وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٤٠] (٩٦٦) - (حَدَّثَنَا (^٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمِسْوَرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقاصٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْىي بْنُ يَحْىي) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمِسْوَرِيُّ) هو: عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة، أبو محمد الْمَخْرَميّ المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٠) (خت م ٤) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٢/ ١٣١٨.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٤) (خ م دت س) تقدم في "الإيمان" ٧٢/ ٣٨٨.
٤ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
_________________
(١) راجع: "المجتبى" ١٩/ ١٧٢ - ١٧٤.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٨ / ٥٤٤ ]
٥ - (سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ) هو: سعد بن مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، أحد العشرة، مات - ﵁ - سنة (٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف: ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن صحابيه أحد العشرة المبشّرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله - ﵁ -، وهو آخر من مات من العشرة، مات بالعقيق - ﵁ - سنة (٥٥) على المشهور، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) - ﵁ -، وفي رواية النسائيّ: "أن سعدًا لَمّا حضرته الوفاة" (قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ)؛ أي: مات بسببه (الْحَدُوا لِي لَحْدًا) قال النوويّ ﵀: بوصل الهمزة، وفتح الحاء، ويجوز بقطع الهمزة، وكسر الحاء، يقال: لَحَدَ يَلْحَدُ، كذَهَب يَذْهَبُ، وأَلْحَدَ يُلحِد: إذا حَفَر اللحدَ، واللَّحْدُ، بفتح اللام، وضمها معروف، وهو الشقّ تحت الجانب القبليّ من القبر، وفيه دليل لمذهب الشافعيّ، والأكثرين في أن الدفن في اللحد أفضل من الشقّ؛ إذا أمكن، وأجمعوا على جواز اللحد، والشقّ. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: اللحد: هو أن يُشَقّ في الأرض، ثم يُحْفَر قبر آخر في جانب الشقّ، من جهة القبلة، يُدخل فيه الميت، ويُسدّ عليه باللبن، وهو أفضل عندنا من الشقّ، وكلّ واحد منهما جائز، غير أن الذي اختار الله لنبيّه - ﷺ - هو اللحد، وذلك أنه لما أراد الصحابة أن يَحفِروا للنبيّ - ﷺ -، اشتوروا في
_________________
(١) "شرح مسلم" ٧/ ٣٨.
[ ١٨ / ٥٤٥ ]
ذلك، وكان في المدينة رجلان، أحدهما يُلحِد، والآخر لا يَلْحِد، فقالت الصحابة: اللهم اختر لنبيّك - ﷺ -، فجاء الذي يلحد أوّلًا، فلَحَدوا (^١)، واشتوارهم في ذلك، واتّفاقهم يدلّ على أنه لم يكن عندهم في أفضليّة أحدهما من النبي - ﷺ - تعيينٌ، ولذلك رجعوا إلى الدعاء في تعيين الأفضل. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قصّة اللحد للنبيّ - ﷺ - أخرجها ابن ماجه في "سننه"، فقال:
(١٥٥٧) - حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا مبارك بن فَضَالة، حدّثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لَمّا تُوُفّي النبيّ - ﷺ - كان بالمدينة رجل يلحد، وآخر يَضْرَح، فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبيّ - ﷺ -، وهذا إسناد حسن، ومبارك بن فضالة حسن الحديث إلا أنه يدلّس، وهنا صرّح بالتحديث.
وأخرج أيضًا من طريق آخر ضعيف أن الذي كان يضرح هوأبو عبيدة بن الجزاح، والذي كان يلحد هوأبو طلحة الأنصاري.
