وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٧٣] (٩٨٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فَرَسِهِ (^١) صَدَقَةٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] (ت ١٨٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولى ابن عمر، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
_________________
(١) وفي نسخة: "ولا في فرسه".
[ ١٩ / ٦٢ ]
٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الْهلاليّ المدنىّ، مولى ميمونة، أو أم سلمة، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، من كبار [٣] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٩.
٥ - (عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ) الغفاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، رَوَى بعضهم عن بعض: عبد الله بن دينار، وسليمان بن يسار، وعراك بن مالك، وكلهم مدنيّون.
٥ - (ومنها): أن سليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة.
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ) خَصّ المسلم، وإن كان الصحيح من أقوال العلماء أن الكافر مكلّف بالفروع؛ لأنه ما دام كافرًا لا تُقبل منه حتى يُسلِم، وإذا أسلم سقطت منه؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله (^١). (فِي عَبْدِهِ)؛ أي: رقيقه، ذكرًا كان أو أنثى، ونفَى الصدقة في العبد مطلقًا، لكنه مقيّدٌ بما ثبت في الرواية الآتية: "ليس في العبد صدقة، إلا صدقة الفطر"، ولأبي داود: "ليس في الخيل، والرقيق زكاة، إلا زكاة الفطر".
_________________
(١) راجع: "المرعاة" ٦/ ٩٠.
[ ١٩ / ٦٣ ]
(وَلَا فَرَسِهِ) وفي نسخة: "ولا في فرسه"، والمراد: الشامل للذكر والأنثى، وجمعه الخيل، من غير لفظه، قال في "القاموس": الْخَيْلُ: جماعة الأفراس، لا واحد له، أو واحدة خائلٌ؛ لأنه يختال، جمعه أَخْيَالٌ، وخُيُول، ويُكسرُ، والْفُرْسان، ومنه ما روي: "يا خيل الله اركبي"؛ أي: يا رُكّاب خيل الله. انتهى بزيادة.
وقال في "المصباح": الْخَيْلُ: معروفة، وهي مؤنّثةٌ، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خُيُولٌ. قال بعضهم: وتطلق الخيل على العِرَاب، وعلى الْبَرَاذِين، وعلى الفُرْسَان، وسميت خيلًا؛ لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا، ومنه يقال: اختال الرجلُ، وبه خُيَلاءُ، وهو الكبر والإعجاب. انتهى (^١).
(صَدَقَةٌ")؛ أي: زكاة، قال في "الفتح" عند قول البخاريّ ﵀: "باب ليس على المسلم في فرسه صدقة": قال ابن رُشيد: أراد بذلك الجنس في الفرس، والعبد، لا الفرد الواحد؛ إذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرّف، والفرس المعدّ للركوب، ولا خلاف أيضًا أنها لا تؤخذ من الرقاب، وإنما قال بعض الكوفيين: يؤخذ منها بالقيمة.
ولعلّ البخاريّ أشار إلى حديث عليّ - ﵁ - مرفوعًا: "قد عفوت عن الخيل، والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَّةِ"، أخرجه أبو داود، وغيره (^٢) وإسناده حسن.
والخلاف في ذلك عن أبي حنيفة إذا كانت الخيل ذُكرانًا وإناثًا نظرًا إلى النسل، فإذا انفردت فعنه روايتان، ثمّ عنده أن المالك يتخيّر بين أن يخرج عن كلّ فرس دينارًا، أو يقوّم، ويُخرج ربع العشر.
واستُدِلّ عليه بهذا الحديث، وأُجيب بحمل النفي فيه على الرقبة، لا على القيمة.
واستَدَلّ به من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقًا، ولو
_________________
(١) راجع: "القاموس"، و"المصباح المنير" في مادّة: (خال).
(٢) أخرجه النسائي برقم (٢٤٧٧ و٢٤٧٨).
[ ١٩ / ٦٤ ]
كانا للتجارة، وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره، فيخصّ به عموم هذا الحديث. انتهى (^١).
وتعقّب بعضهم دعوى الإجماع المذكور، فقال: كيف الإجماع مع خلاف الظاهرية؟.
قال: وأجيبوا بأن زكاة التجارة متعلّقها القيمة، لا العين، فالحديث يدلّ على عدم التعلّق بالعين، فإنه لو تعلّقت الزكاة بالعين من العبيد والخيل لثبتت ما بقيت العين، وليس كذلك، فإنه لو نوى القنية لسقطت الزكاة، والعين باقية، وإنما الزكاة متعلّقة بالقيمة بشرط نيّة التجارة.
