وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٨] (١٠٢٥) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ ابْن نمَيْرٍ: حَدَّثنَا حَفْصٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ، قَالَ: كنْتُ مَمْلُوكًا، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-: أَأَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالي بِشَيْءٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالْأَجْز بَيْنكمَا نِصْفَانِ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيه تغيّر في الآخر قليلًا [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٢ - (محَمَّد بْن زَيْدِ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٢.
٣ - (عُمَيْرٌ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ) الغفاريّ، صحابيّ شَهِدَ فتح خيبر مع مواليه، ورَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعن مولاه، ورَوَى عنه محمد بن إبراهيم التيميّ، ومحمد بن زيد بن المهاجر بن قُنْفُذ، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، ويزيد بن أبي عُبَيد، وغيرهم، وعاش إلى نحو السبعين، أخرج له المصنّف والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
_________________
(١) هكذا النسخة بنصب "شيئًا"، وقد تقدّم توجيهه في رواية الأعمش التي قبله، فتنبّه.
[ ١٩ / ٤٩٨ ]
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كلاحقه، وهو (١٤٨) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وزهير، فما أخرج لهما الترمذيّ، وعمير، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنهم كوفيّون، سوى الصحابيّ، ومحمد بن زيد، فمدنيّان.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة سوى ثلاثة أحاديث، هذا الحديث عند المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وحديث في الاستسقاء عند أبي داود، وحديث شهوده خيبر عند الأربعة، راجع: "تحفة الأشراف" (٧/ ٤٢٢ - ٤٢٤)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُمَيْرٍ) بالتصغير (مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ) بهمزة ممدودة، وكسر الباء، وإنما قيل له: آبي اللحم؛ لأنه كان لا يأكل اللحم، وقيل: لا يأكل ما ذُبِح للأصنام، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: خلف، وقيل: الحويرث الغفاريّ، وهو صحابيّ رَوَى عن النبيّ -ﷺ- حديثًا واحدًا في الاستسقاء، وروى عنه عمير مولاه، قيل: استُشْهِد يوم حنين (^١).
(قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-: أَأتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَاليَّ) بفتح الميم، وتشديد الياء: جمع مولى (بِشَيْءٍ؟) أي قليل، أو مأذون فيه عادةً (قَالَ) -ﷺ- ("نَعَمْ) أي لك أن تتصدّق به (وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ") قال النوويّ -﵀-: هذا محمول على ما سَبَقَ أنه استأذن في الصدقة بقدر يَعْلَم رضا سيده به. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ -﵀- فيه نظرٌ لا يخفى، فكيف يسأل النبيّ -ﷺ- بعد أن أذِن له مولاه بالصدقة؟ بل الظاهر أنه لم
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٧/ ١١٤، و"تهذيب التهذيب" ١/ ١٦٥.
[ ١٩ / ٤٩٩ ]
يستأذن، فسأل هل التصدّق بغير إذن الموالي جائزٌ أم لا؟، فتأمل.
والحاصل أن تصدّق العبد بما جرى به العرف من الأشياء الخفيفة، مما لا يكون تبذيرًا جائزٌ، وإن لم يأذن له سيّده، كما هو ظاهر حديث عمير الآتي بعد هذا، فتبصّر، والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وسيأتي الكلام على مسائله في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى-.
وقال النوويّ -﵀-: معنى قوله: "نصفان": قسمان، وإن كان أحدهما أكثر، كما قال الشاعر:
إِذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ … وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ
وأشار القاضي إلى أنه يَحْتَمِل أيضًا أن يكون سواء؛ لأن الأجر فضلٌ من الله تعالى، يؤتيه من يشاء، ولا يُدرك بقياس، ولا هو بحسب الأعمال، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قال النوويّ: والمختار الأول. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله القاضي هو المختار؛ لما ذَكَره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ، يَعْنِي ابْنَ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ، قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أقَدِّدَ لَحْمًا (^٢)، فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ، فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ، فَضَرَبَنِي، فَأتيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: "لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ "، فَقَالَ: يُعْطي طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمرَهُ، فَقَالَ: "الْأَجْرُ بَيْنكُمَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ٥٠.
_________________
(١) شرح مسلم ٧/ ١١٣.
(٢) وفي نسخة: "أن أقدّد له لحمًا".
[ ١٩ / ٥٠٠ ]
٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوق يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ مولى سلمة بن الأكوع المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٥١/ ١١٤٠.
