وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٠] (٩٠٤) - (وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَاكَ (^١)، فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَ عَلَيَّ (^٢) كُلُّ شَيْءٍ تُولَجُونَهُ، فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ، حَتَى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ، أَوْ قَالَ: تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا، فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ، وَعُرِضَتْ عَلَيَ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ: فِي النَّارِ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُرِيكُمُوهُمَا، فَإِذَا خَسَفَا فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) عن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ) تقدّم قبل باب.
_________________
(١) وفي نسخة: "نحوًا من ذلك".
(٢) وفي نسخة: "قد عُرِض عليّ".
[ ١٨ / ٦٠ ]
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابىّ - ﵄ -، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى الجماعة عنهم بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أن جابرًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - أنه (قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ) من باب ضرب؛ أي: اسودّت بالنهار، وذهب ضوؤها (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ) من باب نصر، وضَرَب؛ أي: يسقطون على الأرض؛ لطول القيام، وهو في معنى ما تقدّم في حديث عائشة - ﵂ -: "حتى إن رجالًا يومئذ يُغشى عليهم، حتى إن سِجَال الماء لَتُصبّ عليهم مما قام بهم" (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ) قال النوويّ - ﵀ -: ظاهره أنه طوّل الاعتدال الذي يليه السجود، ولا ذكر له في باقي الروايات، ولا في رواية جابر من جهة غير أبي الزبير، وقد نقل القاضي إجماع العلماء (^١) أنه لا يطوّل الاعتدال الذي يليه السجود، وحينئذ يُجاب عن هذه الرواية بجوابين:
_________________
(١) دعوى الإجماع في هذا غير صحيحة؛ كما سيأتي في كلام الحافظ ردًّا على الغزاليّ، فتنبّه.
[ ١٨ / ٦١ ]
[أحدهما]: أنَّها شاذّة، مخالفة لرواية الأكثرين، فلا يُعمل بها.
[والثاني]: أن المراد بالإطالة تنفيس الاعتدال، ومَدّه قليلًا، وليس المراد إطالته نحوَ الركوع. انتهى (^١).
قال الحافظ - ﵀ - بعد نقل كلام النوويّ هذا ما نصّه: وتُعقّب بما رواه النسائيّ، وابن خزيمة، وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - أيضًا، ففيه: "ثم ركع، فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فأطال، حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد، فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فجلس، فأطال الجلوس، حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد"، لفظ ابن خزيمة من طريق الثوريّ، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عنه، والثوريّ سمع من عطاء قبل الاختلاط، فالحديث صحيح.
قال: ولم أقف في شيء من الطرُق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلَّا في هذا (^٢)، وقد نقل الغزاليّ الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبيّ، فلا كلام، وإلا فهو محجوج بهذه الزواية. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذه الرواية مشروعيّة إطالة الجلوس بين السجدتين؛ لأنَّها زيادة ثقةٌ يجب قبولها، كما يشير إليه كلام الحافظ - ﵀ -، فتنبّه.
(ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) لَمْ يذكر في الرواية تطويل السجدتين، لكن ثبت في حديث أسماء - ﵂ - عند البخاريّ، وأحمد بلفظ: "فسجد، فأطال السجود، ثم رفع، ثم سجد، فأطال السجود"، وفي رواية سمرة بن جندب - ﵄ - عند أبي داود، ولفظه: "ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قطإ، وفي حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - الآتي للمصنّف، بلفظ: "ثم جُلي عن الشمس، قالت عائشة: ما ركعت ركوعًا قط، ولا سجدت سجودًا قط كان أطول منه". (ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَاكَ) وفي نسخة: "من ذلك" (فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) أي:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٢) قد ثبت صحّة الحديث، فيتعيّن العمل به، فتبصّر.
(٣) "الفتح" ٣/ ٢٤٠.
[ ١٨ / ٦٢ ]
ركوعات (وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، ثُمَّ قَالَ) - ﷺ -: ("إِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الأمر والشأن (عُرِضَ عَلَيَّ) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "قد عُرِضَ عليّ" وقوله: (كُلُّ شَيْءٍ) مرفوع على أنه النائب عن الفاعل (تُولَجُونَهُ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: تُخلونه من جنّة، ونار، وقبر، ومحشرٍ، وغيرها، ثم فصّل بعض ما أجمله في قوله: "كلُّ شيء تُولجونه" بقوله: (فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ) قال القاضي عياض: قال العلماء: يَحْتَمِلُ أنه رآهما رؤية عين كشف الله تعالى عنهما، وأزال الحجب بينه وبينهما، كما فُرِج له عن المسجد الأقصى حين وصفه، ويكون قوله - ﷺ -: "في عُرْض هذا الحائط"؛ أي: في جهته وناحيته، أو في التمثيل لقرب المشاهدة، قالوا: وَيحْتَمِل أن يكون رؤيةَ علم وعرض وحي باظلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلًا ما لَمْ يعرفه قبل ذلك، ومن عظيم شأنهما ما زاده علمًا بأمرهما، وخشية وتحذيرًا ودوام ذكر، ولهذا قال - ﷺ -: "لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا، ولضحكتم قليلًا"، قال القاضي: والتأويل الأول أولي، وأشبه بألفاظ الحديث؛ لما فيه من الأمور الدالّة على رؤية العين، كتناوله - ﷺ - العنقود، وتأخُّره مخافةَ أن يصيبه لَفْحُ النار. انتهى كلام القاضي - ﵀ -، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب.
(حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ) معنى تناولت: مددت يدي لأخذه، والْقِطْف - بكسر القاف - العنقود، وهو فِعْل بمعنى مفعول، كالذِّبْح بمعنى المذبوح، وفيه أن الجَنَّة والنار مخلوقتان موجودتان اليوم، وأن في الجَنَّة ثمارًا، قال النوويّ - ﵀ -: وهذا كله مذهب أصحابنا، وسائر أهل السنة، خلافًا للمعتزلة. انتهى.
(أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا، فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ) أي: لَمْ تصل إليه (وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ، تُعَذبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا) أي: بسبب هرّة (رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإطعام؛ أي: لَمْ تعطها طعامًا يدفع عنها جوعها (وَلَمْ تَدَعْهَا) أي: تتركها (تَأْكُلُ) جملة في محلّ نصب على الحال (مِنْ خُشَاشِ الْأَرْضِ) بفتح الخاء المعجمة، وهي هوامُّها، وحشراتها، وقيل: صِغَار الطير، وحَكَى القاضي فتح الخاء وكسرها وضمها، والفتح هو المشهور، قال القاضي: في هذا الحديث
[ ١٨ / ٦٣ ]
المؤاخذة بالصغائر، قال: وليس فيه أنَّها عُذِّبت عليها بالنار، قال: ويَحْتَمِل أنَّها كانت كافرةً، فزيد في عذابها بذلك. انتهى.
وتعقّبه النوويّ، فقال: وهذا ليس بصواب، جل الصواب المصرَّح به في الحديث، أنَّها عُذِّبت بسبب الهرّة، وهو كبيرةٌ؛ لأنَّها ربطتها، وأصرّت على ذلك حتى ماتت، والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرةً، كما هو مقرَّر في كتب الفقه وغيرها، وليس في الحديث ما يقتضي كفر هذه المرأة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو تعقّبٌ وجيهٌ.
وقوله أيضًا: "وليس فيه - أي: الحديث - أنَّها عُذّبت عليها بالنار" فيه نظر لا يخفي، كيف، والحديث صريح في ذلك، حيث قال - ﷺ -: "وعُرِضت على النار، فرأيت فيها امرأةُ من بني إسرائيل تُعذّب في هرّة"؛ أي: تعذّب في النار، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ) هكذا هو في هذه الرواية، وتقدّم في حديث عائشة رمنها أنه عمرو بن لُحَيّ (يَجُرُّ قُصْبَهُ) بضمّ القاف، وإسكان الصاد؛ أي: أمعاءه (فِي النَّارِ) تقدّم في حديث عائشة - ﵂ - سبب تعذيبه بذلك؛ لأنه أول من سيّب السوائب، وجاء في رواية عند ابن إسحاق في "السيرة": لأنه أول من غَيَّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيّب السائبة، وبَحَرَ البحيرة، ووصل الوصيلة، وحَمَى الحامي" (^١).
(وَإِنَّهُمْ) أي: الناس (كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُمَا) أي: الشمس والقمر (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُرِيكُمُوهُمَا، فَإِذَا خَسَفَا) بالبناء للفاعل، من باب ضرب، وَيحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول (فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ") أفرد الضمير باعتبار الآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٨/ ٧٧ "كتاب المناقب" رقم (٣٥٢١).
[ ١٨ / ٦٤ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢١٠٠ و٢١٠١ و٢١٠٢] (٩٥٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٧٩)، و(النسائيّ) في "الكسوف" (٣/ ١٣٦)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٧٥٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٧٤ و٣٨٢)، و(ابن خُزيمة) في "صحيحه" (١٣٨٠ و١٣٨١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٨٤٣ و٢٨٤٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٧٢ و٣٧٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٣٩ و٢٠٤٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٢٤)، وأما فوائده، فقد تقدّمت قريبًا، وإدثه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠١] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَبَّاحِ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "وَرَأَيْتُ فِي النَّارِ امْرَأَةً حِمْيَرِيَّةً سَوْدَاءَ طَوِيلَةً"، وَلَمْ يَقُلْ: "مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ) الْمِسْمعيّ، أبو محمد الصنعانيّ، ثم البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٠) ويقال: قبلها (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
وقوله: (عَنْ هِشَام) هو الدستوائيّ.
وقوله: (حِمْيَرِيَّةً) - بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم، وفتح الياء التحتانيّة -: نسبة إلى حِمْيَر، وهو من أصول القبائل باليمن، قاله في "اللباب" (^١).
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ) الفاعل ضمير عبد الملك بن الصبّاح.
[تنبيه]: رواية عبد الملك بن الصبّاح، عن هشام الدستوائيّ هذه لَمْ أجد
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٢٦٦.
