وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٤٢] (٩٦٨) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيَلِي، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الطَّاهِرِ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْهَمْدَانِي حَدَّثَهُ، وَفي رِوَايَةِ هَارُونَ، أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ شُفَع حَدَّثَهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودِسَ، فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ بِقَبْرِهِ، فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُ بِتَسْوِيتِهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو عَلِيٍّ الْهَمْدَانيَّ) - بإسكان الميم، وبالدال المهملة- هو ثُمامة بن شُفيّ- بمعجمة، وفاء، مصغرًا الأحروجيّ، ويقال: الأصبحيّ المصريّ، سكن الإسكندريّة، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن فَضَالة بن عُبيد، وعقبة بن عامر، وأبي رَيْحانة الأزديّ، وعبد الله بن زرير الغافقيّ، وقبيصة بن ذُويب.
وروى عنه عمرو بن الحارث، وعبد الرحمن بن حرملة الأسلميِّ، وعبد العزيز بن أبي الصعبة، وبكر بن عمرو، ويزيد بن أبي حبيب، وابن إسحاق، وآخرون.
قال النسائي: ثقةٌ، وقال ابن يونس: تُوُفّي في خلافة هشام بن عبد الملك قبل العشرين ومائة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٩٦٨) و(١٩١٧) و(١٩١٨).
٢ - (فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ) بن نافذ بن قيس بن صُهَيبة، ويقال: صُهيب بن الأصرم بن جَحْجَبا بن كُلْفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس،
[ ١٨ / ٥٥٤ ]
أبو محمد الأنصاريّ، شَهِدَ أحدًا وما بعدها، وولاه معاوية الغزو، وقضاء دمشق، واستخلفه على دمشق لَمّا غاب عنها.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن عُمر، وأبي الدرداء، وجماعة.
وروى عنه أبو عليّ ثُمامة بن شُفيّ، وحَنَش بن عبد الله الصنعانيّ، وعبد الرحمن بن مُحيريز، وعبد الله بن عامر اليحصبيّ، وسلمان بن سُمير، وعبد الله بن مُحيريز، وعليّ بن رَبَاح، وأبو عليّ عمرو بن مالك الْجَنْبيّ، وميسرة مولاه، ومحمد بن كعب الْقُرَظيّ، وأبو يزيد الْخَوْلانيّ، وآخرون.
قال خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه: كان أبو الدرداء على القضاء بدمشق، فلما حضرته الوفاة قال له معاوية: من ترى لهذا الأمر؟ قال: فَضَالة بن عُبيد، فلما مات أرسل إلى فضالة فولاه، وقال أبو الحسن المداينيّ، وغير واحد: مات سنة ثلاث وخمسين، وقيل: مات سنة سبع وستين، والأول الصحيح.
وقال ابن حبان في "الصحابة": سكن مصر والشام، ومات في ولاية معاوية، وكان معاوية ممن حَمَلَ سريره، وقال أبو يونس: شَهِد فتح مصر، وولي بها البحر، والقضاء لمعاوية.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٩٦٨) و(١٥٩١) وكرّره أربع مرّات.
والباقون تقدّموا قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه وثمامة، فما أخرج لهم البخاريّ والترمذيّ، وغير الصحابيّ، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث.