و"عمير" -﵁- ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقه، وهو (١٤٩) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ، يَعْني ابْنَ أَبِي عُبَيْدٍ) الظاهر أن العناية هنا وفيما قبله من المصنّف -﵀- (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ، قَالَ) جملة في محلّ نصب على الحال، أو مفعول ثانٍ على قول من يرى "سمع" من أخوات "ظنّ" (أَمَرَنِي مَوْلَايَ) بفتح الياء؛ لأن القاعدة أن ياء المتكلّم تُفتح إذا أُضيف إليها اسم مقصور، كعصاي، وفتاي، وهذا عند جمهور العرب، وفي لغة هُذيل تُقلب ألف المقصور ياء، وتُدغم في ياء المتكلّم، وتفتح ياء المتكلّم، ومنه قول الشاعر:
سَبَقُوا هَوَيَّ وَأَعْنَقُوا لِهَوَاهُمُ … فَتُخُرِّمُوا وِلكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
وإلى قاعدة إضافة الاسم إلى ياء المتكلّم عمومًا أشار ابن مالك -﵀- في "الخلاصة" حيث قال:
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا … لَمْ يَكُ مُعْتَلًّا كَـ "رَامٍ" وَ"قَذَى"
أَوْ يَكُ كَـ "ابْنَيْنِ" و"زيدِينَ" فَذِي … جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي
وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ … مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ
وَأَلِفًا سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ … هُذَيْلٍ انْقِلَابُهَا يَاءً حَسَنْ
[ ١٩ / ٥٠١ ]
(أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا) بضم الهمزة، وكسر الدال المشدّدة، من التقديد، وهو الشقّ طولًا، قال في "القاموس": القَدّ: القطع المستأصل، أو المستطيل، أو الشقّ طولًا، كالاقتداد، والتقديد في الكلّ. انتهى (^١).
ووقع في بعض النسخ: "أن أَقْدِر لحمًا"، بفتح أوله، وضمّ الدال المخفّفة وكسرها، قال ابن الأثير -﵀-: أي أطبُخ قِدْرًا من لحم. انتهى (^٢).
وقال في "اللسان": قَدَرَ القِدرَ يَقْدِرُها -أي من باب ضرب- ويَقْدُرُها- أي من باب نصر- قَدْرًا: طَبَخَهَا، واقتدر أيضًا بمعنى قَدَرَ، مثلُ طَبَخَ واطَّبَخَ، ومرَقٌ مقدورٌ، وقَدِيرٌ: أي مطبوخٌ، والقَدِيرُ: ما يُطبَخ في القِدْر. انتهى (^٣).
(فَجَاءَنِي مِسْكِين، فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ) أي أعطيته من ذلك اللحم (فَعَلِمَ) بالبناء للفاعل (بِذَلِكَ) أي بإطعامي ذلك المسكين من ذلك اللحم (مَوْلَايَ) مرفوع على الفاعليّة بـ "عَلِمَ" (فَضَرَبَنى) أي تأديبًا حيث أساء بذلك الإطعام في نظره (فَأتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ) أي ضرب مولاه له لما ذُكر (فَدَعَاهُ) أي طلب النبيّ -ﷺ- آبي اللحم أن يحضر عنده حيث شكاه عبده (فَقَالَ) -ﷺ- ("لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ "، فَقَالَ: يُعْطي طَعَامِي) أي إنما ضربته لإساءته بإعطائه طعامي للمسكين (بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ) أي بغير إذني له بذلك (فَقَالَ) -ﷺ- ("الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا") تعليل لمحذوف؛ أي لا تضربه بذلك؛ لأن الأجر الحاصل بتصدّقه بمالك كائن بينهما.
وقال في "المرعاة": أي إن رضيت بذلك يحلّ له إعطاء مثل هذا، مما يجري فيه المسامحة، وتؤجران معًا. قال الطيبيّ أخذًا عن التوربشتيّ: لم يرد به إطلاق يد العبد، بل كره صنيع مولاه في ضربه على أمر تبيّن رشده فيه، فحثّ السيّد على اغتنام الأجر، والصفح عنه، فهذا تعليم، وإرشاد لآبي اللحم، لا تقرير لفعل العبد. انتهى.
وقال النوويّ: هذا محمول على أن عميرًا تصدّق بشيء ظنّ أن مولاه يَرْضَى به، ولم يرض به مولاه، فلعمير أجرٌ؛ لأنه فعل شيئًا يعتقده طاعة بنيّة
_________________
(١) "القاموس المحيط" ١/ ٣٢٥.
(٢) "النهاية" ٤/ ٢٣.
(٣) "لسان العرب" ٥/ ٨٠.
[ ١٩ / ٥٠٢ ]
الطاعة، ولمولاه أجرٌ؛ لأن ماله أُتلف عليه، وقوله: "الأجر بينكما": أي لكلّ منكما أجرٌ، وليس المراد أنّ أجر نفس المال يتقاسمانه، فهذا الذي ذكرته من تأويله هو المعتمد، وقد وقع في كلام بعضهم ما لا يُرتضى من تفسيره.
وقال قبل ذلك: وقوله -ﷺ-: "الأجر بينكما": ليس معناه أن الأجر الذي لأحدهما يزدحمان فيه، بل معناه أن هذه الصدقة التي أخرجها الخازن، أو المرأة، أو المملوك، ونحوهم بإذن المالك يترتّب على جملتها ثوابٌ على قدر المال والعمل، فيكون ذلك مقسومًا بينهما، لهذا نصيبٌ بماله، ولهذا نصيبٌ بعمله، فلا يزاحم صاحب المال العامل في نصيب عمله، ولا يزاحم العامل صاحب المال في نصيب ماله.