[ ١٨ / ٦٥ ]
من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٢] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، بَدَأَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَرَأَ، فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ أَيْضًا ثَلَاثَ رَكعَاتٍ، لَيْسَ فِيهَا (^١) رَكْعًة، إِلَّا الَّتِى قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنَ الَّتِى بَعْدَهَا، وَرُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ (^٢)، ثُمَّ تَأَخَّرَ، وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَتَّى انْتَهَى إِلَى النِّسَاءِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ، فَانْصَرَفَ حِينَ انْصَرَفَ، وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ"، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: "لِمَوْتِ بَشَرٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا، حَتَّى تَنْجَلِيَ (^٣)، مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ في صَلَاتي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِى تَأَخرْتُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ،
_________________
(١) وفي نسخة: "ليس منها".
(٢) وفي نسخة: "وركوعه نحوٌ من سجوده".
(٣) وفي نسخة: "حتى تتجلّى".
[ ١٨ / ٦٦ ]
كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتي رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ، حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا؛ لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانِيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ح) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم قبل باب.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ) بن عبد الله - ﵄ - أنه (قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي: كان يوم كسوف الشمس هو اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ -، وأمه مارية القبطيّة، وُلد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وتُوفّي سنة عشر، وهو ابن ثمانية عشر شهرًا على الأشهر (^١).
(فَقَالَ النَّاسُ) أي: بعض الناس، وهم الذين كانوا يعتقدون هذا الاعتقاد في الجاهلية، فبقي معهم حتى بيّن لهم النبيّ - ﷺ - كونه باطلًا (إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ) يعني: ابنه - ﷺ -، قال في "الفتح": وقد ذكر جمهور أهل السير
_________________
(١) "المنهل العذب المورود" ٧/ ٢٣.
[ ١٨ / ٦٧ ]
أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، فقيل: في ربيع الأول، وقيل: في رمضان، وقيل في ذي الحجة، والأكثر على أنَّها وقعت في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه، وقيل: في رابع عشرة، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة؛ لأن النبي - ﷺ - كان إذ ذاك بمكة في الحجِّ، وقد ثبت أنه شهد وفاته، وكانت بالمدينة بلا خلاف، نعم قيل: إنه مات سنة تسع، فإن ثبت يصحّ، وجزم النوويّ بأنها كانت سنة الحديبية، ويجاب بأنه كان يومئذ بالحديبية، ورجع منها في آخر الشهر.
وفيه ردّ على أهل الهيئة؛ لأنهم يزعمون أنه لا يقع في الأوقات المذكورة، وقد فَرَضَ الشافعيّ وقوع العيد والكسوف معًا، واعترضه بعض من اعتمد على قول أهل الهيئة، وانتدَبَ أصحاب الشافعيّ لدفع قول المعترض فأصابوا. انتهى (^١).
(فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) يعني: أنه - ﷺ - صلى ركعتين في كلّ ركعة ثلاث ركوعات، وسجدتان، وهذا كما سبق يُرجح عليه رواية من قال: صلى بركوعين؛ لما سبق، وقوله: (بَدَأَ فَكَبَّرَ) بيان لكيفيّة صلاته تلك (ثُمَّ قَرَأَ، فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ) أي: ركوعًا طويلًا قريبًا من قيامه، ولم يثبت في الروايات بيان ما قاله من الأذكار في حال الركوع في تلك الصلاة، ولكنهم اتّفقوا على أنه لا قراءة فيها؛ لورود النهي عن ذلك، وإنما المشروع التسبيح والذكر (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءةِ الْأُولَى) أي: قرأ في القيام الثاني قراءة أقلّ من القراءة في القيام الأول، واتّفقوا على أنه يقرأ في القيام الأول الفاتحة وغيرها، واختلفوا في قراءة الفاتحة في القيام الثاني، فذهب مالك، والشافعيِّ، وأحمد إلى أنَّها لا تصحّ الصلاة إلَّا بقراءتها أيضًا؛ لأنَّها تُطلب قبل كلّ ركوع، وقال محمد بن مسلمة: لا يُعيد الفاتحة في القيام الثاني؛ لأنَّها ركعة واحدة، ولا تُقرأ الفاتحة فيها مرَّتين.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله محمد بن مسلمة هو الظاهر؛
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤.
[ ١٨ / ٦٨ ]
لأن صلاة الكسوف، وإن تعدّدت ركوعاتها، هي ركعتان، ومعلوم أن الفاتحة تقرأ في كلّ وكعة مرّة واحدة، لا مرّتين، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ) لَمْ يذكر في هذه الرواية تطويل الرفع من الركوع الذي يعقبه السجود، لكن تقدّم في رواية جابر الماضية بلفظ: "ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم سجد"، وادّعى النوويّ أنَّها شاذّة، وقد سبق أن الحقّ أنَّها زيادة صحيحة يجب قبولها (فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) تقدّم أنه قد ثبت إطالة السجود في حديث أسماء، وجابر بن سمرة، وعبد الله بن عمرو - ﵃ -، فتنبّه. (ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ أَيْضًا ثَلَاثَ رَكعَاتٍ) أي: ركوعات (لَيْسَ فِيهَا رَكْعَةٌ) أي: ركوع (إِلَّا الَّتِى قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنَ الَّتِى بَعْدَهَا، وَرُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ) هذا في النسخ بنصب "نحوًا"، ووجهه أن يكون خبرًا لـ "كان" محذوفةً؛ أي: وكان ركوعه نحوًا من سجوده، وأشار في هامش بنسخة محمد ذهني إلى أنه وقع في بعض النسخ: "نحوٌ" بالرفع، وهو واضح.
(ثُمَّ تَأَخَّرَ) - ﷺ - عن مكانه الذي يصلي فيه (وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ): هو ابن أبي شيبة شيخه الأول (حَتَّى انْتَهَى إِلَى النِّسَاءِ) أي: صفّ النساء (ثُمَّ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ) أي: في مكانه الذي كان يصلّي فيه قبل التأخّر.
قال النوويّ - ﵀ -: فيه أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وضبط أصحابنا القليل بما دون ثلاث خطوات متتابعات، وقالوا: الثلاث متتابعات تبطلها، ويتاولون هذا الحديث على أن الخطوات كانت متفرقة، لا متوالية، ولا يصح تأويله على أنه كان خطوتين؛ لأن قوله: "انتهينا إلى النساء" يخالفه، وفيه استحباب صلاة الكسوف للنساء، وفيه حضورهنّ وراء الرجال. انتهى (^١).
(فَانْصَرَفَ) أي: فرغ من الصلاة، وسلّم منها (حِينَ انْصَرَفَ، وَقَدْ آضَتِ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ٢٠٩.
[ ١٨ / ٦٩ ]
الشَّمْسُ) بهمزة ممدودة، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا ضبطه جميع الرواة ببلادنا، وكذا أشار إليه القاضي عياض، قالوا: ومعناه: رجعت إلى حالها الأول قبل الكسوف، وهو من آض يئيض إذا رجع، ومنه قولهم: "أيضًا"، وهو مصدر منه. انتهى.
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: آض يَئيض أيضًا، مثلُ باع يبيع بيعًا: إذا رجع، فقولهم: افعل ذلك أيضًا معناه افعله عَوْدًا إلى ما تقدّم. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: واختلف النحويّون في "آض" هل هي من أخوات "كان"، فتحتاج إلى اسم وخبر، أو إنما تتعدّى إلى مفعول واحد بحرف جرّ؟ على قولين، وهذا الحديث يدلّ على أنَّها مما تعدّى إلى مفعول واحد بحرف جرّ، غير أنه حُذف هنا، وقد يُحذف جرف الجرّ، فينتصب ما يُحذف منه حرف الجرّ، كما قال:
وَآضَ رَوْضُ اللَّهْوِ يَبْسًا ذَاوِيَا
وقد رُوي هذا الحرف هنا: "أضاءت الشمس"؛ أي: ظهر ضوؤها، يقال: ضاءت الشمس، وأضاءت بمعنى واحد. انتهى (^٢).
وقد ذكر الخضريّ - ﵀ - في "حاشيته" (^٣) أفعالًا مثل "صار" في العمل والمعني، ومنها "آض"، فقال:
وقد جاء مثل "صار" في العمل والمعنى ما جمعته بقولي [من الوافر]:
بِمَعْنَى "صَارَ" فِي الأَفْعَالِ عَشْرٌ … تَحَوَّلَ آضَ عَادَ ارْجِعْ لِتَغْنَمْ
وَرَاحَ غَدَا اسْتَحَالَ ارْتَدَّ فَاقْعُدْ … وَحَارَ فَهَاكَهَا وَاللهُ أَعَلَمْ
(فَقَالَ) - ﷺ -: ("يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ"، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) يعني: ابن أبي شيبة شيخه الأول ("لِمَوْتِ بَشَرٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) أي: من انكساف الشمس والقمر (فَصَلُّوا، حَتَّى تَنْجَلِيَ، مَا مِنْ شَيْءٍ) "ما" نافية، و"من" زائدة، و"شيء" اسم "ما" الحجازيةّ، أو مبتدأ إن كانت تميميّةً، وقوله: (تُوعَدُونَهُ) صفة
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٣.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥٥٩ - ٥٦٠.
(٣) "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة" ١/ ١٥٨ - ١٥٩.
[ ١٨ / ٧٠ ]
لـ "شيء"، وقوله: (إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ) خبر "ما"، أو خبر المبتدأ على الوجهين (في صَلَاتي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخرْتُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي) بنصب "مخافة" على أنه مفعول من أجله، وهو مصدر ميميّ لـ "خاف"؛ أي لأجل خوف (مِنْ لَفْحِهَا) بفتح اللام، وسكون الفاء، آخره حاء مهملة؛ أي: من ضرب لهبها، ومن قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]؛ أي: يضرب وجوههم لهبها، قالوا: النفح دون اللفح، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦]؛ أي: أدنى شيء منه، قاله الهرويّ وغيره (^١).
(وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ) بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الجيم: هي خشبة في طرفها اعوجاجٌ، مثل الصَّوْلَجان، قال ابن دُريد: كلّ عُود معطوف الرأس فهو مِحْجَنٌ، والجمع الْمَحَاجن (^٢). (يَجُرُّ قُصْبَهُ) بضمّ، فسكون؛ أي: أمعاءه (فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ) أي: أمتعة الحاجّ، فهو على حذف مضاف، و"أل" للجنس، وفي رواية للنسائيّ: "سارق الحجيج" (بِمِحْجَنِهِ) وفي لفظ للنسائيّ: "وحتى رأيت فيها صاحب المحجن الذي كان يسرق الحاجّ بمحجنه متّكئًا على محجنه في النار يقول: أنا سارق الْمِحْجَن".
(فَإِنْ فُطِنَ) بالبناء للمفعول، قال في "القاموس": الْفِطْنة بالكسر: الْحِذْق، فَطِنَ به، وإليه، وله؛ كفَرِح، ونَصَرَ، وكَرُمَ فَطْنًا مثلَّثةً، وبالتحريك، وبضمّتين، وفُطُونةً، وفَطَانَةً، وفطانيةً مفتوحتين، فهو فاطنٌ، وفَطِينٌ، وفَطُونٌ، وفَطِنٌ، وفَطُنٌ؛ كنَدُسٍ، وفَطْنٌ؛ كعَدْل، جمعه فُطْنٌ بالضمّ، وهي فَطِنةٌ، وفاطنةٌ. انتهى (^٣). والمعنى: فإن انتُبهَ (لَهُ) لما فعله من السرقة بمحجنه (قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنى) أي: لست قاصدًا أخذه خُفيةً، وإنما مررت به فتعلّق بالمحجن.
وفي رواية للنسائيّ: "فان فُطِن له قال: هذا من عَمَل الْمِحْجَن".
وقال في "اللسان": وصاحب الْمِحْجَن في الجاهليّة رجلٌ كان معه مِحْجَنٌ، وكان يقعُد في جادّة الطريق، فيأخذ بمِحجنه الشيء بعد الشيء من
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ٢٠٩.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٢٣.
(٣) "القاموس المحيط" ٤/ ٢٥٦.
[ ١٨ / ٧١ ]
أثاث الْمَارَّة، فإن عُثِر عليه اعتلّ بأنه تعلّق بمِحجنه. انتهى (^١).
(وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ) بالبناء للمفعول أيضًا (ذَهَبَ بِهِ) بالبناء للفاعل؛ أي: أخذ ذلك المتاع، وذهب به إلى رحله.
(وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ) تقدّم أنَّها امرأة من بني إسرائيل، وفي رواية من حِمْير (الَّتِي رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا) أي: تتركها (تَأَكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ)، مثلّث الخاء؛ أي: من هوامّها، وحشراتها (حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا) وفي حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - عند النسائيّ: "فلا هي أطعمتها، ولا هي سقتها، حتى ماتت، فلقد رأيتها تنهشها إذا أقبلت، وإذا ولّت تنهش أَلْيتها".
وفي الحديث دليلٌ على المعاقبة بتعذيب الحيوان، وإهلاكه بغير حقّ؛ لأن هذه المرأة عُذّبت بسبب ربط هذه الهرّة حتى ماتت، وقد أخرج النسائيّ عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - يرفعه، قال: "من قتل عصفورًا في فوقها بغير حقّها، سأل الله - ﷿ - عنها يوم القيامة"، قيل: يا رسول الله في حقها؟ قال: "حقُّها أن تذبحها، فتأكلها، ولا تقطع رأسها، فيرمى بها" (^٢).
(ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ، حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا؛ لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا) أي: ظَهَر (لِي أَنْ لَا أفعَلَ) وقوله: (فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاِتي هَذِهِ") تأكيد لما قبله.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٣] (٩٠٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ
_________________
(١) راجع: "لسان العرب" في مادّة حجن.
(٢) حسَّنه الشيخ الألبانيّ، وفيه نظر؛ لأن في سنده صهيبًا الحذَّاء، لَمْ يرو عنه إلَّا عمرو بن دينار، فهو مجهول حال.
[ ١٨ / ٧٢ ]
رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ يُصَلُّونَ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا اِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؛ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْقِيَامَ جدًّا، حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُّ، فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي، أَوْ عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ، قَالَتْ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ، إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا، أَوْ مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، أَوِ الْمُوقِنُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَأَطَعْنَا، ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ، قَدْ كنَّا نَعْلَمُ إِنَّكَ لَتُؤْمِنُ بِهِ (^١)، فَنَمْ صَالِحًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ، أَوِ الْمُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير المذكور في السند الماضي.
٣ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم قبل باب.
٤ - (فَاطِمَةُ) بنت المنذر بن الزبير بن الْعَوّام، زوج هشام بن عروة الراوي عنها، ثقةٌ [٣] (ح) تقدمت في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨١.
٥ - (أَسْمَاءُ) بنت أبي الصدّيق - ﵄ -، زوج الزبير بن الْعَوّام - ﵁ -، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (٣ أو ٧٤) (ح) تقدمت في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
_________________
(١) وفي نسخة: "إنك لمؤمنٌ".
[ ١٨ / ٧٣ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفيّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، عن صحابيّة، هي جدّتهما.
شرح الحديث:
(عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزبير، وهي زوج هشام الراوي عنها، وبنت عمة (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصدّيق - ﵄ - (قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) تقدّم أنه من باب ضرب، وأنه يقال للشمس والقمر على الصحيح (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي: في وقته (فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - (وَهِيَ تُصَلِّي) جملة حاليّة من "عائشة" (فَقُلْتُ) أي: لمّا رأت من اضطرابهم (مَا شَأْنُ النَّاسِ) "ما" استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء حال الناس؟ (يُصَلُّونَ) جملة حاليّة من "الناس"؛ أي: حال كونهم مصلين صلاة الخسوف (فَأَشَارَتْ) أي: عائشة - ﵂ - (بِرَأسِهَا إِلَى السَّمَاءِ) تعني بذلك إلى أن الشمس خسفت، وأن ذلك هو سبب اضطرابهم (فَقُلْتُ: آيَةٌ؟) بالرفع على أنه خبر لمحذوف، وهو بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أهذه آيةٌ؛ أي: علامة لعذاب الناس، كأنها مقدّمة له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، أو علامة لقرب زمان القيامة، وأمارة من أماراتها، أو علامة لكون الشمس مخلوقة داخلة تحت النقص، مسخَّرة لقدرة الله تعالى، ليس لها سلطة على غيرها، بل لا قدرة لها على الدفع عن نفسها.
[فإن قلت]: ما تقول فيما قال أهل الهيئة: إن الكسوف سببه حيلولة القمر بينها وبين الأرض، فلا يُرَى حينئدٍ إلَّا لون القمر، وهو كَمِدٌ لا نور له، وذاك لا يكون إلَّا في آخر الشهر، عند كون النَيِّرَين في إحدى عقدتي الرأس والذنب، وله آثار في الأرض، هل جاز القول به أم لا؟.
[قلت]: المقدمات كلُّها ممنوعة، ولئن سلمنا فإن كان غرضهم أن الله
[ ١٨ / ٧٤ ]
تعالى أجرى سنته بذلك، كما أجرى باحتراق الحطب اليابس عند مساس النار له، فلا بأس به، وإن كان غرضهم أنه واجب عقلًا، وله تأثير بحسب ذاته فهو باطل؛ لما تقرر أن جميع الحوادث مستندة إلى إرادة الله تعالى ابتداءً، ولا مؤثر في الوجود إلَّا الله تعالى، قاله في "العمدة" (^١).
(قَالَتْ: نَعَمْ) المراد أنَّها أشارت بـ "نعم"، ففي رواية البخاريّ: "قلت: آية؟
فأشارت برأسها؛ أي: نعم"، فدلّ على أنَّها ما تكلّمت بلسانها، وإنما أشارت برأسها، فلا يقال: كيف تكلّمت، وهي في الصلاة؟ (فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْقِيَامَ جِدًّا، حَتَّى تَجَلَّانِي) - بفتح التاء المثناة، والجيم، وتشديد اللام - وأصله تجلَّلني؛ أي: علاني، وغطّاني، قال في "العباب": تجلّله أي: علاه، وهو مثل: تقضّى البازي، أصله تقضض، فاستثقلوا ثلاث ضادات، فأبدلوا من إحداهن ياء، وكذلك استثقلوا ثلاث لامات، فأبدلوا من إحداهن ياء (^٢).
(الْغَشْيُ) بفتح الغين، وإسكان الشين المعجمتين، ورُوي أيضًا بكسر الشين، وتشديد الياء، وهما بمعنى الغِشَاوة، وهو مرض يحصل بطول القيام في الحرّ، وفي غير ذلك من الأحوال، ولهذا جعلت تصبّ عليها الماء، قاله النوويّ - ﵀ - (^٣).
وقال ابن بطّال: الْغَشي: مرضٌ يَعرِض من طول التعب والوقوف، وهو ضربٌ من الإغماء، إلَّا أنه دونه، وإنما صبّت أسماء الماء على رأسها مدافعةً له، ولو كان شديدًا لكان كالإغماء، وهو ينقض الوضوء بالإجماع. انتهى. وكونها كانت تتولّى صبّ الماء عليها يدلُّ على أن حواسّها كانت مُدركة، وذلك لا ينقض الوضوء، قاله في "الفتح" (^٤).
وقال في "العمدة": "الغشي" بفتح الغين المعجمة، وسكون الشين المعجمة، وفي آخره ياء آخرُ الحروف مخففة، مِن غَشِيَ عليه غَشْيَةً وغَشْيًا
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢/ ١٤٥، "كتاب العلم" رقم (٨٦).
(٢) راجع: "عمدة القاري" ٢/ ١٤٠ - ١٤١.
(٣) "شرح النووي" ٦/ ٢١٠.
(٤) "الفتح" ١/ ٤٩٥.
