وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٢] (٩٧٣) - (وَحَدَّثَنِي (^١) عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ، قَالَ عَلِي: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٨ / ٥٩٢ ]
الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَة سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأَنكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ، مَا صَلَّى رَسُولُ الله -ﷺ- عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ الْبَيْضَاءِ إِلَّا في الْمَسْجِدِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن واهويه الإمام الحجة الثبت [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ حَمْزَةَ) بن عبد الله بن الزبير الأسديّ، أبو حمزة المدنيّ، لا باس به [٦].
رَوَى عن عمة عباد بن عبد الله بن الزبير، وعنه موسى بن عقبة، وعبد الوا حد بن فلاد، والدراورديّ.
قال ابن معين: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا الحديث.
٣ - (عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ المدنيّ، كان قاضي مكة زمن أبيه، فخليفته إذا حجّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وجدته أسماء، وخالة أبيه عائشة، ورجل من بني مُرّة بن عوف، وعمر بن الخطماب، وزيد بن ثابت.
وروى عنه ابنه يحيى، وابن أخيه عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله، وابنا عميه: هشام بن عروة ومحمد بن جعفر، وصالح بن عجلان، وابن أبي مليكة، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال الزبير بن بكار: كان عظيم القَدْر عند أبيه، وكان على قضائه بمكة، وكان يستخلفه إذا حجّ، وكان أصدق الناس لهجةً، ووصفه مصعب الزبيريّ بالوقار، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وأما روايته عن عمر بن الخطاب فمرسلة بلا تردد.
[ ١٨ / ٥٩٣ ]
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٩٧٣) وأعاده بعده، و(١٠٢٩) و(١١١٢) وأعاده بعده، و(٢٤٤٤).
٤ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي، وعبد العزيز بن محمد هو: الدراورديّ.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخيه، فمروزيان.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن خالة أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبَادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَن عَائِشَةَ) -﵂- (أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ) بالبناء للمفعول (بِجَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقاصٍ) -﵁- (فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ، وفي الرواية الثالثة: "قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه".
وإنما أمرت عائشة -﵁- بذلك؛ لامتناعها هي وسائر أزواج النبيّ -ﷺ - من الخروج مع الناس؛ عملًا بقوله ﷿: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣].
(فَتُصَلِّيَ) بالنصب عطفًا على "يُمَرّ" (عَلَيْهِ) يَحْتَمل أن تصلي عليه، وهي في حجرتها، وجنازته على بابها، وهو ظاهر سياق الرواية التالية، وَيحْتَمل أن تكون صلّت عليه في المسجد، وهذا الاحتمال يؤيّده قولها في الرواية الثالثة: "ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ"، فإنه ظاهر في أنها صلّت عليه في المسجد، فهذا الوجه أولى، والنّه تعالى أعلم.
(فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهَا)؛ أي: إدخالها الجنازة المسجد، وفي الرواية التالية: "ما كانت الجنائز يُدخل بها المسجدَ". (فَقَالَتْ) عائشة -﵂- لَمّا بلغها
[ ١٨ / ٥٩٤ ]
إنكارهم (مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ): ما الأولى تعجّبيّة، والثانية مصدريّة؛ أي: ما أسرع نسيان الناس.
قال القاضي عياض ﵀: اختلفوا في تأويله، فقيل: معناه ما أسرع ما نسي الناس السنّة، وقيل: ما أسرع الناس إلى الطعن والعيب، قال: وجاء في رواية العذريّ أحد التأويلين في حديث عليّ بن حجر، قال: يعني ما نسي الناس، وجاء فيه في حديث ابن حاتم التأويل الآخر مفسّرًا من قول عائشة -﵂- بما لا يجب أن يقال سواه، ولا يتأوّل عليها غيره؛ إذ قد نَصَّتْ عليه، ورفعت الاحتمال، فقالت: "ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به". انتهى (^١).