٥ - (ومنها): أن قوله: (فِي رِوَايَةِ أَبِي الطَّاهِرِ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيَّ
[ ١٨ / ٥٥٥ ]
حَدَّثَهُ، وَفِي رِوَايَةِ هَارُونَ، أَن ثُمَامَةَ بْنَ شُفَيٍّ حَدَّثَهُ، قَالَ) فيه بيان اختلاف شيخيه؛ أي: الطاهر، وهارون، على شيخهما ابن وهب، في الأداء عنه، فوقع في رواية شيخه أبي الطاهر: قوله: "أن أبا عليّ الهمداني حدّثه "؛ أي: حدّث عمرو بن الحارث، ووقع في رواية هارون: قوله: "أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ شُفَيِّ حَدَّثَهُ"، فثمامة اسم أبي عليّ الذي في رواية أبي الطاهر، فأبو عليّ كنيته، وثمامة اسمه، والضمير المنصوب في "حدّثه" في الروايتين لعمرو بن الحارث، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن ثُمامة بن شُفيّ ﵀ أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة (ابْنِ عُبَيْدٍ) بالتصغير (بِأَرْضِ الرُّومِ) بضم الراء، قال في "القاموس": الرُّوم بالضمّ جِيلٌ من ولد الرُّوم بن عِيصو. انتهى (^١). وقوله: (بِرُودِسَ) قال النوويّ ﵀: هو براء مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم دال مهملة مكسورة، ثم سين مهملة، هكذا ضبطناه في "صحيح مسلم"، وكذا نقله القاضي عياض في "المشارق" عن الأكثرين، ونقل عن بعضهم بفتح الراء، وعن بعضهم بفتح الدال، وعن بعضهم بالشين المعجمة، وفي رواية أبي داود في "السنن" بذال معجمة، وسين مهملة، وقال: هي جزيرة بأرض الروم. انتهى.
وقال في "المنهل": هي جزيرة في البحر الأبيض المتوسط -بحر الروم- مقابل الإسكندرية على ليلة منها، فتحت سنة (٥٣) من الهجرة، في عهد معاوية - ﵁ -، وقام بها جماعة من المسلمين، كانوا أشدّاء على الكفّار، يعترضونهم في البحر، ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يُدرّ عليهم الأرزاق والعطايا، ولما تولى ابنه يزيد أخرجهم منها، ولم تزل تتقلّب عليها الأيدي حتى استولى عليها السلطان سليم الثاني سنة (٩٢٢) هجرية، وهي الآن تابعة لإيطاليا. انتهى (^٢).
_________________
(١) "القاموس" ٤/ ١٢٣.
(٢) "المنهل العذب" ٩/ ٧٢.
[ ١٨ / ٥٥٦ ]
(فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا (قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (^١). (فَأمَرَ فَضَالَة بْن كبَيْدٍ) - ﵁ - (بِقَبْرِهِ)؛ أي: بتسوية قبره (فَسُوِّيَ)؛ أي: جُعل مساويًا للأرض، لا مرتفعًا عليها (ثُمَّ قَالَ) فَضَالة - ﵁ - ذاكرًا لهم دليله على أمره بالتسوية (سَمِعْت رَسولَ اللهِ - ﷺ - يَأَمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا)؛ أي: جَعْلها مستوية بالأرض، أو المراد عدم جعلها مسنّمةً بل تُجعل مسطّحةً، وإن ارتفعت عن الأرض بقليل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث فَضَالة بن عُبيد - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٢٢٤٢] (٩٦٨)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣٢١٩)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٨٨) وفي "الكبرى" (١/ ٦٥٣)، و(أحمد) في "مسنده " (٦/ ١٨ و٢١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ٣١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): دل حديث فضالة بن عُبيد - ﵁ - هذا على أن المشروع تسوية القبر، لا تسنيمه، وفيه خلاف بين أهل العلم:
قال في "الفتح" عند شرح ما أخرجه البخاريّ من طريق أبي بكر بن عياش، عن سفيان التمار أنه حدثه: "أنه رأى قبر النبيّ - ﷺ - مسنّمًا" ما نصّه: قوله: "مسنّمًا"؛ أي: مرتفعًا، زاد أبو نعيم في "المستخرج": "وقبر أبي بكر، وعمر كذلك".
واستدلّ به على أن المستحبّ تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والمزنيّ، وكثير من الشافعيّة، وادَّعَى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه.
_________________
(١) "تنبيه المعلم" (ص ١٨٤).
[ ١٨ / ٥٥٧ ]
وتعقّب بأن جماعة من قدماء الشافعيّة استحبّوا التسطيح، كما نصّ عليه الشافعيّ، وبه جزم الماورديّ، وآخرون.
