وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٥] (١٠٢٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، يَعْنِي ابْنَ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -﵄-، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُول اللهِ -ﷺ-: "أَنْفِقِي، أَوِ انْضِحِي، أَوِ انْضَحِي، وَلَا تُحْصِي، فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (حَفْصُ بْنَ غِيَاثٍ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٣ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٤ - (فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ) بن الزبير بن الْعَوّام، زوج هشام بن عروة المدنيّة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدمت في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨١.
٥ - (أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ -﵄-) زوج الزبير بن العوّام، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدمت في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وحفص، فكوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن زوجته، عن جدّتهما لأبويهما.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة.
[ ١٩ / ٥٣٣ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -﵂-) أنها (قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أَنْفِقِي) بقطع الهمزة، أمر من الإنفاق (أَوِ انْضِحِي، أَوِ انْفَحِي) "أو" في الموضعين للشكّ من الراوي، قال النوويّ ﵀: أما "انفحي"، فبفتح الفاء، وبحاء مهملة، وأما "انضحي" فبكسر الضاد، ومعنى "انفحي"، و"انضحي": أعطي، والنفح والنضح: العطاءُ، ويُطْلق النضح أيضًا على الصبّ، فلعله المراد هنا، ويكون أبلغ من النفح. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "فبكسر الضاد"، الذي في "المصباح المنير" أن نضح من بابي ضرب ونفع، فيكون بكسر الضاد وفتحها (^٢)، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "انفحي … إلخ" معناه: أعطي، وأصل النفح: الضرب بالعصا، أو بالسيف، وكأن الذي يُنفق يضرب المعطَى له بما يُعطيه، وَيحْتَمل أن يكون من نَفَحَ الطيب: إذا تحرّكت رائحته؛ إذ العطيّة تُستطاب كما تُستطاب الرائحة الطيِّبَةُ، أو من نفحت الريح: إذا هبّت باردةً، فكأنه أمر بعطيّة سهلة كثيرة، وفي حديث أبي ذرّ -﵁-: "ونَفَحَ به يمينًا وشمالًا"؛ أي أعطاه في كلّ وجه، وأصل النضح: الرشّ، وكأنه أمر بالصدقة بما تيسّر، وإن كان قليلًا. انتهى (^٣).
(وَلَا تُحْصِي) من الإحصاء، وهو معرفة قدر الشيء، أو وزنه، أو عدده (فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ") بالنصب؛ لوقوعه بعد الفاء السببيّة، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
قيل: هذا من مقابلة اللفظ باللفظ، وتجنيس الكلام بمثله في جوابه، كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]؛ أي يمنعك كما منعت، ويُقتّر عليك كما قتّرت، ويُمسك فضله عنك كما أمسكته، وقيل: معناه لا تُحصي ما تُعْطِي؛ أي لا تَعُدِّيه، فتستكثريه، فيكون سببًا لانقطاع إنفاقك (^٤)،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١١٨.
(٢) راجع: "المصباح" ٢/ ٦٠٩.
(٣) "المفهم" ٣/ ٧٣.
(٤) "شرح النووي" ٧/ ١١٩.
[ ١٩ / ٥٣٤ ]
وقيل: قد يراد بالإحصاء والوعي هنا عَدُّه؛ خوفَ أن تزول البركة منه، كما قالت عائشة -﵂-: "حتى كِلْناه ففني" (^١)، وقيل: إن عائشة -﵂- عَدَّت ما أنفقته فنهاها رسول الله -ﷺ- عن ذلك (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٢٣٧٥ و٢٣٧٦ و٢٣٧٧، (١٠٢٩)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٣٣ و١٤٣٤) و"الهبة" (٢٥٩٠ و٢٥٩١)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٥٠ و٢٥٥١) و"الكبرى" (٢٣٣١ و٢٣٣٢)، و(أبو داود) في "الزكاة" (١٦٩٩)، و(الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (١٩٦٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٦٦١٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٤٥ و٣٤٦ و٣٥٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤/ ٩٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٦ و١٤٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٢ - ١٠٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٧ و٦/ ٦٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على الإنفاق في وجوه الخير، والنهي عن الإمساك والبخل، وعن ادّخار المال في الوعاء.
_________________
(١) أشار به إلى ما أخرجه الشيخان من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂-، قالت: تُوُفِّي رسول الله -ﷺ-، وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رَفٍّ لي، فأكلت منه، حتى طال عليّ، فكِلْته ففني"، زاد في رواية أحمد: "فليتني لم أكن كِلْته".