(واعلم): أنه لا بدّ للعامل، وهو الخازن، وللزوجة، والمملوك من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن أذن أصلًا، فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة، بل عليهم وزرٌ بتصرّفهم في مال غيرهم بغير إذنه، والإذن ضربان؛ أحدهما: الإذن الصريح في النفقة، والصدقة، والثاني: الإذن المفهوم من اطّراد العرف والعادة، كإعطاء السائل كسرة ونحوها، مما جرت العادة به، واطّرد العرف فيه، وعُلم رضاء الزوج، والمالك به، فإذنه في ذلك حاصلٌ، وإن لم يتكلّم، وهذا إذا عُلم رضاه لاطّراد العرف، وعُلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك، والرضا به، فإن اضطرب العرف، وشُكّ في رضاه، أو كان شخصًا يشحّ بذلك، وعُلم من حاله ذلك، أو شكّ فيه، لم يجز للمرأة، وغيرها التصدّق من ماله إلا بصريح إذنه. انتهى (^١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمير مولى آبي اللحم -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٢٣٦٨ و٢٣٦٩] (١٠٢٥)، و(النسائيّ) في
_________________
(١) شرح مسلم ٧/ ١١٤.
[ ١٩ / ٥٠٣ ]
"الزكاة" (٢٥٣٧) وفي "الكبرى" (٢٣١٧)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢٩٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز تصدّق العبد من مال سيّده بغير إذنه، وهذا كما تقدم، محمول على ما جرى به العرف، من الطعام، ونحوه.
٢ - (ومنها): أن العبد والسيّد يؤجران به، السيد بماله، والعبد بعمله.
٣ - (ومنها): جواز تأديب السيّد عبده إذا أساء، فإن النبيّ -ﷺ- ما لام مولى عُمير على ضربه مطلقًا، وإنما أرشده أن فعله هذا لا يستحقّ الضرب، حيث إنه مأذون له شرعًا؛ نظرًا لما جرى به العرف، وأنه يؤجر عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٠] (١٠٢٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُول اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَا تَصُمِ الْمَرْأةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ، اِلَّا بِإذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ شَاهِدٌ، إِلَّا بِإذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَإنَّ نِصْفَ أجْرِهِ لَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القُشَيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقة حافظٌ عابد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنّف مشهور، عَمِيَ في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُرْوة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبت فاضل، من كبار [١٠] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
[ ١٩ / ٥٠٤ ]
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ باليمنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل اليمن.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ) بصيغة اسم الفاعل المضعَّف، أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة إلى مجموع الأَحاديث التي ساقها همّام مساقًا واحدًا، وكلّها بإسناد واحد، وهو سند المصنّف هنا، فاسم الإشارة مبتدأ، خبره قوله: (مَا) موصولة؛ أي الذي (حَدَّثَنَا) حُذف منه العائد؛ أي حدّثناه (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُول اللهِ -ﷺ-) بالجرّ على البدليّة (فَذَكَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير همّام (أَحَادِيثَ) وقوله: (مِنْهَا) خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) فهو مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه ("لَا تَصُمِ الْمَرْأةُ) هكذا عند المصنّف بصيغة النهي، فـ "لا" ناهية، والفعل مجزوم بها، ووقع عند غيره بالرفع، قال وليّ الدين -﵀-: لفظه خبر، ومعناه النهي، ووقع في "صحيح البخاريّ" بلفظ: "لا يحل للمرأة أن تصوم"، وهو صريح في تحريم ذلك، وبه صرّح الشافعية، كما حكاه النوويّ عنهم، قال: وقال بعض أصحابنا: يكره، والصحيح الأول، قال: فلو صامت بغير إذن زوجها صحّ باتفاق أصحابنا، وإن كان الصوم حرأمًا؛ لأن تحريمه لمعنى آخر، لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم، فهو كالصلاة في دار مغصوبة.
[ ١٩ / ٥٠٥ ]
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تصحّ، كما هو مرويّ عن الإمام أحمد وغيره، فكذا هنا؛ لأن صيغة "لا يحلّ" واضحٌ في التحريم، وهو يقتضي الفساد، وقد استوفيت البحث في هذا في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها"، فلتراجعه، والله تعالى أعلم.
قال: وقال صاحب "البيان": قبوله إلى الله تعالى، قال النوويّ: ومقتضى المذهب في نظائرها الجزم بعدم الثواب، كما في الصلاة في دار مغصوبة. انتهى.
ومن قال بالكراهة احتاج إلى تأويل قوله: "لا يحلّ " على أن معناه ليس حلالًا مستوي الطرفين، بل هو راجح الترك مكروه، وهو تأويل بعيدٌ مستنكرٌ، ولو لم يرد هذا اللفظ، فلفظ النهي الذي عند مسلم هنا بلفظ: "لا تصم المرأة" ظاهر في التحريم، وكذا لفظ رواية: "لا تصوم"؛ لأن استعمال لفظ الخبر يدلّ على تأكيد النهي، وتأكدُهُ يكون بحمله على التحريم، أفاده وليّ الدين -﵀- (^١).
