وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٣٥] (٩٦٤) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِي، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - (^١)، وَصَلَّى عَلَى أمِّ كَعْبٍ، مَاتَتْ وَهِيَ نُفَسَاءُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَسَطَهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ، أبو زكرياء، ثقةٌ ثبت إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ) بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبت [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٣ - (حُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ) المعلّم المكتب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٩/ ١٧٩.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) الأسلميِّ، أبو سهل المروزيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٥ - (سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبِ) بن هلال الفَزَاريّ، حليف الأنصار الصحابيّ المشهور، مات بالبصرة (٥٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
_________________
(١) وفي نسخة: "خلف رسول الله - ﷺ - ".
[ ١٨ / ٥٢٥ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وأما عبد الله بن بريدة، فهو وإن كان مروزيًّا، إلا أنه بصريّ الأصل، فإن أباه كان ممن نزل البصرة، ثم انتقل منها إلى مرو، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُب) - ﵁ - أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ -) وفي نسخة: "خلف رسول الله - ﷺ -" (وَصَلَّى عَلَى أُمِّ كعْب) جملة في محلّ نصب على الحال من "النبيّ"، وهو بتقدير "قد" عند البصريين، وجوّزه الكوفيون بلا تقديرها.
[تنبيه]: "أُمُّ كَعْب" هذه هي الأنصاريّة - ﵂ -، ولم أجد لها ترجمة وافية، فلم يذكر في "الإصابة"، ولا في "أسد الغابة" مما يتعلّق بها غير حديث سمرة - ﵁ - هذا، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(مَاتَتْ وَهِيَ نُفَسَاءُ) وفي رواية للبخاريّ: "في بطن"؛ أي: بسبب بطن؛ يعني الحمل (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا)؛ أي: لأجل الصلاة عليها (وَسَطَهَا)؛ أي: محاذيًا لوسطها، قال في "الفتح": بفتح السين في روايتنا، وكذا ضبطه ابن التين، وضبطه غيره بالسكون، وقال في "العمدة": ولا يقال بالسكون إلا في متفرّق الأجزاء، كالناس، والدوابّ، وبالفتح فيما كان متصل الأجزاء. انتهى.
وقال الفيّوميّ ﵀: وحقيقة الوَسَط ما تساوت أطرافه، وقد يراد به ما يُكتَنَف من جوانبه، ولو من غير تساو، كما قيل: إن صلاة الظهر هي الوُسْطَى (^١)، ويقال: ضربتُ وَسَطَ رأسه بالفتح؛ لأنه اسم لما يَكتنِفُهُ من جهاته
_________________
(١) تقدم في بابه أن الأرجح أن صلاة الوسطى هي العصر.
[ ١٨ / ٥٢٦ ]
غيره، ويصحّ دخول العوامل عليه، فيكون فاعلًا، ومفعولًا، ومبتدأً، فيقال: اتسع وَسَطُه، وضربت وَسَطَ رأسه، وجلستُ في وسَط الدّار، ووسَطُهُ خيرٌ من طرفه، قالوا: والسكون فيه لغةٌ، وأما وَسْطٌ بالسكون فهو بمعنى "بَيْنَ"، نحوُ جلست وَسْطَ القوم؛ أي: بينهم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذكره الفيّوفي ﵀ أن الوسط إذا كان بمعنى "بين" يكون ساكن السين، وما عداه يكون مفتوحها، ويجوز على قلّة سكونها، وعلى هذا فيجوز هنا الفتح والسكون، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سمرة - ﵁ - هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٢٢٣٥ و٢٢٣٦ و٢٢٣٧] (٩٦٤)، و(البخاريّ) في "الحيض" (٣٣٢) و"الجنازة" (١٣٣١ و١٣٣٢)، و(أبو داود) في "الجنازة" (٣١٩٥)، و(الترمذيّ) في "الجنازة" (١٠٣٥)، و(النسائيّ) في "الحيض" (١/ ١٩٥) و"الجنائز" (٤/ ٧٠ - ٧٢)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٤٩٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٤ و١٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة القيام عند أداء الصلاة على الجنازة.
