وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٠] (١٠٣١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الزَّمِن البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان البصريّ، الإمام الحافظ الناقد الحجة الثبت [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبت فقيه، قدّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم، عن عائشة على الزهري، عن عروة، عنها [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٥ - (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن يساف الأنصاريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧، وهو خال عبيد الله الراوي عنه.
٦ - (حَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ) بن عمر بن الخطّاب العمريّ المدنيّ، ثقة [٣] (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧، وهو جدّ عبيد الله المذكور لأبيه.
[ ١٩ / ٥٤٧ ]
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فرّق.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ، وأما شيخه ابن المثنّى، فإنه من مشايخ الستة بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من خبيب، وأما زهير فبغداديّ، والباقيان بصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الراوي، عن خالة، عن جدّه.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: عبيد الله، عن خُبيب، عن حفص.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁-، أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-، قال في "الفتح": لم تختلف الرواة عن عبيد الله في ذلك، ورواه مالك في "الموطأ" عن خُبيب، فقال: عن أبي سعيد، أو أبي هريرة على الشك، ورواه أبو قُرّة، عن مالك بواو العطف، فجعله عنهما، وتابعه مصعب الزبيري، وشَذّا في ذلك عن أصحاب مالك، والظاهر أن عبيد الله حفظه؛ لكونه لم يشك فيه، ولكونه من رواية خالة، وجدّه، والله أعلم. انتهى.
[تنبيه]: قال الحافظ ﵀: لم نجد هذا الحديث من وجه من الوجوه، إلا عن أبي هريرة -﵁-، إلا ما وقع عند مالك من التردد هل هو عنه، أو عن أبي سعيد، كما قدمناه قبلُ، ولم نجده عن أبي هريرة، إلا من رواية حفص، ولا عن حفص إلا من رواية خبيب، نعم أخرجه البيهقي في "الشعب" من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-، والراوي له عن سهيل
[ ١٩ / ٥٤٨ ]
عبدُ الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف، لكنه ليس بمتروك، وحديثه حسن في المتابعات، ووافق في قوله: "تصدق بيمينه"، وكذا أخرجه سعيد بن منصور، من حديث سلمان الفارسي -﵁- بإسناد حسن موقوفًا عليه، لكن حكمه الرفع، وفي "مسند أحمد" من حديث أنس -﵁- بإسناد حسن مرفوعًا: "إن الملائكة قالت: يا رب هل من خلقك شيء أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالت: فهل أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالت: فهل أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالت: فهل أشد من الماء؟ قال: نعم الريح، قالت: فهل أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم، يتصدق بيمينه، فيخفيها عن شماله". انتهى (^١).
(عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "سَبْعَةٌ) ظاهره اختصاص المذكورين بالثواب المذكور، ووجّهه الكرماني بما مُحَصَّله أن الطاعة إما أن تكون بين العبد وبين الرب، أو بينه وبين الخلق، فالأولى باللسان، وهو الذكر، أو بالقلب، وهو المعلَّق بالمسجد، أو بالبدن، وهو الناشئ في العبادة، والثاني عام، وهو العادل، أو خاص بالقلب، وهو التحابّ، أو بالمال، وهو الصدقة، أو بالبدن، وهو العفة، قال الحافظ: وقد نظم السبعة العلامة أبو شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل، فيما أنشدناه أبو إسحاق التنوخي إذنًا، عن أبي الهدى أحمد ابن أبي شامة، عن أبيه سماعًا من لفظه، قال [من الطويل]:
وَقَالَ النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى إِنَّ سَبْعَةً … يُظِلُّهُمُ اللهُ الْكَرِيمُ بِظِلِّهِ
مُحِبٌّ عَفِيفٌ نَاشِئٌ مُتَصَدِّقٌ … وَبَاكٍ مُصَلٍّ وَالإِمَامُ بِعَدْلِهِ
ووقع في "صحيح مسلم"، من حديث أبي الْيَسَرِ مرفوعًا: "من أنظر معسرًا، أو وضع له، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وهاتان الخصلتان غير السبعة الماضية، فدل على أن العدد المذكور لا مفهوم له، قال الحافظ: وقد ألقيت هذه المسألة على العالم، شمس الدين بن عطاء الرازي، المعروف بالهرويّ، لَمّا قَدِمَ القاهرة، وادَّعَى أنه يحفظ "صحيح مسلم"، فسألته بحضرة الملك المؤيّد عن هذا، وعن غيره، فما استحضر في ذلك شيئًا، ثم تتبعت بعد ذلك الأحاديث الواردة، في مثل ذلك، فزادت على عشر خصال، وقد انتقيت
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
[ ١٩ / ٥٤٩ ]
منها سبعة، وردت بأسانيد جياد، ونظمتها في بيتين، تذييلًا على بيتي أبي شامة، وهما:
وَزِدْ سَبْعَةً إِظْلَالَ غَازٍ وَعَوْنَهُ … وَإِنْظَارَ ذِي عُسْرٍ وَتَخْفِيفَ حَمْلِهِ
وَإِرْفَادَ ذِي غُرْمٍ وَعَوْنَ مُكَاتَبٍ … وَتَاجِرُ صِدْقٍ فِي الْمَقَالِ وَفِعْلِهِ
فأما إظلال الغازي، فرواه ابن حِبّان وغيره، من حديث عمر -﵁-، وأما عون المجاهد، فرواه أحمد، والحاكم، من حديث سهل بن حُنيف -﵁-، وأما إنظار المعسر، والوضيعة عنه، ففي "صحيح مسلم" كما ذكرنا، وأما إرفاد الغارم، وعون المكاتب، فرواهما أحمد، والحاكم، من حديث سهل بن حُنيف -﵁- المذكور، وأما التاجر الصدوق، فرواه البغويّ في "شرح السنة" من حديث سلمان -﵁-، وأبو القاسم التيمي، من حديث أنس -﵁-، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ: ونظمته مرة أخرى، فقلت في السبعة الثانية:
وَتَحْسِينُ خُلْقٍ مَعْ إِعَانَةِ غَارِمٍ … خَفِيفُ يَدٍ حَتَّى مُكَاتَبُ أَهْلِهِ
وحديث تحسين الخلق أخرجه الطبراني، من حديث أبي هريرة -﵁- بإسناد ضعيف، ثم تتبعت ذلك، فجمعت سبعة أخرى، ونظمتها في بيتين آخرين، وهما:
وَزِدْ سَبْعَةً حُزْنٌ وَمَشْيٌ لِمَسْجِدِ … وَكُرْهُ وُضُوءٍ ثُمَّ مُطْعِمُ فَضْلِهِ
وَآخِذُ حَقٍّ بَاذِلٌ ثُمَّ كَافِلُ … وَتَاجِرُ صِدْقٍ فِي الْمَقَالِ وَفِعْلِهِ
ثم تتبعت ذلك، فجمعت سبعة أخرى، ولكن أحاديثها ضعيفة، وقلت في آخر البيت:
تَرْبَعُ بِهِ السَّبْعَاتِ مِنْ فَيْضِ فَضْلِهِ
وقد أوردت الجميع في "الأمالي"، وقد أفردته في جزء سميته "معرفة الخصال، الموصلة إلى الظلال". انتهى كلام الحافظ ﵀ (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
[تنبيه]: ذِكْرُ الرجال في هذا الحديث، لا مفهوم له، بل يشترك النساء
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢.
[ ١٩ / ٥٥٠ ]
معهم فيما ذُكر، إلا إن كان المراد بالإمام العادل الإمامة العظمى، وإلا فيمكن دخول المرأة حيث تكون ذات عيال، فتعدل فيهم، وتخرج خصلة ملازمة المسجد؛ لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من المسجد، وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهنّ، حتى الرجل الذي دعته المرأة، فإنه يتصور في امرأة دعاها ملك جميل مثلًا، فامتنعت خوفًا من الله تعالى، مع حاجتها، أو شابّ جميل دعاه ملك إلى أن يزوجه ابنته مثلًا، فخشي أن يرتكب منه الفاحشة، فامتنع مع حاجته إليه، قاله في "الفتح" (^١).
(يُظِلُّهُمُ) بضمّ أوله، من الإظلال (اللهُ) ﷿ (فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ) وفي رواية النسائيّ (^٢): "يظلهم الله في ظلّه يوم القيامة، يوم لا ظلّ إلا ظلّه"، فـ"يوم" الثاني بدل من الأول.