(وَبَعْلُهَا) بفتح، فسكون: أي زوجها، قال الفيّوميّ -﵀-: "البَعْلُ": الزوج، يقال: بَعَلَ يَبْعَلُ، من باب قَتَلَ بُعُولةً: إذا تزوّج، والمرأة بَعْلٌ أيضًا، وقد يقال فيها: بَعْلَةٌ بالهاء، كما يقال: زوجةٌ؛ تحقيقًا للتأنيث، والجمع: الْبُعُولةُ، قال الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": رواية "وبعلها" أفيد من رواية "وزوجها"؛ لأن ابن حزم نقل عن أهل اللغة أن البعل اسم للزوج والسيد، فإن ثبت، وإلا أُلْحِق السيد بالزوج؛ للاشتراك في المعنى. انتهى (^٣).
(شَاهِدٌ) أي حاضر في البلد، قال وليّ الدين -﵀-: قَيَّد النهي عن الصوم بأن يكون بعلها؛ أي زوجها شاهدًا؛ أي حاضرًا مقيمًا في البلد، ومفهومه أن لها صوم التطوع في غيبته، وهو كذلك بلا خلاف، كما ذكره النوويّ في "شرح المهذب"، وهو واضحٌ؛ لزوال معنى النهي.
قال: وما المراد بغيبته هنا؟ هل المراد الغيبة المعتبرة في أكثر المسائل
_________________
(١) راجع: "طرح التثريب" ٤/ ١٤٠ - ١٤١.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٥٥.
(٣) "الفتح" ١١/ ٦٢٧ كتاب "النكاح" رقم (٥١٩٥).
[ ١٩ / ٥٠٦ ]
الشرعية، وهي أن يكون على مسافة القصر، أو المراد أن يكون فوق مسافة الْعَدْوَى، أو المراد مطلق الغيبة عن البلد، ولو قَلَّت المسافةُ، وقَصُرَت مدّتها؟ مقتضى إطلاق الحديث ترجيح هذا الاحتمال الثالث، لكن لو ظنت قدومه في بقية اليوم بسبب من الأسباب، فينبغي تحريم صوم ذلك اليوم، وهذا لا يختص بهذا الاحتمال، بل يجري على الاحتمالات كلها، فمتى ظنت قدومه في يوم حَرُم عليها صومه، ولو بعدت بلد الغيبة، وطالت مدتها، وَيحْتَمِل أن لا يحرم استصحابًا للغيبة، والأصل استمرارها. انتهى (^١).
وقال النوويّ -﵀-: وسبب هذا التحريم أن للزوج حقّ الاستمتاع بها في كل وقت، وحقه واجب على الفور، فلا يفوته بالتطوع، ولا واجب على التراخي.
[فإن قيل]: فينبغي أن يجوز لها الصوم بغير إذنه، فإن أراد الاستمتاع بها كان له ذلك، وُيفسد صومها.
[فالجواب]: أن صومها يمنعه من الاستمتاع بها في العادة؛ لأن المسلم يهاب انتهاك الصوم بالإفساد. انتهى (^٢).
قال في "الفتح": لو كان مسافرًا فمفهوم الحديث في تقييده بالشاهد، يقتضي جواز التطوع لها؛ إذا كان زوجها مسافرًا، فلو صامت، وقَدِمَ في أثناء الصيام، فله إفساد صومها ذلك من غير كراهة، وفي معنى الْغَيْبة أن يكون مريضًا، بحيث لا يستطيع الجماع، وحَمَل المهلب النهي المذكور على التنزيه، فقال: هو من حسن المعاشرة، ولها أن تفعل من غير الفرائض بغير إذنه ما لا يضرّه، ولا يمنعه من واجباته، وليس له أن يبطل شيئًا من طاعة الله؛ إذا دخلت فيه بغير إذنه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله المهلّب مما لا يُلتفت إليه؛ لمصادمته ظاهر النصّ، وهو مخالفٌ لقول أكثر العلماء من أن النهي هنا للتحريم، كما سبق بيانه في كلام النوويّ -﵀-، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(إِلَّا بإِذْنِهِ) وهل المراد إذنه صريحًا، أو يكفي ما يقوم مقامه، من
_________________
(١) "طرح التثريب" ٤/ ١٤١.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ١١٥.
[ ١٩ / ٥٠٧ ]
احتفاف قرائنَ، تدلّ على رضاه بذلك؟ الظاهر أن احتفاف القرائن، واطّراد العادة يقوم مقام الإذن الصريح، قاله وليّ الدين -﵀-.
وقال في "الفتح": قوله: "إلا بإذنه" يعني في غير صيام أيام رمضان، وكذا في غير رمضان من الواجب إذا تضيّق الوقت. انتهى.
