وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٣٨] (٩٦٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ أَبو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَل، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: أتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِفَرَسٍ مُعْرَوْرًى، فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جَنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ، وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ).
رجال هذا الإسناد:
١ - (يَحْيى بْنُ يَحْيى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح، تقدّم قريبًا.
٤ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَل) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦.
٥ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْب) البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٦ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، ومات بها بعد (٧٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨، وشرح الحديث يأتي في التالي، وأخّرته إليه؛ لكونه أتمّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٣٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ،
[ ١٨ / ٥٣٥ ]
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: صلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى ابْنِ الدَّخدَاحِ، ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ عُرْيٍ، فَعَقَلَهُ رَجُلٌ، فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ بِهِ، وَنَخنُ نَتَّبِعُهُ، نَسْعَى خَلْفَهُ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -. قَالَ: "كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلّقٍ، أَوْ مُدَلًّى فِي الْجَنَّةِ لِابْنِ الدَّحْدَاحِ"، أَوْ قَالَ شُعْبَةُ: "لِأَبِي الدَّحْدَاحِ").
رجال هذا الإسناد: ستة، والنصف الأول تقدّموا قريبًا، والثاني ذُكروا في السند الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ) ويقال له: "أبو الدحداح" أيضًا، وهو بِدالين، وحاءين مهملات، قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: لا يُعرف اسمه، لكن قال الحافظ ﵀ في "الإصابة": إنه ثابت بن الدحداح، وأفاد أن الذي لا يُعْرَف اسمه هوأبو الدحداح الأنصاريّ،، حليف لهم، وأنه عاش إلى زمن معاوية.
وقال في حرف الثاء: ثابت بن الدحداح بن نعيم بن غَنْم بن إياس، حليف الأنصار، وكان بَلَويًّا، حالف بني عمرو بن عوف، ويقال: ثابت بن الدحداحة، ويكنى أبا الدحداح، وأبا الدحداحة.
وروى الطبرانيّ من طريق ابن إسحاق: حدّثني ابن يسار، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: "رأيت رسول الله - ﷺ - في جنازة ثابت بن الدحداح … " الحديث، وهو في "صحيح مسلم" من حديث جابر بن سمرة، لكنه لم يسمّه، قال: "صلينا على ابن الدحداح … "، وفي رواية: "على أبي الدحداح … ". وروى الباورديّ من طريق ابن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي عديّ، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ - أن ثابت بن الدحداحة، سأل النبيّ - ﷺ -، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]. وقال الواقديّ في "غزوة أحد": حدّثني عبد الله بن عمارة الخطميّ، قال: أقبل ثابت بن الدحداحة يوم أحد، فقال: يا معشر الأنصار، إن كان محمد قُتل، فإن الله حيّ لا يموت، فقاتلوا عن دينكم، فحَمَل بمن معه من المسلمين، فطعنه خالد، فأنفذه، فوقع ميتًا. قال الواقديّ: وبعض أصحابنا
[ ١٨ / ٥٣٦ ]
يقول: إنه جُرح، ثم برأ من جراحته، ومات بعد ذلك على فراشه، مرجع النبيّ - ﷺ - من الحديبية، فالله أعلم. انتهى.
(ثُمَّ أُتِيَ) بالبناء للمفعول (بِفَرَسٍ عُرْي) بضمّ العين المهملة، وسكون الراء، قال الفيّوميّ ﵀: يقال: فرسٌ عُرْيٌ: لا سَرْجَ عليه، وُصِف بالمصدر، ثم جُعل اسمًا، وجُمِعَ، فقيل: خيلٌ أَعْراءٌ، مثلُ قُفْل وأَقفالٍ، قالوا: ولا يقال: فرسٌ عُريانٌ، كما لا يقال: رجلٌ عُرْيٌ. انتهى (^١).