وقول سفيان التمّار لا حجة فيه، كما قال البيهقيّ؛ لاحتمال أن قبر النبيّ - ﷺ - لم يكن في الأول مسنّمًا، فقد روى أبو داود، والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال: "دخلتُ على عائشة - ﵂ -، فقلت: يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله - ﷺ -، وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور، لا مشرفة، ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصَة (^١) الحمراء"، زاد الحاكم: "فرأيت رسول الله - ﷺ - مقدّمًا، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبيّ - ﷺ -، وعمر رأسه عند رجلي النبيّ - ﷺ - ".
وهذا كان في خلافة معاوية - ﵁ - فكأنها كانت في الأول مسطّحة، ثم لما بُني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قِبَلِ الوليد بن عبد الملك صيّروها مرتفعة.
وقد روى أبو بكر الآجريّ في "كتاب صفة قبر النبيّ - ﷺ - " من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند، عن غُنيم بن بسطام المدينيّ، قال: رأيت قبر النبيّ - ﷺ - في إمارة عمر بن عبد العزيز، فرأيته مرتفعًا، نحوًا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه.
ثم الاختلاف في ذلك في أيّهما أفضل، لا في أصل الجواز، ورجّح المزنيّ التسنيم من حيث المعنى بأن السطيح يشبه ما يُصنع للجلوس، بخلاف المسنّم، ورجحه ابن قُدامة بأنه يشبه أبنية أهل الدنيا، وهو من شعار أهل البدع، فكان التسنيم أولى.
ويرجّح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فَضَالة بن عُبيد أنه أمر بقبر فَسُوِّيَ، ثم قال: "سمعت رسول الله - ﷺ - يأمر بتسويتها". انتهى ما في "الفتح" (^٢).
_________________
(١) العرصة- بفتح، فسكون-: البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء. اهـ. مصباح.
(٢) "الفتح" ٣/ ٦٣٠ - ٦٣١.
[ ١٨ / ٥٥٨ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب أن التسطيح هو المتعيّن؛ لحديث فضالة - ﵁ - المذكور في الباب، وأما ما حكاه سفيان التمّار، فلا حجة فيه؛ لما تقدم في كلام البيهقيّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٤٣] (٩٦٩) - (حَدثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَّا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ أَنْ لَا تَدَع تِمْثَالًا إِلا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلا سَوَّيْتَهُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، أو هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيةٌ جليلٌ، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت ١١٩) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١.
٤ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم جليلٌ [٢] (ت ٨٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٥ - (أَبُو الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيُّ) حيّان بن حُصين الكوفيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عليّ، وعمار، وعنه ابناه: جرير ومنصور، وأبو وائل، والشعبيّ.
قال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن عبد البر: كان كاتب عمار - ﵁ -، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا
[ ١٨ / ٥٥٩ ]
الحديث فقط، وله ذكر بلا رواية عند الترمذيّ (^١).
٦ - (عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) - ﵁ -، تقدّم قريبًا.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة غير شيوخه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والآخران ما أخرج لهما الترمذيّ، وغير أبي الهيّاج، فتفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ بهذا الحديث فقط.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير يحيى، فنيسابوريّ، وزهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - ذو مناقب جمّة، فهو أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة - ﵃ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ) بفتح الهاء، وتشديد الياء المثناة من تحت، وآخره جيم، قال السيوطيّ رحمه الله تعالى: ليس له في الكتب إلا هذا الحديث. انتهى (^٢). واسمه حيّان بن حصين (الْأَسَدِيِّ) بفتحتين أنه (قَالَ: قَالَ في عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) - ﵁ - (أَلَّا) يَحْتَمِل أن تكون "ألا" بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، وتشديدها، وهي أداة تحضيض، ومعناه طلب الشيء بحثّ، وهي تختصّ بالجملة الفعليّة، كما هنا، وكما قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٢] وقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٣].
(أَبْعَثُكَ)؛ أي: أرسلك (عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: إلى
_________________
(١) راجع: "تهذيب التهذيب" ٣/ ٥٩.
(٢) زهر الربى ٤/ ٨٨.