(وَلَا تَأْذَنْ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ، قال في "القاموس": أَذِنتُ له في الشيء، كسَمِعَ إِذْنًا بالكسر، وأَذِينًا: أباحه له، واستأذنه: طلب منه الإذن. انتهى (^١).
يعني أنه لا يجوز للمرأة أن تأذن في بيت زوجها، لا لرجل، ولا لامرأة يكرهها زوجها؛ لأن ذلك يوجب سوء الظن، وَيبْعَث على الْغَيْرة التي هي سبب القطيعة (^٢).
وقال وليّ الدين -﵀-: قوله: "ولا تأذن … إلخ" هو في روايتنا بالرفع، كقوله: "لا تصوم"، لفظه خبر، ومعناه النهي، وفي رواية مسلم بالجزم على النهي الصريح، كقوله في روايته: "لا تصم". انتهى (^٣).
(فِي بَيْتِهِ) المراد ببيت زوجها سكنه، سواء كان ملكه أم لا (^٤). (وَهُوَ شَاهِدٌ) أي حاضرٌ، قال في "الفتح": هذا القيد لا مفهوم له، بل خرج مخرج الغالب، وإلا فغيبة الزوج لا تقتضي الإباحة للمرأة أن تأذن لمن يدخل بيته، بل يتأكد حينئذ عليها المنع؛ لثبوت الأحاديث الواردة في النهي عن الدخول على الْمُغِيبات؛ أي مَن غاب عنها زوجها.
وَيحْتَمِل أن يكون له مفهوم، وذلك أنه إذا حَضَر تيسر استئذانه، وإذا غاب تعذر، فلو دعت الضرورة إلى الدخول عليها لم تفتقر إلى استئذانه؟ لتعذره.
ثم هذا كله فيما يتعلق بالدخول عليها، أما مطلق دخول البيت، بأن تأذن لشخص في دخول موضع من حقوق الدار التي هي فيها، أو إلى دار منفردة عن سكنها، فالذي يظهر أنه مُلتَحِق بالأول. انتهى (^٥).
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٤/ ١٩٥.
(٢) "عمدة القاري" ٢٠/ ١٨٥.
(٣) "طرح التثريب" ٤/ ١٤٢.
(٤) "الفتح" ١١/ ٦٢٧.
(٥) "الفتح" ١١/ ٦٢٨ - ٦٢٩.
[ ١٩ / ٥٠٨ ]
وقال في "العمدة" بعد ذكر ما تقدّم، ما نصّه: وأما عند الداعي للدخول عليها للضرورة، كالإذن لشخص في دخول موضع من حقوق الدار التي هي فيها، أو إلى دار منفردة عن مسكنها، أو الإذن لدخول موضع مُعَدّ للضيفان فلا حرج عليها في الإذن بذلك؛ لأن الضرورات مستثناة في الشرع. انتهى (^١).
وقال النوويّ -﵀-: في هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يُفتات على الزوج بالإذن في بيته إلا بإذنه، وهو محمول على ما لا تعلم رضا الزوج به، أما لو علمت رضا الزوج بذلك، فلا حرج عليها، كمن جرت عادته بإدخال الضيفان موضعًا مُعَدًّا لهم، سواء كان حاضرًا أم غائبًا، فلا يفتقر إدخالهم إلى إذن خاصّ لذلك، وحاصله أنه لا بُدّ من اعتبار إذنه تفصيلًا أو إجمالًا. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ -﵀- تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي الصريح، قال في "الفتح": وهل يقوم ما يقترن به علامةُ رضاه مقام التصريح بالرضا؟ فيه نظرٌ. انتهى.
(وَمَا) موصولة مبتدأ (أَنْفَقَتْ) حُذف منه العائد؛ أي الذي أنفقته المرأة (مِنْ كَسْبِهِ) أي مما كسبه الزوج (مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ) قال النوويّ -﵀-: معناه: من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعيَّن، ولا ينفي ذلك وجود إذن سابق عامّ يتناول هذا القدر وغيره، إما بالصريح، وإما بالعرف، قال: ويتعيّن هذا التأويل؛ لأنه -ﷺ- جعل الأجر بينهما نصفين، ومعلوم أنها إذا أنفقت من ماله بغير إذنه لا الصريح، ولا المأخوذ من العرف، لا يكون لها أجرٌ، بل عليها وزرٌ، فيتعين تأويله.
قال: واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير يُعْلَم رضا المالك به عرفًا، فإن زاد على ذلك لم يجز، ويؤيده قوله -ﷺ- في حديث عائشة -﵂- السابق: "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة … "، فأشار -ﷺ- إلى أنه قدرٌ يُعْلَم رضا الزوج به في العادة، قال: ونبّه بالطعام أيضًا على ذلك؛ لأنه مما يُسْمَح به عادةً، بخلافّ النقدين في حقّ كثير من الناس، وكثير من الأحوال.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢٠/ ١٨٥.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ١١٥.