وفي الرواية السابقة: " أُتِيَ النبيّ - ﷺ - بِفَرَسٍ مُعْرَوْرًى"، وهو بضم الميم، وسكون العين، وفتح الراء، وهو بمعنى عُرْي، قال أهل اللغة: اعرَوْرَيتُ الفرسَ: إذا ركبته عُرْيًا، فهو مُعْرَوْرًى (^٢)، قالوا: ولم يأت افعَوْلَى مُعَدًّى، إلا قولهم: اعرَوريت الفرسَ، واحْلَوْلَيت الشرابَ، قاله النوويّ (^٣).
(فَعَقَلَهُ رَجُلٌ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرف اسمه. انتهى (^٤). وقال النوويّ: معناه: أمسكه له، وحبسه، وفيه إباحة ذلك، وأنه لا بأس بخدمة التابع متبوعه برضاه (^٥). (فَرَكِبَهُ) - ﷺ - (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع النبي - ﷺ - (يَتَوَقَّصُ بِه)؛ أي: يتوثّب بذلك الفرس (وَنَحْنُ نَتَبِعُهُ) جملة حاليّة من الفاعل، وكذا قوله: (ئَسْعَى خَلْفَهُ)؛ أي: نُسْرع في المشي خلف النبيّ - ﷺ -.
(قَالَ) الراوي، والظاهر أنه سماك، ويدلّ على هذا رواية أحمد: ﵀ في "مسند" لهذا الحديث من طريق شعبة، وحجاج، وفي آخره: قال حجاج في حديثه: قال رجل معنا عند جابر بن سمرة في المجلس: قال رسول الله - ﷺ -: "كم من عذق مُدَلًّى لأبي الدحداح في الجنة". انتهى.
فظاهر هذه الرواية أن القائل: "قال رجل معنا إلخ" هو سماك بن حرب، فتأمله، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٠٦.
(٢) وأثبت في "النهاية"، و"اللسان" أن اعرورى يتعدّى ويلزم، وعليه فيقال: فرش معرورٍ، ومُعْرَوْرًى، فتنبّه.
(٣) "شرح النووي" ٧/ ٣٢.
(٤) "تنبيه المعلم" ص ١٨٣.
(٥) "شرح النوويّ" ٧/ ٣٣.
[ ١٨ / ٥٣٧ ]
(فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) قال صاحب التنبيه: لا أعرف اسمه (^١). (إِن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " كَمْ مِنْ عِذْقٍ) بكسر العين المهملة: هو الغصن من النخلة، وأما العَذْق بفتحها، فهو النخلة بكمالها، وليس مرادًا هنا، قاله النوويّ.
وقيل: الظاهر أن المراد هنا النخلة، أو الحائط؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] واقتصار النبيّ - ﷺ - على الواحدة لبيان أنها تكفي في الرغبة في الخير، والله تعالى أعلم.
وقال القاضي عياض ﵀ في "المشارق": قيل: إنما يقال للنخلة: عَذْق إذا كانت بحملها، وللعرجون عذق إذا كان تامًّا بشماريخه وتمره (^٢).
و"الشماريخ": جمع شِمراخ وهو ما يكون عليه الرطب (^٣).
(مُعَلَّقٍ، أَوْ) للشكّ من الراوي (مُدَلًّى) هو بمعنى مُعَلَّق (فِي الْجَنَّةِ لِابْنِ الدَّحْدَاحِ، أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ شُعْبَةُ: "لِأَبِي الدَّحْدَاحِ") تقدّم أنه يقال له: ابن الدحداح، وأبو الدحداح أيضًا.