وقوله: (مَا صَلَّى رَسُولُ الله -ﷺ-) "ما" هنا نافية؛ أي: لم يصلّ -ﷺ- (عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ الْبَيْضَاءِ) القرشيّ، الفهريّ، من المهاجرين، يُكنى أبا موسى، هاجر الهجرتين إلى الحبشة، وشَهِدَ بدرًا، وأحدًا، ومات -﵁- بعد رجوع رسول الله -ﷺ- من تبوك سنة تسع.
وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: بنو بيضاء، ثلاثة إخوة: سَهْل، وسُهيل، وصفوان، وأمهم البيضاء، اسمها دَعْد بنت الجحدم بن أمية بن ضبّة بن الحارث، والبيضاء وصف، وأبوهم وهب بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضَبَّة بن الحارث بن فهر القرشيّ الفهريّ، وكان سُهيل قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا وغيرها، توفي سنة تسع من الهجرة -﵁-. انتهى كلام النوويّ بزيادة من "الاستيعاب" (^٢).
وأما أخوه سهل، فقال الحافظ أبو عمر ﵀: كان ممن أظهر إسلامه بمكة، وهو الذي مشى إلى النفر الذين قاموا في شأن الصحيفة التي كتبها مشركو قريش على بني هاشم، حتى اجتمع له نفر، تبرّءوا من الصحيفة، وأنكروها، وهم هشام بن عمرو بن ربيعة، والمطعم بن عديّ بن نوفل، وزَمْعَة ابن الأسود بن عبد المطّلب بن أسد، وأبو البَخْتَريّ بن هشام بن الحارث بن
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٣/ ٤٤٥ - ٤٤٦.
(٢) "شرح مسلم" ٧/ ٤٣.
[ ١٨ / ٥٩٥ ]
أسد، وزُهير بن أبي أُميّة بن المغيرة، وفي ذلك يقول أبو طالب [من الطويل]:
جَزَى اللهُ رَبُّ النَّاسِ رَهْطًا تَبَايَعُوا … عَلَى مَلأٍ يُهْدَى لِخَيْبر وَيُرْشَدُ
قُعُودٍ لَدَى جَنْبِ الْحَطِيمِ كَأَنَّهُ … مَقَاوَلَةٌ بَلْ هُمْ أَعَزّ وَأَمْجَدُ
هُمُ رَجَعُوا سَهْلَ بْنَ بَيْضَاءَ رَاضِيًا … فَسُرَّ أَبُو بَكْرٍ بِهَا وَمُحَمَّدُ
أَلَمْ يَأَتِكُمْ أَنَّ الصَّحِيفَةَ مُزِّقَتْ … وَأَنْ كُلَّ مَا لَمْ يَرْضَهُ اللهُ مُفْسَدُ
أَعَانَ عَلَيْهَا كُلُّ صَقْرٍ كَأَنَّهُ … إِذَا مَا مَشَى فِي رَفْرَفِ الدِّرْعِ أَحْرَدُ
أسلم سهل ابن بيضاء بمكة، وأخفى إسلامه، فأخرجته قريش معهم إلى بدر، فأُسر يومئذ مع المشركين، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه بمكة يصلي، فخُفي عنه، ولا أعلم له رواية، ومات بالمدينة. انتهى (^١).
(إِلا فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ، وفي الرواية التالية: "إلا في جوف المسجد".
وهذا يدلّ على جواز الصلاة على الميت في المسجد، وفيه خلاف بين
أهل العلم سنتكلّم عليه في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٢٢٥٢ و٢٢٥٣ و٢٢٥٤] (٩٧٣)، و(أبو دا ود) في "الجنائز" (٣١٨٩)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٣٣)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٦٨) وفي "الكبرى" (١/ ٦٣٩)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥١٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٧٩/ ٦ و١٣٣ و١٦٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥١ - ٥٢)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٧٣٠)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٦/ ٢٠٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٥١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٤٤)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٥٢٦)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٢٩)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الاستيعاب" لابن عبد البرّ في هامش الإصابة ٤/ ٢٧٠ - ٢٧١.