(وَانْصِبُوا) بوصل الهمزة؛ لأنه من نَصَب، ثلاثيًّا، يقال: نَصَبتُ الخشبةَ، نَصْبًا، من باب ضرب: أقمتها، ونصبت الحجرَ: رفعتُهُ علامة، قاله في "المصباح". (عَلَى اللَّبِنَ) بفتح اللام، وكسر الموحّدة: ما يُعمل من الطين، ويُبنَى به، الواحدة لَبِنَةٌ، ويجوز التخفيف، فيصير مثلَ حِمْلٍ، قاله في "المصباح" (^٣)، وقال في "القاموس": اللَّبِن، ككَتِفٍ: المضروب من الطين مربَّعًا للبناء، ويقال فيه بالكسر، وبكسرتين، كإِبِلٍ لغةٌ، ولَبَّنَ تَلْبينًا: اتّخذه. انتهى (^٤).
_________________
(١) قال في "الموطّأ": (٤٨٨) - وحدّثني عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال: كان بالمدينة رجلان: أحدهما يلحد، والآخر لا يلحد، فقالوا: أيهما جاء أول عمل عمله، فجاء الذي يلحد، فلحد لرسول الله - ﷺ -. انتهى.
(٢) "المفهم" ٢/ ٦٢٤.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٤٨.
(٤) "القاموس المحيط" ٤/ ٢٦٥.
[ ١٨ / ٥٤٦ ]
وقوله: (نَصْبًا) منصوب على المصدريّة، زاد في رواية أبي نعيم في "مستخرجه": "واحثُوا على التراب حَثْوًا" (كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) قال النوويّ ﵀: فيه استحباب اللحد، ونصب اللبِن، وأنه فُعِل ذلك برسول الله - ﷺ - باتفاق الصحابة - ﵃ -، وقد نَقَلوا أن عدد لبناته - ﷺ - تسع. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسالة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٢٢٤٠] (٩٦٦)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٨٠)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٥٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٩ و١٧٣ و١٨٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٠٧) و"المعرفة" (٣/ ١٢٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تفضيل اللحد على الشقّ، مع بيان جواز الأمرين.
٢ - (ومنها): استحباب نصب اللبن في اللحد.
٣ - (ومنها): أن رسول الله - ﷺ - دُفن في اللحد، ونُصِبت عليه اللبنات، وذلك باتفاق الصحابة - ﵃ -، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وقد نقلوا أن عدد لبناته - ﷺ - تسع. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من الحرص على اتباع آثار رسول الله - ﷺ - حيًّا وميتًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٧/ ٣٨.
[ ١٨ / ٥٤٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٤١] (٩٦٧) - (حَدَّثنا يَحْيَى بْن يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا غُنْدَرٌ، وَوَكِيعٌ، جَمِيعًا عَنْ شعْبَةَ (ح) وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْن الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثنَا يَحْيى بْن سَعِيدٍ، حَدَّثنا شعْبَةُ، حَدَّثنا أَبُو جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جُعِلَ في قَبْرِ رَسُولِ اللهِ على قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ.
قَالَ مُسْلِم: أَبُو جَمْرَةَ اسْمُة نَصْرُ بْن عِمْرَانَ، وَأَبُو التَّيَّاحِ، وَاسْمَهْ يَزِيدُ بْن حُمَيْدٍ، مَاتَا بِسَرَخْسَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (يَحْيى بْن سَعِيدٍ) القطّان تقدّم قريبًا.
٨ - (أَبُو جَمْرَةَ) نصر بن عِمران بن عِصَام الضُّبَعيّ البصريّ، نزيل خُرَاسان، ثقةٌ ثبت مشهور بكنيته [٣] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٩ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر - ﵄ - تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
والباقون تقّدموا في الباب، والباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما شيخه ابن المثنّى فمن التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير يحيى، فنيسابوري، وأبي بكر ووكيع، فكوفيّان.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث.
٥ - (ومنها): أنه ليس في الرواة من يُكنى أبا جمرة بالجيم والراء غير أبي جمرة هذا، ومن عداه كلهم فأبو حمزة بالحاء والزاي.