[تنبيه]: ذكر القاضي عياض، والنوويّ، والقرطبيّ تبعًا لابن عبد البرّ سببًا لقصّة أبي الدحداح هذه، فقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ في "الاستيعاب": ورَوَى عُقَيل، عن ابن شهاب، أن يتيمًا خاصم أبا لبابة في نخلة، فقضى بها رسول الله - ﷺ - لأبي لبابة، فبكى الغلام، فقال رسول الله - ﷺ - لأبي لبابة: "أعطه نخلتك"، فقال: لا، فقال: "أعطه إياها، ولك بها عِذقٌ في الجنة"، فقال: لا، فسمع بذلك أبو الدحداح، فقال لأبي لبابة: أتبيع عذقك ذلك بحديقتي هذه؟ قال: نعم، فجاء أبو الدحداحة رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله النخلة التي سألت لليتيم إن أعطيته إياها ألي بها عذق في الجنة؟ قال: "نعم"، ثم قُتِل أبو الدحداحة شهيدًا يوم أحد، فقال رسول الله - ﷺ -: "رُبّ عذق مُذلَّل لأبي الدحداحة في الجنة"، ولما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١١] كان أبو الدحداح نازلًا في حائط له هو وأهله، فجاء إلى امرأته،
_________________
(١) "تنبيه المعلم" ١٨٣.
(٢) "مشارق الأنوار" ٢/ ٧١.
(٣) راجع: هامش "المسند" (١٩/ ٤٦٥) تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد.
[ ١٨ / ٥٣٨ ]
فقال: اخرجي يا أم الدحداح فقد أقرضته الله ﷿، فتصدق بحائطه على الفقراء والمساكين (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أورد القصّة ابن عبد البرّ في "الاستيعاب"، معلّقة وموقوفة على ابن شهاب، ولم يذكر إسنادها، ويحتاج إلى النظر في إسنادها، وأولى ما يُعتمد عليه في هذه القصّة هو ما أخرجه الإمام أحمد، وابن حبّان، والحاكم، وغيرهم بغير هذا السياق.
فقال الإمام أحمد ﵀ في "مسنده":
(١٢٠٧٣) - حدّثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لفلان نخلة، وأنا أقيم حائطي بها، فأمُره أن يعطيني، حتى أقيم حائطي بها، فقال له النبيّ - ﷺ -: "أعطها إياه بنخلة في الجنة"، فأبى (^٢)، فأتاه أبو الدحداح، فقال: بعني نخلتك بحائطي، ففعل، فأتى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إني قد ابتعت النخلة بحائطي، قال: فاجعلها له، فقد أعطيتكها، فقال رسول الله - ﷺ -: "كم من عذق رَداح (^٣)، لأبي الدحداح، في الجنة"، قالها مرارًا، قال: فأتى امرأته، فقال: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط، فإني قد بعته، بنخلة في الجنة، فقالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها (^٤). انتهى.
وقال ابن حبان ﵀ في "صحيحه" (١٦/ ١١٣):
(٧١٥٩) - أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفيّ، حدّثنا أبو نصر التمار، حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: أتى رجل النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله إن لفلان نخلةً، وأنا أقيم حائطي بها، فمره يعطيني، أقيم بها حائطي، فقال رسول الله - ﷺ -: "أعطه إياها بنخلة في
_________________
(١) "الاستيعاب" (٤/ ١٦٤٥ - ١٦٤٦).
(٢) قال السنديّ ﵀: قيل: كان قوله - ﷺ -: "أعطه" شفاعة، لا أمرًا، وإلا عصى بخلافه. انتهى.
(٣) وقع في بعض النسخ: "راح"، والصواب: "رَداح" براء وقال مهملة خفيفة، وهو الثقيل لكثرة ما فيه من الثمار.
(٤) إسناد صحيح على شرط مسلم.
[ ١٨ / ٥٣٩ ]
الجنة"، فأبى، فأتاه أبو الدحداح، فقال: بعني نخلتك بحائطي، ففَعَلَ، فأتى أبو الدحداح النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله إني قد ابتعت النخلة بحائطي، وقد أعطيتكها، فاجعلها له، فقال رسول الله - ﷺ -: "كم من عذق دَوّاح (^١) لأبي الدحداح في الجنة"، مرارًا، فأتى أبو الدحداح امرأته، فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط، فقد بعته بنخلة في الجنة، فقالت: ربح السعر. انتهى (^٢).