وقوله: "في ظلّه" قال عياض: إضافة الظلّ إلى الله تعالى إضافة ملك، وكلّ ظلّ فهو ملكه، كذا قال، وكان حقّه أن يقول: إضافة تشريف؛ ليحصل امتياز هذا على غيره، كما قيل للكعبة: بيت الله، مع أن المساجد كلها ملكه، وقيل: المراد بظله كرامته، وحمايته، كما يقال: فلان في ظل الملك، وهو قول عيسى بن دينار، وقَوّاه عياض، وقيل: المراد ظل عرشه، ويدل عليه حديث سلمان -﵁- عند سعيد بن منصور، بإسناد حسن: "سبعة يظلهم الله في ظل عرشه … " فذكر الحديث، وإذا كان المراد ظل العرش، استلزم ما ذُكر من كونهم في كنف الله، وكرامته، من غير عكس، فهو أرجح، وبه جزم القرطبيّ.
قال الحافظ: ويؤيده أيضًا تقييد ذلك بيوم القيامة، كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر، وهو عند البخاريّ في "كتاب الحدود"، وبهذا يندفع قول من قال: المراد ظل طوبى، أو ظل الجنة؛ لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة، ثم إن ذلك مشترك لجميع من يدخلها، والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة، فيرجح أن
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٢) وهو أيضًا عند البخاريّ في كتاب "الحدود".
[ ١٩ / ٥٥١ ]
المراد ظل العرش، وروى الترمذي وحسّنه، من حديث أبي سعيد، مرفوعًا: "أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم منه مجلسًا، إمام عادل".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الصحيح كون المراد بقوله: "إلا ظلّه" ظل العرش؛ لأن خير ما فُسّر به الوارد هو الوارد، كما أشار إليه السيوطيّ في "ألفية الحديث" بقوله:
وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ أوْ … عَنِ الصَحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا
الأول: (الْإمَامُ الْعَادِلُ) وهو اسم فاعل من العدل، وذكر ابن عبد البرّ، أن بعض الرواة عن مالك، رواه بلفظ: "العدل"، قال: وهو أبلغ؛ لأنه جعل المسمى نفسه عدلًا، والمراد به صاحب الولاية العظمى، وَيلتحق به كل من وَليَ شيئًا من أمور المسلمين، فعدل فيه، ويؤيده رواية مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو، رفعه: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا"، وأحسن ما فُسّر به العادل: أنه الذي يَتَّبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه، من غير إفراط، ولا تفريط، وقدّمه في الذكر؛ لعموم النفع به.
(وَ) الثاني (شَابٌّ) خَصَّ الشاب؛ لكونه مظنة غلبة الشهوة؛ لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، فإن ملازمة العبادة، مع ذلك أشدُّ، وأدل على غلبة التقوى (نَشَأَ) أي نبت، وابتدأ؛ أي لم يكن له صبوة، وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر: "يَعْجَبُ ربّك من صبيّ، ليست له صَبْوة" (^١)، رواه أحمد، وإنما كان ذلك لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة (^٢). (بعِبَادَةِ اللهِ) ﷿، ولفظ البخاريّ: "في عبادة ربه"، زاد حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر: "حتى تُوُفّي على ذلك"، أخرجه الجوزقي، وفي حديث سلمان -﵁-: "أفنى شبابه، ونشاطه في عبادة الله".
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "وشابّ نشأ بعبادة الله" كذا الرواية بالباء، وهذه الباء هي باء المصاحبة، كما تقول: جاء زيد بسلاحه؛ أي مصاحبًا له،
_________________
(١) رواه أحمد في "مسنده" ٤/ ١٥١ وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف.
(٢) "المفهم" ٣/ ٧٥.
[ ١٩ / ٥٥٢ ]
وَيحْتَمِلُ أن تكون بمعنى "في"، كما قد تكون "في" بمعنى الباء في مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. انتهى (^١).
(وَ) الثالث (رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ) أي يحبّ الكون فيها للصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، وهذا إنما يكون ممن استغرقه حبّ الصلاة، والمحافظة عليها، وشُغِف بها (^٢).