٦ - (ومنها): أن فيه ابن عباس - ﵁ - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٥٤٨ ]
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (قَالَ: جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية النسائيّ: "جُعل تحت رسول الله - ﷺ - حين دُفن" (قَطِيفَة حَمْرَاءُ) "القطيفة": كِسَاء له خَمْلٌ، جمعه قَطائف، وقُطُف بضمتين. و"الخَمْل" وزان فَلْس: الْهُدْب.
قال النوويّ ﵀: هذه القطيفة ألقاها شُقْران، مولى رسول الله - ﷺ -، وقال: كَرِهت أن يلبسها أحد بعد رسول الله - ﷺ -.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تضعيف هذه القصّة، إن شاء الله تعالى.
وقال السيوطيّ ﵀: زاد ابن سعد في "طبقاته": قال وكيع: هذا للنبيّ - ﷺ - خاصّة، وله عن الحسن أن رسول الله - ﷺ - بُسط تحته شمل قطيفة حمراء، كان يلبسها، قال: وكانت أرض نديّة، وله طريق آخر عن الحسن، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "افرشوا لي قطيفتي في لحدي، فإن الأرض لم تُسلّط على أجساد الأنبياء". انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى: هذان الأثران ضعيفان؛ لأنهما من مراسيل الحسن البصري، وهي ضعاف عند الجمهور، وكذا قول وكيع: إنها خاصة للنبي - ﷺ - مما لا دليل عليه، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى-.
(قَالَ مُسْلِم) بن الحجاج، صاحب الكتاب ﵀ (أَبُو جَمْرَةَ اسْمُهُ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ، وَأَبُو التَّيَّاحِ، وَاسْمَهْ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، مَاتَا بِسَرَخْسَ) قال النوويّ ﵀: هوأبو جمرة بالجيم، و"الضُّبَعيّ" بضم الضاد المعجمة، وفتح الباء الموحّدة، وأما سَرَخْس، فمدينة معروفة بخُرَاسان، وهي بفتح السين، والراء، وإسكان الخاء المعجمة، ويقال أيضًا: بإسكان الراء، وفتح الخاء، والأول أشهر.
وإنما ذكر مسلم ﵀ أبا جمرة، وأبا التيّاح جميعًا، مع أن أبا جمرة مذكور في الإسناد، ولا ذكر لأبي التياح هنا؛ لاشتراكهما في أشياء، قَلّ أن
_________________
(١) "زهر الربى" ٣/ ٨١ - ٨٥.
[ ١٨ / ٥٤٩ ]
يشترك فيها اثنان من العلماء؛ لأنهما جميعًا ضُبَعيّان، بصريّان، تابعيّان، ثقتان، ماتا بسرخس في سنة واحدة، سنة (١٢٨).
وذكر ابن عبد البرّ، وابن منده، وأبو نُعيم الأصبهانيّ عمران والد أبي جمرة في كتبهم في معرفة الصحابة، قالوا: واختَلَف العلماء، هل هو صحابيّ، أم تابعيّ؟ وكان قاضيًا على البصرة، رَوَى عنه ابنه أبو جمرة وغيره.
قال الحاكم أبو أحمد في كتابه في الكنى: ليس في الرواة من يُكنى أبا جمرة بالجيم غير أبي جمرة هذا. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^١).
[تنبيه]: قال النسائيّ ﵀ في "السنن الكبرى" بعد إخراجه حديث الباب ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: وأبو حمزة عمران بن أبي عطاء ليس بالقويّ، وأبو جمرة (^٢)، نصر بن عمران، بصريّ، ثقةٌ، وكلاهما يرويان عن ابن عباس. انتهى (^٣).
ونحو ما قاله النسائيّ قول الترمذيّ في "جامعه": وقد رَوَى شعبة عن أبي حمزة القصّاب، واسمه عمران بن أبي عطاء، وروى عن أبي جمرة الضُّبَعيّ، واسمه نصر بن عمران، وكلاهما من أصحاب ابن عباس. انتهى (^٤).
