وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٨] (٨٩٧) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ (^٢)، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ (^٣)، مِنْ بَابِ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ، يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِثْنَا (^٤)، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا"، قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلَا
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٩٠ - ١٩١.
(٢) وفي نسخة: "وقُتيبة بن سعيد".
(٣) وفي نسخة: "يوم الجمعة".
(٤) وفي نسخة: "يُغيثُنا".
[ ١٧ / ٥٣٨ ]
قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا (^١) وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ، وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ، مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلَا وَاللهِ، مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ، فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ، يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوْلَنَا، وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ"، فَانْقَلَعَتْ (^٢)، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ، قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٣ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السعديّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٦ - (شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ) أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢١.
٧ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ -، تقدّم في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف - ﵀ -، وهو (١٣٥) من رباعيّات
_________________
(١) وفي نسخة: "ولا بيننا".
(٢) وفي نسخة: "قال: فانقطعت".
[ ١٧ / ٥٣٩ ]
الكتاب، وله فيه أربعة من الشيوخ، قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة أخذه عنهم، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم في ذلك، كما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيوخه: يحيى بن يحيى، وابن أيوب، وابن حُجْر، كما سبق آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيوخه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغداديّ، والثالث بَغْلانيّ، والرابع مروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا من المكثرين السبعة، رَوَى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ: لم أقف على اسمه في حديث أنس - ﵁ -، وروى أحمد عن كعب بن مُرّة ما يمكن أن يُفَسَّر به هذا المبهم بأنه كعب المذكور، وللبيهقيّ مرسلًا ما يمكن أن يفسر به بأنه خارجة بن حِصْن الفزاريّ، لكن رواه ابن ماجه عن شُرَحبيل بن السِّمْط أنه قال لكعب بن مرّة: يا كعب حدثنا عن رسول الله - ﷺ -، فقال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله استسق الله، فرفع يديه، فقال: "اللَّهم اسقنا … " ففي هذا أنه غير كعب، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس أنه أعرابيّ، وفي رواية يحيى بن سعيد، عن أنس: أتى رجل أعرابي من أهل البادية.
ولا يعارض هذا قول ثابت عن أنس: فقام الناس، فصاحوا؛ لاحتمال أنهم سألوا بعد أن سأل الرجل، أو نُسِب إليهم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه من دعائه - ﷺ -.
ولأحمد عن ثابت، عن أنس: إذ قال بعض أهل المسجد، وهو يرجّح الاحتمال الأول، وزعم بعضهم أنه أبو سفيان بن حرب، وهو وَهَمٌ؛ لأنه جاء في واقعة أخرى قبل إسلامه، وينفي زعمه قوله: يا رسول الله؛ لأنه لا يقولها قبل إسلامه. انتهى (^١).
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٣٥٩.
[ ١٧ / ٥٤٠ ]
(دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ (يَوْمَ جُمُعَةٍ) وفي نسخة: "يوم الجمعة" (مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ) قال القاضي عياض - ﵀ -: سُمِّيت دار القضاء؛ لأنها بيعت في قضاء دين عمر بن الخطاب - ﵁ - الذي كتبه على نفسه لبيت مال المسلمين، وأوصى ابنه عبد الله أن يبيع فيه ما له بالغابة، فإن عجز ما له استعان ببني عديّ، ثم بقريش، فباع ابنه داره هذه لمعاوية، وماله بالغابة، وقَضَى دينه، وكان ثمانية وعشرين ألفًا، وكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم اختصروا، فقالوا: دار القضاء، وهي دار مروان، وقال بعضهم: هي دار الإمارة، وغُلِّط؛ لأنه لَمّا بلغه أنها دار مروان، ظنّ أن المراد بالقضاء الإمارة، والصواب ما قدمناه. انتهى كلام القاضي - ﵀ - (^١).
قال النوويّ - ﵀ - بعد نقله كلام القاضي المذكور ما نصّه: قوله: إن دَينه كان ثمانية وعشرين ألفًا غريبٌ، بل غلطٌ، والصحيح المشهور أنه كان ستة وثمانين ألفًا، أو نحوه، هكذا رواه البخاري في "صحيحه"، وكذا رواه غيره من أهل الحديث، والسير، والتواريخ، وغيرهم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو تعقّبٌ حسنٌ.
وفي رواية البخاريّ: "أن رجلًا دخل يوم الجمعة من بابٍ كان وِجاهَ المنبر"، قال في "الفتح"، قوله: "من باب كان وجاه المنبر" بكسر واو "وِجاه"، ويجوز ضمُّها؛ أي: مُوَاجهةَ، ووقع في شرح ابن التين: أن معناه مستدبر القبلة، وهو وَهَمٌ، وكأنه ظنّ أن الباب المذكور كان مقابل ظهر المنبر، وليس الأمر كذلك.
ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر: "من باب كان نحوَ دار القضاء"، وفَسَّر بعضهم دار القضاء بأنها دار الإمارة، وليس كذلك، وإنما هي دار عمر بن الخطاب، وسُمِّيت دار القضاء؛ لأنها بيعت في قضاء دينه، فكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم طال ذلك، فقيل لها: دار القضاء، ذكره الزبير بن بَكّار بسنده إلى ابن عمر - ﵄ -، وذكر عمر بن شَبّة في "أخبار المدينة" عن أبي غسان المدنيّ، سمعت بن أبي فُديك، عن عمة: كانت دار القضاء لعمر، فأمر عبد الله
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٣/ ٣١٩.
[ ١٧ / ٥٤١ ]
وحفصة أن يبيعاها عند وفاته، في دين كان عليه، فباعوها من معاوية، وكانت تُسَمَّى دار القضاء، قال ابن أبي فُديك: سمعت عمي يقول: إن كانت لتسمى دار قضاء الدين، قال: وأخبرني عمي أن الْخَوْخَة الشارعة في دار القضاء غربيّ المسجد هي خوخة أبي بكر الصديق - ﵁ - التي قال رسول الله - ﷺ -: "لا يبقى في المسجد خَوْخَةٌ إلا خَوْخَة أبي بكر"، وقد صارت بعد ذلك إلى مروان، وهوأمير المدينة، فلعلها شُبهة من قال: إنها دار الإمارة، فلا يكون غلطًا، كما قال صاحب "المطالع" وغيره.
وجاء في تسميتها دار القضاء قولٌ آخر، رواه عمر بن شبة في "أخبار المدينة" عن أبي غسان المدنيّ أيضًا، عن عبد العزيز بن عمران، عن راشد بن حفص، عن أم الحكم بنت عبد الله، عن عمتها سهلة بنت عاصم، قالت: كانت دار القضاء لعبد الرحمن بن عوف، وإنما سُمِّيت دار القضاء؛ لأن عبد الرحمن بن عوف اعتَزَل فيها ليالي الشورى حتى قَضَى الأمر فيها، فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية بن أبي سفيان، قال عبد العزيز: فكانت فيها الدواوين، وبيت المال، ثم صَيَّرها السفاح رَحْبَةً للمسجد.
وزاد أحمد في رواية ثابت، عن أنس: "إني لقائم عند المنبر"، فأفاد بذلك قوّة ضبطه للقصة؛ لقربه، ومن ثَمّ لم يَرِد هذا الحديث بهذا السياق كله إلا من روايته. انتهى.
وفي رواية سعيد المقبريّ، عن شريك، عن أنس عند البخاريّ: "بينما نحن في المسجد يوم الجمعة، ورسول الله - ﷺ - يخطب الناس، فقام رجل، فقال: يا رسول الله … ".
(وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله: (يَخْطُبُ) حال من "قائمٌ"، زاد في رواية قتادة عند البخاريّ في "كتاب الأدب": "بالمدينة" (فَاسْتَقْبَلَ) أي: ذلك الرجل (رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَائِمًا) حال من الفاعل (ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) قال في "الفتح": هذا يدلّ على أن السائل كان مسلمًا، فانتفى أن يكون أبا سفيان، فإنه حين سؤاله لذلك كان لم يسلم. انتهى. (هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ) المراد بهلاكهم عدم وجود ما يَعِيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر.
[ ١٧ / ٥٤٢ ]
وفي رواية إسحاق بن عبد الله، عن أنس التالية: "فبينا رسول الله - ﷺ - يخطب الناس على المنبر يوم الجمعة؛ إذ قام أعرابيّ، فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال … "، وفي رواية ثابت، عن أنس الآتية: "كان النبيّ - ﷺ - يخطب يوم الجمعة، فقام إليه الناس، فصاحوا، فقالوا: يا نبي الله قَحَطَ المطر، واحمرّ الشجر، وهلكت البهائم … ".
ووقع عند البخاريّ في رواية كريمة وأبي ذرّ جميعًا عن الكشميهنيّ بلفظ: "هلكت المواشي"، وهو المراد بالأموال هنا، لا الصامت، ووقع عنده في "كتاب الجمعة" بلفظ: "هلك الكُراع"، وهو بضم الكاف يطلق على الخيل وغيرها، وعنده من رواية يحيى بن سعيد، عن أنس: "هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس"، وهو من ذكر العامّ بعد الخاصّ، قاله في "الفتح".
(وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) - بضمتين - جمع سبيل؛ أي: الطرق، ووقع عند البخاريّ في رواية الأصيليّ بلفظ: "وتقطعت" بمثناة، وتشديد الطاء، فالأول من باب الانفعال، والثانى من باب التفعُّل.
واختلف في معنى انقطاع السُّبُل، فقيل: ضَعُفت الإبلُ؛ لقلة الكلأ أن يسافر بها، وقيل: إنها لا تجد في سفرها من الكلأ ما يبلِّغها، وقيل: إن الناس أمسكوا ما عندهم من الطعام، ولم يجلبوه إلى الأسواق، وقيل: نفاد ما عندهم من الطعام، أو قلته، فلا يجدون ما يَحملونه إلى الأسواق (^١).
ووقع في الرواية الآتية: "قَحَطَ المطر، واحمرّ الشجر"، ومعنى "قَحَط" بفتح القاف والطاء، وحُكي بضمٍّ، ثم كسر؛ أي: قَلَّ، أو لم ينزل أصلًا، واحمرار الشجر كناية عن يُبْس ورقها؛ لعدم شربها الماء، أو لانتثاره فتصير الشجر أعوادًا بغير ورق، ووقع في رواية عند أحمد: "وأمحلت الأرض"، وهذه الألفاظ يَحْتَمِل أن يكون الرجل قال كلّها، وَيحْتَمل أن يكون بعض الرواة رَوَى شيئًا مما قاله بالمعنى؛ لأنها متقاربة، فلا تكون غلطًا، كما قال صاحب "المطالع"، وغيره (^٢).
(فَادْعُ اللهَ يُغِثْنَا) بالجزم على أنه جواب الأمر، ووقع في بعض النسخ:
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٧/ ٣٩.
(٢) راجع: "الفتح" ٣/ ٣٦١.
[ ١٧ / ٥٤٣ ]
"يُغيثُنا" بالرفع، وهو الذي وقع في البخاريّ، قال في "الفتح": قوله: "فادع الله يغيثنا"؛ أي: فهو يغيثنا، وهذه رواية الأكثر، ولأبي ذرّ: "أن يغيثنا"، وفي رواية إسماعيل بن جعفر الآتية للكشميهنيّ: "يغثنا" بالجزم، ويجوز الضم في "يُغيثنا" على أنه من الإغاثة، وبالفتح على أنه من الغَيْث، ويُرجِّح الأول قوله في رواية إسماعيل بن جعفر: "فقال: اللهم أغثنا"، ووقع في رواية قتادة: "فادع الله أن يسقينا"، وله في "الأدب": "فاستسق ربك"، قال قاسم بن ثابت: رواه لنا موسى بن هارون: "اللهم أغثنا"، وجائز أن يكون من الغوث، أو من الغيث، والمعروف في كلام العرب: غُثنا؛ لأنه من الغوث.
وقال ابن القطاع: غاث الله عباده غَيْثًا وغياثًا: سقاهم المطر، وأغاثهم أجاب دعاءهم، ويقال: غاث، وأغاث بمعنًى، والرباعي أعلى.
وقال ابن دريد: الأصل غاثه الله يغوثه غَوْثًا، فأغيث، واستُعمِل أغاثه، ومَن فتح أوله فمن الغيث، وَيحْتَمل أن يكون معنى أغثنا: أعطنا غَوْثًا وغَيْثًا. انتهى.
(قَالَ) أنس - ﵁ -: (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ) أي: إلى السماء، وزاد في رواية للنسائيّ: "ورفع الناس أيديهم مع رسول الله - ﷺ - يدعون"، وزاد في رواية: "حذاء وجهه"، ولابن خزيمة: "حتى رأيت بياض إبطيه"، وللبخاريّ في "الجمعة": "فمد يديه ودعا"، زاد في رواية في "الأدب": "فنظر إلى السماء" (^١).
(ثُمَّ قَالَ) - ﷺ -: ("اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا") أي: ثلاث مرّات، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ "أغثنا" بالألف، و"يُغيثنا" بضمّ الياء (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "أغثنا" بالهمزة رباعيًّا، هكذا رويناه، ومعناه: هَبْ لنا غَيْثًا، والهمزة فيه للتعدية، وقال بعضهم: صوابه غِثْنا؛ لأنه من غاث، قال: وأما أغثنا، فإنه من الإغاثة، وليس من طلب الغيث، والأول الصواب. انتهى (^٣).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٣/ ٣٦٢.
(٢) "شرح النوويّ" ٦/ ١٩١.
(٣) "المفهم" ٢/ ٥٤٣.
[ ١٧ / ٥٤٤ ]
وقال في "العمدة": "يُغيثنا" بضم الياء في جميع النسخ، و"اللهم أغثنا" بالألف، من باب أغاث يُغيث إغاثةً، من مزيد الثلاثيّ، والمشهور في كتب اللغة أنه يقال في المطر: غاث الله الناسَ والأرضَ يَغِيثهم بفتح الياء، قال القاضي عياض: قال بعضهم: هذا المذكور في الحديث من الإغاثة، بمعنى المعونة، وليس من طلب الغيث، وإنما يقال في طلب الغيث: اللهم أغثنا، قال القاضي: وَيحْتَمِل أن يكون من طلب الغيث؛ أي: هب لنا غيثًا، أو ارزقنا غيثًا، كما يقال: سقاه الله، وأسقاه؛ أي: جعل له سُقْيَا على لغة مَن فرّق بينهما.
وقيل: يَحْتَمِل أن يكون معنى قوله: "اللهم أغثنا" أي: فرِّج عنا، وأدركنا، فعلى هذا يجوز ما وقع في عامة النسخ.
وقال في "المنتهى": يقال: أغاثه الله يُغيثه، والغِياث ما أغاثك الله به، اسم من أغاث، واستغاثني فأغثته.
وقال القزاز: غاثه يَغُوثه غَوْثًا، وأغاثه يُغيثه إغاثةً، فأُمِيت غاث، واستُعْمِل أغاث، ويقول الواقع في بلية: اللهم أغثني؛ أي: فَرِّج عني.
وقال الفراء: الغيث والغوث متقاربان في المعنى والأصل.
وفي "كتاب النبات" لأبي حنيفة الدِّينوَريّ: وقد غِيثت الأرضُ فهي مَغِيثةٌ، ومغيوثةٌ.