[ ١٨ / ٥٦٠ ]
مثل الذي أرسلني إليه - ﷺ -، وإنما عبّر بـ "على"؛ لما في البعث من معنى الاستعلاء والتأمير؛ أي: أجعلك أميرًا على ذلك، كما أمّرني عليه رسول الله - ﷺ - (^١).
وقوله: (أَنْ لَا تَدَعَ) يَحْتَمل أن تكون الجملة بيانًا لما بَعَث به النبيّ - ﷺ - عليًا - ﵁ -، و"أن" مصدرية، و"لا" نافية، فيكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: هو عدم تركك إلخ، ويَحْتَمِل أن تكون "أن" تفسيرية، و"لا" ناهية، والفعل مجزوم بها؛ أي: لا تترك … إلخ.
(تِمْثَالًا) بكسر التاء: هي الصورة المصوّرة، يقال: في ثوبه تماثيل؛ أي: صورة حيوانات مصوَّرة، قاله في "المصباح" (^٢)، وقال في "القاموس": التَّمْثَال بالفتح: التمثيل، وبالكسر: الصورة. انتهى (^٣).
(إِلَّا طَمَسْتَهُ)؛ أي: محوته، أو غَيَّرْتَه من هيئته، بقطع رأسه، أو نحو ذلك، وفي الرواية التالية: "ولا صورةً إلا طمستها".
قال القرطبيّ ﵀: والتِّمْثَال: مثال صورة ما فيه روح، وهو يعمّ ما كان متجسّدًا، وما كان مصوّرًا في رقم، أو نقش، لا سيّما وقد رُوي "صورة" مكان "تمثال"، وقيل: إن المراد به هنا ما كان له شخص وجسد، دون ما كان في ثوب، أو حائط منقوشًا.
قال: وطمسها: تغييرها، وذلك يكون بقطع رؤوسها، وتغيير وجوهها، وغير ذلك، مما يذهبها. انتهى كلام القرطبي ﵀ (^٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ تعميم طمس جميع أنواع الصور، فلا يستثنى منها شيء؛ لعموم النصوص الواردة في النهي عن اتخاذها، والأمر بتغييرها، وأن إبقاءها منكر، والله تعالى أعلم.
(وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا) اسم فاعل، من الإشراف، وهو الارتفاع؛ أي: مرتفعًا عن الأرض.
قال السنديّ ﵀: قيل: المراد هو الذي بُني عليه حتى ارتفع، دون
_________________
(١) "المرعاة" ٥/ ٤٣٥.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٦٤.
(٣) "القاموس المحيط" ٤/ ٤٩.
(٤) "المفهم" ٢/ ٦٢٥.
[ ١٨ / ٥٦١ ]
الذي أُعلم عليه بالرمل، والحصى، والحجر؛ ليعرف، فلا يوطأ، ولا فائدة في البناء عليه، فلذلك نُهي عنه. وذهب كثير إلى أن الارتفاع المأمور إزالته ليس هو التسنيم على وجه يُعلم أنه قبر، والظاهر أن التسوية لا تُناسب التسنيم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب أن معنى التسوية هو التسطيح، وهو غير التسنيم، فلا يُشرع التسنيم؛ لأنه مما لا يدلّ عليه دليل؛ والله تعالى أعلم.
(إِلَّا سَوَّيتَهُ)؛ أي: ألصقته بالأرض، قال النوويّ ﵀: فيه أن السنّة أن القبر لا يُرفع على الأرض رفعًا كثيرًا، ولا يُسنّم، بل يُرفع نحو شبر، ويسطّح، وهذا مذهب الشافعيّ، ومن وافقه، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسويتها، وهو مذهب مالك. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر الحديث على ما نقله القاضي عياض عن أكثر العلماء، وأما التسنيم، وكذا رفعه نحو شبر فمما لا دليل عليه، كما تقدم.