٢ - (ومنها): إثبات مشروعية الصلاة على النفساء، وإن كانت من جملة الشهداء؛ لأنها ليست من شهداء المعركة.
٣ - (ومنها): أنّ فيه -كما قال في "الفتح"- مشروعيةَ الصلاة على المرأة، فإن كونها نفساء وصف غير معتبر، وأما كونها امرأة، فيَحْتَمِل أن يكون معتبرًا، فإن القيام عند وسطها لسترها، وذلك مطلوب في حقها، بخلاف
_________________
(١) "المصباح" في مادّة: (وسط).
[ ١٨ / ٥٢٧ ]
الرجل، وَيحْتَمِل أن لا يكون معتبرًا، وأن ذلك كان قبل اتخاذ النعش للنساء، فأما بعد اتخاذه، فقد حصل الستر المطلوب، ولهذا ترجم البخاريّ ﵀ بقوله: "باب أين يقوم من المرأة والرجل؟ "، فأورده مورد السؤال، وأراد عدم التفرقة بين الرجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود، والترمذيّ من طريق أبي غالب، عن أنس بن مالك - ﵁ - أنه صلّى على رجل، فقام عند رأسه، وصلّى على امرأة، فقام عند عجيزتها، فقال له العلاء بن زياد: أهكذا كان رسول الله على يفعل؟ قال: نعم.
وحَكَى ابن رشيد عن ابن المرابط أنه أبدى لكونها نفساء علّة مناسبة، وهي استقبال جنينها ليناله من بركة الدعاء. وتعُقّب بأن الجنين كعضو منها، ثم هو لا يُصلَّى عليه إذا انفرد، وكان سِقْطًا، فأحرى إذا كان باقيًا في بطنها أن لا يُقصد (^١). انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله في "الفتح"، من تضعيف حديث أنس - ﵁ - ليس كما ينبغي، فإنه صحيح، فقد أخرجه أبو داود (٣١٩٤)، والترمذيّ (١٠٣٤) بسند صحيح، ولفظ أبي داود:
(٣١٩٤) - حدثنا داود بن معاذ، حدثنا عبد الوارث، عن نافع أبي غالب، قال: كنت في سِكَّة الْمِرْبَد، فمرّت جنازة، معها ناس كثير، قالوا: جنازة عبد اللُّه بن عمير، فتبعتها، فإذا أنا برجل عليه كساء رقيق، على بُرَيذِينته، وعلى رأسه خرقة، تقيه من الشمس، فقلت: مَن هذا الدهقان؟ قالوا:
_________________
(١) تعقّب الشيخ ابن باز ﵀ كلام الحافظ هذا، وأجاد في ذلك، فقال: القول بعدم الصلاة على السقط ضعيف، والصواب مشروعيّة الصلاة عليه إذا سقط بعد نفخ الروح فيه، وكان محكومًا بإسلامه؛ لأنه ميت مسلم، فشُرعت الصلاة عليه كسائر موتى المسلمين، ولما روى أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائي، عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: "والسقط يصلَّى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة"، وإسناده حسن، والله أعلم. انتهى كلام الشيخ ابن باز ﵀ من هامش "الفتح" ٤/ ١٠٨ وهو تحقيق نفيسٌ، ولمزيد التحقيق راجع: ما كتبته في "شرح النسائيّ" (١٩/ ١٨٧ - ١٨٩) تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.
(٢) "الفتح" ٣/ ٥٦١ كتاب الجنائز.