قال النوويّ ﵀: هذا الحديث أصل في أنّ أموال القنية لا زكاة فيها، وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق؛ إذا لم تكن للتجارة.
وبهذا قال العلماء كافّة، من السلف والخلف، إلا أبا حنيفة، وشيخه حماد بن أبي سليمان، وزفر، فأوجبوا في الخيل على تفصيل سيأتي قريبًا، قال النوويّ: وليس لهم حجة في ذلك، وهذا الحديث صريحٌ في الرّدّ عليهم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٢٧٣ و٢٢٧٤ و٢٢٧٥ و٢٢٧٦] (٩٨٢)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٦٣ و١٤٦٤)، و(أبو داود) في "الزكاة" (١٥٩٤ و١٥٩٥)، و(الترمذيّ) في "الزكاة" (٦٢٨)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٤٦٧ و٢٤٦٨ و٢٤٦٩ و٢٤٧٠ و٢٤٧١ و٢٤٧٢) و"الكبرى" في (٢٢٤٦ و٢٢٤٧ و٢٢٤٨ و٢٢٤٩ و٢٢٥٠ و٢٢٥١)، و(ابن ماجه) في "الزكاة" (١٨١٢)، و(أحمد) في "مسند" (٢/ ٢٤٢ و٢٥٤ و٤١٠ و٤٦٩ و٤٧٠ و٤٧٧)، و(مالك) في "الموطأ" (١/ ٢٧٧)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٨٧.
[ ١٩ / ٦٥ ]
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الزكاة في الخيل:
ذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا زكاة في الخيل إلا إذا كانت للتجارة.
وذهب أبو حنيفة، وشيخه حماد بن أبي سليمان، وزفر فأوجبوا فيها الزكاة؛ إذا كانت إناثًا، أو ذكورًا وإناثًا، في كلّ فرس دينارًا، وإن شاء قوّمها، وأخرج عن كلّ مائتي درهم خمسة دراهم.
احتجّ الجمهور بحديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور في الباب، وبحديث عليّ - ﵁ - الآتي بعد باب.
قال أبو عُبيد في "كتاب الأموال" (ص ٤٦٥): إيجاب الصدقة في سائمة الخيل التي يبتغي منها النسل ليس على اتّباع السنّة، ولا على طريق النظر؛ لأن رسول الله - ﷺ - قد عفا عن صدقتها، ولم يستثن سائمة، ولا غيرها، وبه عملت الأئمة، والعلماء بعده فهذه السنّة.
وأما في النظر فكان يلزمه إذا رأى فيها صدقة أن يجعلها كالماشية؛ تشبيهًا بها؛ لأنها سائمة مثلها، ولم يَصِر إلى واحد من الأمرين، على أن تسمية سائمتها قد جاءت عن غير واحد من التابعين بإسقاط الزكاة منها، ثم روى عن إبراهيم، والحسن، وعمر بن عبد العزيز.
وأجاب الحنفيّة عن حديث أبي هريرة - ﵁ - بأنه محمول على فرس الركوب، والحمل، والجهاد في سبيل الله؛ لما روي أن زيد بن ثابت - ﵁ - لما بلغه حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: صدق، إنما أراد رسول الله - ﷺ - فرس الغازي. ذكره صاحب "الهداية" تبعًا لأبي زيد الدبوسيّ.
قال الحافظ في "الدراية" (ص ١٥٨): تبع صاحب "الهداية" في ذلك أبا زيد الدبوسيّ، فإنه نقله عن زيد بن ثابت بلا إسناد. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الزكاة في الخيل، والرقيق؛ لحديث الباب.
وقد ذكر العلّامة عبيد الله بن محمد المباركفوريّ، صاحب "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" ﵀ أدلة الحنفيّة وناقشها كلها، فأجاد، وأفاد، بما لا تجده في كتاب غيره، فجزاه الله تعالى خيرًا، فإن شئت فراجعه
[ ١٩ / ٦٦ ]
في (٦/ ٩٠ - ٩٦) تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٧٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ عَمْرٌو: عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -، وَقَالَ زُهَيْرٌ: يَبْلُغُ بِهِ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ، وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم قبل باب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (أيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو موسى المكيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الحيض" ١١/ ٧٥٠.