[ ١٨ / ٧٥ ]
وغَشَيَانًا، فهو مَغْشِيّ عليه، واستغشى بثوبه، وتغشى؛ أي: تغطى به، وقال القاضي: رَوَيناه في مسلم وغيره بكسر الشين، وتشديد الياء، وبإسكان الشين والياء، وهما بمعنى الغِشَاوة، وذلك لطول القيام، وكثرة الحرّ ولذلك قالت: (فجَعَلتُ أَصُبُّ على رأسي، أو على وجهي من الماء".
قال الكرمانيّ: "الغَشِيّ" بكسر الشين، وتشديد الياء: مرض معروف، يحصل بطول القيام في الحز وغير ذلك، وعرَّفه أهل الطب بأنه تَعَطُّل القُوَى المحركة والحساسة؛ لضعف القلب، واجتماع الروح كله إليه.
[فإن قلت]: إذا تعطلت القُوَى فكيف صبت الماء؟.
[قلت]: أرادت بالغشي الحالة القريبة منه، فأطلقت الغشي عليها مجازًا، أو كان الصبّ بعد الإفاقة منه.
قال بعض الشارحين: ويروى بعين مهملة، قال القاضي: ليس بشيء، وفي "المطالع": الغَشِيّ بكسر الشين وتشديد الياء، كذا قيّده الأصيليّ، ورواه بعضهم الغَشْي، وهما بمعنى واحد، يريد الغِشَاوة، وهو الغطاء، ورويناه عن الفقيه ابن محمد، عن الطبريّ "العَشي" بعين مهملة، وليس بشيء. انتهى (^١).
(فَأَخَذْتُ قِرْبَة) بكسر القاف، وإسكان الراء، جمعها قِرَبٌ، مثلُ سدرة وسِدَر، وهي إناء من جلد، يكون للبن، وللماء (مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي، أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قالت: (عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ،) قال النوويّ - ﵀ -: هذا محمول على أنه لَمْ تكثر أفعالها متوالية؛ لأن الأفعال إذا كثرت متوالية أبطلت الصلاة. انتهى (^٢).
(قَالَتْ) أسماء - ﵂ - (فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: سلّم من صلاته (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) جملة حاليّة من الفاعل (فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ) أي: بعد ما تقدّم من الحمد والثناء (مَا) نافية، وتقدَّم أنَّها إما حجازيّة، أو تميميّة (مِنْ) زائدة (شَيْءٍ) وقوله: (لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ) في محل الرفع؛ لأنه صفة لـ "شيء"، وهو مرفوع في الأصل، وإن كان جر بـ "من" الزائدة، واسم "يكن" ضمير مستتر فيه، وقوله: (إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ)
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢/ ١٤٣.
(٢) "شرح النووي" ٦/ ٢١٠.
[ ١٨ / ٧٦ ]
جملة في محل النصب على أنَّها خبر "لَمْ أكن"، والاستثناء هنا مفرَّغ، وقالت النحاة: كلّ استثناء مفرغ متصل، ومعناه أن ما قبل "إلَّا" مفرع للعمل فيما بعدها؛ إذ الاستثناء من كلام غير تامّ، فيُلْغَى فيه إلَّا من حيث العمل، لا من حيث المعني، نحو ما جاءني إلَّا زيدٌ، وما رأيت إلَّا زيدًا، وما مررت إلَّا بزيد، فالفعل الواقع هاهنا قبل "إِلَّا" مفرغّ لما بعدها، و"إلَّا" هنا بمنزلة سائر الحروف التي تغير المعنى دون الألفاظ، نحو "هل"، وغيره، ولا يجوز هذا إلَّا في المنفيّ، فافهم (^١).
وقوله: (فِي مَقَامِي) بفتح الميم، والجارّ يتعلّق بحال محذوف؛ أي: حال كوني كائنًا في مكاني، وقوله: (هَذَا) بدل، أو عطف بيان لـ "مقامي" (حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، أما الرفع فعلى أن تكون "حتى" ابتدائيّةً، و"الجَنَّة" مرفوعًا على الابتداء، وحذف خبره؛ أي: حتى الجنّة مرئيّة، و"النار" عطف عليه، كما في قوله: "أكلت السمكة حتى رأسُها" برفع الرأس؛ أي: رأسُها مأكولٌ، وهو أحد الأوجه الثلاثة فيه، وأما النصب فعلى أن تكون "حتى" عاطفةً عَطَفت "الجَنَّة" على الضمير المنصوب في "رأيته"، وأما الجر فعلى أن تكون "حتى" جارةً، أو عاطفة على المجرور السابق، وهو "شيء"، وإن لزم عليه زيادة "مِنْ" مع المعرفة، والصحيح منعه؛ لأنه يُغْتَفر في التابع ما لا يُغتَفر في المتبوع، ولأن المقدَّر ليس كالملفوظ به.
[فإن قلت]: مفادُ الإغياء أنه - ﷺ - لم ير الجَنَّة والنار قبل هذا الوقت، مع أنه رآهما ليلة المعراج، وهو قبل الكسوف بزمان بلا شكّ.
[قلت]: أجيب بأن المراد هنا رؤيتهما في الأرض، بدليل قوله: "في مقامي هذا"، أو باختلاف الرؤية، أفاده الزرقانيّ - ﵀ - (^٢).
(وَإِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الحال والشان (قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ) بالبناء للمفعول (أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة؛ لوقوعه مفعولًا به، وهو النائب عن الفاعل (تُفْتَنُونَ) أي: تُمْتَحَنُون وتُخْتَبرون (فِي الْقُبُورِ) قال الباجيّ - ﵀ -: يقال: إنه أُعلم بذلك في ذلك الوقت، قال: وليس الاختبار في القبر بمنزلة التكليف والعبادة،
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢/ ١٤٢.
(٢) "شرح الزرقانيّ" ١/ ٥٣٨.
[ ١٨ / ٧٧ ]
وإنما معناه إظهار العمل، وإعلامٌ بالمآل والعاقبة، كاختبار الحساب؛ لأن العمل والتكليف قد انقطع بالموت. انتهى.
(قَرِيبًا، أَوْ) للشكّ من الراوية، وهي فاطمة، شكّت هل قالت أسماء: "قريبًا من فتنة المسيح الدجّال"، أو قالت: (مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّال) ولذلك قالت: (لَا أَدْرِي) أي: لا أعلم (أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) بحذف الضمير المنصوب؛ أي: قالته؛ تعني: أنَّها لا تعلم أيَّ الجملتين المذكورتين قالت أسماء بنت أبي بكر - ﵄ -.
قال في "العمدة": "أيّ" يجوز أن تكون استفهاميةً، وموصولةً، فإن كانت استفهامية يكون فعل الدراية معلقًا بالاستفهام؛ لأنه من أفعال القلوب، ويجوز أن تكون أيّ مبنيةً على الضم، مبتدأ على تقدير حذف صدر صلته، والتقدير: لا أدري أيُّ ذلك هو قالته أسماء، وإن كانت موصولة تكون أيّ منصوبةً بأنها مفعول "لا أدري"، ويجوز أن يكون انتصابها بـ "قالت"، سواء كانت "أيّ" موصولةً، أو استفهاميةً، ويجوز أن تكون مِن شَرِيطة التفسير، بأن يشتغل "قالت" بضميره المحذوف. انتهى (^١).
وعند النسائيّ والإسماعيليّ، عن أسماء: "قام خطيبًا، فذكر فتنة القبر التي يُفتن فيها المرء"، فلما ذَكَر ذلك ضجّ المسلمون ضجَّةً، حالت بيني وبين أن أفهم آخر كلام رسول الله - ﷺ -، فلما سكت ضجيجهم، قلت لرجل قريب مني: بارك الله فيك ماذا قال في آخر كلامه، قال: قال: "قد أوحيّ إلي أنكم تفتنون في القبور قريبًا من فتنة الدجال".
وللبخاريّ من طريق فاطمة، عن أسماء أيضًا: "أنه لَغَط نسوة من الأنصار، وإنها ذهبت لِتُسَكِّتهنّ"، فاستفهمت عائشة عما قال.
قال الحافظ - ﵀ -: يجمع بين هذه الروايات بأنها احتاجت إلى الاستفهام مرتين، وأنها لَمَّا حدثت فاطمة لَمْ تبيّن لها الاستفهام الثاني، قال: ولم أقف على اسم الرجل الذي استفهمت منه على ذلك إلى الآن. انتهى (^٢).
(فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ) هذا بيان لقوله: "تفتنون"؛ أي: يؤتى في قبره ملكان:
_________________
(١) عمدة القاري" ٢/ ١٤٤.
(٢) راجع: "شرح الزرقانيّ" ١/ ٥٣٩.
[ ١٨ / ٧٨ ]
منكر ونكير (فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ) "ما" استفهاميّة مبتدأ، و"علمك" خبره، والجملة مقول القول، والخطاب فيه للمقبور، بدليل قوله: "تفتنون في قبركم"، ولكنه عدل عن خطاب الجمع إلى خطاب المفرد؛ لأن السؤال عن العلم يكون لكل واحد بانفراده واستقلاله.
قال في "العمدة": قيل: قد يُتَوَهَّم أن فيه التفاتًا؛ لأنه انتقال من جمع الخطاب إلى مفرد الخطاب، كما قال المرزوقي في شرح الحماسة في قوله:
أَحْمِى أَبَاكُنّ يَا لَيْلَى الأَمَادِيَح
إنه التفات، وكما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١].
ثم أجاب بأن الجمهور من أهل المعاني على خلاف ذلك، ولا يسمى هذا التفاتًا، إلَّا على قول من يقول: إن الالتفات هو انتقال من صيغة إلى صيغة أخرى، سواء كان من الضمائر بعضِها إلى بعض، أو من غيرها، والتفسير المشهور أن الالتفات هو التعبير عن معنَى بطريق من الطرق الثلاثة، بعد التعبير عنه بطريق آخر من الطرق الثلاثة، وهي التكلم، والخطاب، والغيبة، أما الشِّعر فإن فيه تخصيص الخطاب بعد التعميم؛ لكون المقصود الأعظم هو خطابَ ليلي، وأما الآية فقد قال الزمخشريّ: خَصّ النبي - ﷺ - بالنداء، وعمّ بالخطاب؛ لأن النبيّ - ﷺ - إمام أمته، وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت؛ إظهارًا لتقدمه، واعتبارًا لترؤسه، وأنه مِدْرَهُ قومه (^١) ولسانهم، والذي يصدر عنهم رأيه، ولا يستبدّون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادًّا مسدَّ جميعهم. انتهى (^٢).