وقال أبو الحسن اللحيانيّ: أرض مَغِيثةٌ، ومغيوثةٌ؛ أي: مَسْقِيّة، ومَغِيرة، ومَغيورة، والاسم الْغِيرَة، والْغَيْث، وقال الفراء: الغيث يَغُورنا، ويَغِيرنا، وقد غارنا الله بخير: أغاثنا. انتهى (^١).
(قَالَ أنَسٌ) - ﵁ -: (وَلَا وَاللهِ) قال في "الفتح": كذا للأكثر بالواو، ولأبي ذر بالفاء، وفي رواية ثابت: "وايمُ الله"، والتقدير: ولا نرى والله، فحذف الفعل منه؛ لدلالة المذكور عليه (مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ) أي: مجتمع (وَلَا قَزَعَةٍ) بفتح القاف والزاي، بعدها مهملة؛ أي: سحاب متفرق، قال ابن سِيدهْ: القَزَع قِطَعٌ من السحاب رِقَاق، زاد أبو عبيد: وأكثر ما يجيء في الخريف، قاله في "الفتح".
_________________
(١) "عمدة القاري" ٧/ ٣٩، و"لسان العرب" ٥/ ٤١.
[ ١٧ / ٥٤٥ ]
وقال في "العمدة" نقلًا عن "التلويح": القَزَعة مثالُ شَجَرة: قطعةٌ من السحاب رقيقة، كأنها ظِلّ إذا مرّت من تحت السحاب الكثير، وقال أبو حاتم: القزع السحاب المتفرق، وقال يعقوب عن الباهليّ: يقال: ما على السحاب قَزَعَةٌ؛ أي: شيء من غيم، ذكره في "الموعب"، وفي "تهذيب الأزهريّ": كلُّ شيء متفرقٍ فهو قَزَعٌ، وفي "المحكم": أكثر ما يكون ذلك في الخريف. انتهى (^١).
(وَمَا بَيْنَنَا) وفي نسخة: "ولا بيننا" (وَبَيْنَ سَلْعٍ) - بفتح السين المهملة، وسكون اللام -: جبل معروف بالمدينة، وقد حُكِيً أنه بفتح اللام (مِنْ بَيْتٍ، وَلَا دَارٍ) أي: يحجبنا عن رؤيته، وأشار بذلك إلى أن السحاب كان مفقودًا، لا مستترًا ببيت ولا غيره، ووقع في رواية للبخاريّ في "علامات النبوة"، عن ثابت قال: قال أنس: وإن السماء لفي مثل الزجاجة؛ أي: لشدّة صفائها، وذلك مشعرٌ بعدم السحاب أيضًا.
(قَالَ) أنس - ﵁ - (فَطَلَعَتْ) أي: ظهرت (مِنْ وَرَائِهِ) أي: من وراء سلع، وكأنها نشأت من جهة البحر؛ لأن وضع سلع يقتضي ذلك (سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ) أي: مستديرة، ولم يُرِد أنها مثله في القدر؛ لأن في رواية حفص بن عبيد الله عند أبي عوانة: "فنشأت سحابة مثل رجل الطائر، وأنا أنظر إليها"، فهذا يُشعر بأنها كانت صغيرة، وفي رواية للبخاريّ: "فهاجت ريح أنشأت سحابًا، ثم اجتمع"، وفي رواية له: "فنشأ السحاب بعضه إلى بعض"، وفي رواية: "حتى ثار السحاب أمثال الجبال"؛ أي: لكثرته، وفيه: "ثم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته"، وهذا يدلّ على أن السقف وَكَفَ؛ لكونه كان من جريد النخل.
(فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ) يعني: أنها بلغت إلى وسط السماء، وهي على هيئة مستديرة، ثم انتشرت، وانبسطت حينئذ، وكأن فائدته تعميم الأرض بالمطر.
(ثُمَّ أَمْطَرَتْ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في النسخ، وكذا جاء في
_________________
(١) "عمدة القاري" ٧/ ٣٩.
[ ١٧ / ٥٤٦ ]
البخاريّ "أمطرت" بالألف، وهو صحيحٌ، وهو دليل للمذهب المختار الذي عليه الأكثرون، والمحققون من أهل اللغة، أنه يقال: مَطَرَت، وأمطرت لغتان في المطر، وقال بعض أهل اللغة: لا يقال: أمطرت بالألف إلا في العذاب، كقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [الحجر: ٧٤]، والمشهور الأول، ولفظة أمطرت تُطلَق في الخير والشر، وتُعْرَف بالقرينة، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، وهذا من أمطر، والمراد به المطر في الخير؛ لأنهم ظنوه خيرًا، فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٤]. انتهى.
وقال في "العمدة": يقال: مَطَرت السماءُ تَمْطُر، ومَطَرتهم تَمْطُرهم مَطَرًا - أي: من باب طَلَب - وأمطرتهم: أصابتهم بالمطر، وأمطرهم الله بالعذاب خاصّةً، ذكره ابن سِيده، وقال الفراء: قَطَرت السماءُ، وأقطرت، مثلُ مَطَرت السماء، وأمطرت، وفي "الجامع": مَطَرت السماء تَمْطُر مَطْرًا، فالْمَطْرُ بالسكون المصدر، وبالحركة الاسم، وفي "الصحاح": مَطَرت السماء، وأمطرها الله، وناس يقولون: مطرت السماء، وأمطرت بمعنى. انتهى (^١).
وقال في "المصباح": مَطَرَت السماء تَمْطُرُ مَطَرًا، من باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ في الرحمة، وأمطرت بالألف أيضًا لغةٌ، قال الأزهريّ: يقال: نَبَتَ البقلُ، وأنبت، كما يقال: مَطَرت السماءُ، وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غيرُ في العذاب. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصحيح جواز مَطَرت، وأمطرت ثلاثيًّا ورباعيًّا في الرحمة، وأما في العذاب فالأفصح أمطرت بالألف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: فَلَا وَاللهِ) تقدّم أنه بتقدير "فلا رأينا"، وقوله: (مَا) نافية مؤكّدة و"لا" (رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا) بسين مهملة، ثم باء موحّدة، ثم مثناه فوقيّة؛ أي: قطعة من الزمان وأصل السّبْت: القطعُ، قاله النوويّ - ﵀ -.
وقال في "الفتح": قوله: "ما رأينا الشمس سبتًا" كناية عن استمرار الغيم
_________________
(١) "عمدة القاري" ٦/ ٢٣٨.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٧٥.
[ ١٧ / ٥٤٧ ]
الماطر، وهذا في الغالب، وإلا فقد يستمرّ المطر، والشمس بادية، وقد تُحجَب الشمس بغير مطر، وأصرح من ذلك رواية إسحاق بلفظ: "فمُطِرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى".
قال: وأما قوله: "سَبْتًا" فوقع للأكثر بلفظ السبت؛ يعني: أحد الأيام، والمراد به الأسبوع، وهو من تسمية الشيء باسم بعضه، كما يقال: جمعة، قاله صاحب "النهاية"، قال: ويقال: أراد قطعةً من الزمان.
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: قوله: "سبتًا" أي: من السبت إلى السبت؛ أي: جمعةً، وقال المحب الطبريّ مثله، وزاد أن فيه تجوزًا؛ لأن السبت لم يكن مبدأ، ولا الثاني منتهى، وإنما عَبّر أنس بذلك؛ لأنه كان من الأنصار، وكانوا قد جاوروا اليهود، فأخذوا بكثير من اصطلاحهم، وإنما سَمُّوا الأسبوع سبتًا؛ لأنه أعظم الأيام عند اليهود، كما أن الجمعة عند المسلمين كذلك.
وحَكَى النووي تبعًا لغيره كثابت في "الدلائل" أن المراد بقوله: "سبتًا" قطعة من الزمان، ولفظ ثابت: الناس يقولون: معناه من سبت إلى سبت، وإنما السبت قطعة من الزمان، وأن الداوديّ رواه بلفظ: "ستًّا "، وهو تصحيف.