[ ١٨ / ٥٩٦ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الصلاة على الميت في المسجد، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
٢ - (منها): جواز صلاة النساء على الجنائز، وليس المراد بالصلاة هنا الدعاء، بل المراد الصلاة المعهودة على الميت، وأما قول القاضي عياض ﵀: المراد بهذه الصلاة الدعاء (^١)، ففيه نظر، بل الحقّ أنها الصلاة المعهودة، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): فضل علم عائشة -﵂-، فإنها حفظت من السنّة ما جهله الكثيرون من الصحابة والتابعين، حتى أنكروا عليها؛ لجهلهم، فردّت عليهم، وتعجّبت من سرعة النسيان إليهم في سنّة فعلها النبي -ﷺبمشهد من الجميع الكثير، وهو صلاته على ابني البيضاء في المسجد.
٤ - (ومنها): بيان أن السنة لا تترك لإنكار بعض الناس لها؛ جهلًا، بل ينبغي إظهارها للناس، وتعليم الجاهلين بها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على الجنازة في المسجد:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في الصلاة على الجنائز في المسجد، فروينا أن أبا بكر -ضي الله عنه- مسجد، وصُلِّي على عمر بن الخطّاب في المسجد.
وبه قال أحمد، وإسحاق، وقال مالك: لا يُصلّى على الجنازة في المسجد، إلا أن يتضايق المكان، وكره أن توضع الجنازة في المسجد.
قال ابن المنذر ﵀: وفي صلاة من حضر، فصلّى على أبي بكر من المهاجرين والأنصار قدوة لمن أراد الاقتداء بهم، وحجّة، وكذلك صلاتهم على عمر في المسجد، وقد روينا عن النبيّ -ﷺ- أنه صلّي علي سُهيل ابن بيضاء في المسجد. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "إكمال المعلم" ٣/ ٤٤٥.
(٢) "الأوسط" ٥/ ٤١٥ - ٤١٦.
[ ١٨ / ٥٩٧ ]
وقال الحافظ أبو عمر ﵀: وصلاة رسول الله - ﷺ- علي سهيل ابن بيضاء من أصحّ ما يُروى عن النبيّ -ﷺ- من أخبار الآحاد العدول.
وهو قول الشافعيّ، وجمهور أهل العلم، وهي السنّة المعمول بها في الخليفتين بعد رسول الله -ﷺ-، صلّى عمر على أبي بكر الصّدّيق في المسجد، وصلى صُهيب على عمر في المسجد بمحضر كبار الصحابة، وصدر السلف، من غير نكير، وما أعلم من يُنكر ذلك إلا ابن أبي ذئب.
ورويت كراهية ذلك عن ابن عبّاس من وجوه لا تصحّ، ولا تثبت، وعن بعض أصحاب مالك، ورواه عن مالك، وقد رُوي عنه جواز ذلك من رواية أهل المدينة، وغيرهم، وقد قال في المعتكف: لا يخرج إلى جنازة، فإن اتصلت الصفوف به في المسجد، فلا يصلي عليها مع الناس.
وعن مالك قال: لا يعجبني أن يُصَلَّى على أحد في المسجد، قال: ولو فَعَل ذلك فاعل ما كان ضيّقًا، ولا مكروهًا، فقد صلى رسول الله -ﷺ- على سهيل ابن بيضاء في المسجد، وصلّى عمر على أبي بكر في المسجد، وصلى صُهيب على عمر في المسجد.
وذكر عبد الرزاق، عن معمر، والثوريّ، عن هشام بن عروة، قال: رأى أبي الناس يخرجون من المسجد ليصلّوا على جنازة، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ ما صُلِّي على أبي بكر إلا في المسجد.
[فإن قيل]: إن الناس الذين أنكروا على عائشة -﵂- أن يُمَرَّ عليها بجنازة سعد بن أبي وقّاص في المسجد، هم الصحابة، وكبار التابعين، لا محالة؟.