٥ - (مَكْحُولٌ) الشاميّ، أبو عبد الله، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ، كثير الإرسال [٥] مات سنة بضع عشرة ومائة (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ عَمْرٌو: عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -، وَقَالَ زُهَيْرٌ: يَبْلُغُ بِهِ) أشار به إلى بيان اختلاف شيخيه في صيغ الأداء، فقال عمرو الناقد: "عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ -"، وقال زهير بن حرب: "عن أبي هريرة يبلغ به"؛ أي: يرفع الحديث إلى النبيّ - ﷺ -، وهذه الصيغة من صيغ الرفع حكمًا، وإنما عدل عن الصيغة المعروفة، مثل "سمع"، أو "قال"، أو "عن" مثلًا لكونه نسي الصيغة التي سمعها من شيخه، مع أنه تأكّد من رفعه، فأتى بصيغة تحتمل كلّ الصيغ، وهي قوله: "يبلغ به"، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى غير مرّة، فلا تكن من الغافلين.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
[ ١٩ / ٦٧ ]
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٧٥] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، كُلُّهُمْ عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) الأزديّ الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٥ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٦ - (خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ) الغفاريّ المدنيّ، ثقة (^١) [٦].
رَوَى عن أبيه، وسليمان بن يسار، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويحيى بن سعيد القطان، وحماد بن زيد، وسلمان بن بلال، وحاتم بن إسماعيل، وغيرهم.
وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العقيليّ: ليس
_________________
(١) هذا أولى من قوله في "التقريب": لا بأس به، فقد روى عنه جماعة، ووثقه النسائيّ وغيره، وأخرج له الشيخان، فتنبّه.
[ ١٩ / ٦٨ ]
به بأس، وقال الأزديّ: منكر الحديث، وقال ابن حزم: لا تجوز الرواية عنه، قال الحافظ: وهي مجازفة صعبة، ولعل مستند من وَهّاه ما ذكره أبو عليّ الكرابيسيّ في "كتاب القضاء": حدثنا سعيد بن زبير، ومصعب الزبيريّ، قالا: استفتى أمير المدينة مالكًا عن شيء، فلم يُفْته، فأرسل إليه: ما منعك من ذلك؟ فقال مالك: لأنك وَلَّيت خُثيم بن عراك بن مالك على المسلمين، فلما بلغه ذلك عزله. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر الحافظ الحكاية، ولم يُجب عنها، وعندي أنها لا تكون موجبة لضعف خثيم، كما اعتمده الأزديّ، وابن حزم؛ لأن إنكار مالك توليته للقضاء يَحتمل لأمر آخر، لا صلة له برواية الحديث.
والحاصل أن خثيمًا ثقةٌ كما وثّقه النسائيّ وغيره، وروى عنه جماعة، وأخرج له الشيخان في "صحيحيهما"، فتنبّه.
ثم رأيت الحافظ أجاب في "الهدي"، وأجاد، فقال: خُثيم بن عراك بن مالك الغفاريّ، وثّقه النسائيّ، وابن حبّان، والعقيليّ، وشذّ الأزديّ، فقال: منكر الحديث، وغفل أبو محمد بن حزم، فاتّبع الأزديّ، وأفرط، فقال: لا تجوز الرواية عنه، وما درى أن الأزديّ ضعيف، فكيف يُقبل منه تضعيف الثقات؟. انتهى (^١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٩٨٢) و(١٥٥٩) و(٢٥١٦).
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية خثيم، عن أبيه هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(١٤٦٤) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن خُثيم بن عِرَاك، قال: حدّثني أبي، عن أبي هريرة - ﵁ -. وحدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا وهيب بن خالد، حدّثنا خُثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "ليس على المسلم صدقة في عبده، ولا في
_________________
(١) "هدي الساري" (ص ٤٢٠).
[ ١٩ / ٦٩ ]
فرسه". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٧٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي (^١) مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَيْسَ في الْعَبْدِ صَدَقَةٌ، إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) المصريّ المعروف بابن التستريّ، صدوقٌ، تُكلّم في بعض سماعه بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤.
٢ - (مَخْرَمَةُ) بن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوق [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٣ - (أَبُوهُ) بُكير بن عبد الله بن الأشجّ الْمَخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنىّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
والباقون تقدّموا في الباب، والباب الماضي.