فهذا أولى مما أورده ابن عبد البرّ، وتبعه شرّاح "صحيح مسلم" كما أسلفته؛ لأن هذا متّصلٌ صحيح الإسناد، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٢٢٣٨ و٢٢٣٩] (٩٦٥)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٧٨)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠١٤)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٨٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٩٠ و٩٥ و١٥٢) وابنه في "زوائده" (٥/ ٩٨ و٩٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٦ - ٤٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٥٧ و٧١٥٨)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٧٦٠)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨٩٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٢ - ٢٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الركوب عند الانصراف من صلاة الجنازة، قال النوويّ ﵀: فيه إباحة الركوب في الرجوع عن الجنازة، وإنما يكره الركوب في الذهاب معها. انتهى.
_________________
(١) "الدوّاح": هو العظيم الشديد العلوّ، وكل شجرة عظيمة دَوْحة.
(٢) إسناده صحيح أيضًا.
[ ١٨ / ٥٤٠ ]
وسيأتي بيان اختلاف العلماء في حكم الركوب مع الجنازة في المسألة التالية- إن شاء الله تعالى-.
٢ - (ومنها): جواز ركوب الفَرَس الْعُرْيِ.
٣ - (ومنها): جواز مشي الجماعة مع كبيرهم، وهو راكب، وأنه لا كراهة فيه في حقّه، ولا في حقهم؛ إذا لم يكن فيه مفسدة، وإنما يكره ذلك إذا حصل فيه انتهاك للتابعين، أو خيف إعجاب ونحوه في حقّ المتبوع، أو نحو ذلك من المفاسد.
٤ - (ومنها): أن في قوله في رواية مسلم: "فعقله له رجل، فركبه"- أي أمسكه له، وحبسه- إباحةَ ذلك، وأنه لا بأس بخدمة التابع متبوعه برضاه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سير الراكب مع الجنازة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد اختُلِف في هذا الباب، فروينا عن ابن عمر بأنه كان على بَغْل راكبًا أمام الجنازة، وكان علقمة، والنخعيّ يكرهان أن يتقدّم الراكب أمام الجنازة، وقال أحمد، وإسحاق: الراكب خلف الجنازة.
وكرهت طائفة الركوب في الجنازة، روينا عن ابن عباس بأنه قال: الراكب مع الجنازة كالجالس في أهله. ورُوي عن ثوبان أنه قال لرجل راكب في جنازة: تركب، وعبادُ الله يمشون، وأخذ بلجام دابّته، فجعل يَكْبَحُها (^١). وروي عن الشعبيّ أنه قال كقول ابن عباس. وقد روينا عن ابن عباس رواية أخرى أنه رئي راكبًا في جنازة. وقال عبد الله بن رباح الأنصاريّ: للماشي في الجنازة قيراطان، وللراكب قيراط. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي في هذه المسألة القول الأول، وحاصله أنه يجوز الركوب لمن يتبع الجنازة، وأن الأولى أن يكون خلفها، لما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن عن المغيرة بن شعبة - ﵁ -
_________________
(١) كبح الدّابة باللجام كَبْحًا، من باب نَفَع: جذبها به لتقف.
(٢) "الأوسط" ٥/ ٣٨٤ - ٣٨٦.
[ ١٨ / ٥٤١ ]
أن النبيّ - ﷺ - قال: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه".
قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في المشي مع الجنازة:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: قد اختلفوا في المشي أمام الجنازة، وخلفها، فيمن كان يرى المشي أمام الجنازة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأبو هريرة، والحسن بن عليّ، وابن الزبير، وأبو أُسَيد الساعديّ، وأبو قتادة، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لقد كنّا مع أصحاب رسول الله - ﷺ - نمشي بين يدي الجنازة، ولا يرون بذلك بأسًا. وهو قول عُبيد بن عُمير، وشُريح، والقاسم بن محمد، وسالم، والزهريّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، واحتَجَّ بتقديم عمر بن الخطاب الناس أمام جنازة زينب بنت جحش (^١).
