوله الثاني، وذلك لأن نقص ضدّ زاد، وهو يتعدّى إلى مفعولين، كقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠].
قال القاري -﵀-: قوله: "شيئًا" أي من النقص، أو من الأجر، والمراد
_________________
(١) سيأتي في الباب التالي -إن شاء الله تعالى-.
(٢) "الفتح" ٣/ ٣٠٤.
(٣) "عمدة القاري" ٨/ ٢٩٢.
[ ١٩ / ٤٩١ ]
أنهم في أصل الأجر سواء، وإن اختَلَف قدره. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٢٣٦٤ و٢٣٦٥ و٢٣٦٦ و٢٣٦٧] (١٠٢٤)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٢٥ و١٤٣٧ و١٤٣٩ و١٤٤٠ و١٤٤١) و"البيوع" (٢٠٦٥)، و(أبو داود) في "الزكاة" (١٦٨٥)، و(الترمذيّ) في "الزكاة" (٦٧٢)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٣٩) و"الكبرى" (٥/ ٣٧٩)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٧٢٧٥ و١٦٦١٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٤٥٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١/ ١٣٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٤ و٩٩)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٣/ ١٨٧ و٩٩٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٥٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٢)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (١٦٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز صدقة المرأة من بيت زوجها، وهذا محمول على ما إذا أذن لها الزوج، إما صريحًا، أو دلالةً.
٢ - (ومنها): ترغيب المرأة في التصدّق مما في بيتها؛ إذا أذن لها أو بما جرى به العرف.
٣ - (ومنها): ترغيب الخادم في التصدّق من مال سيّده إذا أذن له، أو بما جرى به العرف أيضًا.
٤ - (ومنها): حَثُّ الرجل على أن يَسْمَح لأهل بيته بالتصدّق على الفقراء والمساكين، وأن له بذلك الأجر والثواب، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تصدّق المرأة من بيت زوجها:
_________________
(١) راجع: "المرعاة" ٦/ ٣٨٧.
[ ١٩ / ٤٩٢ ]
قال الإمام البغويّ -﵀-: العمل على هذا عند عامّة العلماء أن المرأة ليس لها أن تتصدّق بشيء من مال الزوج دون إذنه، وكذلك الخادم، ويأثمان، إن فعلا ذلك، وحديث عائشة -﵂- خارج على عادة أهل الحجاز أنهم يُطلقون الأمر للأهل، والخادم في الإنفاق، والتصدّق، مما يكون في البيت إذا حضرهم السائل، أو نزل بهم الضيف، فحضّهم على لزوم تلك العادة، كما قال -ﷺ- لأسماء -﵂-: "لا توعي، فيوعي الله عليك"، وعلى هذا يُخرّج ما روي عن عُمير مولى آبي اللحم، قال: كنت مملوكًا، فسألت رسول الله -ﷺ-: أتصدّق من مال مواليّ بشيء؟، قال: "نعم، والأجر بينهما نصفان" (^١). انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قال ابن العربيّ: اختَلَفَ السلفُ فيما إذا تصدّقت المرأة من بيت زوجها، فمنهم من أجازه، لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له، ولا يظهر به النقصان.
ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج، ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاريّ، ولذا قيّد الترجمة بالأمر به، حيث قال: "باب أجر الخادم؛ إذا تصدّق بأمر صاحبه، غير مفسد"، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك محمولًا على العادة، وأما التقييد بغير الإفساد فمتّفقٌ عليه.
ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة، والعبد، والخازن النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه، وليس ذلك بأن يفتئتوا على ربّ البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن.
ومنهم من فرّق بين المرأة والخادم، فقال: المرأة لها حقّ في مال الزوج، والنظرِ في بيتها، فجاز لها أن تتصدّق، بخلاف الخادم، فليس له تصرّف في متاع مولاه، فيمثشرط الإذن فيه.