[تنبيه]: قال في "المنهل العذب المورود": واتفق العلماء على استحباب رفع القبر نحو شبر؛ ليُعلم أنه قبر، فيتوقى، ويُترخم على صاحبه، إلا أن يكون مسلمًا في دار الحرب، فيُخفى قبره؛ مخافةَ أن يَتعرّض له الكفّار بالأذى. انتهى (^٣).
قمال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى اتفاق العلماء على استحباب رفع القبر شبرًا غير صحيحة؛ لما تقدم من أن التسطيح هو قول مالك، وأكثر العلماء، فأين الاتفاق المزعوم؟ واستدلاله بما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي، من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه: "أن رسول الله - ﷺ - رشّ على قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء، ورفعه شبرًا"، غير صحيح؛ لأنه مرسل، فلا يصلح لردّ ما صحّ عنه - ﷺ - من حديث عليّ - ﵁ - هذا، وحديث فضالة - ﵁ - المتقدم.
_________________
(١) "شرح السندي" ٤/ ٨٨.
(٢) "شرح مسلم" ٧/ ٤٠.
(٣) "المنهل العذب" ٩/ ٧٠.
[ ١٨ / ٥٦٢ ]
وأما قوله: ليعلم أنه قبر إلخ، فليس ذلك مما يحيى المحظور، من رفعه عن الأرض؛ لأن كونه قبرًا يعلم من طريق آخر مأذون فيه شرعًا، وهو وضع الحجر عليه حتى يُعلم أنه قبر، كما وضع النبيّ - ﷺ - على قبر عثمان بن مظعون - ﵁ - حجرًا، فقد أخرج أبو داود بإسناد حسن، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، قال: لما مات عثمان بن مظعون، أُخرج بجنازته، فدُفن، فأمر النبيّ - ﷺ - رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله - ﷺ -، وحَسَرَ عن ذراعيه، قال كثير: قال المطَّلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله ل - ﷺ - قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله - ﷺ - حين حسر عنهما، ثم حملها، فوضعها عند رأسه، وقال: "أتعلّم بها قبر أخي، وأَدْفِن إليه من مات من أهلي".
وفي إسناده كثير بن زيد مولى الأسلميين، تكلّم فيه بعضهم، ووثّقه ابن عمّار الموصليّ، وابن حبّان، وقال أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال ابن معين: لا بأس به، وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به (^١).
وبالجملة فهو حسن الحديث (^٢)، فهو دليلٌ على جواز وضع الحجر علامة على القبر؛ ليُعرف أنه قبرٌ، وعلى دفن بعض الأقارب بقرب بعض، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ بن أبي طالب - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٢٢٤٣ و٢٢٤٤] (٩٦٩)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣٢١٨)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٤٩)، و(النسائيّ) في
_________________
(١) راجع ترجمته في: "تهذيب التهذيب" ٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩.
(٢) وقد حسّن الحديث الشيخ الألبانيّ ﵀.
[ ١٨ / ٥٦٣ ]
"الجنائز" (٤/ ٨٨)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٨٩ و٩٦ و١٢٨)، و(عبد الله بن أحمد) في "زوائده" (١/ ١١١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٨)، و(الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٥٢٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣) و"المعرفة" (٣/ ١٨٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ٢٨٥ و٢٨٦ و٤٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بتسوية القبور إذا كانت مرتفعة.
٢ - (ومنها): شدة اعتناء النبي - ﷺ - بإزالة المنكرات.
٣ - (ومنها): إزالة المنكر باليد، كما قال النبيّ - ﷺ -: "من رأى منكم منكرًا، فليغيّره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، رواه مسلم.
٤ - (ومنها): عدم جواز رفع القبر عن وجه الأرض.
٥ - (ومنها): وجوب محو صور ذوات الأرواح، أو تغييرها عن هيئتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال العلامة الشوكانيّ ﵀ عند شرح حديث الباب ما نصّه: فيه أن السنة أن القبر لا يُرفع رفعًا كثيرًا، من غير فرق بين من كان فاضلًا، ومن كان غير فاضل.
والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرّم، وقد صرّح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة من أصحاب الشافعيّ، ومالك، والقول بأنه غير محظور؛ لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير -كما قال الإمام يحيى، والمهديّ في "الغيث"- لا يصحّ؛ لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك، والسكوت لا يكون دليلًا؛ إذا كان في الأمور الظنّيّة، وتحريم رفع القبور ظنّيّ.
ومِنْ رَفْعِ القبور الداخل تحت الحديث دخولًا أوّليّا الْقُبَبُ، والْمَشَاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبيّ - ﷺ - فاعل ذلك، وكم قد سَرَى عن تشييد أبنية القبور، وتحسينها، من مفاسد يَبكِي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفّار للأصنام، وعظم ذلك، فظنّوا أنها قادرة على جلب النفع، ودفع الضرّ، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء
[ ١٨ / ٥٦٤ ]
الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربّهم، وشدّوا إليها الرحال، وتمسّحوا بها، واستغاثوا.
وبالجملة إنهم لم يَدَعُوا شيئًا، مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل زاد هؤلاء على ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويدعونها في الرخاء، فإذا أصابتهم شدة أخلصوا التوحيد لله تعالى، والتجأوا إليه، وتركوها، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وأما هؤلاء فالرخاء والشدة عندهم سواء، فلا يزالون يقولون في جميع أحوالهم: يا سيدي فلان أغثنا، أنقذنا مما نحن فيه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون.
قال ﵀: ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع لا نجد مَن يغضب لله، وَيغَار، حميّة للدين الحنيف، لا عالمًا، ولا متعلمًا، ولا أميرًا، ولا وزيرًا، ولا ملكًا.
قال الجامع عفا الله عنه: بل صار الأمر بالعكس، فكم ممن ينتسب إلى العلم يراهم، ويسمعهم، فلا يُنكر عليهم، بل العلماء أنفسهم شركاء لهم في ذلك، بل هم أشد منهم، فإنهم يؤلفون كتبًا في الاستغاثة بهم، ويقرؤونها عند قبورهم، أو غيرها من المجالس، فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
يَا مُصْلِحَ الْعِبَادِ يَا مِلْحَ الْبَلَدْ … مَنْ يُصْلِحُ الْمِلْحَ إِذَا الْمِلْحُ فَسَدْ
قال ﵀: وقد تواردت إلينا من الأخبار ما لا يُشكّ معه أن كثيرًا، من هؤلاء القبوريين (^١)، أو أكثرهم إذا توجهتْ عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك، ومعتقدك الوليّ الفلانيّ تلعثم، وتلكّأ، وأبى، واعترف بالحقّ، وهذا من أبين الأدلّة الدالّة على أن
_________________
(١) هكذا اشتهر على الألسنة، والصواب القبريين؛ لأنه إذا نسب إلى الجمع يرد إلى واحدة، كما قال ابن مالك: وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ … إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ
[ ١٨ / ٥٦٥ ]
شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة.
فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين؛ أيّ رَزْءٍ للإسلام أشدّ من الكفر؟، وأيّ بلاء لهذا الدين أضرّ عليه من عبادة غير الله؟ وأيّ مصيبة يُصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟، وأيّ منكر يجب إنكاره، إن لم يكن إنكار الشرك البيّن واجبًا؟.
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا … وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ … وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ
انتهى كلام العلامة الشوكاني ﵀، ولقد أحسن، وأجاد، وأفهم، وأفاد، فجزاه الله تعالى على هذا التذكير العظيم وإنكار هذا المنكر الجسيم خير الجزاء، إنه بعباده عليم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٤٤] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيِّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدثنِي حَبِيبٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: "وَلَا صُورَةً إِلا طَمَسْتَهَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية يحيى القطّان، عن سفيان الثوريّ هذه ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(٢٠٣١) - أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدثنا يحيى، قال: حدّثنا سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الْهَيّاج، قال: قال على - ﵁ -: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -: "لا تَدَعَنَّ قبرًا مُشْرِفًا إلا سوّيته، ولا
[ ١٨ / ٥٦٦ ]
صورةً في بيت إلا طمستها". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.