وقال أصحاب الرأي: لا بأس بالمشي قدّامها، والمشيُ خلفها أحبّ إلينا. وقال إسحاق ابن راهويه: يتأخر أحبّ إلينا، وقد روينا عن عليّ أنه مشى خلفها. وسئل الأوزاعيّ عن المشي أمام الجنازة؟ فقال: هو سعة، والأفضل عندنا خلفها.
وقالت طائفة: إنما أنتم مُتَّبِعُون، تكونون بين يديها، وخلفها، وعن يمينها، وعن شمالها، هذا قول مالك بن أنس، وبه قال معاوية بن قرّة، وسعيد بن جبير. وقال إسحاق في موضع آخر: لا بأس أن يمشي الرجل أمام الجنازة، وخلفها قريبًا.
قال ابن المنذر ﵀: المشي أمام الجنازة، وخلفها، وعن
_________________
(١) قال ابن المنذر: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن محمد بن المنكدر، قال: أخبرني شيخ لنا يقال له: ربيعة بن عبد الله بن الحدير، قال: رأيت عمر بن الخطاب يضرب الناس يقدّمهم أمام جنازة زينب بنت جحش. انتهى. وإسناده صحيح، وربيعة بن عبد الله من رجال البخاريّ.
[ ١٨ / ٥٤٢ ]
شمالها (^١) جائز، والمشي أمامها أحبّ إليّ، لحديث ابن عمر - ﵄ - أنه رأى رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر - ﵄ - يمشون أمام الجنازة (^٢)، ولأن عليه الأكثرَ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، والتابعين، ومن بعدهم.
فليُكثِر من تبع الجنازة، حيث مشى منها ذكرَ الموت، والفكر في صاحبهم، وأنهم صائرون إلى ما صار إليه، وليستعدّوا للموت، ولمَا بعده، سَهَّل الله لنا حسن الاستعداد، واللقاء به انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (^٣).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ بعد أن ذكر الاختلاف بين العلماء في هذه المسألة ما نصّه:
قال أبو عمر: المشي أمام الجنازة أكثر عن العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، وهو مذهب الحجازيين، وهو الأفضل -إن شاء الله- ولا بأس عندي بالمشي خلفها، وحيث شاء الماشي منها؛ لأن الله ﷿ لم يَحظُر ذلك، ولا رسوله - ﷺ -، ولا أعلمُ أحدًا من العلماء كَرِهَ ذلك، ولا ذكر أن مشي الماشي خلف الجنازة يُحبط أجره فيها، ويكون كمن لم يشهدها، وقد قال رسول الله - ﷺ -: "من شهد الجنازة، حتى يصلي، فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن كان له قيراطان"، ولم يخصّ الماشي خلفها من الماشي أمامها. انتهى كلام ابن عبد البر ﵀ (^٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمامان الحافظان: أبو بكر بن المنذر، وأبو عمر بن عبد البرّ -رحمهما الله تعالى- في هذه المسألة هو الحقّ عندي.
وحاصله أن المشي أمام الجنازة، أفضل، لحديث ابن عمر - ﵄ -، وهو
_________________
(١) الظاهر أنه سقط من النسخة لفظة "وعن يمينها". والله تعالى أعلم.
(٢) الحديث مختلف في وصله وإرساله، وقد حققت ذلك في "شرح النسائي"، ورجحت وصله، فراجعه تستفد.
(٣) "الأوسط" باختصار ٥/ ٣٨٠ - ٣٨٤.
(٤) "الاستذكار" ٨/ ٢٢٢ - ٢٢٣. بتغيير نصّ الحديث بنصّ حديث البخاريّ رحمه الله تعالى.
[ ١٨ / ٥٤٣ ]
حديث صحيح، كما حقّقته في "شرح النسائيّ" (^١).
ولأنه عَمَلُ أكثر الصحابة، والتابعين، ومَن بعدهم، هذا من حيث الأفضليةُ، وإلا فالمشي حيث تيسر: أمامها، وخلفها، ويمينها، وشمالها جائز؛ لحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - الذي تقدّم آنفًا، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.