(بِهَذَا الرَّجُلِ؟) أي: بمحمد - ﷺ -، وإنما لَمْ يقل: بي؛ لأنه حكاية عن قول الملائكة للمقبور، والقائل هما الملكان السائلان المسمّيان بمنكر ونكير.
وإنما يقول له الملكان السائلان: "ما علمك بهذا الرجل"؟، ولا يقولان:
_________________
(١) قال في "القاموس" ٤/ ٢٨٣: الْمِدْرَهُ كمِنْبَر: السيّد الشريف، والْمُقْدِمُ في اللسان واليد عند الخصومة والقتال. انتهى.
(٢) "عمدة القاري" ٢/ ١٤٦.
[ ١٨ / ٧٩ ]
"رسول الله"؛ امتحانًا له، وإغرابًا عليه؛ لئلا يتلقن منهما إكرام النبيّ - ﷺ -، ورفع مرتبته، فيعظمه هو تقليدًا لهما، لا اعتقادًا، ولهذا يقول المؤمن: هو رسول الله، ويقول المنافق: لا أدري، فـ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. انتهى (^١).
(فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ) كلمة "أما" للتفصيل تتضمن معنى الشرط، فلذلك دخلت في جوابها الفاء، وهو قوله: "فيقول هو محمد" (أَوِ) للشكّ من فاطمة أيضًا (الْمُوقِنُ) أي: المصدّق بنبوّة محمد - ﷺ -، قال الباجيّ: والأظهر أنه "المؤمن"؛ لقوله: "فآمنا"، دون "أيقنّا"، ولقوله: "لمؤمن". انتهى.
وقوله: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) جملة معترضة بين "أمَّا" وجوابها، وهو قوله: (فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) أي: المعجزات الدالة على نبوته (وَالْهُدَى) أي: الدلالة الموصلة إلى البغية، أو الإرشاد إلى الطريق الحق الواضح (فَأَجَبْنَا، وَأَطَعْنَا) أي: قبلنا نبوّته معتقدين حقيقتها، معترفين بها، وأطعناه فيما جاء به إلينا. وقوله: (ثَلَاثَ مِرَارٍ) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: يقول المؤمن هذا الجواب قولًا ثلاث مرّات، وإنما كرّره تأكيدًا له (فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ) بفتح النون فعل أمر من نام ينام، كخاف يخاف، وأصله انوَم، نُقلت فتحة الواو إلى النون الساكنة، وحُذفت همزة الوصل؛ للاستغناء عنها، ثم قُلبت الواوألفًا؛ لتحرّكها بحسب الأصل، وانفتاح ما قبلها الآن، (قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنَّكَ لَتُؤْمِنُ بِهِ) وفي بعض النسخ: "إنك لمؤمنٌ" (فَنَمْ صَالِحًا) منصوب على الحال، ومعنى "صالحًا" أي: منتفعًا بأعمالك، وأحوالك؛ إذ الصلاح كون الشيء في حدّ الانتفاع، ويقال: لا رَوْعَ عليك مما يُرَوَّع به الكفار، من عرضهم على النار، أو غيره من عذاب القبر، ويجوز أن يكون معناه: صالحًا لأن تُكْرَم بنعيم الجنة (^٢).
قال الباجيّ - ﵀ -: أراد بالنوم العود لِمَا كان عليه من الموت، سمّاه نومًا لِمَا صَحِبه من الراحة، وصلاح الحال. انتهى.
_________________
(١) "شرح النووي" ٦/ ٢١٠.
(٢) "عمدة القاري" ٢/ ١٤٦.
[ ١٨ / ٨٠ ]
وفي حديث أبي سعيد - ﵁ - عند سعيد بن منصور: "فيقال له: نَمْ نومة عَرُوس، فيكون في أحلى نومة نامها أحدٌ، حتى يُبعَث".
وللترمذي من حديث أبي هريرة - ﵁ -: "ويقال له: نَمْ، فينام نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك".
وفي حديث أنس - ﵁ - في "الصحيحين": "فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا".
ولابن حبَّان، وابن ماجه، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وأحمد من حديث عائشة - ﵂ -: "ويقال له: على اليقين كنت، وعليه مِتَّ، وعليه تبعث إن شاء الله".
وفي البخاريّ ومسلم، عن قتادة: "ذُكِر لنا أنَّه يُفْسَح له في قبره سبعون ذراعًا، ويُملأ خُضْرًا إلى يوم يبعثون".
وفي الترمذيّ، وابن حبَّان، من حديث أبي هريرة - ﵁ -: "فيُفْسَح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ذراعًا، ويُنَوَّر له كالقمر ليلة البدر".
وفي حديث البراء - ﵁ -: "فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، أفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا في الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها، ويُفْسَح له مَدّ بصره"، زاد ابن حبَّان من وجه آخر، عن أبي هريرة - ﵁ -: "فيزداد غِبْطَةً وسرورًا، ويعاد الجلد إلى ما بدأ منه، وتجعل روحه في نسمة طائر، يعلق في شجر الجنة" (^١).
(وَأَمَّا الْمُنَافِقُ) أي: غير المصدّق بقلبه لنبوّته - ﷺ -، وهو في مقابلة "المؤمن" (أَوِ الْمُرْتَابُ) أي: الشاكّ، وهو في مقابلة "الموقن".
[فائدة]: "المرتاب" من الألفاظ التي يشترك فيها الفاعل والمفعول، كالمختار، والمنقاد، ونحو ذلك، ويُفرّق بينهما بالقرينة، فأصله في الفاعل مُرْتَيِبٌ بكسر الياء، وفي المفعول مُرْتَيَبٌ بفتحها، فقلبت الياء فيهما؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، وهو من الرَّيب، وهو الشكّ، فافهم.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٤/ ١٦٨ "كتاب الجنائز" رقم (١٣٧٤).
[ ١٨ / ٨١ ]
وقولها: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) جملة معترضة بين "أما" وجوابها أيضًا، وهو من قول فاطمة أيضًا (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) أي: لا أعلم من هو هذا الرجل؟ (سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُ") وفي رواية البخاريّ: "فقلته"؛ أي: قلت ما كان الناس يقولونه.
وزاد الشيخان من حديث أنس - ﵁ -: "فيقولان: لا دريتَ، ولا تليتَ"، ولعبد الرزاق: "لا دريت، ولا أفلحت، ويضربانه بِمطرقة من حديد ضربةً"، وفي حديث البراء - ﵁ -: "لو ضُرِب بها جبل لصار ترابًا"، وفي حديث أسماء - ﵂ -: "ويُسَلَّط عليه دابة في قبره، معها سوط، تمرته جمرة، مثل عرف البعير تضربه ما شاء الله لا تسمع صوته فترحمه"، وزاد في أحاديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وعائشة - ﵃ -: "ثمَّ يُفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، وأما إذ كفرت، فإن الله أبدلك هذا، ويُفتح له باب إلى النار"، زاد في حديث أبي هريرة: "فيزداد حسرةً وثبورًا، ويُضَيَّق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه"، وفي حديث البراء: "فينادي منادٍ من السماء: أفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حَرِّها وسَمُومها" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢١٠٣ و٢١٠٤ و٢١٠٥] (٩٠٥) و[٢١٠٦ و٢١٠٧ و٢١٠٨] (٩٠٦)، و(البخاريّ) في "العلم" (٨٦) و"الوضوء" (١٨٤) و"الجمعة" (٩٢٢) و"الكسوف" (١٠٥٣ و١٠٦١) و"السهو" (١٢٣٥) و"الجنائز" (١٣٧٣) و"الاعتصام" (٧٢٨٧)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٨٨ - ١٨٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٤٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده"
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٤/ ١٦٦ - ١٦٨ "كتاب الجنائز" رقم (١٣٧٤).
[ ١٨ / ٨٢ ]
(٢/ ٣٦٨ و٣٦٩ و٣٧٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٣٦ و٢٠٣٧ و٢٠٣٨)، و(ابن حبَّان) في "صحيحه" (٣١١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن كسوف الشمس يُصَلَّى له، وقد تقدم بيان ذلك والحمد لله.
٢ - (ومنها): أن الشمس إذا كَسَفت بأقل شيء منها شُرعت الصلاة لذلك على سنتها، ألا ترى إلى قول أسماء - ﵂ -: ما للناس؟ وأشارت لها عائشة - ﵂ - بيدها نحو السماء، فلو كان كسوفًا بيّنًا ما خَفِي عن أسماء ولا غيرها، حتى تحتاج أن يشار إلى السماء، وقد استدل بهذا بعضهم على سرّية القراءة في صلاة الكسوف، وقد عرفت الردّ عليه.
٣ - (ومنها): أن المصلي إذا كُلِّم أشار، وسبَّح، ولم يتكلم؛ لأنَّ الكلام ممنوع منه في الصلاة.
٤ - (ومنها): أن النساء يسبّحن إذا نابهن شيء في الصلاة، وقد مضى قوله - ﷺ -: "من نابه شيء في صلاته، فليسبّح، فإنما التصفيق للنساء"، وقوله - ﷺ -: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء".
٥ - (ومنها): أن إشارة المصلي برأسه وبيده لا بأس بها.
٦ - (ومنها): أن قولها: "فقمت حتى تجلاني الغشي" دليل على طول القيام في صلاة الكسوف.