وتُعُقِّب بأن الداودي لم ينفرد بذلك، فقد وقع في رواية الحمويّ والمستملي هنا "ستًّا "، وكذا رواه سعيد بن منصور، عن الدراورديّ، عن شريك، ووافقه أحمد من رواية ثابت، عن أنس، وكأن من ادَّعَى أنه تصحيف استبعد اجتماع قوله: "ستًّا " مع قوله في رواية إسماعيل بن جعفر الآتية: "سبعًا"، وليس بمستبعد؛ لأن من قال: "ستًّا " أراد ستة أيام تامة، ومن قال: "سبعًا" أضاف أيضًا يومًا مُلَفّقًا من الجمعتين.
وقد وقع في رواية مالك، عن شريك: "فمُطِرنا من جمعة إلى جمعة"، وفي رواية للنسفيّ: "فدامت جمعةً"، وفي رواية عبدوس والقابسيّ فيما حكاه عياض: "سبتنا"، كما يقال: "جمعتنا"، ووَهِمَ من عزا هذه الرواية لأبي ذرّ.
وفي رواية قتادة: "فمُطرنا فما كِدْنا نَصِل إلى منازلنا" أي: من كثرة المطر.
وفي رواية للبخاريّ في "الجمعة": "فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا"، ولمسلم في رواية ثابت الآتية: "ومكثنا حتى رأيت الرجل الشديد
[ ١٧ / ٥٤٨ ]
تَهُمّه نفسه أن يأتي أهله"، ولابن خزيمة في رواية حميد: "حتى أهم الشابّ القريب الدار الرجوع إلى أهله"، وللبخاريّ في "الأدب" من طريق قتادة: "حتى سألت مَثَاعِب المدينة"، ومَثَاعب جمع مَثْعَب بالمثلثة، وآخره موحَّدة: مَسِيلُ الماء (^١).
(قَالَ) أنس - ﵁ - (ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ) ظاهر هذا أن الرجل غير الأول؛ لأن النكرة إذا تكررت دلّت على التعدد، كما قال في السيوطيّ - ﵀ - في "عقود الْجُمان":
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا … لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ أَبَدَا
وَأَبْطَلَ السُبْكِيُّ ذِي بِأَمْثِلَهْ … وَقَالَ: ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ
قال الجامع عفا الله عنه: قلتُ مجيبًا عن استشكال السبكيّ - ﵀ -:
قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ … عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ
وللأجهوريّ - ﵀ - في هذا المعنى قوله:
وَإِنْ يُعَدْ مُنَكَّرٌ مُنَكَّرَا … فَالثَّانِ غَيْرُ أَوَّلٍ بِلَا مِرَا
وَفِي سِوَى ذَا الثَّانِ عَيْنُ الأَوَلِ … وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ وَهْوَ جَلِي
قُلْتُ وَفِي مُغْنِي اللَّبِيبِ حَكَمَا … بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مَا سُلِّمَا
إِذْ قَوْلُهُ فَوْقَ الْعَذَاب أَبْطَلَهْ … وَالصُّلْحُ خَيْرٌ قَدْ أَبَانَ خَلَلَهْ
وَقَوْلُهُ أَيْضًا: وَفِي الَأَرْضِ إِلَهْ … لأَنَّ رَبِي وَاحِدٌ بِلَا اشْتِبَاهْ
قال الجامع: وقلتُ أيضًا معقّبًا عليه:
قُلْتُ: يُجَابُ أَنَّ هَذِي الْقَاعِدَهْ … تُبْنَى عَلَى الْغَالِب خُذْهُ فَائِدَهْ
أَوْ قُلْ: إِذَا قَرِينَةٌ لَمْ تَقْتَرِنْ … فَإِنْ بَدَتْ تَصْرِفُهَا فَلْتَسْتَبِنْ
وقال شريك في آخر هذا الحديث هنا: سألت أنسًا أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري، قال الحافظ: وهذا يقتضي أنه لم يَجزم بالتغاير، فالظاهر أن القاعدة المذكورة محمولة على الغالب؛ لأن أنسًا من أهل اللسان، وقد تعددت.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٣/ ٣٦٣ - ٣٦٤.
[ ١٧ / ٥٤٩ ]
ووقع عند البخاريّ من رواية إسحاق عن أنس: "فقام ذلك الرجل أو غيره"، وكذا لقتادة، وهذا يقتضي أنه كان يشكّ فيه.
ووقع في رواية يحيى بن سعيد: "فأتى الرجل، فقال: يا رسول الله"، ومثله لأبي عوانة، من طريق حفص بن عُبيد الله، عن أنس، بلفظ: "فما زلنا نُمْطَر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى"، وأصله في مسلم.
وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدًا، فلعل أنسًا تذكره بعد أن نسيه، أو نسيه بعد أن كان تذكره، ويؤيد ذلك رواية البيهقيّ في "الدلائل" من طريق يزيد بن أبي عبيد السَّلَميّ، قال: لَمّا قَفَل رسول الله - ﷺ - من غزوة تبوك أتاه وفد بني فَزَارة بضعة عشر رجلًا، وفيهم خارجة بن حَصْن أخو عيينة، قَدِمُوا على إبل عِجَاف، فقالوا: يا رسول الله، ادعُ لنا ربك أن يغيثنا … فذكر الحديث، وفيه: فقال: "اللهم اسْقِ بلدك وبهيمتك، وانشر بركتك، اللهم اسقنا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا طَبَقًا واسعًا عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضارّ، اللهم سُقْيَا رحمة، لا سُقْيا عذاب، اللهم اسقنا الغيث، وانصرنا على الأعداء"، وفيه: قال: فلا والله ما نَرَى في السماء من قَزَعة ولا سحاب، وما بين المسجد وسَلْع من بناء، فذكر نحو حديث أنس بتمامه، وفيه: قال الرجل -يعني الذي سأله أن يستسقي لهم -: هلكت الأموال … الحديث (^١).
قال في "الفتح": والظاهر أن السائل هو خارجة المذكور؛ لكونه كان كبير الوفد، ولذلك سُمّي من بينهم، والله أعلم، وأفادت هذه الرواية صفة الدعاء المذكور، والوقت الذي وقع فيه. انتهى (^٢).
(وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ، يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا) حال من الفاعل (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ) أي: بسببٍ غيرِ السبب الأول، والمراد أن كثرة الماء انقطع المرعَى بسببها، فهَلكت المواشي من عدم الرعي، أو لعدم ما يُكِنّها من المطر، ويدل على ذلك قوله في رواية سعيد المقبريّ، عن شريك، عند النسائيّ: "وهَلَكت الأموال من كثرة الماء".
_________________
(١) "دلائل النبوّة" للبيهقيّ - ﵀ - ٦/ ١٤٣ - ١٤٤.
(٢) "الفتح" ٣/ ٣٦٥.
[ ١٧ / ٥٥٠ ]
(وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) أي: لتعذر سلوك الطرق، من كثرة الماء، وفي رواية حميد، عند ابن خزيمة: "واحتَبَسَ الركبان"، وفي رواية مالك، عن شريك: "تهدّمت البيوت"، وفي رواية إسحاق عند البخاريّ: "هُدِم البناءُ، وغَرِقَ المال".
(فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا) يجوز في "يُمْسكها" الضم والسكون، وعند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: "أن يمسكها"، والضمير يعود على الأمطار، أو على السحاب، أو على السماء، والعرب تُطلق على المطر سماء، ووقع في رواية سعيد، عن شريك: "أن يمسك عنّا الماء"، وفي رواية أحمد، من طريق ثابت: "أن يرفعها عنّا"، وفي رواية قتادة عند البخاريّ: "فادع ربك أن يحبسها عنا، فضحك"، وفي رواية ثابت: "فتبسم"، زاد في رواية حميد: "لسرعة ملال ابن آدم".
(قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ) تقدّم البحث في رفع اليدين في الدعاء مستوفًى قريبًا، فلا تغفُل.
(ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوْلَنَا) منوب على الظرفيّة، لفعل محذوف؛ أي: أنزل حولنا، وفي بعض النسخ: "حوالينا"، وهما صحيحان، قال النوويّ - ﵀ -: "وحوالينا" بفتح اللام، وفيه حذف تقديره: اجعل، أو أمطر، والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدور.
وقوله: (وَلَا عَلَيْنَا) فيه بيان للمراد بقوله: "حوالينا"؛ لأنها تشمل الطرُق التي حولهم، فأراد إخراجها بقوله: "ولا علينا"، قال الطيبيّ - ﵀ -: في إدخال الواو هنا معنى لطيفٌ، وذلك أنه لو أسقطها لكان مستسقيًا للآكام، وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودًا لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مُخْلَصَة للعطف، ولكنها للتعليل، وهو كقولهم: تَجُوع الحرّةُ، ولا تأكل بثدييها، فإن الجوع ليس مقصودًا لعينه، ولكن لكونه مانعًا عن الرضاع بأجرة؛ إذ كانوا يَكرهون ذلك أَنَفًا. انتهى.
(اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَام) فيه بيان للمراد بقوله: "حولنا"، والإكام بكسر الهمزة، وقد تُفْتَح، وتُمَدَّ: جمع أَكَمَة بفتحات، قال ابن الْبَرْقيّ: هو التراب
[ ١٧ / ٥٥١ ]
المجتمع، وقال الداوديّ: هي أكبر من الْكُدية، وقال القَزّاز: هي التي من حَجَر واحد، وهو قول الخليل، وقال الخطابيّ: هي الْهَضَبة الضخمة، وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض، وقال الثعالبيّ: الأكمة أعلى من الرابية، وقيل: دونها. (وَالظِّرَابِ) بكسر الظاء المعجمة، وآخره موحَّدة: جمع ظَرِب بكسر الراء، وقد تسكَّن، وقال القزاز: هو الجبل المنبسط، ليس بالعالي، وقال الجوهريّ: الرابية الصغيرة (وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ) المراد بها ما يتحصل فيه الماء؛ ليُنْتَفَع به، قالوا: ولم تسمع أفعلة جمع فاعل، إلا الأودية جمع واد، وفيه نظر، وزاد مالك في روايته: "ورؤوس الجبال" (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ") أراد بالشجر الْمَرْعَى، ومنابته التي تُنْبِت الزرع والكلأ (^١).
(فَانْقَلَعَتْ) هكذا في أكثر النسخ، ووقع في بعض النسخ المعتمدة، كما قال النوويّ - ﵀ - بلفظ: "فانقطعت"، وهما بمعنًى؛ أي: انقطعت السماء، أو السحابة الماطرة، والمعنى أنها أمسكت عن المطر على المدينة.
(وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ) وفي رواية مالك: "فانجابت عن المدينة انجياب الثوب"؛ أي: خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه، وفي رواية سعيد، عن شريك: "فما هو إلا أن تكلم رسول الله - ﷺ - بذلك، تَمَزّق السحاب حتى ما نرى منه شيئًا"، والمراد بقوله: "ما نَرَى منه شيئًا"؛ أي: في المدينة.
وفي رواية إسحاق بن عبد الله الآتية للمصنّف: "قال: فما يُشير بيده إلى ناحية إلا تفرّجت حتى رأيت المدينة في مثل الْجَوْبة، وسال وادي قناة شهرًا، ولم يجئ أحدٌ من ناحية إلا أخبر بجَوْد".
وفي رواية حفص بن عبيد الله الآتية: "فرأيت السحاب يتمزق، كأنه الْمُلاءُ حين تُطْوَى"، والملا بضم الميم والقصر، وقد يُمَدّ: جمع ملاءة، وهو ثوب معروف.
وفي رواية قتادة عند البخاريّ: "فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينًا وشمالًا يمطرون"؛ أي: أهل النواحي، ولا يمطر أهل المدينة، وفي رواية للبخاريّ أيضًا: "فجعل السحاب يتصدع عن المدينة"، وزاد فيه: "يريهم الله كرامة
_________________
(١) "عمدة القاري" ٧/ ٤١.
[ ١٧ / ٥٥٢ ]
نبيّه - ﷺ -، وإجابة دعوته"، وله في رواية ثابت، عن أنس: "فتكشطت" - أي تكشفت - فجعلت تمطر حول المدينة، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة، وإنها لمثل الإكليل.
ولأحمد من هذا الوجه: "فتقوّر ما فوق رؤوسنا من السحاب، حتى كأنا في إكليل"، والإكليل بكسر الهمزة، وسكون الكاف، كل شيء دار من جوانبه، واشتَهَرَ لما يوضع على الرأس، فيحيط به، وهو من ملابس الملوك، كالتاج.
(قَالَ شَرِيكٌ) هو ابن عبد الله بن أبي نَمِر الراوي عن أنس - ﵁ - (فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي) أي: لا أعلم أنه هوأم غيره، مال الحافظ - ﵀ - في "كتاب المناقب" إلى ترجيح أن الرجل الذي قام أوّلًا هو الذي قام ثانيًا، وأن أنسًا جزم به تارةً، وشكّ فيه أخرى، ومال أيضًا إلى أن الرجل هو خارجة بن حصن الفزاريّ (^١)، وقد تقدّم تمام البحث في هذا قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٠٧٨ و٢٠٧٩ و٢٠٨٠ و٢٠٨١ و٢٠٨٢] (٨٩٧)، و(البخاريّ) في "الجمعة" (٩٣٢ و٩٣٣) و"الاستسقاء" (١٠١٣ و١٠١٤ و١٠١٦ و١٠١٧ و١٠١٨ و١٠١٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٧٤ و١١٧٥)، و(النسائيّ) في "الاستسقاء" (٣/ ١٥٤ و١٥٩ و١٦٠ و١٦١)، و(مالك) في "الموطأ" (١٣٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٩٤ و٢٧١)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٢٨٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٢٣ و١٧٨٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٨٩ و٢٤٩٠ و٢٤٩١ و٢٤٩٢ و٢٤٩٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠١٧ و٢٠١٨ و٢٠١٩ و٢٠٢٠ و٢٠٢١)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٦٩٥ "كتاب المناقب" رقم الحديث (٣٥٨٢).
[ ١٧ / ٥٥٣ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده (^١):
١ - (منها): بيان استحباب استسقاء الإمام إذا طلب الناس ذلك منه.
٢ - (ومنها): طلب الناس من الإمام أن يستسقي لهم إذا حصل الجدب والقحط.
٣ - (ومنها): جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة.
٤ - (ومنها): القيام في الخطبة، وأنها لا تنقطع بالكلام، ولا تنقطع بالمطر.
٥ - (ومنها): قيام الواحد بأمر الجماعة، وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر الصحابة؛ لأنهم كانوا يسلكون مسلك الأدب بالتسليم، وترك الابتداء بالسؤال، ومنه قول أنس - ﵁ -: "كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية، فيسأل رسول الله - ﷺ - … ".
٦ - (ومنها): طلب الدعاء من أهل الخير، ومَن يُرْجَى منه القبول، وإجابتهم لذلك، ومن أدبه بَثّ الحال لهم قبل الطلب لتحصيل الرقّة المقتضية لصحة التوجه، فترجى الإجابة عنده.
٧ - (ومنها): تكرير الدعاء ثلاثًا.
٨ - (ومنها): إدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة، والدعاء به على المنبر، ولا تحويل فيه، ولا استقبال القبلة.