أقيل لهم،: ما رأت عائشة إنكارهم بكبير، ورأت الحجّةَ في رسول الله -ﷺ-؛ إذ هو الأسوة الحسنة، والقدوة، وأين المذهب، والرغبة عن سنته -ﷺ-، ولم يأت عنه ما يخالفها من وجه معروف، ولو لم تكن في هذا الباب سنّة ما وجب أن يُمنَع عن ذلك؛ لأن الأضل الإباحة حتى يرد المنع والحظر، فكيف، وفي إنكار ذلك جهل السنّة، والعملِ القديم بالمدينة.
ألا ترى أن قول عائشة -﵂-: "ما أسرع الناس" تريد إلى إنكارها ما يعلمون، وترك السؤال عما يجهلون. وقد روي: "ما أسرع ما ينسى الناس"، وليس من نَسِيَ علمًا حجة على من ذكره، وعَلِمَه.
[ ١٨ / ٥٩٨ ]
وقد احتجّ بعض من تُعميه نفسه من المنتسبين إلى العلم في كراهية الصلاة على الجنائز في المسجد؟ لأن رسول الله -ﷺ- نَعَى للناس النجاشيّ، وخرج بهم إلى المصلى، فصفّهم، وكبّر أربع تكبيرات، قال: ولم يصلّ عليه في المسجد، وفي احتجاجه هذا ضروب من الإغفال.
[منها]: أنه لا يرى الصلاة على الغائب، وصلاة النبي -ﷺ- على النجاشيّ خصوص له عنده.
[ومنها]: أنه ليس في صلاة رسول الله -ﷺ- على الجنازة في موضع، ولا صلاة العيد في موضع دليلٌ على أن صلاة العيد، وصلاة الجنائز لا تجوز إلا في ذلك الموضع، والمسلمون في كلّ أفق لهم مصلى في العيد، يخرجون إليه، ويُصلّون فيه، ولا يقول أحد من علمائهم: إن الصلاة لا تجوز إلا فيه. وكذلك صلاتهم في المقابر على جنائزهم، ليس فيه دليل على أنه لا يُصلّى على الجنائز إلا في المقبرة، وما لم يَنْهَ عنه الله ﷾، ورسوله -ﷺ-، فمباح فعله، فكيف بما فعله رسول الله -ﷺ-. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر ﵀ ببعض تصرّف (^١). وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ.
وقال النوويّ ﵀: وفي هذا الحديث دليل للشافعيّ، والأكثرين في جواز الصلاة على الميت في المسجد، وممن قال به أحمد، وإسحاق، قال ابن عبد البرّ: ورواه المدنيّون في "الموطأ" عن مالك، وبه قال ابن حبيب المالكيّ، وقال ابن أبي ذئب، وأبو حنيفة، ومالك في المشهور عنه: لا تصحّ الصلاة عليه في المسجد بحديث في "سنن أبي داود": "من صلى على جنازة في المسجد، فلا شيء له". ودليل الشافعيّ، والجمهور حديث سهيل ابن بيضاء. وأجابوا عن حديث "سنن أبي داود" بأجوبة:
[أحدها]: أنه ضعيف، لا يصحّ الاحتجاج به، قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف، تفرّد به صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف.
[الثاني]: أن الذي في النسخ المشهورة المحقّقة المسموعة من "سنن أبي
_________________
(١) "الاستذكار" ٨/ ٢٧٢ - ٢٧٦، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنائز في المسجد.
[ ١٨ / ٥٩٩ ]
داود": "ومن صلّى على جنازة في المسجد، فلا شيء عليه"، ولا حجّة لهم حينئذ فيه.
