وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٩] (١٠٣٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: "يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ").
[ ١٩ / ٥٤١ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حجة إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٥ - (أَبُوهُ) أبو سعيد كيسان المقبريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٤/ ٣٩٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلافهما في صيغتي الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ (عَنْ أَبِيهِ) وكذا هو عند معظم رواة "صحيح البخاريّ"، بإثبات "عن أبيه"، وسقط عند بعضهم، قال في "الفتح": كذا للأكثر، وسقط "عن أبيه" من رواية الأصيليّ وكريمة، وضَبَّب عليه في رواية النسفيّ، والصواب إثباته، وكذا أخرجه الإسماعيليّ، عن محمد بن يحيى، وأبو نعيم، من طريق إسماعيل القاضي، وأبو عوانة عن إبراهيم الحربيّ، كلهم عن عاصم بن عليّ شيخ البخاريّ فيه، ومن طريق شبابة، وعثمان بن عمرو بن المبارك عند الإسماعيليّ، وأخرجه البخاري في "الأدب
[ ١٩ / ٥٤٢ ]
المفرد" عن آدم، كلهم عن ابن أبي ذئب كذلك، وكذلك رواه الليث، عن سعيد، كما سيأتي في "كتاب الأدب"، وأخرجه الترمذيّ من طريق أبي مَعْشَر، عن سعيد، عن أبي هريرة، لم يقل: "عن أبيه"، وزاد في أوله: "تَهَادَوْا، فإن الهدية تُذْهِب وَحَرَ الصدر … " الحديث، وقال: غريب، وأبو معشر يُضَعَّف، وقال الطرقيّ: إنه أخطأ فيه، حيث لم يقل فيه: "عن أبيه"، كذا قال، وقد تابعه محمد بن عجلان، عن سعيد، وأخرجه أبو عوانة، نعم مَن زاد فيه "عن أبيه" أحفظ وأضبط، فروايتهم أولى، والله أعلم (^١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: "يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ) ذكر القاضي عياض ﵀ في إعرابه ثلاثة أوجه:
[أصحها وأشهرها]: نصب النساء، وجَرُّ المسلمات على الإضافة، قال الباجيّ: وبهذا رويناه عن جميع شيوخنا بالمشرق، وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، والموصوفِ إلى صفته، والأعمِّ إلى الأخصّ، كمسجد الجامعِ، وجانب الغربيّ، وهو عند الكوفيين جائزٌ على ظاهره، وعند البصريين يقدّرون فيه محذوفًا؛ أي مسجد المكان الجامع، وجانب المكان الغربيّ، ويقدَّر هنا: يا نساء الأنفس المسلمات، أو الجماعات المؤمنات، وقيل: تقديره يا فاضلات المسلمات، كما يقال: هؤلاء رجال القوم؛ أي ساداتهم وأفاضلهم.
[الوجه الثاني]: رفع النساء، ورفع المسلماتُ، على معنى النداء والصفة؛ أي: يا أيتها النساء المسلماتُ، قال الباجيّ: كذا يرويه أهل بلدنا.
[الوجه الثالث]: رفع النساء، وكسر التاء من المسلمات، على أنه منصوب على الصفة على الموضع، كما يقال: "يا زيدُ العاقلَ، برفع زيدُ، ونصب العاقلَ. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح" بعد ذكر نحو ما تقدّم ما نصّه: وقال السهيليّ وغيره: جاء برفع الهمزة على أنه منادى مفردٌ، ويجوز في المسلمات الرفع صفةً على اللفظ، على معنى: يا أيها النساء المسلمات، والنصب صفة على الموضع، وكسرة التاء علامة النصب.
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤١٥ - ٤٥٢ كتاب "الهبة" رقم (٢٥٦٦).
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٠.
[ ١٩ / ٥٤٣ ]
ورُوِيَ بنصب الهمزة، على أنه منادى مضاف، وكسرة التاء للخفض بالإضافة، كقولهم: مسجد الجامع، وهو مما أضيف فيه الموصوف إلى الصفة في اللفظ، فالبصريون يتأولونه على حذف الموصوف، وإقامة صفته مقامه، نحو يا نساء الأنفس المسلمات، أو يا نساء الطوائف المؤمنات؛ أي لا الكافرات، وقيل: تقديره يا فاضلات المسلمات، كما يقال: هؤلاء رجال القوم؛ أي أفاضلهم، والكوفيون يَدَّعُون أن لا حذف فيه، ويكتفون باختلاف الألفاظ في المغايرة.
وقال ابن رُشيد: توجيهه أنه خاطب نساءً بأعيانهنّ، فأقبل بندائه عليهنّ، فصحت الإضافة على معنى المدح لهنّ، فالمعنى يا خيرات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم.
وتُعُقِّب بأنه لم يخصصهنّ به؛ لأن غيرهن يشاركهن في الحكم.
وأجيب بأنهن يشاركنهن بطريق الإلحاق.
وأنكر ابن عبد البر رواية الإضافة، وردّه ابن السيد بأنها قد صَحَّت نقلًا، وساعدتها اللغة، فلا معنى للإنكار.