٩ - (ومنها): الاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وليس في السياق ما يدلّ على أنه نواها مع الجمعة، قال النوويّ - ﵀ -: فيه جواز الاستسقاء منفردًا عن تلك الصلاة المخصوصة، واغترت به الحنفية، وقالوا: هذا هو الاستسقاء المشروع لا غير، وجعلوا الاستسقاء بالبروز إلى الصحراء، والصلاة بدعةً، وليس كما قالوا، بل هو سنةٌ؛ للأحاديث الصحيحة السابقة،
_________________
(١) المراد: الفوائد التي اشتمل عليها حديث أنس - ﵁ - هذا باختلاف ألفاظه وطرقه التي أوردها المصنّف في الباب، والتي أشرنا إليها في الشرح، لا خصوص السياق المذكور هنا فقط، فتنبّه.
[ ١٧ / ٥٥٤ ]
وقد قدمنا في أول الباب أن الاستسقاء أنواعٌ، فلا يلزم من ذكر نوع إبطال نوع ثابت، والله أعلم. انتهى (^١).
١٠ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة في إجابة الله دعاء نبيه - ﷺ - عقبه، أو معه، ابتداء في الاستسقاء، وانتهاء في الاستصحاء، وامتثال السحاب أمره بمجرّد الإشارة.
وقال النوويّ - ﵀ -: في الحديث الإخبارُ عن معجزة رسول الله - ﷺ -، وعظيم كرامته على ربه - ﷾ - بإنزال المطر سبعة أيام متوالية متصلًا بسؤاله، من غير تقدُّم سحاب، ولا قَزَع، ولا سبب آخر، لا ظاهر، ولا باطن، وهذا معنى قوله: "وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار"؛ أي: نحن مشاهدون له وللسماء، وليس هناك سبب للمطر أصلًا. انتهى.
١١ - (ومنها): بيان معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ - أيضًا في إجابة دعائه متصلًا به حتى خرجوا في الشمس.
١٢ - (ومنها): بيان أدبه - ﷺ - في الدعاء، فإنه لم يسأل رفع المطر من أصله، بل سأل رفع ضرره، وكشفه عن البيوت، والمرافق والطرق، بحيث لا يتضرر به ساكن، ولا ابن سبيل، وسأل بقاءه في مواضع الحاجة، بحيث يبقى نفعه وخصبه، وهي بطون الأودية وغيرها من المذكور.
١٣ - (ومنها): بيان أدب الدعاء عند كثرة المطر، فلا يدعو برفع المطر مطلقًا؛ لاحتمال الاحتياج إلى استمراره، بل يدعو برفع الضرر، وإبقاء النفع.
١٤ - (ومنها): أنه يُستنبَط منه أن من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخطها لعارض يَعْرِض فيها، بل يسأل الله رفع ذلك العارض، وإبقاء النعمة.
١٥ - (ومنها): أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل.
١٦ - (ومنها): جواز تبسم الخطيب على المنبر تعجبًا، وجواز الصياح في المسجد بسبب الحاجة المقتضية لذلك، وفيه اليمين لتأكيد الكلام.
١٧ - (ومنها): جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، ولكن هذا لا ينافي ما ثبت من الصلاة لها، فلا يكون دليلًا لأبي حنيفة في عدم مشروعية
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٩١ - ١٩٢.
[ ١٧ / ٥٥٥ ]
الصلاة لها، كما سبق البحث في هذا مستوفًى قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٧٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَبَيْنَا (^١) رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ، وَفِيهِ: قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا"، قَالَ: فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ، إِلَّا تَفَرَّجَتْ (^٢)، حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا أَخْبَرَ بِجَوْدٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ حجةٌ إمام مشهورٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٠/ ٦٦٧.
و"أنس بن مالك" - ﵁ - ذُكر قبله.
وقوله: (أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ) أي: قحطٌ.
وقوله: (هَلَكَ الْمَالُ) قال القرطبيّ - ﵀ -: المراد المواشي، وأصل المال
_________________
(١) وفي نسخة: "فبينما".
(٢) وفي نسخة: "إلا لنفرجت".
[ ١٧ / ٥٥٦ ]
كلُّ ما يُتموَّل، وعُرْفه عند العرب الإبل؛ لأنها معظم أموالهم. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: المال معروفٌ، ويُذكّر ويؤنّث، وهو المال، وهي المال، قال: والمال عند أهل البادية النَّعَم. انتهى (^٢)، وهذا الإطلاق الأخير هو المراد هنا في الحديث، كما سبق بيانه.
وقوله: (وَجَاعَ الْعِيَالُ) بالكسر: أهل البيت، ومن يمونه الإنسان، الواحد عَيِّلٌ، مثلُ جِيَادٍ وجَيِّدٍ (^٣).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بمَعْنَاهُ) فاعل "ساق" ضمير إسحاق بن عبد الله؛ أي: ساق معنى حديث أنس - ﵁ - الماضي، ولم يسق لفظه.
وقوله: (فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ، إِلَّا تَفَرَّجَتْ) وفي نسخة: "إلا انفرجت"؛ أي: تقطّع السحاب عنها، وزال.
وقوله: (حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ) بفتح الجيم، وإسكان الواو، بعدها باءٌ موحّدة، وهي الْحُفْرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفُرجة في السحاب، قال النوويّ - ﵀ -: معناه: تقطّع السحاب عن المدينة، وصار مستديرًا حولها، وهي خاليةٌ منه. انتهى.
وقال الخطابيّ: المراد بالجوبة هنا التُّرْس، وضبطها الزين ابن الْمُنَيِّر تبعًا لغيره بنون بدل الموحَّدة، ثم فسره بالشمس إذا ظهرت في خِلال السحاب، لكن جزم عياض بأن من قاله بالنون فقد صَحَّف. انتهى.
وقوله: (وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا) بفتح القاف: اسم لواد من أودية المدينة، وعليه زُرُوعٌ لهم، فأضافه هنا إلى نفسه، وفي رواية للبخاريّ: "وسال الوادي قَنَاةُ"، وهذا صحيح على البدل، والأوّل صحيح، وهو عند الكوفيين على ظاهره، وعند البصريين يُقدّر فيه محذوفٌ، وفي رواية للبخاريّ: "وسال الوادي وادي قناة"، قاله النوويّ - ﵀ - (^٤).
وقال في "الفتح": و"قَنَاةُ" بفتح القاف والنون الخفيفة: عَلَمٌ على أرض ذات مزارع، بناحية أُحُد، وواديها أحد أودية المدينة المشهورة، قاله الحازميّ،
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٤٢.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٨٦.
(٣) "المصباح" ٢/ ٤٣٨.
(٤) "شرح النوويّ" ٦/ ١٩٤.
[ ١٧ / ٥٥٧ ]
وذكر محمد بن الحسن المخزوميّ في "أخبار المدينة" بإسناد له أن أوّل من سماه وادي قناة تُبَّعٌ اليمانيّ لَمّا قَدِم يَثْرِب قبل الإسلام، وفي رواية له: أن تُبَّعًا بَعَثَ رائدًا ينظر إلى مزارع المدينة، فقال: نظرت، فإذا قَنَاةُ حَبّ ولا تِبْنَ، والْجُرُفُ حبّ وتبنٌ، والحرار -يعني: جمع حَرّة بمهملتين - لا حبّ ولا تبن. انتهى.
ووقع عند البخاريّ في "الجمعة" بلفظ: "وسال الوادي قناة"، وأُعرِب بالضم على البدل، على أن "قَناة" اسم الوادي، ولعله من تسمية الشيء باسم ما جاوره، قال الحافظ - ﵀ -: وقرأت بخط الرضيّ الشاطبيّ، قال: الفقهاءُ تقوله بالنصب والتنوين، يتوهمونه قَنَاةً من القَنَوَات، وليس كذلك. انتهى. وهذا الذي ذكره قد جَزَم به بعض الشُّرّاح، وقال: هو على التشبيه؛ أي: سال مثل القناة. انتهى (^١).