قال في "الفتح": وظاهره أنه من التعليق، كأنه شبّهه بالشيء المعلَّق في المسجد، كالقنديل مثلا؛ إشارةً إلى طول الملازمة بقلبه، وإن كان جسده خارجًا عنه، ويدل عليه رواية الجوزقي: "كأنما قلبه معلق في المسجد"، وَيحْتَمِل أن يكون من العَلاقة، وهي شدّة الحب، ويدل عليه رواية أحمد: "معلق بالمساجد"، وكذا رواية سلمان: "من حبها"، ولفظ الحموي والمستملي: "مُتَعَلِّق" بزيادة مثناة بعد الميم، وكسر اللام، زاد سلمان: "من حبها"، وزاد مالك في روايته التالية: "إذا خرج منه حتى يعود إليه".
(وَ) الرابع (رَجُلَانِ تَحَابَّا) بتشديد الباء، وأصله تحاببا: أي اشتركا في جنس المحبة، وأحبّ كل منهما الآخر حقيقةً، لا إظهارًا فقط، ووقع في رواية حماد بن زيد: "ورجلان قال كل منهما للآخر: إني أحبك في الله، فصدرا على ذلك"، ونحوه في حديث سلمان.
(فِي اللهِ) أي لأجل الله ﷿، لا لغرض دنيويّ، وكلمة "في" سببيّة.
(اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) أي على الحب المذكور، والمراد أنهما داما على المحبة الدينية، ولم يقطعاها بعارض دنيويّ، سواءٌ اجتمعا حقيقةً، أم لا، حتى فرّق بينهما الموت، قاله في "الفتح".
وقال القرطبيّ: أي داما على المحبّة الصادقة الدينيّة المبرّأة عن الأغراض الدنيويّة، ولم يقطعاها بعارض في حال اجتماعهما، ولا حال افتراقهما. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٥.
(٢) "المفهم" ٣/ ٧٦.
(٣) "المفهم" ٣/ ٧٦.
[ ١٩ / ٥٥٣ ]
ووقع في الجمع للحميديّ: "اجتمعا على خير"، قال الحافظ: ولم أر ذلك في شيء من نسخ "الصحيحين"، ولا غيرهما من "المستخرجات"، وهي عندي تحريف.
[تنبيه]: عُدّت هذه الخصلة واحدة، مع أن متعاطيها اثنان؛ لأن المحبة لا تتم إلا باثنين، أو لما كان المتحابان بمعنى واحد، كان عدّ أحدهما مغنيًا عن عدّ الآخر؛ لأن الغرض عدّ الخصال، لا عدّ جميع من اتصف بها.
(وَ) الخامس (رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ) أي عَرَضت نفسها عليه للفاحشة بها، و"المنصب" -بكسر الصاد المُهملة-: الأصل، أو الشرف، وفي رواية مالك: "دعته ذات حسب"، وهو يطلق على الأصل، وعلى المال أيضًا، وقد وصفها بأكمل الأوصاف، التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن تحصل فيه، وهو المنصب الذي يستلزمه الجاه والمال مع الجمال، وقلّ من يجتمع ذلك فيها من النساء، قاله في "الفتح".
وقال النوويّ: وخصّ ذات الجمال؛ لكثرة الرغبة فيها، وعسر حصولها، وهي جامعة للمنصب والجمال، لا سيما وهي داعية إلى نفسها طالبة لذلك، قد أغنت عن مشاقّ التوصل إلى مراودة ونحوها، فالصبر عنها لخوف الله تعالى، وقد دعت إلى نفسها مع جمعها المنصب والجمال من أكمل المراتب، وأعظم الطاعات، فرتّب الله تعالى عليه أن يُظلّه، وذات المنصب هي ذات الحسب، والنسب الشريف. انتهى (^١).
ومُتعلَّق "دعته" محذوف في رواية المصنّف، وقد ذكره في رواية النسائيّ بقوله: "إِلَى نَفْسِهَا"، وفي رواية البيهقي في "الشعب"، من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة: "فعرضت نفسها عليه"، والظاهر أنها دعته إلى الفاحشة، وبه جزم القرطبي، ولم يحك غيره، وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن تكون دعته إلى التزوج بها، فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها، أو خاف أن لا يقوم بحقها؛ لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها، والأول أظهر، ويؤيده وجود الكناية في قوله: "إلى نفسها"، ولو كان المراد التزويج لصرّح به، والصبر عن الموصوفة بما ذُكر من أكمل المراتب؛ لكثرة الرغبة في مثلها، وعسر تحصيلها،
_________________
(١) "شرح مسلم" ٧/ ١٢٢.
[ ١٩ / ٥٥٤ ]
لا سيما وقد أغنت من مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها، قاله في "الفتح".