[ ١٩ / ٥٠٩ ]
قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقةُ على عيال صاحب المال، وغلمانه، ومصالحه، وقاصديه من ضيف، وابن سبيل، ونحوهما، وكذلك صدقاتهم المأذون فيها بالصريح أو العرف، والله أعلم. انتهى (^١).
(فَإِن نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ") أي والنصف الآخر لها، قال وليّ الدين -﵀-: ويدلّ لذلك قوله في رواية أبي داود: "فلها نصف أجره"، فحَصَل من مجموع الروايتين أنه بينهما نصفين، ويوافق ذلك ما في "صحيح مسلم" عن عُمير مولى آبي اللحم -﵄- قال: "كنت مملوكًا، فسألت رسول الله -ﷺ-: أتصدق من مال مواقي بشيء؟ قال: "نعم، والأجر بينكما نصفان".
قال: وهذه المناصفة المذكورة في هذين الحديثين ليست على حقيقتها وظاهرها، بل المراد أن لهذا ثوابًا ولهذا ثوابًا، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواءً، بل قد يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون عكسه، وقوله هنا: "نصفان" معناه قسمان، وإن كان أحدهما أكثر، كما قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا مُتُّ كَانَ النَاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ … وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ
فإذا أعطى المالك لخازنه، أو امرأته، أو غيرهما مائة درهم، أو نحوها ليوصلها إلى مستحقّ الصدقة على باب داره أو نحوه، فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رُمّانةً، أو رغيفًا، ونحوهما حيث ليس له كبير قيمة؛ ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمانة والرغيف، فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلًا فيكون مقدار الأجر سواءً، ذكر ذلك النوويّ، ثم قال: وأشار القاضي إلى أنه يَحْتَمِل أيضًا أن يكونا سواءً؛ لأن الأجر فضل من الله تعالى، ولا يُدْرَك بقياس، ولا هو بحسب الأعمال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال النوويّ: والمختار الأول.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن ما قاله عياض: -﵀- وجيهٌ، حيث يدلّ له ظاهر النصّ، فتأمله، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٧/ ١١٢ - ١١٣.
[ ١٩ / ٥١٠ ]
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: المعنى بالمناصفة هاهنا أنهما سواء في المثوبة، كل واحد منهما له أجر كاملٌ، وهما اثنان، فكأنهما نصفان. انتهى.
وقال الحافظ العراقيّ -﵀- في "شرح الترمذيّ": ويدل عليه قوله في بقية حديث عائشة -﵂-: "لا ينقص كلُّ واحد منهما من أجر صاحبه شيئًا". انتهى (^١).
قال الجامح عفا الله عنه: حمل المناصفة على حقيقة النصف هو الأظهر، فيكون حديث عائشة -﵂- محمولًا على ما إذا أنفقت بإذن الزوج، وحديث أبي هريرة -﵁- على ما إذا أنفقت بدون إذنه، كما هو صريح قوله: "من أمره"، وتقدّم تقريره، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: وقع في رواية للبخاريّ بلفظ: "فإنه يؤدَّى إليه شطره"؛ أي نصف الأجر، قال في "الفتح": وأغرب الخطابيّ، فحَمَل قوله: "يؤدى إليه شطره " على المال المنفَقِ، وأنه يلزم المرأة إذا أنفقت بغير أمر زوجها زيادةً على الواجب لها أن تَغْرَم القدر الزائد، وأن هذا هو المراد بالشطر في الخبر؛ لأن الشطر يُطْلَق على النصف، وعلى الجزء، قال: ونفقتها معاوضةٌ، فتقدَّر بما يوازيها من الفرض، وترُدُّ الفضل عن مقدار الواجب، وإنما جاز لها في قدر الواجب؛ لقصة هند: "خذي من ماله بالمعروف". انتهى.
ويرد عليه رواية المصنف بلفظ: "فإن نصف أجره له"، قال الحافظ: وقد استَشْعَر الإيرادَ، فحَمَل الحديث الآخر على معنى آخر، وجعلهما حديثين مختلفي الدلالة، والحقّ أنهما حديث واحدٌ رُوِيا بألفاظ مختلفة.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالتنصيف في حديث الباب الحملُ على المال الذي يُعطيه الرجل في نفقة المرأة، فإذا أنفقت منه بغير علمه، كان الأجر بينهما، للرجل لكونه الأصل في اكتسابه، ولكونه يؤجر على ما ينفقه على أهله، كما ثبت من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره، وللمرأة؛ لكونه من النفقة التي تختص بها، قال الحافظ -﵀-: ويؤيد هذا الحمل ما أخرجه أبو داود عقب حديث أبي هريرة -﵁- هذا قال في المرأة تصدّق من بيت زوجها،
_________________
(١) "طرح التثريب" ٤/ ١٤٤ - ١٤٥.
[ ١٩ / ٥١١ ]
قال: "لا، إلا من قوتها، والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدّق من مال زوجها إلا بإذنه"، قال أبو داود في رواية أبي الحسن بن العبد عقبه: هذا يُضَعِّف حديث همام.