[ ١٨ / ٥٢٨ ]
هذا أنس بن مالك، فلما وُضِعت الجنازة، قام أنس، فصلى عليها، وأنا خلفه، لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه، فكبّر أربع تكبيرات، لم يُطِل ولم يسرع، ثم ذهب يقعد، فقالوا: يا أبا حمزة، المرأة الأنصارية، فقرّبوها، وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها، فصلى عليها، نحو صلاته على الرجل، ثم جلس، فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان يفعل رسول الله - ﷺ -، يصلي على الجنازة، كصلاتك، يكبر عليها أربعًا، ويقوم عند رأس الرجل، وعجيزة المرأة؟ قال: نعم، قال: يا أبا حمزة، غزوتَ مع رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، غزوتُ معه حُنينًا، فخرج المشركون، فحملوا علينا، حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي القوم رجل، يَحْمِل علينا، فيدُقُّنا، ويَحطِمنا، فهزمهم الله، وجعل يُجاء بهم، فيبايعونه على الإسلام، فقال رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ -: إنّ علي نذرًا إن جاء الله بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا، لأضربن عنقه، فسكت رسول الله - ﷺ -، وجيء بالرجل، فلما رأى رسولَ الله - ﷺ -، قال: يا رسول الله تبت إلى الله، فأمسك رسول الله - ﷺ -، لا يبايعه، ليفي الآخر بنذره، قال: فجعل الرجل، يتصدى لرسول الله - ﷺ - ليأمره بقتله، وجعل يهاب رسولَ الله - ﷺ -، أن يقتله، فلما رأى رسولُ الله - ﷺ -، أنه لا يصنع شيئًا بايعه، فقال الرجل: يا رسول الله نذري، فقال: "إني لم أمسك عنه، منذ اليوم، إلا لتوفي بنذرك"، فقال: يا رسول الله، ألا أومضت إلي؟، فقال النبيّ - ﷺ -: "إنه ليس لنبيّ، أن يومض". قال أبو غالب: فسألت عن صنيع أنس، في قيامه على المرأة، عند عجيزتها، فحدثوني أنه إنما كان؛ لأنه لم تكن النعوش، فكان الإمام يقوم حيال عجيزتها، يسترها من القوم.
قال أبو داود: قول النبيّ - ﷺ -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"، نسخ من هذا الحديث الوفاء بالنذر، في قتله بقوله: إني قد تبت. انتهى.
ولفظ الترمذيّ:
(١٠٣٤) - حدثنا عبد الله بن منير، عن سعيد بن عامر، عن همام، عن أبي غالب، قال: صليت مع أنس بن مالك، على جنازة رجل، فقام حيال رأسه، ثم جاءوا بجنازة امرأة، من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة، صلِّ عليها،
[ ١٨ / ٥٢٩ ]
فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبيّ - ﷺ -، قام - على الجنازة، مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟، قال: نعم، فلما فرغ قال: احفظوا.
وفي الباب عن سمرة، قال أبو عيسى: حديث أنس هذا حديث حسن.
وقد رَوَى غير واحد عن همام مثل هذا، وروى وكيع هذا الحديث عن همام فوهم فيه، فقال: عن غالب، عن أنس، والصحيح عن أبي غالب، وقد رَوَى هذا الحديث عبد الوارث بن سعيد، وغير واحد، عن أبي غالب، مثل رواية همام، واختلفوا في اسم أبي غالب هذا، فقال بعضهم: يقال: اسمه نافع، ويقال: رافع، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وهو قول أحمد، وإسحاق. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الإسناد صحيح، وأبو غالب وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وغيرهما، وقال في "التقريب": أبو غالب الباهليّ مولاهم الخيّاط البصريّ، اسمه نافعٌ، أو رافعٌ، ثقةٌ من الخامسة. انتهى.
فقد تبيّن بهذا أن الحديث صحيح، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في محل وقوف الإمام من الميت في حال الصلاة عليه: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في موقف الإمام من الرجل والمرأة إذا صلى عليهما، فقالت طائفة: يقوم بحيال الصدر رجلًا كان، أو امرأةً، هكذا قال أصحاب الرأي.
وقال الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز: إذا كان رجلًا فقم بحذاء وسطه، وإن كانت امرأة فقم بحذاء منكبها.