وقال النوويّ: ومعنى قوله: "دعته": أي دعته إلى الزنا بها، هذا هو الصواب في معناه، وذكر القاضي فيه احتمالين: أصحّهما هذا، والثاني: أنه يَحْتَمِل أنها دعته لنكاحها، فخاف العجز عن القيام بحقّها، أو أن الخوف من الله تعالى شغله عن لذّات الدنيا، وشهواتها. انتهى (^١).
(فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ) ﷿، زاد في رواية كريمة للبخاريّ: "فقال: إني أخاف الله رب العالمين"، والظاهر أنه يقول ذلك بلسانه، إما ليزجرها عن الفاحشة، أو ليعتذر إليها، ويَحْتَمِل أن يقوله بقلبه.
قال القرطبي ﵀: وقول المدعوّ في مثل هذا: "إني أخاف الله"، وامتناعه لذلك دليل على عظيم معرفته بالله تعالى، وشدّة خوفه من عقابه، ومتين تقواه، وحيائه من الله تعالى، وهذا هو المقام اليوسفيّ. انتهى (^٢).
(وَ) السادس (رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ) نَكّرها ليشمل كل ما يُتصدق به من قليل، وكثير، وظاهره أيضًا يشمل المندوبة والمفروضة، لكن نقل النوويّ عن العلماء، أن إظهار المفروضة أولى من إخفائها، قاله في "الفتح".
وقال القرطبيّ: هذه صدقة التطوّع في قول ابن عبّاس، وأكثر العلماء، وهو حضّ على الإخلاص في الأعمال، والتستّر بها، ويستوي في ذلك جميع أعمال البرّ التطوّعيّة، فأما الفرائض، فالأولى إشاعتها، وإظهارها؛ لتنحفظ قواعد الدين، ويجتمع الناس على العمل بها، فلا يضيع منها شيء، ويظهر بإظهارها جمال دين الإسلام، وتُعْلَم حدوده، وأحكامه، والإخلاص واجبٌ في جميع القُرَب، والرياء مفسدٌ لها. انتهى (^٣).
(فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ) يجوز فيه الرفع، والنصب، على تقدير كونه حالًا، أو مستقبلًا؛ لأن "حتى" إذا وقع المضارع بعدها، فإن كان مستقبلًا، كقولك: سرتُ حتى أدخلُ البلد، وكان قولك قبل الدخول وجب رفعه، وإن قلته، وأنت داخل، أو بعد الدخول، وقصدت به حكاية تلك الحال وجب نصبه، وإلى ذلك أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٢.
(٢) "المفهم" ٣/ ٧٦.
(٣) "المفهم" ٣/ ٧٦.
[ ١٩ / ٥٥٥ ]
وَتِلْوَ "حَتَّى" حَالًا اوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
و"تعلم" يَحْتَمِل الوجهين، فلذا جاز فيه وجهان.
(يَمِينُهُ مَما تُنْفِقُ شِمَالُهُ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في جميع نسخ مسلم في بلادنا وغيرها، وكذا نقله القاضي عن جميع روايات نسخ مسلم: "لا تعلم يمينه ما تنفق شماله"، والصحيح المعروف: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"، هكذا رواه مالك في "الموطأ"، والبخاري في "صحيحه"، وغيرهما من الأئمة، وهو وجه الكلام؟ لأن المعروف في النفقة فعلها باليمين، قال القاضي: ويشبه أن يكون الوهم فيها من الناقلين عن مسلم، لا من مسلم بدليل إدخاله بعده حديث مالك ﵀، وقال: بمثل حديث عبيد الله، وبَيَّن الخلاف في قوله: "وقال: رجل مُعَلَّق بالمسجد؛ إذا خرج منه حتى يعود"، فلو كان ما رواه مخالفًا لرواية مالك لَنَبَّهَ عليه، كما نَبَّه على هذا. انتهى (^١)، وسيأتي الكلام في البحث في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
وفي رواية البخاريّ: "ورجل تصدّق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه".
وقوله: (فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ) مرفوع على الفاعليّة، وقوله: (مَا تُنفق يَمِينُهُ) منصوب على المفعوليّة، وإنما ذكر اليمين، والشمال؛ للمبالغة في الإخفاء والإسرار بالصدقة، وضرب المثل بهما لقرب اليمين من الشمال، ولملازمتهما، ومعناه: لو قُدّرت الشمال رجلًا متيقّظًا لَمَا عَلِمَ صدقة اليمين لمبالغته في الإخفاء. وقيل: المراد مَن على شماله من الناس، قاله في "العمدة" (^٢).