(٢) "عمدة القاري" ٨/ ٣٠٠، وأشار بهذا إلى ما أخرجه أبو داود بسند صحيح، عن عائشة -﵂- أنها ذكرت عدّة من صدقة، فقال لها رسول الله -ﷺ-: "أعطي، ولا تُحصي، فيُحصَى عليك".
[ ١٩ / ٥٣٥ ]
٢ - (ومنها): كراهة إحصاء الصدقة؛ لئلا يكون سببًا للبخل، وانقطاع فضل الله تعالى.
٣ - (ومنها): بيان أن إحصاء الصدقة سبب لبخل؛ لأن النفس تستكثر ما تتصدّق به، فتبخل.
٤ - (ومنها): أن إحصاء الصدقة سبب لحبس الرزق، وقطع فضل الله تعالى.
٥ - (ومنها): بيان أن الجزاء من جنس العمل.
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابيّات من العناية بالسؤال عما يُشكل عليهنّ من أمور دينهنّ.
٧ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من العناية بتعليم أمته السخاء والجود حتى يُفيض الله ﷿ عليهم بركاته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ، وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "انْفَحِي، أَوِ انْضَحِي، أَوْ أَنْفِقِي، وَلَا تُحْصِي، فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي، فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ) أبو معاوية الضرير تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (عَبَّادُ بْنُ حَمْزَة) بن عبد الله بن الزبير الأسديّ، أخو عبد الله بن حمزة، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن جدة أبيه أسماء بنت أبي بكر، وأختها عائشة أم المؤمنين، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ.
[ ١٩ / ٥٣٦ ]
ورَوَى عنه ابن عم أبيه هشام بن عروة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الزهريّ: كان سخيًّا سَرِيًّا، أحسن الناس وجهًا، له عند مسلم والنسائي حديث: "لا تحصي فيحصي الله عليك".
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والنسائيّ (^١)، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (وَلَا تُوعِي، فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ) بعين مهملة، من أوعيت المتاعَ في الوعاء أُوعيه: إذا جعلته فيه، ووَعَيتُ الشيءَ: حفظته (^٢)، وفي رواية للبخاريّ بلفظ: "لا تُوكي، فيوكَى عليك"، من أوكى يوكي إيكاءً، يقال: أوكى ما في سقائه: إذا شدّه بالوكاء، وهو الخيط الذي يُشَدّ به رأس القِرْبة، وأوكى علينا: أي بَخِل.
وقوله: "فيوكَى عليك" بفتح الكاف على صيغة المجهول، والمعنى: لا توكي مالك عن الصدقة؛ خشيةَ نفاده، فيوكي الله عليك، أو يمنعك، ويقطع مادة الرزق عنك.
وقال المناويّ ﵀: الإيكاء شَدُّ رأس الوعاء بالوكاء، وهو هنا مجاز عن الإمساك، فالمعنى: لا تمسكي المال في الوعاء، وتوكي عليه، فيمسك الله فضله عنك، كما أمسكت فضل ما أعطاك الله، فإن الجزاء من جنس العمل، ومَن عَلِم أن الله يرزقه من حيث لا يحتسب، فحقه أن يعطي ولا يَحْسُب، وفيه النهي عن منع الصدقة خشية النفاد، وأنه أعظم الأسباب لقطع مادة البركة، وأنه تعالى يثيب على العطاء بغير حساب. انتهى (^٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) ليس في "المجتبى"، وإنما هو في "عشرة النساء" من "الكبرى" برقم (٩١٩٥) فتنبّه.
(٢) "عمدة القاري" ٨/ ٢٩٩.
(٣) "فيض القدير" ١/ ٥٦٣.
[ ١٩ / ٥٣٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثنا هِشَامٌ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَهَا نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية محمد بن بشر، عن هشام بن عروة هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده" (٦/ ٣٤٦) فقال:
(٢٦٩٨٠) - حدّثنا عبد اللهِ، حدّثني أَبِي، ثنا محمد بن بِشْرٍ، قال: ثنا هِشَامُ بن عُرْوَةَ، عن فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ مُحْصِيَةَ، وَعَنْ عَبَّادِ بن حَمْزَةَ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قال لها: "أنفقي، أَوِ انضحي، أَوِ انفحي، هَكَذَا وَهَكَذَا، وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكِ، وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ الله عَلَيْكِ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَسْمَاءَ بنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- (^١)، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ، إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، فَهَلْ
_________________
(١) وفي نسخة: "جاءت إلى النبيّ -ﷺ-".