وقال الثوريّ: يقوم مما يلي صدر الرجل. وكان أبو ثور يقول: يقوم وسط الجنازة. وكان الحسن البصريّ لا يبالي أين يقوم من الرجل والمرأة.
وقد روينا عن النخعي ثلاث روايات: إحداها: أن يقوم من الرجل والمرأة وسطًا. والثانية: أن يقوم عند صدر الرجل، ومنكب المرأة. والثالثة: أن يقوم عند صدر الرجل والمرأة.
[ ١٨ / ٥٣٠ ]
وقالت طائفة: يقوم من المرأة وسطها، ومن الرجل عند صدره، هذا قول أحمد بن حنبل.
قال ابن المنذر: يقوم من المرأة وسطها، وعند رأس الرجل. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجّحه ابن المنذر ﵀ هو الأرجح عندي؛ لصحة حديث أنس - ﵁ -، كما تقدّم قريبًا، وهو مذهب الشافعيّ، وداود، وابن حزم -رحمهم الله تعالى-.
قال العلّامة الشوكانيّ ﵀ بعد حكاية المذاهب: قد عرفت أن الأدلة دلّت على ما ذهب إليه الشافعيّ، وأن ما عداه لا مُستند له، من المرفوع، بل مجرّد التعويل على محض الرأي، أو ترجيح ما فعله الصحابيِّ على فعله - ﷺ -، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.
نعم لا ينتهض مجرّد الفعل دليلًا للوجوب، ولكن النزاع فيما هو الأولى والأحسن، ولا أولى، ولا أحسن من الكيفيّة التي فعلها المصطفى - ﷺ -. انتهى (^٢).
وقال في "الروضة النديّة" (ص ١٦٧): أقول: الثابت عنه - ﷺ - أنه كان يقف مقابلًا لرأس الرجل، ولم يثبت عنه غير ذلك، وأما المرأة، فروي أنه كان يقوم مقابلًا لوسطها، وروي أنه كان يقوم مقابلًا لعجيزتها، ولا منافاة بين الروايتين، فالعجيزة يصدُق عليها أنها وسط، وإيثار ما ثبت عن رسول الله - ﷺ - عند أئمة الفنّ الذين هم المرجع لغيرهم واجب، ولم يقل أحد من أهل العلم بترجيح قول أحد من الصحابة، أو من غيرهم على قول رسول الله - ﷺ -، وفِعلِهِ، وهذا مما لا ينبغي أن يخفى. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله العلامة الشوكافيّ ﵀ حسن جدًّا.
وحاصله أنه يقوم مقابل رأس الرجل، ومقابل وسط المرأة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "الأوسط" باختصار/ ٤١٨ - ٤١٩.
(٢) "نيل الأوطار" ٤/ ٨٢، باب موقف الإمام من الرجل والمرأة.
[ ١٨ / ٥٣١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٣٦] (…) - (وَحَدَّثَنَاه (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (ح) وَحَدَّثَنى عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، كُلُّهُمْ عَن حُسَيْنٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا أمّ كَعْبٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الإمام المشهور، تقدّم قريبًا.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (عَليّ بْنُ حُجْرٍ) تقدّم قبل بابين.
٥ - (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، مولى بني قطيعة، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وهشام بن عروة، وعبيد الله وعبد الله ابني عمر، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وداود بن أبي هند، والحسين بن ذكوان المعلم.
وروى عنه إسحاق ابن راهويه، وإبراهيم بن موسى الرازي، وأبو عمار الحسين بن حريث، ويوسف بن عيسى المروزيّ، ومعاذ بن أسد، والجارود بن معاذ الترمذيّ، وأبو إسحاق الطالقانيّ، وعلي بن حجر، وآخرون.