انتهئ ومراده أنه يُضَعِّف حمله على التعميم، أما الجمع بينهما بما دَلّ عليه هذا الثاني فلا.
وأما ما أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، من حديث سعد -﵁-، قال: قالت امرأة: يا نبي الله إنّا كَلُّ على آبائنا، وأزواجنا، وأبنائنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: "الرَّطْبُ، تأكلنه، وتهدينه".
وأخرج الترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي أُمامة -﵁- رفعه: "لا تنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذنه"، قيل: ولا الطعام؟ قال: "ذاك أفضل أموالنا"، وظاهرهما التعارض، ويمكن الجمع بأن المراد بالرَّطْب ما يتسارع إليه الفساد، فأَذِن فيه، بخلاف غيره، ولو كان طعامًا.
أنتهى، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٢٣٧٠] (١٠٢٦)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢٠٦٦) و"النكاح" (٥١٩٢ و٥١٩٥ و٥٣٦٠)، و(أبو داود) في "الزكاة" (١٦٨٧) و"الصوم" (٢٤٥٨)، و(ابن ماجه) في "الصيام" (١٧٦١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤/ ٣٠٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٢ و٧/ ١٨٠ و١٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن صوم المرأة التطوّع، وزوجها حاضر؛ لئلا يتضرّر بذلك.
٢ - (ومنها): أنه تقدّم أن في رواية أبي داود زيادة: "غير رمضان"، وهذا
[ ١٩ / ٥١٢ ]
لا بد من استثنائه، فلا يحتاج في صوم رمضان إلى إذنه، ولا يمتنع بمنعه، وفي معنى صوم رمضان كلُّ صوم واجب مُضَيَّق، كقضاء رمضان؛ إذا تعدَّت بالإفطار، أو كان الفطر بعذر، ولكن ضاق وقت القضاء بأن لم يبق من شعبان إلا قدر القضاء، أو نَذَرت قبل النكاح، أو بعده بإذنه صيام أيام بعينها، والموسّع كقضاء رمضان؛ إذا كان الفطر بعذر، ولم يضق الوقت، والكفارة، والنذر الذي ليس له وقت معين، فهو كالتطوع في أن له منعها منه، كما صرّح بذلك كله الشافعيّة، كما قاله وليّ الدين.
وقال النوويّ: هذا محمول على صوم التطوع والمنذور الذي ليس له زمن معيّن، قال وليّ الدين: وكذا صوم الكفارة، وقضاء رمضان إذا فات بعذر، ولم يَضِق الوقت كما تقدم.
وقال ابن حزم: تصوم الفروض كلها أَحَبَّ أم كَرِهَ، قال: وصيام قضاء رمضان والكفارات، وكلُّ نذر تقدم لها قبل نكاحها إياه مضموم إلى رمضان؛ لأن الله تعالى افترض كل ذلك كما افترض رمضان، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فأسقط الله﷿- الاختيار فيما قَضَى به، وإنما جَعَل النبيّ -ﷺ- الاستئذان فيما فيه الخيار، والله أعلم (^١).
٣ - (ومنها): قال وليّ الدين -﵀- هذا الحديث ورد في ابتداء الصوم، أما دوامه كما لو نكحها، وهي صائمة، فهل له حقٌّ في تفطيرها، هذه مسألة قَلّ مَن تعَرَّض لها، وقد ذكرها إبراهيم المروزيّ من أصحابنا، وقال: إنه ليس له إجبارها على الإفطار، قال: وفي نفقتها وجهان. انتهى.
٤ - (ومنها): أن في سنن أبي داود -﵀- بيان سبب هذه الجملة الأولى من الحديث، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: جاءت امرأة إلى النبيّ -ﷺ -، ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن المعطّل يضربني إذا صليت، ويُفَطِّرني إذا صُمْتُ، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، فسأله عما قالت … فذكر الحديث، وفيه: وأما قولها:
_________________
(١) راجع: "طرح التثريب" ٤/ ١٤١ - ١٤٢.
[ ١٩ / ٥١٣ ]
يُفَطِّرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شابّ فلا أصبر، فقال رسول الله -ﷺ- يومئذ: "لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها" (^١).
٥ - (ومنها): أنه قال النوويّ -﵀- في "شرح المهذب": الأمة المستباحة لسيدها في صوم التطوع كالزوجة، وأما الأمة التي لا تحل لسيدها بأن كانت مَحْرَمًا له، كأخته، أو كانت مجوسيًّة، أو غيرهما، والعبد فإن تضررا بصوم التطوع بضعف أو غيره، أو بنقص لم يجز بغير إذن السيد، بلا خلاف، وإن لم يتضررا ولم ينقصا جاز، وأطلق ابن حزم الظاهريّ أنه لا يجوز لذات السيد أن تصوم تطوعًا إلا بإذنه، وقال: البعل اسم للسيد، وللزوج في اللغة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يؤيّد ما قاله ابن حزم من إطلاق البعل على الزوج والسيّد لغة قولُهُ في "القاموس" عند تعداد معاني البعل: وربُّ الشيءِ، ومالكه، والزوج. انتهى (^٢).