وقوله: (إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ) قال النوويّ ﵀: هذا صريح في وجوب صدقة الفطر على السيد عن عبده، سواءٌ كان للقنية أم للتجارة، وهو مذهب مالك، والشافعىّ، والجمهور، وقال أهل الكوفة: لا يجب في عبيد التجارة، وحُكِيَ عن داود أنه قال: لا تجب على السيد، بل تجب على العبد، ويَلْزَم السيدَ تمكينه من الكسب؛ ليؤديها، وحكاه القاضي عن أبي ثور أيضًا، ومذهب الشافعيّ، وجمهور العلماء أن المكاتب لا فطرة عليه، ولا على سيده، وعن عطاء، ومالك، وأبي ثور وجوبها على السيد، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعيّ؛ لقوله - ﷺ -: "المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم" (^٢)، وفيه وجه أيضًا لبعض أصحابنا
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا".
(٢) حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود في "سننه" بسند حسن.
[ ١٩ / ٧٠ ]
أنها تجب على المكاتب؛ لأنه كالحرّ في كثير من الأحكام. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال: إنها تجب على سيّده هو الحقّ؛ للحديث المذكور، وسيأتي تمام البحث فيه بعد باب -إن شاء الله تعالى-.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: فإن قلت: كيف أخرج المصنّف رواية مخرمة عن أبيه، وهي متكلّم فيها؛ لأنها وجادة من كتابه، كما قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما؟.
[قلت]: لم ينفرد بها مخرمة، فقد تابعه جماعة في روايتها عن أبيه، وهم: مكحول، وجعفر بن ربيعة، وموسى بن عقبة. فاما رواية مكحول، فأخرجها ابن خزيمة في "صحيحه" (٤/ ٨٢) فقال:
(٢٣٩٦) - حدّثنا محمد بن حكيم، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا أسامة بن زيد، عن مكحول، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "ليس على المسلم في فرسه، ولا في عبده، ولا وليدته صدقة، إلا صدقة الفطر".
وأخرجه أيضًا الدارقطنيّ في "سننه" (٢/ ١٢٧) فقال:
(٨) - حدّثنا سعيد بن محمد بن أحمد الحناط، ثنا يوسف بن موسى، ثنا أبوأسامة، عن أسامة بن زيد، أخبرني مكحول، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: "ليس على المرء المسلم صدقة في فرسه، ولا في عبده، ولا في وليدته"، قال أسامة بن زيد: وثنا سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - مثله. انتهى.
وأما رواية جعفر بن ربيعة، فأخرجها الدارقطنيّ في "سننه" (٢/ ١٢٧) فقال:
(٧) - حدّثنا محمد بن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، ثنا أحمد بن محمد بن رِشدين، نا ابن أبي مريم، ثنا نافع بن يزيد، حدّثني جعفر بن ربيعة،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٥٥ - ٥٦.
[ ١٩ / ٧١ ]
عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: "لا صدقة على الرجل في فرسه، ولا في عبده إلا زكاة الفطر".
وقال البيهقيّ في "الكبرى" (٤/ ١٦٠) بعد أن أخرجه من هذا الوجه: ورواه محمد بن سهل بن عسكر، عن ابن أبي مريم، فقال في الحديث: "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة، إلا صدقة الفطر". انتهى.
وأما رواية موسى بن عقبة، عن عراك، فأخرجها الطبرانيّ في "المعجم الأوسط" (٦/ ٩٠) فقال:
(٥٨٨٧) - حدّثنا محمد بن خُليد العبديّ، قال: نا محمد بن عُبيد المحاربيّ، قال: نا أبي، عن عبد السلام بن مصعب، أبي مصعب المدنيّ، عن موسى بن عقبة، عن عِرَاك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبيّ قال: "ليس على الرجل في عبده، ولا فرسه صدقة، إلا صدقة الفطر"، لم يرو هذا الحديث عن موسى بن عقبة إلا عبد السلام بن مصعب (^١). انتهى.
فتحصّل مما سبق أن الحديث لم ينفرد به مخرمة عن أبيه، بل رواه عنه معه هؤلاء الثلاثة: مكحول، وجعفر بن ربيعة، وموسى بن عقبة، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣/ ٢٢٧٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٨٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٦٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٦٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٥٢)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٢٧)، و(الطبرانيّ) في "المعجم الأوسط" (٦/ ٩٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٣١٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٥٢٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) وهو ثقة، وثقه ابن معين، من السابعة، قاله في "التقريب" (٢١٣).
[ ١٩ / ٧٢ ]