وقد ذكر بعضهم أن شعبة يروي عن سبعة، كلهم يكنى أبا حمزة، إلا واحدًا، وهو أبو جمرة، نصر بن عمران هذا، وكلهم يروون عن ابن عباس - ﵄ -، وإلى ذلك أشار الحافظ السيوطيّ ﵀ في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ يَرْوِي شُعْبَةُ … عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزَايٍ عِدَّةُ
إِلَّا أَبَا جَمْرَةَ فَهْوَ بِالرَّا … وَهْوَ الَّذِي يُطْلَقُ يُدْعَى نَصْرَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٧/ ٣٨ - ٣٩.
(٢) وقع في نسخة "الكبرى" أبو حمزة بالحاء المهملة في الموضعين، وهو غلط، والصواب أن الأول: بالحاء المهملة، والثاني: بالجيم بدل الحاء، فتنبّه.
(٣) "السنن الكبرى" ١/ ٦٤٩ رقم الحديث ٢١٣٩.
(٤) "جامع الترمذي" ٤/ ١٤٩ رقم الحديث ١٠٥٣ بنسخة شرح المباركفوري.
[ ١٨ / ٥٥٠ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٢٢٤١] (٩٦٧)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٤٨)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٨١)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٧٥١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٣٦)، و(أحمد) في "مسنده " (١/ ٢٢٨ و٣٥٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٦٣١)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٤٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٠٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم وضع الثوب في اللحد:
قال النوويّ ﵀: وقد نصّ الشافعيّ، وجميع أصحابنا، وغيرهم، من العلماء على كراهة وضع قَطِيفة، أو مُضَرَّبَة، أو مِخَدّة، ونحو ذلك تحت الميت في القبر، وشذّ عنهم البغويّ من أصحابنا، فقال في كتابه "التهذيب": لا بأس بذلك؛ لهذا الحديث، والصواب كراهته، كما قال الجمهور.
وأجابوا عن هذا الحديث بأن شُقران انفرد بفعل ذلك، لم يوافقه غيره من الصحابة، ولا علموا ذلك، وإنما فعله شقران؛ لما ذكرناه من كراهته أن يلبسها أحد بعد النبيّ - ﷺ -؛ لأن النبي - ﷺ - كان يلبسها، ويفترشها، فلم تطب نفس شقران أن يبتذلها أحد بعد النبيّ - ﷺ -، وخالفه غيره، فروى البيهقيّ عن ابن عباس بأنه كره أن يُجعل تحت الميت ثوب في قبره. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام النوويّ ﵀ هذا نظر من وجوه:
(الأول): أن قوله: لم يوافقه غيره من الصحابة، ولا علموا ذلك، غير صحيح، فمَن الذي خالفه من الصحابة؟، وهذا ابن عباس يعلم بذلك، وحدّث به، ولم يثبت عنه الإنكار، وأما ما رُوي عنه من الكراهة، فسيأتي الجواب عنه قريبًا.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٧/ ٣٨.
[ ١٨ / ٥٥١ ]
(الثاني): قوله: وإنما فعله شُقران كراهة أن يلبسها أحد بعده باب إلخ، غير صحيح أيضًا، فقد أخرجه البيهقيّ (٣/ ٤٠٨) بسنده عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "وقد كان شقران حين وضع رسول الله - ﷺ - في حفرته، أخذ قطيفة قد كان رسول اللهﷺ يلبسها، ويفرشها، فدفنها معه في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك، فدفنت مع رسول الله - ﷺ -".
فهذا سند ضعيف؛ لأن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشميّ الراوي عن عكرمة اتفقوا على ضعفه، ولذا قال البيهقيّ: ففي هذه الرواية إن كانت ثابتة إلخ.
والصحيح عن شقران ما أخرجه الترمذيّ بسند صحيح، عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت شُقران، مولى رسول الله - ﷺ - يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله - ﷺ - في القبر.
فلم يذكر ما ذكره النوويّ، بل أثبت وضعه لها تحته - ﷺ - ".
