وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٩] (٩١٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ، أَوِ الْمَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ"، قَالَتْ: فَلَمَا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ، قَالَ: قُولي: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ، وَأَعْقِبْني مِنْهُ عُقْبَى حَسَنَةً"، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَأَعْقَبَنِي اللهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لِى مِنْهُ مُحَمَّدًا - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (شَقِيقُ) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٨٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
[ ١٨ / ١٥٤ ]
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين سوى الصحابيّة، فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد من اتّفق الجماعة بالرواية عنه بلا واسطة.
٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) - ﵄ أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ، أَوِ الْمَيتَ) هكذا رواية المصنّف - ﵀ - ب "أو"، والظاهر أنَّها للشكّ من الراوي، ويَحْتَمِل أن تكون للتنويع، ووقع في رواية أبي داود، والنسائيّ، والبيهقيّ، بلفظ: "إِذَا حَضَرْتُمُ الميت" (فَقُولُوا خَيْرًا) قال السنديّ - ﵀ -: أي ادعوا له بالخير، لا بالشرّ، أو ادعوا بالخير مطلقًا، لا بالويل، ونحوه، والأمر فيه للندب، ويَحْتَمِل أن المراد: فلا تقولوا شرًّا، فالمقصود النهي عن الشرّ بطريق الكناية، لا الأمر بالخير. انتهى.
وقال المظهر: أي ادعوا للمريض بالشفاء، وقولوا: اللَّهم اشفه، وللميت بالرحمة والمغفرة، وقولوا: اللهم اغفر له، وارحمه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قول السنديّ: والأمر فيه للندب محلّ توقّف؛ إذ يَحتاج إلى صارف له عن الوجوب؛ لأن الأمر للوجوب إلَّا لصارف، فليُتأمّل.
وأما الاحتمال الذي ذكره أخيرًا فبُعده أظهر من أن يخفى.
ثم هذا الدعاء أعمّ من أن يكون لنفسه، وللميت، ففي الرواية الآتية من طريق قَبِيصة بن ذُؤيب، عن أم سلمة، قالت: دخل رسول الله - ﷺ -، على أبي
[ ١٨ / ١٥٥ ]
سلمة، وقد شَقَّ بصرُهُ، فأغمضه، ثم قال: "إن الروح إذا قبض، تبعه البصر"، فضَجَّ ناس من أهله، فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلَّا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون"، ثم قال: "اللَّهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله، يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه"، فتبتين أن الدعاء عند الميت يشمل الدعاء له، وللشخص نفسه، فلا يدعو إلَّا بخير، والله تعالى أعلم.
(فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن الملائكة … إلخ، والمراد بالملائكة، ملك الموت، وأعوانه، أو عموم الملائكة الذين يحضرون الميت، وهذا أولي، لما أخرجه النسائيّ من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: "إذا حُضِر المؤمنُ أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء … . وإذا احتضر الكافر أتته ملائكة العذاب بِمِسْحٍ … " الحديث (^١).
(يُؤَمِّنُونَ) بالتشديد، من التأمين؛ أي: يقولون: آمين (عَلَى مَا تَقُولُونَ") أي: من الدعاء بخير، أو شرّ، ودعاء الملائكة مستجاب، فلا يجوز للشخص أن يدعو بما فيه مضرّة له، أو لغيره.
قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "إذا حَضَرتم الميت، فقولوا خيرًا" أمر تأديب، وتعليم بما يقال عند الميت، وإخباز بتأمين الملائكة على دعاءِ مَن هناك، ومن هذا استحبّ علماؤنا أن يحضر الميت الصالحون، وأهل الخير حالة موته
_________________
(١) هو ما أخرجه النسائيّ (١٨٣٣) بسند صحيح، عن أبي هريرة، أن النبيّ - ﷺ - قال: "إذا حُضِر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضيًّا عنك إلى رَوْح الله وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضًا، حتى يأتون به باب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدّ فرحًا به من أحدكم بغائبه يَقْدَم عليه، فيسألونه ماذا فَعَل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دَعُوه فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهب به إلى أمه الهاوية، وإن الكافر إذا احتُضِر أتته ملائكة العذاب بِمِسْح، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب الله - ﷿ -، فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار". انتهى.
[ ١٨ / ١٥٦ ]
ليذكروه، ويدعوا له، ولمن يخلفه، ويقولوا خيرًا، فيجتمع دعاؤهم، وتأمين الملائكة، فينتفع الميت، ومن يُصاب به، ومن يَخلُفه. انتهى.
(قَالَتْ) أم سلمة - ﵂ - (فَلَمَّا ماتَ أَبُو سَلَمَةَ) أي: زوجها قبل النبيِّ - ﷺ -، تقدّمت ترجمته في الحديث الماضي (أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ، قَالَ: قُولِي: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ) وفي رواية النسائيّ: "فَلمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَقُولُ: قَالَ: "قُولِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنَا وَلَهُ" (وَأَعْقِبْنِي) بقطع الهمزة، من الإعقاب؛ أي: عَوِّضني، وأَعطِنِي بدله، قال الشاعر [البسيط]:
وَمَنْ أَطَاعَ فَأَعْقِبْهُ بِطَاعَتِهِ … كَمَا أَطَاعَكَ وَادْلُلْهُ عَلَى الرَّشَدِ
(مِنْه) أي: بدله، فـ "من" بمعنى "بدل"، كما قال في "الخلاصة":
لِلِانْتهَا "حَتَّى" وَلَامٌ وَ"إِلَى" … وَ"مِنَ" وَبَاءٌ يُفْهِمَانِ بَدَلَا
(عُقْبَى حَسَنَةً") - بضم العين المهملة، وسكون القاف - بوزن بُشْرى: أي بدلًا صالحًا (قَالَتْ) أم سلمة - ﵂ -: (فَقُلْتُ) أي: ما أمرني النبيّ - ﷺ - من الدعاء المذكور (فَأَعْقَبَنِي اللهُ) أي: أعطاني الله - ﷿ - عوضًا منه (مَنْ) بفتح الميم موصولة مفعول "أعقبني"، وصلتها جملة قوله: (هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْهُ) وقولها: (مُحَمَّدًا - ﷺ -) منصوب على البدليّة من "مَنْ".
والمعنى: أن الله تعالى عوّضها خيرًا من أبي سلمة - ﵁ - وذلك هو النبيّ - ﷺ -، حيث تزوَّجها بعد موته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢١٢٩] (٩١٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٣١١٥)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٩٧٧)، و"ابن ماجه" (١٤٤٧)، و(النسائيّ) (١٨٢٥) و"الكبرى" (١١٩٥١) وفي "عمل اليوم والليلة" (١٠٦٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٩١ و٣٠٦ و٣٢٢)، و(عبد بن حميد) في "مسنده"
[ ١٨ / ١٥٧ ]
(١٥٣٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر لمن حضر المريض أن لا يدعو إلَّا بخير؛ لأن الملائكة يؤمّنون على دعائه، فإذا دعا بغير خير كان وَبَالًا عليه.
٢ - (ومنها): بيان حضور الملائكة عند المريض، وتأمينهم على دعاء الداعين في ذلك المكان.
٣ - (ومنها): بيان استجابة دعاء الملائكة، وأنها لا تردّ.
٤ - (ومنها): أن من مات له زوج، أو زوجة، أو نحوهما ينبغي له أن يسترجع، وبدعو بقوله: الفهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عُقْبَى حسنة، فإن الله تعالى سيعوّضه خيرًا منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.