وهو متعقّبٌ بأن المرأة إذا استوفت حقّها، فتصدّقت منه، فقد تخصّصت به، وإن تصدّقت من غير حقّها رجعت المسألة كما كانت، والله أعلم. انتهى (^٣).
_________________
(١) سيأتي للمصنّف في الباب التالي -إن شاء الله تعالى-.
(٢) راجع: "شرح السنّة" ٦/ ٢٠٥.
(٣) راجع: "الفتح" ٤/ ٥٦.
[ ١٩ / ٤٩٣ ]
وذكر الحافظ العراقيّ -﵀- في "شرح الترمذيّ" حديث أبي أمامة الباهليّ -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول في خطبته عام حجة الوداع: "لا تُنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها"، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: "ذلك أفضل أموالنا"، رواه الترمذيّ، وابن ماجه.
وما رواه أبو داود، عن أبي هريرة -﵁- في المرأة تصدّق من بيت زوجها، قال: "لا، إلا من قوتها، والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدّق من مال زوجها إلا بإذنه".
وما رواه ابن ماجه، عن عبد الله بن عمرو -﵁- قال: لَمَّا فَتح رسول الله -ﷺ- مكة قام خطيبًا، فقال في خطبته: "لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها".
وما رواه أبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، عن عائشة -﵂-، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: "إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها، كان لها أجرٌ، ولزوجها مثل ذلك، وللخازن مثل ذلك، ولا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئًا، له بما كسب، ولها بما أنفقت".
وما رواه الأئمة الخمسة عن أسماء، أنها جاءت النبيّ -ﷺ-، فقالت: يا نبي الله، ليس لي شيء إلا ما أدخل عليّ الزبيرُ فهل عليَّ جُنَاح أن أَرْضَخَ مما يُدْخِل عليّ؟ فقال: "ارضخي ما استطعت، ولا توعي فيوعي الله عليك"، لفظ مسلم، وهو أتمّ.
وما رواه الأئمة الستة عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا أعطت المرأة من بيت زوجها، بطيب نفس، غير مفسدة، فإن لها مثل أجره، لها ما نوت حسنًا، وللخازن مثل ذلك"، لفظ الترمذيّ.
وما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: "إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها، غير مفسدة، عن غير أمره، فلها نصف أجره".
وما رواه أبو داود، عن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: لما بايع رسول الله -ﷺ- النساء، قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مُضَر، فقالت: يا نبيّ الله إنا كَلّ على آبائنا وأبنائنا- قال أبو داود: وأرى فيه: وأزواجنا-، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: "الرّطب تأكلنه وتُهْدِينه".
[ ١٩ / ٤٩٤ ]
قال أبو داود: الرَّطْبُ: الخبز، والْبَقْلُ، والرُّطَب (^١).
ثم قال العراقيّ -﵀-: أحاديث الباب منها ما يدلّ على منع المرأة أن تُنفق من بيت زوجها إلا بإذنه، وهو حديث أبي أمامة، وحديث أبي هريرة الأول، وحديث عبد الله بن عمرو، ومنها ما يدل على الإباحة، وهو حديث عائشة الأول، وحديث أسماء، ومنها ما قُيِّد فيه الترغيب في الإنفاق بكونه بطيب نفس منه، وبكونها غير مفسدة، وهوأصحها، ومنها ما هو مقيد بكونها غير مفسدة، وإن كان من غير أمره، وهو حديث أبي هريرة الثاني، ومنها ما قُيِّد الْحِلّ فيه بكونه رَطْبًا، وهو حديث سعد بن أبي وقاص.
قال العراقيّ -﵀-: وكيفية الجمع بينها أن ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد، وباختلاف حال الزوج في مسامحته بذلك، وكراهته له، وباختلاف الحال في الشيء الْمُنْفَق بين أن يكون شيئًا يسيرًا يتسامح به، وبين أن يكون له خَطَرٌ في النفس يُبْخَلُ بمثله، وبين أن يكون رَطْبًا يُخْشَى فساده إن تأخر، وبين أن يكون يُدَّخَر، ولا يخشى عليه الفساد.