[ ١٩ / ٥٣٨ ]
عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَرْضَخَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: "ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ، وَلَا تُوعِي، فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصّيصيّ، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٥ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مليكة زُهير بن عبد الله التيميّ المكيّ، ثقة فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٢.
٦ - (عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام، كان قاضي مكة زمن أبيه، وخليفته إذا حجّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الجنائز" ٣٢/ ٢٢٥٢.
و"أسماء" -﵁- ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني ما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، عن جدّته.
شرح الحديث:
(عَنْ أَسْمَاء بنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق -﵂- (أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ -ﷺ-) بالنصب مفعولًا لـ"جاء"؛ لأَنه يتعدّى بنفسه، يقال: جئتُ زيدًا: إذا أتيت إليه، ويتعدّى بـ "إلى" أيضًا، فيقال: جئت إليه على معنى ذهبتُ إليه، أفاده في "المصباح"
[ ١٩ / ٥٣٩ ]
(فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ، إلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ) بن العوّام بن خُوَيلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كِلاب، أبو عبد الله القرشيّ الأسديّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، قُتل سنة (٣٦) بعد مُنصَرَفه من وقعة الْجَمَل.
والمعنى: ليس لي مالٌ أتصدّق به على المساكين، إلا الذي أعطاني زوجي الزبير قوتًا، أو أعمّ من ذلك.
(فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ) بضمّ الجيم؛ أي إثمٌ (أَنْ أَرْضَخَ) بفتح الضاد المعجمة: أي أعطي قليلًا. يقال: رَضَختُ له رَضْخًا، من باب نَفَعَ، ورَضِيخًا: أعطيته شيئًا ليس بالكثير، والمال رَضْخٌ، تسميةً بالمصدر، أو فَعْلٌ بمعنى مفعول، مثلُ ضَرْبِ الأمير، وعنده رَضْخٌ من خيرٍ: أي شيءٌ منه، قاله الفيّوميّ. (مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟) أي من المال الذي يُدخِله الزبير عليّ، فحُذف عائد الموصول؛ لكونه فضلة، كما قال في "الخلاصة":
… … … … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ
(فَقَالَ) -ﷺ- ("ارْضَخِي) بفتح الضاد المعجمة، بعدها خاء معجمة أيضًا، والهمزة فيه همزة وصل؛ لكونه ثلاثيًّا، كما سبق آنفًا، وهذا محمولٌ على ما أعطاها الزبير لنفسها بسبب نفقة وغيرها، أو مما هو ملك للزبير، ولا يَكرَه الصدقةَ منه، بل يرضى به على عادة غالب الناس، وقد سبق بيان المسألة قريبًا، أفاده النوويّ ﵀ (^١). (مَا اسْتَطَعْتِ) قال النوويّ ﵀: معناه مما يَرضَى به الزبير، وتقديره: إنّ لكِ في الرضخ مراتبَ مباحةً، بعضها فوق بعض، وكلّها يرضاها الزبير، فافعلي أعلاها، أو يكون معناه: ما استطعت مما هو ملك لك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأخير بعيدٌ، يردّه سياق الحديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَلَا تُوعِي) بالعين المهملة، يقال: أوعيتُ المتاع في الوعاء أُوعِيهِ: إذا
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ على صحيح مسلم" ٧/ ١٢٠.
[ ١٩ / ٥٤٠ ]
جعلته فيه، وفي رواية النسائيّ: "وَلَا تُوكِي" بالكاف بدل العين، من الإيكاء، وهو شدّ رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يُربط.
(فَيُوعِيَ اللهُ) ﷿ (عَلَيْكِ") أي يمنعك كما منعت، ويقتّر عليك كما قتّرت، ويمسك فضله عنك، كما أمسكت فضلك عن الفقراء والمساكين، ولفظ النسائيّ: "فيوكي الله ﷿ عليك" بالكاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٢٣٧٨] و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٣٤) و"الهبة" (٢٥٩٠)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٥١) و"عشرة النساء" من "الكبرى" (٩١٩٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٥٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٣)، وفوائده تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.