وقوله: (وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا أَخْبَرَ بِجَوْدٍ) بفتح الجيم، وإسكان الواو: هو المطر الغزير، وهذا يدلّ على أن المطر استمرّ فيما سوى المدينة، فقد يُشكل بأنه يستلزم أن قول السائل: "هلكت الأموال، وانقطعت السبل" لم يرتفع الهلاك ولا القطع، وهو خلاف مطلوبه، ويمكن الجواب بأن المراد أن المطر استمرّ حول المدينة من الإكام، والظراب، وبطون الأودية، لا في الطرق المسلوكة، ووقوع المطر في بقعة دون بقعة كثيرٌ، ولو كانت تُجاورها، وإذا جاز ذلك جاز أن يوجد للماشية أماكن تُكِنّها، وتَرْعَى فيها، بحيث لا يضرها ذلك المطر، فيزول الإشكال، قاله في "الفتح" (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية إسحاق بن عبد الله، عن أنس - ﵁ - هذه ساقها الإمام البخاريّ - ﵀ -، فقال:
(٩٣٣) حدّثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا أبو عمرو الأوزاعيّ، قال: حدّثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٢) "الفتح" ٣/ ٣٦٨.
[ ١٧ / ٥٥٨ ]
عن أنس بن مالك، قال: أصابت الناس سَنَةٌ على عهد النبيّ - ﷺ -، فبينا النبيّ - ﷺ - يخطب في يوم جمعة، قام أعرابيّ، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قَزَعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها، حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره، حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته - ﷺ -، فمُطِرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه، حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابيّ، أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله تَهَدّم البناء، وغَرِق المالُ، فادع الله لنا، فرفع يديه، فقال: "اللهم حوالينا، ولا علينا"، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب، إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الْجَوْبة، وسال الوادي قناةُ شهرًا، ولم يجئ أحدٌ من ناحية، إلا حَدَّث بالْجَوْد. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٠] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَصَاحُوا، وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ قَحَطَ الْمَطَرُ، وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى: فَتَقَشَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ، فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوَالَيْهَا، وَمَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الْإِكْلِيلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ) بن نصر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ المعروف بالنَّرْسيّ، ثقةٌ، من كبار [١٠] (ت ٦ أو ٢٣) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد الله الثَّقَفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٣ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
[ ١٧ / ٥٥٩ ]
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٥ - (ثَابِثٌ الْبُنَانِيُّ) هو ابن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع وعشرين ومائة، عن (٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
و"أنس بن مالك" - ﵁ - ذُكر قبله.
وقوله: (فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَصَاحُوا) هذا لا يعارض ما تقدّم من أن السائل رجل، أوأعرابيّ؛ لاحتمال أن يكونوا سألوه بعد أن سأل، أو نُسب إليهم؛ لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه، وقد تقدّم تحقيق هذا.
وقال القاضي عياضٌ - ﵀ -: قوله: "فقام إليه الناس … إلخ لا، وفي سائر الروايات عن أنس: "أن رجلًا"، و"جاء أعرابيّ"، فقيل: يَحْتَمل أن الرجل ابتدأ بالكلام، فشايعه الناس، فمرّة ذكر المبتدئ بالكلام، ومرّةً أخبر عن الجماعة، وقيل: يَحْتَمل أنه أراد بالناس الرجل الأعرابي المذكور، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، إنما قاله واحد، وهذا فيه بعد؛ لما جاء بعده. انتهى بتصرّف (^١).
وقوله: (قَحَطَ الْمَطَرُ) بفتح القاف، والحاء المهملة، ويجوز كسرها؛ أي: أمسك (^٢)، وقال الفيّوميّ - ﵀ -: قَحَطَ المطرُ قَحْطًا، من باب نَفَعَ: احتَبَسَ، وحَكَى الفرّاءُ: قَحِطَ قَحَطًا، من باب تَعِبَ، وقَحُطَ بالضمّ، فهو قَحِيطٌ، وقُحِطت الأرض، والقومُ بالبناء للمفعول، وبلدٌ مقحوطٌ، وبلادٌ مقاحيط، وأقحط الله الأرض بالألف، فأَقْحَطَتْ، وهي مُقْحِطةٌ، وأقحط القومُ: أصابهم القحطُ، بالبناء للفاعل، والمفعول. انتهى (^٣).
وقوله: (وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ) يعني: تغير لونها عن الخضرة إلى الحمرة، من اليبس، وأنَّث الفعل باعتبار جنس الشجر، قاله في "العمدة" (^٤).
وقوله: (وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ) ويُرْوَى "المواشي"، وهي الدوابّ والأنعام.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥.
(٢) "شرح النوويّ" ٦/ ١٩٤.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٤٩١.
(٤) "عمدة القاري" ٧/ ٤٧.
[ ١٧ / ٥٦٠ ]
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير ثابت.
وقوله: (فَتَقَشَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ) الفاعل ضمير السحابة؛ أي: زالت السحابة عن المدينة، وانقطع المطر عنها.
وقوله: (فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوَالَيْهَا) "تمطر" بالبناء للفاعل، وهو من أمطرت رباعيًّا، وَيحْتَمِل أن يكون من مَطَرت ثلاثيًّا، كما تقدم، والفاعل ضمير السحابة.
وقوله: (وَمَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً) بالنصب على المفعوليّة.
وقوله: (وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الْإِكْلِيلِ) الضمير للمدينة، و"الإكليل" بكسر الهمزة، وسكون الكاف: هو شيء دار بين جوانب الشيء، وقال النوويّ - ﵀ -: "الإكليلُ" بكسر الهمؤة، قال أهل اللغة: هي العصابة، وتُطلق على كلّ محيط بالشيء. انتهى.
والمعنى: أن السحابة صارت كالدائرة حول الشيء، فصار كأن المدينة في مثل الدائرة.
[تنبيه]: هذه الرواية ساقها الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه" المصنّف، فقال: (١٠٢١) حدّثنا محمد بن أبي بكر، حدّثنا معتمر، عن عبيد الله، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: كان النبيّ - ﷺ - يخطب يوم جمعة، فقام الناس، فصاحوا، فقالوا: يا رسول الله، قَحَط المطر، واحمرّت الشجر، وهلكت البهائم، فادع الله يُسقينا، فقال: "اللهم اسقنا" مرتين، وايم الله، ما نرى في السماء قَزَعَةً من سحاب، فنشأت سحابة، وأمطرت، ونَزَل عن المنبر، فصلى، فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام النبيّ - ﷺ - يخطب صاحوا إليه: تَهَدَّمت البيوت، وانقطعت السبل، فادع الله يحبسها عنّا، فتبسم النبيّ - ﷺ -، ثم قال: "اللهم حوالينا، ولا علينا"، فكُشِطت المدينة، فجَعَلت تمطر حولها، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة، وإنها لفي مثل الإكليل. انتهى.
وقوله: "اسقنا" بوصل الهمزة، وقطعها.
وقوله: "مرتين" ظرف للقول، لا للسقي.
[ ١٧ / ٥٦١ ]
وقوله: "وايمُ الله" الهمزة فيه همزة الوصل، وهو مختصر من "أيمن الله"، بحذف الهمزة، والنون، ويختصر أيضًا ثانيًا، فيقال: "مُ الله"، بضم الميم، وكسرها. وإضافته إلى لفظ الجلالة واجبة، وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا؛ أي: أيم الله قسمي، أو خبر لمحذوف كذلك؛ أي: قسمي أَيْمُ الله (^١).
وقال الفيوميّ - ﵀ -: "أَيْمُن" اسم مستعمل في القسم، والتُزم رفعه، كما التُزم رفع "لَعَمْرُ الله"، وهمزته عند البصريين وصلٌ، واشتقاقه عندهم من اليُمْنِ، وهو البركة، وعند الكوفيين قطعٌ؛ لأنه جمع يمين عندهم. انتهى.