[الثالث]: أنه لو ثبتٌ الحديث، وثبت أنه قال: "فلا شيء له"، لوجب تأويله على: فلا شيء عليه، ليُجمَع بين الروايتين، وبين هذا الحديث، وحديث سهيل ابن بيضاء، وقد جاء "له" بمعنى "عليه"، كقوله ﷾: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
[الرابع]: أنه محمول على نقص الأجر في حقّ من صلّى في المسجد، ورجع، ولم يشيّعها إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة، وحضور دفنه (^١)، والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من أقوال أهل العلم، وأدلتهم في حكم الصلاة على الجنازة في المسجد أن المذهب الصحيح، هو ما عليه الجمهور، من أنه جائز، بلا كراهة؛ لأن أدلة المانعين غير صالحة لمعارضة ما صحّ عن النبيّ -ﷺ-، وعن الخلفاء الراشدين -﵃-، كما سبق تفصيله، وأما حديث أبي داود: "من صلى على جنازة في المسجد، فلا شيء له " فضعيف لا حاجة إلى تأويله، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة النساء على الجنائز:
[اعلم]: أن حديث الباب يدلّ على مشروعيّة صلاة النساء على الجنائز، قال الباجيّ ﵀: هذا الذي يقتضيه مذهب مالك، وقال الشافعيّ: لا يصلي النساء على الجنائز، والدليل على صحة ذلك أن هذه صلاة يصحّ أن يفعلها الرجال، فصحّ أن يفعلها النساء، كصلاة الجماعة، وهل يجوز أن يفعلها النساء دون الرجال؟ قال ابن القاسم وأشهب: يجوز، وإن اختلفا في صفتهما. انتهى.
_________________
(١) قلت: هذا الوجه ضعيف؛ لأنه ينافي إثبات قيراط واحد لمن صلى، ورجع، وهو ثابت في "الصحيحين". فتنبّه.
(٢) "شرح صحيح مسلم" ٤٣/ ٧ - ٤٤ كتاب الجنائز.
[ ١٨ / ٦٠٠ ]
وقال ابن قُدامة: يصلّي النساء جماعةً، إمامتهن في وسطهنّ، نَصّ عليه أحمد، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعيّ: يصلين منفردات، لا يسبق بعضهنّ بعضًا، وإن صلين جماعة جاز.
قال: ولنا أنهن من أهل الجماعة فيصلين جماعةً، كالرجال، وما ذكروه من كونهن منفردات لا يسبق بعضهنّ بعضًا تَحَكمٌ، لا يصار إليه إلا بنصّ أو إجماع، وقد صلى أزواج النبيّ -ﷺ- على سعد بن أبي وقاص -﵁-. انتهى (^١).
وقال في "المرعاة": ويدلّ على صلاة النساء مع الرجال جماعة ما رواه الحاكم أن أبا طلحة دعا رسول الله -ﷺ- إلى عُمير بن أبي طلحة حين تُوفّي، فأتاهم رسول الله -ﷺ-، فصلى عليه في منزلهم، فتقدّم رسول الله -ﷺ-، وكان أبو طلحة وراءه، وأم سُليم وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم، قال الحاكم: حديث صحيحٌ على شرط الشيخين، وسنّة غريبة في إباحة صلاة النساء على الجنائز، ووافقه الذهبيّ. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث صحيح، كما قال الحاكم، ووافقه الذهبيّ، ولكنه على شرط مسلم، كما قال الشيخ الألبانيّ (^٣)، فإن عمارة بن غزيّة من رجال مسلم، وإنما علّق له البخاريّ، فتنبّه.
والحاصل أن الحقّ جواز صلاة النساء على الجنائز مع الرجال، أو منفردات؛ للأحاديث المذكورة، فتفطّن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَّنهَا (^٤) لَمَّا تُوُفَّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النّبِيُّ -ﷺ- أَنْ
_________________
(١) "المغني" ٢/ ١٨٠.
(٢) "المرعاة" ٥/ ٣٨٥ - ٣٨٦.
(٣) راجع: "أحكام الجنائز" (ص ١٢٦).
(٤) وفي نسخة: "أنها قالت".