وروى ابن أبي شيبة من طريق حفص، عن جعفر، عن أبيه، قال: "ألحد لرسول الله، وأَلْقَى شُقْران في قبره قطيفة، كان يركب بها في حياته"، وهذا مرسل صحيح، وأيضًا لماذا يخصّ شقران القطيفة، ويكره أن يلبسها أحد بعده، ويترك سائر ما كان يستعمله النبيّ، من قميص، وعمامة، وفراش؟ فلماذا لم يدفن جميع ذلك معه؟ هذا شيء عجيب.
ومنها: ما ذكره عن ابن عباس - ﵄ - أنه كره ذلك، وهذا غير صحيح أيضًا؛ لأنه ليس له إسناد، فقد ذكره الترمذيّ (١/ ١٩٥) تعليقًا بلا إسناد، وكذا البيهقيّ الذي نقل النوويّ عنه هذا الكلام، ذكره في "سننه" (٣/ ٤٠٨) بلفظ: "وقد رُوي عن يزيد بن الأصمّ، عن أبن عباس أنه كَرِه أن يجعل تحت الميت ثوبًا في القبر". انتهى.
فهذا غاية ما خالف فيه ابن عباس شُقران على زعم النوويّ، فكيف يُعارَض بمثل هذا ما صحّ في "صحيح مسلم" وغيره عنه أنه أثبت ذلك؟.
ومن الغريب جعل قول البغويّ من الشافعية شاذًّا مع أن الدليل الصحيح، معه، إن هذا لشيء عجيب!!!.
وبالجملة فدعوى عدم علم الصحابة بذلك عجيب!، فكيف لا يعلمون
[ ١٨ / ٥٥٢ ]
ذلك، وقد تَوَلَّى جماعة دفنه - ﷺ -، ولم ينفرد شقران بدفنه، حتى يخفى على الآخرين وضع القطيفة تحته - ﷺ -؟.
ومن الغريب أيضًا ما رجحه العراقيّ في "ألفية السيرة"، من أن تلك القطيفة أُخرجت بعدما فُرشت، حيث قال فيها:
وَفُرِشَتْ فِي قَبْرِهِ قَطِيفَةُ … وَقِيلَ أُخْرِجَتْ وَهَذَا أَثْبَتُ
وهذا قاله تبعًا لابن عبد البرّ، فإنه رجح ذلك، وهذا لا يثبت، فإنه رواه الواقديّ، عن عليّ بن حسين- كما ذكره الحافظ في "التلخيص الحبير" (٢/ ٢٦٣) - وهذا مرسل، والكلام في الواقديّ شهير، فكيف يُرَجَّح ما هذا حاله على ما ثبت في "صحيح مسلم"، وغيره؟ هذا من الغرابة بمكان.
والحاصل أن الصواب جواز وضع الثوب تحت الميت.
وقد ذهب إلى هذا القول الإمام أبو محمد بن حزم ﵀، ودونك عبارته: "مسألة: ولا بأس بأن يُبسط في القبر تحت الميت ثوب "؛ لما رَوَينا من طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، نا يحيى بن سعيد القطان، نا شعبة، نا أبو جمرة، عن ابن عبّاس، قال: "بُسلط في قبر رسول الله - ﷺ - قطيفة حمراء"، ورواه أيضًا كذلك وكيع، ومحمد بن جعفر، ويزيد بن زُريع، كلهم عن شعبة بإسناده.
قال: وهذا من جملة ما يُكساه الميت في كفنه، وقد ترك الله تعالى هذا العمل في دفن رسوله - ﷺ - المعصوم من الناس، ولم يمنع منه، وفعله خِيرة أهل الأرض في ذلك الوقت، بإجماع منهم، لم يُنكره أحد منهم، ولم يرد ذلك المالكيون، وهم يدّعون في أقلّ من هذا عمل أهل المدينة، وقد تركوا عملهم هنا، وفي الصلاة على الميت في المسجد. انتهى كلام ابن حزم ﵀ (^١). وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "المحلّى" ٥/ ١٦٤.
[ ١٨ / ٥٥٣ ]