٧ - (ومنها): أن الغشي الخفيف لا ينقض الوضوء، وقد ترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - على هذا في "صحيحه"، فقال: "باب من لم يتوضّأ إلا من الغشي المثقل"، ثمَّ أورد حديث أسماء - ﵂ - هذا، ومحلّ الاستدلال منه أنها صلّت وأنّ الغشي تجلاها، وهي كانت خلف النبيّ - ﷺ -، وكان - ﷺ - وهو في الصلاة يرى ما يفعله الذي خلفه، ولم يُنكر عليها ذلك، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): أن قوله - ﷺ -: "إنكم تفتنون في قبوركم"، قال ابن عبد البرّ - ﵀ -: أراد به فتنة الملكين: منكر ونكير، حين يسألان العبد مَن ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟، والآثار بذلك متواترة، وأهل السنة والجماعة، وهم أهل الحديث والرأي في أحكام شرائع الإِسلام، كلهم مُجمعون على الإيمان
[ ١٨ / ٨٣ ]
والتصديق بذلك، إلا أنهم لا يتكلفون فيه شيئًا، ولا ينكره إلا أهل البدع.
رَوَى شعبة، عن علقمة بن مَرْثد، عن سعد بن عُبيدة، عن البراء بن عازب - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - في قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، قال: في القبر إذا سئل مَن ربك، وما دينك؟ ومن نبيك؟، ورواه الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن البراء - ﵁ - موقوفًا (^١).
٩ - (ومنها): بيان كون الجنة والنار مخلوقتين اليوم، وهو مذهب أهل السنة، ويدل عليه الآيات والأخبار المتواترة، مثل قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٢]، وقوله: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤ - ١٥]، وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٣] إلى غير ذلك من الآيات، وتواتر الأخبار في قصة آدم - ﵊ - عن الجنة، ودخوله إياها، وخروجه منها، ووعده الرد إليها، كل ذلك ثابت بالقطع.
قال إمام الحرمين - ﵀ -: أنكر طائفة من المعتزلة خلقهما قبل يوم الحساب والعقاب، وقالوا: لا فائدة في خلقهما قبل ذلك، وحملوا قصة آدم على بستان من بساتين الدنيا، قال: وهذا باطل، وتلاعب بالدين، وانسلال عن إجماع المسلمين.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ - ﵀ -: الجنة مخلوقة مهيأة بما فيها، سقفُها عرش الرحمن، وهي خارجة من أقطار السماوات والأرض، وكل مخلوق يفنى ويجدد أو لا يجدد إلَّا الجنة والنار، وليس للجنة سماء إلَّا ما جاء في "الصحيح" يعني قوله - ﷺ -: "وسقفها عرش الرحمن"، ولها ثمانية أبواب، وروي أنها كلها مُغلقة إلَّا باب التوبة، مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها.
١٠ - (ومنها): ما قال ابن بطال - ﵀ -: في الحديث ذمّ التقليد، وأنه لا يستحق اسم العلم التامّ على الحقيقة.
وتعقّبه ابن الْمُنَيِّر بأن ما حُكِي عن حال المجيب لا يدلّ على أنَّه كان
_________________
(١) "الاستذكار" ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٤.
[ ١٨ / ٨٤ ]
عنده تقليد معتبر، وهو الذي لا وهنَ عند صاحبه، ولا شك، وشرطه أن يعتقد كونه عالِمًا، ولو شعر بأن مستنده كون الناس قالوا شيئًا فقاله لم يحلّ اعتقاده، ورجع شكًّا، فعلى هذا لا يقول المعتقد المصمِّم يومئذ: سمعت الناس يقولون؛ لأنه يموت على ما عاش عليه، وهو في حال الحياة قد قرّرنا أنَّه لا يشعر بذلك، بل عبارته هناك إن شاء الله مثلها هنا من التصميم، وبالحقيقة فلا بدّ أن يكون للمصمّم أسبابٌ حملته على التصميم، غير مجرد القول، وربما لا يمكن التعبير عن تلك الأسباب، كما نقول في العلوم العادية: أسبابها لا تنضبط. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، وَإِذَا هِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ ربّما دلّس، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
والباقون ذُكرو قبله.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير أبي أسامة.
[تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن هشام هذه ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال: وقال محمود: حدّثنا أبوأسامة، قال: حدّثنا هشام بن عروة، قال: أخبرتني فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق، قالت: دخلت
_________________
(١) راجع: "شرح الزرقانيّ" ١/ ٥٤١.
[ ١٨ / ٨٥ ]
على عائشة - ﵂ -، والناس يصلّون، قلت: ما شأن الناس؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت: آية؟، فأشارت برأسها؛ أي: نعم، قالت: فأطال رسول الله - ﷺ - جدًّا حتى تجلاني الغشي، وإلى جنبي قِربة فيها ماء، ففتحتها، فجعلت أصبّ منها على رأسي، فانصرف رسول الله - ﷺ -، وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، وحمد الله بما هو أهله، ثمَّ قال: "أما بعدُ"، قالت: ولَغَطَ نسوة من الأنصار، فانكفأت إليهن لأسكّتهنّ، فقلت لعائشة: ما قال؟ قالت: قال: "ما من شيء لم أكن أُريته إلا قد رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، وإنه قد أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريب من فتنة المسيح الدجال، يؤتى أحدكم، فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن، أو قال: الموقن - شكّ هشام - فيقول: هو رسول الله، هو محمَّد - ﷺ - جاءنا بالبينات والهدى، فآمنا وأجبنا، واتبعنا، وصدقنا، فيقال له: نَمْ صالحًا، قد كنا نعلم إن كنت لتؤمن به، وأما المنافق، أو قال: المرتاب - شك هشام - فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت" - قال هشام -: فلقد قالت لي فاطمة: فأوعيته، غير أنها ذكرت ما يُغَلَّظ عليه. انتهى.
هكذا ساقه البخاريّ بلفظ: "وقال محمود"، وهو شيخه محمود بن غيلان، وقد وصله أبو نعيم في "مستخرجه"، فقال: حدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عُبيد بن غنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، فساقه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم ابن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٥] (…) - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: لَا تَقُلْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَلَكِنْ قُلْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدَّم قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدَّم في الباب الماضي.
٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم، تقدَّم قبل باب.
[ ١٨ / ٨٦ ]
و"عروة" ذُكر قبله.
وقوله: (لَا تَقُلْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَلَكِنْ قُلْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) هذا قول انفرد به عروة، والحقّ أنَّه يقال: كَسَفَت الشمسُ، وخَسَفَت، وكذا كَسَفَ القمرُ، وخَسَفَ؛ لورود الأدلّة الصحيحة الكثيرة بذلك، كما أسلفنا تحقيقه في أول "كتاب الكسوف"، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٦] (٩٠٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: فَزِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمًا، قَالَتْ: تَعْنِي يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَأَخَذَ دِرْعًا، حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ، فَقَامَ لِلنَّاسِ قِيَامًا طَوِيلًا، لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا أَتَى لَمْ يَشْعُرْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَكَعَ، مَا حَدَّثَ أَنَّهُ رَكَعَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ).
رجال الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدَّم قبل باب.
٤ - (مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن طلحة بن الحارث الْعَبْدريّ الْحَجَبيّ المكيّ، وهو ابن صفيّة بنت شيبة، ثقةٌ [٥] (ت ٧ أو ١٣٨) (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٩.
٥ - (صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ) بن عثمان بن طلحة الْعَبدريّة، لها رؤية، وحدّثت عن عائشة وغيرها من الصحابة، وفي "صحيح البخاريّ" التصريح بسماعها من النبيّ - ﷺ -، وأنكر الدارقطنيّ إدراكها (ع) تقدّمت في "الحيض" ٣/ ٦٩٩.
و"أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ" ذُكرت قبله.
[ ١٨ / ٨٧ ]
وقولها: (فَزِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمًا) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ"فَزِعَ"، وهو بفتح، فكسر، يقال: فَزِعَ منه، فهو فَزِعٌ، من باب تَعِبَ: خاف، قال القاضي عياضٌ - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يكون معناه الفزع الذي هو الخوف، كما في الرواية الأخرى: "يخشى أن تكون الساعة"، ويَحْتَمِل أن يكون معناه الفزع الذي هو المبادرة إلى الشيء؛ أي: فبادر إلى الصلاة. انتهى ببعض تصرّف (^١).
وقولها: (فَأَخَذَ دِرْعًا، حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ) وفي الرواية الآتية: "فأخطأ بدرع حتى أُدرك بردائه بعد ذلك"، والمراد من الدرع هنا ثوب المرأة، وليس درع حديد الحرب، والمعنى أنَّه - ﷺ - لانزعاجه، وشدّة سرعته، واهتمامه أراد أن يأخذ رداءه، فأخطأ، وأخذ درع بعض أهل البيت سهوًا، ولم يعلم ما فَعَلَ؛ لاشتغال قلبه بأمر الكسوف، فلما علم بعض أهل البيت بذلك لَحِقه بردائه، والله تعالى أعلم.
وقولها: (لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا أَتَى لَمْ يَشْعُرْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَكَعَ، مَا حَدَّثَ أَنَّهُ رَكَعَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ) معناه: أنَّه لو أتى إنسانٌ لم يعرف أنه - ﷺ - ركع قبل هذا لم يحدّث بركوعه - ﷺ - لطول القيام الذي بعد الركوع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: قِيَامًا طَوِيلًا، يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ، وَزَادَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ أَسَنَّ مِنِّي، وَإِلَى الْأُخْرَى هِيَ أَسْقَمُ مِنِّي).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ) أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ ربّما أخطأ [١٠] (ت ٢٤٩) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٢ - (أَبُوهُ) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٣/ ٣٤٦.
[ ١٨ / ٨٨ ]
أيّوب الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الْجَمَل، صدوقٌ يُغرب، من كبار [٩] (ت ١٩٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
و"ابن جُريج" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد ابن جُريج السابق، وهو: عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفيّة بنت شيبة، عن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ -.
وقوله: (وَزَادَ) فاعله ضمير يحيى بن سعيد الأمويّ.