٦ - (ومنها): بيان النهي عن إذن المرأة بالدخول لأيّ شخص في بيت زوجها بغير إذنه.
٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: فيه إشارةٌ إلى أنه لا يُفْتَاتُ على الزوج وغيره من مالكي البيوت وغيرها بالإذن في أملاكهم، إلا بإذنهم، وهذا
_________________
(١) الحديث أخرجه أبو داود في "سننه" بإسناد صحيح (٢٤٥٩) عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: جاءت امرأة إلى النبيّ -ﷺ-، ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن المعطِّل يضربني إذا صليت، ويُفَطِّرني إذا صمتُ، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله، أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين، وقد نهيتها، قال: فقال: "لو كانت سورة واحدة لكفت الناس"، وأما قولها: يُفَطِّرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شابّ فلا أصبر، فقال رسول الله -ﷺ- يومئذ: "لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها"، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهل بيت قد عُرِفَ لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: "فإذا استيقظت فصَلِّ". انتهى.
(٢) "القاموس المحيط" ٣/ ٣٣٥. .
[ ١٩ / ٥١٤ ]
محمول على ما لا يُعْلَم رضا الزوج ونحوه، فإن علمت المرأة ونحوها رضاه به جاز. انتهى.
٨ - (ومنها): أنه يَحْتَمِل أن يكون المراد الإذن في الدخول عليها، ويَحْتَمِل أن يراد مطلق دخول البيت، وإن لم يكن فيه دخول عليها، بأن أَذِنت في دخول شخص في مكان ليست فيه، إما من حقوق الدار التي هي فيها، وإما في دار أخرى منفردة عن سكنها، وهذا الاحتمال الثاني هو مقتضى اللفظ، فإنه ليس فيه تقييد ذلك بكون الدخول عليها، والله أعلم (^١).
٩ - (ومنها): أن في رواية المصنّف تقييد المنع بكون الزوج شاهدًا؛ أي حاضرًا، ومقتضاه أن لها الإذنَ في غيبته من غير استئذانه، ولم يُذكَر هذا القيد في رواية البخاريّ، والأخذ بالإطلاق هنا أولى، فإن غيبته في ذلك كحضوره، بل أولى بالمنع، فقد يَسْمَح الإنسان بدخول الناس منزلة في حضوره، ولا يَسمَح بذلك في غيبته، وحينئذ فذكر القيد في رواية المصنف خرج مخرج الغالب في أن الإذن للضِّيفَان ونحوهم إنما يكون مع حضور صاحب المنزل، أما إذا كان مسافرًا، فالغالب أن لا يُطْرَق منزلُهُ أصلًا، ولو طُرِق لم تأذن المرأة في دخوله، وقد قال -ﷺ-: "إياكم والدخول على المغيّبات"، وهُنّ اللاتي غاب عنهن أزواجهن، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، كما تقرَّر في علم الأصول.
وقد يقال: هذا القيد معمول به، فإنه إذا حضر يعسر استئذانه، وإذا غاب تعذر، وقد تدعو الضرورة إلى الدخول عليها، فيباح لها حينئذ ذلك؛ للاحتياج إليه مع عدم الاستئذان؛ لتعذره، والأول أقرب، والله أعلم (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: كذا قال وفي الدين -﵀-، وقال القرطبيّ -﵀-: تخصيص المنع بحضور الزوج يدلّ على أن ذلك لحقّ الزوج في زوجته؛ إذ قد يكون المأذون له في تلك الحال ممن يشوّش على الزوج مقصوده، وخلوته بها، وعلى هذا تظهر المناسبة بين هذا النهي وبين النهي عن الصوم المتقدّم، وقال بعض الأئمة: إن ذلك مُعلَّلٌ بأن البيت ملك للزوج، وإذنها في دخوله
_________________
(١) "طرح التثريب" ٤/ ١٤٣.
(٢) "طرح التثريب" ٤/ ١٤٣.
[ ١٩ / ٥١٥ ]
تصرّفٌ فيما لا تملك، وهذا فيه بُعدٌ؛ إذ لو كان معلَّلًا بذلك لاستوى حضور الزوج وغيبته، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀-، وهو أولى وأقرب مما قاله وليّ الدين، فتأمله بالإمعان.
والحاصل أن القيد بحضور الزوج معتبرٌ، وليس مما خرج مخرج الغالب كما قيل، فيكون المنع من الدخول؛ لئلا يتأذّى الزوج بذلك الشخص عند طلب حاجته من زوجته، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): بيان جواز تصدّق المرأة من بيت زوجها من غير أمره الصريح، بل بما جرى به العرف، وذلك مشروط بكونه بالمعروف، بأن يكون شيئًا يسيرًا، ولا يكون إسرافًا، ولا تبذيرًا، كما قيّده في الرواية الأخرى بقوله: "غير مفسدة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.