وقال ابن بطال: يمكن تخريج يا نساء المسلمات على تقدير بعيدٍ، وهو أن يُجْعَل نعتًا لشيء محذوف، كأنه قال: يا نساء الأنفس المسلمات، والمراد بالأنفس الرجال، ووجه بعده أنه يصير مدحًا للرجال، وهو -ﷺ- إنما خاطب النساء، قال: إلا أن يراد بالأنفس الرجال والنساء معًا، وأطال في ذلك، وتعقبه ابن الْمُنَيِّر، وقد رواه الطبرانيّ من حديث عائشة -﵂- بلفظ: "يا نساء المؤمنين … " الحديث. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن أقرب الأوجه أنه من حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه؛ أي يا نساء الأنفس المسلمات، كما هو رأي البصريين، وإلى ترجيح مذهبهم أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤١٦ كتاب "الهبة" رقم (٢٥٦٦).
[ ١٩ / ٥٤٤ ]
وأما ما ذكره ابن بطّال، فمما لا يخفى ما فيه من التكلّف والتعسّف، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتهَا) ووقع لأبي ذر في "صحيح البخاريّ" بلفظ: "لجارةٍ" بدون إضافة، والمتعلَّق محذوف، تقديره: "هديةً مُهداةً" (وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ") بكسر الفاء، والمهملة، بينهما راء ساكنة، وآخره نون: هو عظمٌ قليلُ اللحم، وهو للبعير موضع الحافر للفرس، ويُطْلَق على الشاة مجازًا، ونونه زائدة، وقيل: أصلية، قاله في "الفتح".
وقال في "العمدة": "الفِرْسن" بكسر الفاء، وسكون الراء، وكسر السين المهملة، وفي آخره نون، قال ابن دريد: هو ظاهر الْخُفّ، والجمع فراسن، وفي "المحكم": هي طَرَف خفّ البعير. انتهى. حكاه سيبويه في الثلاثيّ، ولا يقال في جمعه: فِرْسِنات، كما قالوا: خَنَاصر، ولم يقولوا: خِنْصِرات، وفي "المخصص": هو عند سيبويه فِعْلِنٌ، ولم يَحْك في الأسماء غيره، وقال أبو عبيد: السُّلامَى عظام الْفِرْسِن كلُّها، وفي "الجامع": هو من البعير بمنزلة الظُّفُر من الإنسان، وفي "المغيث": هو عظمٌ قليلُ اللحم، وهو للشاة والبعير بمنزلة الحافر للدابة، وقيل: هو خُفّ البعير، وفي "الصحاح": ربما استعير للشاة، وقال ابن السرّاج: النون زائدة، وقال الأصمعيّ: الفرسن ما دون الرسغ من يد البعير، وهي مؤنثة. انتهى (^١).
قال في "الفتح": وأشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء اليسير، وقبوله، لا إلى حقيقة الفِرْسِن؛ لأنه لم تجر العادة بإهدائه؛ أي لا تمنع جارةٌ من الهدية لجارتها الموجود عندها لاستقلاله، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسر، وإن كان قليلًا، فهو خير من العدم، وذَكَرَ الفِرْسِن على سبيل المبالغة.
وَيحْتَمِل أن يكون النهي إنما وقع لِلْمُهْدَى إليها، وأنها لا تحتقر ما يُهْدَى إليها، ولو كان قليلًا، وحمله على الأعم من ذلك أولى.
وفي حديث عائشة -﵂- المذكور: "يا نساء المؤمنين، تَهَادَوْا، ولو فِرْسِن شاة، فإنه يُنْبِت المودّة، ويُذْهِب الضغائن". انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٣/ ١٢٦.
(٢) "الفتح" ٦/ ٤١٧.
[ ١٩ / ٥٤٥ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٢٣٧٩] (١٠٣٠)، و(البخاريّ) في "الهبة" (٣٥٦٦) و"الأدب" (٦٠١٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠/ ٤٤٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٤ و٣٠٧ و٤٣٢ و٤٩٣ و٥٠٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٣)، و(الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٢٢١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٧٧ و٦/ ٦٠ و١٦٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحضّ على التهادي، ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودّة، وإذهاب الشحناء، ولما فيه من التعاون على أمر المعيشة، والهديةُ إذا كانت يسيرة فهي أدلّ على المودة، وأَسْقَطُ للمؤنة، وأسهل على المهدي؛ لاطِّرَاح التكلّف، والكثيرُ قد لا يتيسر كلَّ وقت، والمواصلة باليسير تكون كالكثير.
٢ - (ومنها): استحباب جلب المودّة، وإسقاط التكلّف.
٣ - (ومنها): شدّة اهتمام النبيّ -ﷺ- في توجيه أمته رجالًا ونساءً، فليست توجيهاته قاصرةً على الرجال فقط.
٤ - (ومنها): بيان شدّة عناية الشارع على ما يجلب المودّة والمحبّة بين المجتمعات بحيث لا يوجد عندهم شحناء ولا بغضاء، بل يكونون يدًا واحدةً على من سواهم، وهذا معنى قوله -ﷺ-: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضهم بعضًا، ثم شبّك بين أصابعه"، متّفقٌ عليه، وقوله -ﷺ-: "مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى"، متفق عليه، واللفظ لمسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ١٩ / ٥٤٦ ]