وقوله: "تكشَّطَت"؛ أي: تكشفت، يقال: كَشَطْتُ الْجُلَّ عن ظهر الفرس، والغطاءَ عن الشيء: إذا كشفته عنه، وفي رواية كريمة: "فَكُشِطَت" على صيغة المجهول، قاله في "العمدة" (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨١] (…) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُوأُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ، وَزَادَ: فَأَلَّفَ الله بَيْنَ السَّحَابِ، وَمَكَثْنَا حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ الشَّدِيدَ تَهُمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو أسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
_________________
(١) راجع: "حاشية الخضريّ على الخلاصة" ٢/ ٢٩٥.
(٢) "عمدة القاري" ٧/ ٤٧.
[ ١٧ / ٥٦٢ ]
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير سليمان بن المغيرة.
وقوله: (فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ السَّحَابِ) أي: جمع الله - ﷾ - بين السحاب المتفرّق في نواحي السماء؛ ليُمطر عليهم.
وقوله: (وَمَكَثْنَا) بفتح الميم، والكاف، وتُضمّ، يقال: مكث مَكْثًا، من باب قتل: أقام، وتلبّث، فهو ماكثٌ، وَمَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُب قُرْبًا، فهو قريبٌ لغة، وقرأ السبعة ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعْجَل فيه (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "ومكثنا" هكذا ضبطناه، وكذا هو في نسخ بلادنا، ومعناه ظاهرٌ، وذكر القاضي فيه أنه رُوي في نسخ بلادهم على ثلاثة أوجه، ليس منها هذا، ففي رواية لهم: "وبَلَّتْنَا"، ومعناه: أمطرتنا، قال الأزهريّ: يقال: بَلَّ السحابُ بالمطر بَلًّا، والبلل المطر، ويقال: انْهَلَّت أيضًا، وفي رواية لهم: "ومَلَتْنَا" بالميم مخففة اللام، قال القاضي: ولعلّ معناه: أوسعتنا مطرًا، وفي رواية: "ملأتنا" بالهمز. انتهى (^٢).
وقوله: (حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ الشَّدِيدَ) أي: القويّ.
وقوله: (تَهُمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ) قال النوويّ - ﵀ -: ضبطناه "تهمّه" بوجهين: فتح التاء مع ضم الهاء، وضم التاء مع كسر الهاء، يقال: همه الشيءُ، وأهمه؛ أي: اهتمّ له، ومنهم من يقول: هَمّه: أذابه، وأهمه: غَمّه. انتهى.
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: والهمّ: الحزن، وأهمّني الأمر بالألف: أقلقني، وهَمّني هَمًّا، من باب قتل مثله. انتهى (^٣).
وقوله: "أن يأتي أهله" في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ أي: في إتيان أهله.
والمعنى: أن كثرة المطر حالت دون وصولهم إلى بيوتهم، حتى اهتمّ
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٧٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٦/ ١٩٥.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤١.
[ ١٧ / ٥٦٣ ]
القويّ - ومن باب أولى الضعيف - كيف يصل إلى أهله، وفي رواية ابن خزيمة: "حتى أهمّ الشابّ القريب الدار الرجوعُ إلى أهله"؛ أي: فضلًا عن العجوز، وبعيد الدار، وفي رواية للبخاريّ: "فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا".
[تنبيه]: رواية سليمان بن المغيرة، عن ثابت هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(١٢٦٠٤) حدّثنا بَهْزٌ، وحدّثنا حجاج، قالا: حدّثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، قال: قال أنس: إني لقاعد عند المنبر يوم الجمعة، ورسول الله - ﷺ - يخطب؛ إذ قال بعض أهل المسجد يا رسول الله، حُبِس المطرُ، هَلَكت المواشي، ادع الله أن يسقينا، قال أنس: فرفع يديه رسول الله - ﷺ -، وما أرى في السماء من سحاب، فأُلِّف بين السحاب، قال حجاج: فألَّف اللهُ بين السحاب، فَوَأَلْنا، قال حجاج: سعينا حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله، فمُطرنا سبعًا، وخرج رسول الله - ﷺ - يخطب في الجمعة المقبلة؛ إذ قال بعض أهل المسجد: يا رسول الله، تهدمت البيوت، حُبِس السُّفّار، ادع الله - ﷿ - أن يرفعها عنّا، قال: فرفع يديه، فقال: "اللهم حوالينا، ولا علينا"، قال: فتقَوَّر ما فوق رأسنا منها، حتى كأنا في إكليل، يُمْطَرُ ما حولنا، ولا نُمْطَرُ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي (^١) أُسَامَةُ، أَنَّ حَفْصَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَزَادَ: فَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ، كَأَنَّهُ الْمُلَاءُ حِينَ تُطْوَى).
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرني".
[ ١٧ / ٥٦٤ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) أبو جعفر السعديّ مولاهم، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبت حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (أُسَامَةُ) بن زيد الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (ت ١٥٣) (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٥.
[تنبيه]: قال القاضي عياض - ﵀ -: وقع عند العذري: "حدّثني سلمة" والصواب: "حدّثني أسامة"، وهو أسامة بن زيد الليثيّ، شيخ ابن وهب مشهورٌ. انتهى (^١).
٤ - (حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ويقال فيه: عبيد الله بن حفص، ولا يصحّ، صدوقٌ [٣] (خ م ت س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣٤/ ١٤١٦.
و"أنس بن مالك" - ﵁ - ذُكر قبله.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَزَادَ) فاعل "اقتصّ"، و"زاد" ضمير حفص بن عبيد الله.
وقوله: (يَتَمَزَّقُ) أي: يتفرّق.
وقوله: (كَأَنَّهُ الْمُلَاءُ حِينَ تُطْوَى) قال النوويّ - ﵀ -: هو بضم الميم، وبالمدّ، والواحدة مُلاءة بالضم والمد، وهي: الرَّيطة، كالْمِلْحفة، ولا خلاف أنه ممدود في الجمع والمفرد، ورأيت في كتاب القاضي قال: هو مقصور، وهو غلط من الناسخ، فإن كان من الأصل كذلك فهو خطأ يلا شكّ، ومعناه تشبيه تقطع السحاب، والجلائه بالملاءة المنشورة إذا طُوِيت. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: يعني: أن السحاب بعد أن كان منتشرًا انضمّ عن جهات المدينة، فصار كأنه ثوبٌ طُوِي عنها. انتهى (^٣).
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٣/ ٣٢٤.
(٢) "شرح النوويّ" ٦/ ١٩٥.
(٣) "المفهم" ٢/ ٥٤٥.
[ ١٧ / ٥٦٥ ]
[تنبيه]: رواية حفص بن عبيد الله، عن أنس بن مالك - ﵁ - هذه ساقها أبو نعيم - ﵀ - في "مستخرجه" (٢/ ٤٨٣) فقال:
(٢٠٢١) حدّثنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا أبو يعلى، ثنا هارون بن معروف (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة، قالا: ثنا ابن وهب، حدّثني أسامة بن زيد، أن حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك، حدّثه أنه سمع أنس بن مالك يقول: جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة، وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، هلكت الماشية، فادع الله أن يسقينا، قال: فأنشأت سحابة مثل رجل الطائر، أنا أنظر إليها، ثم انتشرت في السماء، ثم أمطرت، فما زلنا نُمْطَر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى، فقال: يا رسول الله، هلكت الماشية، وسقطت البيوت، فادع الله أن يكشفها عنّا، فقال رسول الله - ﷺ -: "اللهم حوالينا، ولا علينا"، فرأيت السحاب يتمزق، كأنها الملاء حين تُطْوَى. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.