وقال القرطبيّ ﵀: هذا مبالغة في إخفاء الصدقة، وقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك أن يتصدّق على الضعيف في صورة المشتري منه، فيدفع له درهمًا مثلًا في شيء يُساوي نصف درهم، فالصورة مبايعة، والحقيقة صدقة، وهو اعتبارٌ حسن. انتهى (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٢.
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ٣٥٣.
(٣) "المفهم" ٣/ ٧٧.
[ ١٩ / ٥٥٦ ]
وقال في "الفتح": المقصود منه المبالغة في إخفاء الصدقة، بحيث إن شماله مع قربها من يمينه، وتلازمهما لو تُصُوِّر أنها تعلم لَمَا عَلِمَت ما فَعَلت اليمين؛ لشدة إخفائها، فهو على هذا من مجاز التشبيه، ويؤيده رواية حماد بن زيد عند الجوزقي: "تصدق بصدقة، كأنما أخفى يمينه من شماله".
ويحتمل أن يكون من مجاز الحذف، والتقدير: حتى لا يعلم ملك شماله، وأَبعَدَ من زَعَمَ أن المراد بشماله نفسه، وأنه من تسمية الكل باسم الجزء، فإنه ينحل إلى أن نفسه لا تعلم ما تنفق نفسه.
وقيل: هو من مجاز الحذف، والمراد بشماله مَنْ على شماله من الناس، كأنه قال: مجاور شماله.
وقيل: المراد أنه لا يرائي بصدقته، فلا يكتبها كاتب الشمال.
وحَكَى القرطبيّ عن بعض مشايخه أن معناه أن يتصدق على الضعيف المكتسب في صورة الشراء لترويج سلعته أو رفع قيمتها واستحسنه، وفيه نظر، إن كان أراد أن هذه الصورة مراد الحديث خاصة، وإن أراد أن هذا من صور الصدقة المخفية فمسلّم، والله أعلم. انتهى (^١).
(وَ) السابعِ (رَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ) أي بقلبه من التذكر، أو بلسانه من الذكر، حال كونه (خَالِيًا) أي من الخلق؛ لأنه يكون حينئذ أبعد من الرياء، أو المراد: خاليًا من الالتفات إلى غير الله تعالى، ولو كان في ملأ، ويؤيّده رواية البيهقيّ: "ذكر الله بين يديه"، ويؤيّد الأول رواية ابن المبارك، وحماد بن زيد: "ذكر الله في خلاء": أي في موضع خال، وهي أصحّ، قاله في "الفتح" (^٢).
(فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ") أي فاضت الدموع من عينيه، وأسند الفيض إلى العين مبالغةً، كأنها هي التي فاضت، قال القرطبيّ ﵀: وفيض العين بكاؤها وهو على حَسَب حال الذاكر، وبحسب ما يُكْشَف له، من أوصافه تعالى، فإن انكشف له غضبه، فبكاؤه عن خوف، وإن انكشف له جماله وجلاله، فبكاؤه عن محبّة وشوق، وهكذا يتلوّن الذاكرون بتلوّن ما يُذْكَر من الأسماء والصفات. انتهى (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٦٦.
(٢) "الفتح" ٢/ ٥٠٨.
(٣) "المفهم" ٣/ ٧٧.
[ ١٩ / ٥٥٧ ]
قال الحافظ: قد خص في بعض الروايات بالأول، ففي رواية حماد بن زيد عند الجوزقي: "ففاضت عيناه من خشية الله"، ونحوه في رواية البيهقي، ويشهد له ما رواه الحاكم من حديث أنس -﵁-، مرفوعًا: "من ذكر الله، ففاضت عيناه من خشية الله، حتى يصيب الأرض من دموعه، لم يُعَذَّب يوم القيامة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٢٣٨٠ و٢٣٨١] (١٠٣١)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٦٦٠) و"الزكاة" (١٤٢٣) و"الرقاق" (٦٤٧٩) و"الحدود" (٦٨٠٦)، و(الترمذيّ) في "الزهد" (٢٣٩١)، و(النسائيّ) في "آداب القضاة" (٥٣٨٢) و"الكبرى" (٥٩٢١)، و(مالك) في "الموطّأ" (١٧٧٧)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣٢٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٣٩)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٥٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٣ - ١٠٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠/ ٣٣٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦٥ و٤/ ١٩٠ و١٠/ ٨٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الإمام العادل.