فقال الخطابيّ في "المعالم" عقب حديث عائشة -﵂-: هذا الكلام خارج على مذهب الناس بالحجاز وبغيرها من البلدان في أن رب البيت قد يأذن لأهله، وعياله، وللخادم في الإنفاق، مما يكون في البيت، من طعام، وإدام، ونحوه، وُيطْلِق أمرهم في الصدقة منه؛ إذا حضرهم السائل، ونزل بهم الضيف، فحَضهم رسول الله -ﷺ- على لزوم هذه العادة، واستدامة ذلك الصنيع، ووعدهم الأجر والثواب عليه، وأَفْرَد كلَّ واحد منهم باسمه؛ ليتسارعوا إليه، ولا يتقاعدوا عنه، قال: وليس ذلك بأن تفتات المرأة، والخازن على رب البيت بشيء، لم يُؤذن لهما فيه، ولم يُطْلَق لهما الإنفاق منه، بل يخاف أن يكونا آثمين إذا فعلا ذلك، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة، وأقوال أهل العلم أن تصدّق المرأة، والخادم من مال الرجل جائز، لكن بشرطين:
_________________
(١) "الرَّطْبُ" الأول بفتح الراء، والثاني بضمها، وهو رُطَبُ التمر، وكذلك العنب، وسائر الفواكه الرطبة دون اليابسة، قاله في "عمدة القاري".
[ ١٩ / ٤٩٥ ]
(أحدهما): الإذن صريحًا، أو دلالة، وذلك بأن يجري العرف في التصدّق بمثله، فيجري ذلك مجرى الإذن الصريح.
(والثاني): عدم الإفساد، وهذا مجمعٌ عليه، وبهذا تجمع الأدلّة دون أن تتعارض، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[٢٣٦٥] (…) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: "مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضِ) بن مسعود التيميّ، أبو عليّ الزاهد المشهور، أصله من خُراسان، وسكن مكة، ثقةٌ عابدٌ إمامٌ [٨] (ت ١٨٧) أو قبلها (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
و"منصورٌ"- وهو: ابن المعتمر- ذُكر قبله.
وقوله: ("مِنْ طَعَامِ زَوْجهَا") أي من طعام زوجها الذي هو في بيتها، كما صُرّح به في الرواية الأخرى (^١).
[تنبيه]: رواية فضيل عن منصور هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٦] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأةُ مِن بَيْتِ زوْجِهَا، غيْرَ مفسِدَةٍ، كانَ لَهَا أجْرُهَا، وَلهُ مِثْلهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أنفَقَتْ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا").
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٧/ ١١٣.
[ ١٩ / ٤٩٦ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٩٥) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) قال النوويّ -﵀-: هكذا وقع في جميع النسخ "شيئًا" بالنصب، فيُقَدَّر له ناصبٌ، فيَحْتَمِل أن يكون تقديره: من غير أن ينقص الله من أجورهم شيئًا، ويَحْتَمِل أن يقدّر: من غير أن ينقص الزوجُ من أجر المرأة، والخازنُ شيئًا، وجَمَعَ ضميرهما مجازًا، على قول الأكثرين: إن أقل الجمع ثلاثة، أو حقيقةً، على قول من قال: أقل الجمع اثنان. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن أقل الجمع اثنان هو الحقّ، كما حقّقته بأدلّته في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" في الأصول، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٧] (…) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير ذُكر في أول الباب.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، وأبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، ساقها الإمام ابن ماجه -﵀- في "سننه"، فقال:
(٢٢٩٤) - حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدّثنا أبي وأبو معاوية،
[ ١٩ / ٤٩٧ ]
عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا أنفقت المرأة -وقال أبي في حديثه: إذا أطعمت المرأة- من بيت زوجها، غير مفسدة، كان لها أجرها، وله مثله بما اكتسب، ولها بما أنفقت، وللخازن مثل ذلك، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا (^١) ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