وقولها: (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ أَسَنَّ مِنِّي، وَإِلَى الْأُخْرَى هِيَ أَسْقَمُ مِنِّي) أرادت بذلك أنها كلما استشعرت من نفسها التعب من طول القيام، وأرادت أن تصلي جالسة، تنظر إلى بعض النساء اللاتي هنّ أضعف منها بكثير، ومع ذلك يصلّين قائمات، فتشجّع نفسها بذلك على القيام، وهو بمعنى قولها الآتي: "حتى إني أريد أن أجلس، ثمَّ ألتفت إلى المرأة الضعيفة، فأقول: هذه أضعف مني، فأقوم".
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن منصور بن عبد الرحمن هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" (٦/ ٣٤٩) فقال: حدّثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا عبد الرزاق، قال: أنا ابن جريج، قال: حُدِّثت عن أسماء بنت أبي بكر، أنها قالت: فَزِع النبيّ - ﷺ - يوم كسفت الشمس، فأخذ درعًا، حتى أُدرك بردائه، فقام بالناس قيامًا طويلًا يقوم، ثمَّ يركع، قالت: فجعلت أنظر إلى المرأة التي هي أكبر مني قائمةً، وإلى المرأة التي هي أسقم مني قائمةً، فقلت: "إني أحق أن أصبر على طول القيام منك".
وقال ابن جريج: حدّثني منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية بنت شيبة، عن أسماء بنت أبي بكر، أن النبيّ - ﷺ - فزع. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: كَسَفَتِ
[ ١٨ / ٨٩ ]
الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَفَزِعَ، فَأَخْطَأَ بِدِرْعٍ، حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَتْ: فَقَضَيْتُ حَاجَتِي، ثُمَّ جِئْتُ، وَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَائِمًا، فَقُمْتُ مَعَهُ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ، ثُمَّ أَلْتَفِتُ إِلَى الْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ، فَأَقُولُ: هَذِهِ أَضْعَفُ مِنِّي، فَأَقُومُ، فَرَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَرْكَعْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخْسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
٢ - (حَبَّانُ) بن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (فَفَزِعَ، فَأَخْطَأَ بِدِرْعٍ، حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ) قال النوويّ - ﵀ -: معناه أنَّه لشدة سرعته واهتمامه بذلك، أراد أن يأخذ رداءه، فأخذ درع بعض أهل البيت سهوًا، ولم يعلم ذلك؛ لاشتغال قلبه بأمر الكسوف، فلما عَلِمَ أهل البيت أنَّه ترك رداءه لحقه به إنسان. انتهى.
وقولها: (فَقَضَيْتُ حَاجَتِي، ثُمَّ جِئْتُ … إلخ) معناه أن أسماء - ﵂ - بعد أن شاهدت ما كان الناس عليه، وسألت عائشة - ﵂ - عن ذلك، وأجابتها بالإشارة، وفهمت منها رجعت إلى بيتها فقضت حاجتها، وتوضّأت، ثمَّ جاءت إلى المسجد، فدخلت في صفوف النساء تصلي … إلى آخر كلامها.
وقولها: (حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ) أي: ممن لم ير ركوعه - ﷺ -، ورفعه منه.
وقولها: (خُيِّلَ إِلَيْهِ … إلخ) بالبناء للمفعول؛ أي: ظنّ أنَّه - ﷺ - لا زال في قيام القراءة الذي قبل الركوع.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قريبًا، والله
[ ١٨ / ٩٠ ]
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٩] (٩٠٧) - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، قَدْرَ نَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَاذْكُرُوا اللهَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَفَفْتَ، فَقَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ"، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: "بِكُفْرِهِنَّ"، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: "بِكُفْرِ الْعَشِيرِ، وَبِكُفْرِ الْإِحْسَانِ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدثانيّ، هَرَويّ الأصل، صدوقٌ عَمِي فتلقّن، من قدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦١.
٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أوأبوأسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ يُرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
[ ١٨ / ٩١ ]
٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمَّد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ واعظٌ عابدٌ، من صغار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - تقدَّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وحفص، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنَّه مسلسلٌ بالمدنيين ومن زيد بن أسلم.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وابن عبّاس - ﵄ - سبق الكلام فيه.
شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) هكذا في "الموطأ"، وفي جميع من أخرجه من طريق مالك، ووقع في رواية اللؤلؤيّ في "سنن أبي داود" "عن أبي هريرة" بدل "ابن عباس"، وهو غلط، قاله في "الفتح". أنَّه (قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ) وفي رواية النسائيّ: "خَسَفَت الشمس"، وهو بمعناه (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، قَدْرَ نَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا في النسخ: "قدرَ نحوِ"، وهو صحيح، ولو اقتصر على أحد اللفظين لكان صحيحًا. انتهى (^١).
وهذا يدلّ على استحباب تطويل القراءة في صلاة الكسوف، وقد ثبت في حديث عائشة - ﵂ -، قالت: "فحَسِبْتُ قَرأَ سورةَ البقرة" (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ) أي: سجدتين (ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ) فيه أن الركعة الثانية أقصر من الأولى (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ٢١٢ - ٢١٣.
[ ١٨ / ٩٢ ]
رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: سلّم من الصلاة (وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَاذْكُرُوا اللهِ") - ﷿ - (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) قال في "الفتح": في حديث جابر - ﵁ - عند أحمد بإسناد حسن: "فلما قضى الصلاة، قال له أُبيّ بن كعب: شيئًا صنعته في الصلاة لم تكن تصنعه"، فذكر نحو حديث ابن عباس، إلا أن في حديث جابر أن ذلك كان في الظهر، أو العصر، فإن كان محفوظًا فهي قصة أخرى، ولعلها التي حكاها أنس، وذكر أنها وقعت في صلاة الظهر، لكن فيه: "عُرضت عليّ الجنة والنار في عُرْض هذا الحائط"، حسبُ، وأما حديث جابر فهو شبيه بسياق ابن عباس في ذكر العنقود، وذكر النساء، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
(رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ) بصيغة الماضي، ووقع عند البخاريّ في رواية الكشميهني "تناولُ" بصيغة المضارع بضم اللام، وبحذف إحدى التاءين، وأصله تتناول (شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَفَفْتَ) بفاءين خفيفتين، يقال: كفّ عن الشيء كفًّا، من باب قتل: إذا تركه، وكففته كفًّا: إذا منعتَهُ، فكفّ يتعدّى ويلزم (^٢)، وهنا الموافق هو اللزوم، وفي رواية مالك الآتية: "ثمَّ رأيناك تكعكعت" أي: توقّفت، وأحجمت.
(فَقَالَ: (إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ) قد سبق أنهم اختلفوا في هذه الرؤيا، هل هي رؤية حقيقيّة، أم رؤية مجازيّة؟ وقدّمنا أن الصواب أنها رؤية حقيقية، فتنبّه (فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا) قال في "المصباح": "العُنقُود" من الَعِنَب ونحوه فُنْعُول بضمّ الفاء، والْعِنْقَاد مثله. انتهى. (وَلَوْ أَخَذْتُهُ) وفي رواية البخاريّ: "ولو أصبته" قال في "الفتح": واستُشكل مع قوله: "تناولت"، وأُجيب بحمل التناول على تكلّف الأخذ، لا حقيقة الأخذ. وقيل: المراد تناولت لنفسي، ولو أخذته لكم، حكاه الكرمانيّ، وليس بجيّد، وقيل: المراد بقوله: "تناولت" أي:
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٢٣.
(٢) "المصباح" ٢/ ٥٣٦.
[ ١٨ / ٩٣ ]
وضعت يدي عليه، بحيث كنت قادرًا على تحويله، لكن لم يقدّر لي قطفه، ولوأصبته؛ أي: لو تمكنت من قطفه، ويدلّ عليه قوله في حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة: "أهوى بيده ليتناول شيئًا"، وللبخاري في حديث أسماء - ﵂ -: "حتى لو اجترأت عليها"، وكأنه لم يُؤْذَن له في ذلك، فلم يجترئ عليه، وقيل: الإرادة مقدّرة؛ أي: أردت أن أتناول، ثمَّ لم أفعل، ويؤيده حديث جابر - ﵁ - المتقدّم عند المصنّف: "ولقد مددت يدي، وأنا أريد أن أتناول من ثمرها، لتنظروا إليه، ثمَّ بدا لي أن لا أفعل"، ومثله للبخاريّ في حديث عائشة - ﵂ -، ولفظه: "حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفًا من الجنّة، حين رأيتموني جعلت أتقدّم"، ولعبد الرزاق من طريق مرسلة: "أردت أن آخذ منها قطفًا لأريكموه، فلم يقدّر"، ولأحمد من حديث جابر: "فحيل بيني وبينه".
قال ابن بطال - ﵀ -: لم يأخذ العُنقود؛ لأنه من طعام الجنة، وهو لا يَفنى، والدنيا فانية، لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى، وقيل: لأنه لو رآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة، لا بالغيب، فيخشى أن يقع رفع التوبة، فلا ينفع نفسًا إيمانها، وقيل: لأنَّ الجنّة جزاء الأعمال، والجزاء بها لا يقع إلا في الآخرة.
وحكى ابن العربيّ - ﵀ - في "قانون التأويل" عن بعض شيوخه، أنَّه قال: معنى قوله: "لأكلتم منه … إلخ" أن يخلق في نفس الآكل مثل الذي أكل دائمًا، بحيث لا يغيب عن ذوقه.
وتعقّب بأنّه رأيٌ فلسفيّ مبنيّ على أن دار الآخرة لا حقائق لها، وإنما هي أمثال.
والحقّ أن ثمار الجنة لا مقطوعة، ولا ممنوعة، وإذا قُطعت خلقت في الحال، فلا مانع أن يخلق الله مثل ذلك في الدنيا إذا شاء، والفرق بين الدارين في وجوب الدوام وجوازه.
[فائدة]: بيّن سعيد بن منصور في روايته من وجه آخر، عن زيد بن أسلم أن التناول المذكور كان حين قيامه الثاني من الركعة الثانية. انتهى.
(لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ) قال الطيبيّ - ﵀ -: الخطاب عامّ في كلّ جماعة يتأتّى منهم
[ ١٨ / ٩٤ ]
السماع والأكل إلى يوم القيامة بدليل قوله: "ما بقيت الدنيا". انتهى (^١).
(مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا) "ما" مصدرية ظرفية؛ أي: مُدّةَ بقاء الدنيا؛ أي: لعدم فناء فواكه الجنة، وقول البيضاويّ: وجه ذلك إما بأن يخلق الله تعالى مكان كلّ حبّة تُقتطف حبّة أخرى، كما هو المرويّ في خواصّ ثمر الجنّة، أو بأن يتولّد منه مثله في الزرع، فيبقى نوعه ما بقيت الدنيا، فيؤكل منه. انتهى (^٢).
(وَرَأَيْتُ النَّارَ) وقع في رواية عبد الرزّاق المذكورة أن رؤيته النار كانت قبل رؤيته الجنة، وذلك أنَّه قال فيه: "عُرضت على النبيّ - ﷺ - النارُ، فتأخر عن مصلاه، حتى إن الناس ليركب بعضهم بعضًا، وإذا رجع عُرضت عليه الجنة، فذهب يمشي حتى وقف في مصلّاه"، ولمسلم من حديث جابر المتقدّم: "لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخّرت، مخافة أن يصيبني من لَفْحها"، وفيه: "ثمَّ جيء بالجنة، وذلك حين رأيتموني تقدّمت، حتى قمت في مقامي"، وزاد فيه: "ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه"، وفي حديث سمرة عند ابن خزيمة: "لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم".
(فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ) "منظرًا" تمييز محوَّل عن المضاف؛ أي: كمنظر اليوم، والمراد باليوم الوقت، فالمعنى: كالمنظر الذي رأيته الآن، وقال في "الفتح": المراد باليوم الوقت الذي هو فيه؛ أي: لم أر منظرًا مثل منظرٍ رأيته اليوم، فحَذَف المرئيّ، وأدخل التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأى فيه، وبُعْده عن المنظر المألوف، وقيل: الكاف اسم، والتقدير: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرًا، ووقع في رواية المستملي، والحموي: "فلم انظر كاليوم قط أفظع". انتهى. والفظيع: الشديد الشنيع.
(وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ") قال الحافظ - ﵀ -: هذا يفسّر وقتَ الرؤية في قوله لهنّ في خطبة العيد: "تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله نظر؛ إذ لا يتعيّن هذا تفسيرًا لما ذكره؛ إذ يحتمل أن يراهن في وقت آخر أيضًا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٣١٢.
(٢) راجع: "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٣١٢.
[ ١٨ / ٩٥ ]
(قَالُوا: بِمَ) وللنسائيّ: "لِمَ" باللام (يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ) - ﷺ - ("بِكُفْرِهِنَّ"، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟) القائل هي: أسماء بنت يزيد بن السكن التي كانت تعرف بخطيبة النساء (قَالَ) - ﷺ -: ("بِكُفْرِ الْعَشِيرِ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا ضبطناه "بكفر" بالباء الموحّدة الجارّة، وضمّ الكاف، وإسكان الفاء، وفيه جواز إطلاق الكفر على كفران الحقوق، وإن لم يكن ذلك الشخص كافرًا بالله تعالى، وقد سبق شرح هذا اللفظ مرّات، و"العشير": المعاشر، كالزوج وغيره، وفيه ذمّ كفران الحقوق لأصحابها. انتهى (^١).
وقال الكرمانيّ - ﵀ -: وإنما لم يُعَدّه بالباء، كما عَدّى الكفر بالله؛ لأنَّ كفر العشير لا يتضمّن معنى الاعتراف. انتهى.
وقوله: (وَبِكُفْرِ الْإِحْسَانِ) كأنه بيان لقوله: "يكفرن العشير"؛ لأنَّ المقصود كفر إحسان العشير، لا كفران ذاته، والمراد بكفر الإحسان تغطيته، أو جحده، ويدلّ عليه قوله: (لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ) "لو" هنا شرطيةٌ، لا امتناعيةٌ، وقال الكرمانيّ: ويَحْتَمِل أن تكون امتناعيةً بأن يكون الحكم ثابتًا على النقيضين، والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور، و"الدهرَ" منصوب على الظرفية، والمراد منه عمر الرجل، أو الزمان كله، مبالغةً في كفرانهنّ، وليس المراد بقوله: "أحسنت" مخطابة رجل بعينه، بل كلّ من يتأتّى منه أن يكون مخاطبًا، فهو خاصّ لفظًا، عامّ معنى (ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا) التنوين فيه للتقليل؛ أي: شيئًا قليلًا لا يوافق غرضها، من أي نوع كان.
ووقع في حديث جابر - ﵁ - ما يدلّ على أن المرئيّ في النار من النساء من اتصف بصفات ذميمة ذُكرتْ، ولفظه: "وأكثر من رأيت فيها من النساء اللاتي إن ائتُمنّ أفشين، وإن سُئلن بَخِلنَ، وإن سألن ألْحَفْنَ، وإن أُعْطين لم يشكرن … " الحديث.
(قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ") الظاهر أن التنوين في "خيرًا" أيضًا للتقليل؛ أي: لم أر منك قليلًا من الخير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ٢١٣.
[ ١٨ / ٩٦ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس - ﵄ - هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢١٠٩ و٢١١٠] (٩٠٧)، و(البخاريّ) في "الإيمان" (٢٩) و"الصلاة" (٤٣١) و"الأذان" (٧٤٨) و"الكسوف" (١٠٥٢) و"العمل في الصلاة" (٣٢٠٢) و"النكاح" (٥١٩٧)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٨٩)، و(النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٩٣) و"الكبرى" (١٨٧٨)، و(مالك) في "الموطأ" (١٣٢)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٩٨ و٣٥٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٥٣٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٧٧)، و(ابن حبَّان) في "صحيحه" (٢٨٣٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٥٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤١ و٢٠٤٢ و٢٠٤٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٤٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): المبادرة إلى الطاعة عند رؤية ما يُحذر منه، واستدفاعُ البلاء بذكر الله تعالى، وأنواع طاعته.
٢ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ - ﷺ -.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من نصح أمته، وتعليمهم ما ينفعهم، وتحذيرهم مما يضرّهم.
٤ - (ومنها): مراجعة المتعلّم للعالم فيما لا يدركه فهمُهُ، وجواز الاستفهام عن علّة الحكم، وبيان العالم ما يحتاج إليه تلميذه.
٥ - (ومنها): تحريم كفران الحقوق، ووجوب شكر المنعم.
٦ - (ومنها): أن الجنة والنار مخلوقتان، موجودتان اليوم.
٧ - (ومنها): جواز إطلاق اسم الكفر على ما لا يُخرِج من الملّة.
٨ - (ومنها): إثبات تعذيب أهل التوحيد على المعاصي.
٩ - (ومنها): جواز العمل في الصلاة؛ إذا لم يكثر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٨ / ٩٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٠] (…) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِي ابْنَ عِيسَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القُشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنَ عِيسَى) بن نَجِيح البغداديّ، أبو يعقوب ابن الطبّاع، نزيل أَذَنَةَ، صدوقٌ [٩].
رَوَى عن مالك، والحمادين، وشريك، وابن لَهِيعة، وهُشيم، وجرير بن حازم، وغيرهم.
ورَوى عنه أحمد، وأبو خيثمة، والدارميّ، والذُّهْليّ، ويعقوب بن شيبة، ومحمد بن رافع، والحسن بن مكرم، والحارث بن أبي أسامة، وجماعة.
قال البخاريّ: مشهور الحديث، وقال صالح بن محمَّد: لا بأس به، صدوقٌ، وقال أبو حاتم: أخوه محمَّد أحبّ إليّ منه، وهو صدوق، وقال الخليليّ: إسحاق ومحمد ولدا عيسى ثقتان، مُتَّفَقٌ عليهما.
قال ابن قانع: مات سنة (٢١٤) وقال ابن سعد: مات سنة (٢١٥) في ربيع الأوّل، وقال ابن حبَّان في الثقات: إن مولده سنة (١١٤) وقال مطين في "تاريخه": تُوُفّي سنة (٢١٦).
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط.
٣ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدَّم قبل باب.
و"زيد بن أسلم" ذُكر قبله.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ) "في" بمعنى "مع"؛ أي: بهذا الإسناد الماضي، وبمثل متنه.
[ ١٨ / ٩٨ ]
وقوله: (تَكَعْكَعْتَ) أي: تأخّرت، يقال: كعّ الرجل: إذا نَكَصَ على عقبيه، قال الخطّابيّ: أصله تكَعَّعْت، فاستثقلوا اجتماع ثلاث عينات، فأبدلوا من إحداها حرفًا مكررًا.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: يقال: تكعكع الرجل، وتكاعى، وكَعَّ كُعُوعًا: إذا أحجم، وجَبُنَ، قاله الهرويّ وغيره، وهو في هذا الحديث بمعنى كَفَفت، كما قاله في الرواية السابقة. انتهى (^١).
[تنبيه]: رواية مالك، عن زيد بن أسلم هذه ساقها البخاريّ - ﵀ - فقال: (٥١٩٧) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، أنَّه قال: خَسَفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فصلى رسول الله - ﷺ -، والناس معه، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة، ثمَّ ركع ركوعًا طويلًا، ثمَّ رفع، فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأوّل، ثمَّ ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأوّل، ثمَّ سجد، ثمَّ قام فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأوّل، ثمَّ ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأوّل، ثمَّ رفع، فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأوّل، ثمَّ ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأوّل، ثمَّ رفع، ثمَّ سجد، ثمَّ انصرف، وقد تجلت الشمس، فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله"، قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثمَّ رأيناك تكعكعت، فقال: "إني رأيت الجنة، أوأُريت الجنة، فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظرًا قط، ورأيت أكثر أهلها النساء"، قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: "بكفرهنّ"، قيل: يكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهرَ، ثمَّ رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٦١.
[ ١٨ / ٩٩ ]