٢ - (ومنها): فضل من سَلِمَ من الذنوب، واشتغل بطاعة ربّه طول عمره.
٣ - (ومنها): فضيلة ملازمة المسجد للصلاة فيها مع الجماعة؛ لأن المسجد بيت الله، وحقيق على المزور أن يكرم زائره، فكيف بأكرم الأكرمين.
٤ - (ومنها): الحثّ على التحابّ في الله ﷿، وبيان عظيم فضله، وهو من المهمّات، فإن الحبّ في الله، والبغض في الله من الإيمان، وهو بحمد الله تعالى كثير، يوفّق له أكثر الناس، أو من وُفّق له، قاله النوويّ ﵀.
٥ - (ومنها): فضيلة الخوف من الله ﷾، ودفع شهوة النفس؛ خوفًا منه،
[ ١٩ / ٥٥٨ ]
قال الله ﷿: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، وقال ﷿: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
٦ - (ومنها): فضل صدقة السرّ، قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
٧ - (ومنها): فضيلة البكاء من خشية الله ﷾، وفضل طاعة السرّ؛ لكمال الإخلاص فيها.
٨ - (ومنها): فضيلة ذكر الله ﷿ في الخلوات، مع فيضان الدمع من عينيه، فقد أخرج أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، والحاكم بإسناد صحيح، من حديث أبي هريرة -﵁-، مرفوعًا: "لا يلج النار رجلٌ بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله، ودخان جهنّم في منخري مسلم أبدًا".
وبالجملة فالحديث عظيم الفائدة، جسيم العائدة، قال القرطبيّ ﵀: هذا الحديث جدير بأن يُنْعَم فيه النظر، ويُستخرَج ما فيه من اللطائف، والعِبَر، والله الموفّق الملهم. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف الرواية في قوله: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"، كما هو عند الشيخين: قال في "الفتح": هكذا وقع في معظم الروايات في هذا الحديث في البخاري وغيره، ووقع في "صحيح مسلم" مقلوبًا: "حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله"، وهو نوع من أنواع علوم الحديث، أغفله ابن الصلاح، وإن كان أفرد نوع المقلوب، لكنه قصره على ما يقع في الإسناد، ونبه عليه شيخنا -يعني البلقينيّ- في "محاسن الاصطلاح"، ومثّل له بحديث: "إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل"، وقد قدمنا الكلام عليه في "كتاب الأذان"، وقال شيخنا: ينبغي أن يسمى هذا النوع: المعكوس. انتهى.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٧.
[ ١٩ / ٥٥٩ ]
قال الحافظ: والأولى تسميته مقلوبًا، فيكون المقلوب تارة في الإسناد، وتارة في المتن كما قالوه في المدرج سواء، وقد سمّاه بعض من تقدم مقلوبًا، قال عياض: هكذا في جميع النسخ التي وصلت إلينا من "صحيح مسلم"، وهو مقلوب، والصواب الأول، وهو وجه الكلام؛ لأن السنة المعهودة في الصدقة إعطاؤها باليمين، وقد ترجم عليه البخاري في "الزكاة": "باب الصدقة باليمين"، قال: ويشبه أن يكون الوهم فيه ممن دون مسلم، بدليل قوله في رواية مالك، لَمّا أوردها عقب رواية عبد الله بن عمر، فقال بمثل حديث عبيد الله، فلو كانت بينهما مخالفة لبيّنها، كما نبّه على الزيادة في قوله: "ورجل قلبه مُعَلَّق بالمسجد؛ إذا خرج منه حتى يعود إليه". انتهى.
قال الحافظ: وليس الوهم فيه ممن دون مسلم، ولا منه، بل هو من شيخه، أو من شيخ شيخه يحيى القطان، فإن مسلما أخرجه، عن زهير بن حرب، وابن نمير كلاهما عن يحيى، وأشعر سياقه بأن اللفظ لزهير، وكذا أخرجه أبو يعلى في "مسنده" عن زهير، وأخرجه الجوزقي في "مستخرجه" عن أبي حامد ابن الشرقي، عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن يحيى القطان كذلك، وعَقّبَه بأن قال: سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: يحيى القطان عندنا واهم في هذا، إنما هو: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".