قال ابن معين، وابن سعد: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال عليّ بن خَشْرَم: سألت وكيعًا عنه، فقال: أعرفه ثقةً، صاحب سنة، وقال الأنباريّ، عن أبي نعيم: هوأثبت من ابن المبارك، وقال أبو إسماعيل الترمذيّ: سمعت أبا نعيم ذكره، فقال: كان والله عاقلًا لبيبًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مولده سنة خمس عشرة ومائة، ومات سنة إحدى أو اثنتين وتسعين ومائة، وقال أبو رجاء محمد بن حمدويه السبخيّ: مات في ربيع
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٨ / ٥٣٢ ]
الأول سنة اثنتين، وقال الحاكم: هو كبير السنّ عالي الإسناد، إمامٌ، من أئمة عصره في الحديث، وقال ابن شاهين في "الثقات": كان ابن المبارك يقول: حدثني الثقة يعنيه، وقال البخاريّ: فضل بن موسى مروزيّ، أبو عبد الله ثقةٌ، وقال إبراهيم بن شماس: سألت وكيعًا عن السينانيّ، فقال: ثَبْت سمع الحديث معنا، لا نبالي سمعت الحديث منه، أو من ابن المبارك.
وقال عبد الله بن عليّ ابن المدينيّ: سألت أبي عن حديث الفضل بن موسى، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن الزبير، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من شَهَرَ سيفه فدمه هدر"، فقال: منكر ضعيفٌ.
وقال عبد الله أيضًا: سألت أبي عن الفضل وأبي تُمَيلة، فقَدَّم أبا تميلة، وقال: روى الفضل مناكير.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٩٦٤) و(١٣٧٨) و(١٥٥٠) و(١٨٣٣) و(٢١٥٤) و(٢٤٥٢) و(٢٥١٦) و(٢٨٦٥).
و"حُسين" هو: ابن ذكوان ذُكر قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ حُسَيْنٍ بِهَذَا الإسْنَادِ) يعني أن كلًّا من ابن المبارك، ويزيد بن هارون، والفضل بن موسى رووا هذا الحديث عن حسين بن ذكوان المعلّم، لكنهم لَمْ يَذْكُرُوا أُمَّ كَعْبِ، وإنما قالوا: "صلى على امرأة"، أو "صلّى على أم فلان".
[تنبيه]: رواية ابن المبارك، والفضل بن موسى كلاهما عن حسين ساقها الترمذي ﵀ في "جامعه"، فقال:
(١٠٣٥) - حدّثنا عليّ بن حُجْر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، والفضل بن موسى، عن حُسين المعلِّم، عن عبد الله بن بُريدة، عن سمرة بن جُنْدَب، أن النبيّ - ﷺ - صلى على امرأة، فقام وسطها، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيحٌ؛ وقد رواه شعبة، عن حسين المعلّم. انتهى.
ورواية يزيد بن هارون، عن حسين، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٩٦٤٩) - حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حسين؛ يعني المعلِّم، عن
[ ١٨ / ٥٣٣ ]
عبد الله بن بُريدة، عن سمرة بن جندب، أن النبيّ - ﷺ - صلى على أم فلان، ماتت في نفاسها، فقام وسطها. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٣٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، قالَ: قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - غُلَامًا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي، وَقَدْ صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي الصَلَاةِ وَسَطَهَا، وَنر رِوَايَةِ ابْنِ الْمُثئى: قَالَ: حَذَثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ (^١): فَقَامَ عَلَيْهَا لِلصَلَاةِ وَسَطَهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] (د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢٠.
٣ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَمَا يَمْنَعُني مِنَ الْقَوْلِ إِلا أَن هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنَّي) فيه أدب العالم، وهو أن يتأدّب مع من هو أكبر منه سنًّا، أو علمًا، فلا يُحدِّث بحضرته، بل يرشد الناس إليه حتى يستفيدوا منه، وفي المسألة اختلاف بين العلماء هل التحديث بحضرة من هو أولى مكروه أم لا؟ وقد استوفيت بحثه في "شرح ألفيّة الحديث"، فراجعه تستفد.
_________________
(١) وفي نسخة: "وقال".
[ ١٨ / ٥٣٤ ]
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.