قال الحافظ: والجزم بكون يحيى هو الواهم فيه نظر؛ لأن الإمام أحمد، قد رواه عنه على الصواب، وكذلك أخرجه البخاري هنا، عن محمد بن بشار، وفي "الزكاة" عن مسدد، وكذا أخرجه الإسماعيلي، من طريق يعقوب الدَّوْرقي، وحفص بن عمر، وكلهم عن يحيى، وكأن أبا حامد لَمّا رأى عبد الرحمن، قد تابع زهيرًا، ترجح عنده أن الوهم من يحيى، وهو مُحْتَمِل بان يكون منه لَمّا حدَّث به هذين خاصة، مع احتمال أن يكون الوهم منهما تواردا عليه.
وقد تكلف بعض المتأخرين توجيه هذه الرواية المقلوبة، وليس بجيد؛ لأن المخرج مُتّحد، ولم يختلف فيه على عبيد الله بن عمر، شيخ يحيى فيه، ولا على شيخه خُبيب، ولا على مالك رفيق عبيد الله بن عمر فيه.
وأما استدلال عياض على أن الوهم فيه ممن دون مسلم بقوله في رواية
[ ١٩ / ٥٦٠ ]
مالك: مثل عبيد الله، فقد عكسه غيره، فواخذ مسلمًا بقوله: مثل عبيد الله؛ لكونهما ليستا متساويتين، والذي يظهر أن مسلمًا لا يقصر لفظ المثل على المساوي في جميع اللفظ والترتيب، بل هو في المعظم؛ إذا تساويا في المعنى، والمعنى المقصود من هذا الموضع، إنما هو إخفاء الصدقة، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر الحافظ ﵀، وحاصل ما قرّره أن القلب وقع من شيخ المصنّف، أو من شيخ شيخه، ولا يخفى بعده، والذي يظهر لي أن ما قاله القاضي عياضٌ ﵀ هو الأقرب، بل الأولى أن تقول: إن القلب وقع من المصنّف سهوًا، أو ممن بعده، لا ممن قبله، كشيخه، وشيخ شيخه، وأقوى دليل على ذلك أن المصنّف أورد رواية مالك بعد هذا، ثم بيّن أنها مثلُ رواية عُبيد الله إلا في قوله: "ورجلٌ معلّق بالمسجد؛ إذا خرج منه حتى يعود إليه"، فلو كان هذا القلب واقعًا ممن فوقه لكان هوأشدّ حاجة إلى التنبيه عليه من قوله: "ورجل … إلخ"، وكيف ينبّه على ما لا اختلاف فيه في المعنى، ويترك التنبيه على الاختلاف الذي يتغيّر به المعنى؟ وهذا من البعد بمكان.
وأما تقوية الحافظ ما ذهب إليه بأن مسلمًا لا يقصر لفظ المثل على المساوي … إلخ، فمما لا يخفى تكلّفه، سلّمنا أنه لا يقصر ذلك على المساوي، ولكن لماذا يعدل عن التنبيه على الخطأ إلى التنبيه إلى ما لا خطأ فيه؟ وهذا أمر بعيد كلّ البعد، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨١] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَوْ عَنْ
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٦٥، كتاب "الأذان" رقم (٦٦٠).
[ ١٩ / ٥٦١ ]
أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ، وَقَالَ: "وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ، اِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه المشهور [٧] (ت ١٧٩) (ت) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (أبو سعيد الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان -﵁-، تقدّم في "شرح المقدّمة" ٢/ ٤٧٠.
والباقون ذُكرُوا قبله.
[تنبيه]: رواية مالك، عن خبيب هذه ساقها في "الموطّأ"، فقال:
(١٥٠١) - وحدّثني عن مالك، عن خبيب بن عبد الرحمن الأنصاريّ، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد الخدريّ، أو عن أبي هريرة، أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: "سبعة يُظِلّهم الله في ظلّه يوم لا ظِلّ إلا ظله: إمامٌ عادلٌ، وشابّ نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه مُعَلَّق بالمسجد؛ إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا على ذلك، وتفرقا، ورجل ذكر الله خاليًا، ففاضت عيناه، ورجل دعته ذات حسب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.