[ ١٨ / ٦٠١ ]
يَمُرُّوا بِجَنَازَتهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا، فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ، يُصَلِّينَ عَلَيْهِ، أُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ إِلَى الْمَقَاعِدِ، فَبَلَغَهُنَّ أَن النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا كَانَتِ الْجَنَائِزُ يُدْخَلُ بِهَا الْمَسْجِدَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى أَنْ يَعِيبُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، عَابُوا عَلَيْنَا أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ الله -ﷺ- عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إِلا فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ السمين، صدوقٌ فاضلٌ ربما وَهِم [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ تغيّر قليلًا [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيه، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقون ذُكروا قبله، و"عبد الواحد" هو ابن حمزة.
وقوله: (لَمَّا تُوُفيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقاصٍ)؛ أي: في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وذلك سنة (٥٥) على المشهور، وحُمل إلى المدينة على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع، وذلك في خلافة معاوية -﵁-، وكان على المدينة مروان (^١).
وقوله: (أَنْ يَمُرُّوا) بالبناء للفاعل؛ أي: يمرّ الناس الذين حملوا جنازته.
وقوله: (فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ) الظاهر أن المراد الصلاة المعهودة على الجنازة، لا الدعاء، كما زعمه القاضي عياض، فتنبّه.
وقوله: (فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَ، يُصَلِّينَ عَلَيْهِ) هذا ظاهرٌ أنهنّ صلّين عليه
_________________
(١) "المرعاة" ٥/ ٣٥٨.
[ ١٨ / ٦٠٢ ]
منفردات بأن وُقف به على باب حجرة كلّ واحدة منهنّ، فصلّين عليه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "يصلين عليه"؛ أي: يدعون له، وهذا بعد أن صُلي عليه الصلاة الجامعة، ويَحْتَمِل أن تكون هذه الصلاة الجامعة، ويكون معنى قوله: "فوُقف به على حُجَرهنّ" على هذا؟ أي: حُبس بين حُجَرهنّ حتى يجتمع الناس للصلاة عليه، فيُصلّين عليه في جملة الناس.
قال القرطبي: قلت: وظاهره أنهنّ صلّين عليه صلاةً أخرى، وفيه في ليلٌ لمن قال بجواز إعادة الصلاة على الميت، كما تقدّم. انتهى (^١).
وقوله: (وَأُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ إِلَى الْمَقَاعِدِ) فيه أنه كان باب معدّ لخروج الجنائز من المسجد بعدما صلّي عليه، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، يَعْنِي ابْنَ عثمَانَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَنَّ عَائِشَةَ، لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقاصٍ، قَالَتِ: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأُنكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: وَاللهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ: سُهَيْلٍ، وَأَخِيهِ، قَالَ مُسْلِم: سُهَيْلُ ابْنُ دَعْدٍ، وَهُوَ ابْنُ الْبَيْضَاءِ، أمُّهُ بَيْضَاءُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، تقدّم قبل بابًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل باب أيضًا.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٦٣١ - ٦٣٢.
[ ١٨ / ٦٠٣ ]
٣ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيلي مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥.
٤ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
٥ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عُبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ يُرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثر فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٣ ص ٤٢٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (سُهَيْلٍ، وَأَخِيهِ) تقدّم أن اسم أخيه سهل بن بيضاء.
وقوله: (قَالَ مُسْلِم) صاحب الكتاب ﵀ (سُهَيْلُ ابْنُ دَعْدٍ، وَهُوَ ابْنُ الْبَيْضَاءِ، أَمُّهُ بَيْضَاءُ)، تقدّم أن دعد اسمها، والبيضاء لقبها، ولم أجد ترجمتها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: إسناد هذا الحديث قد تكلّم فيه الدارقطنيّ: ﵀، فقال: قد خالف الضحاكَ حافظان: مالكٌ، وعبد العزيز الماجِشُون، فروياه عن أبي النضر، عن عائشة مرسلًا (^١)، وقيل: عن الضحاك، عن أبي النضر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، ولا يصح إلا مرسلًا (^٢). انتهى كلام الدارقطنيّ.
وقد أجاب النوويّ كعادته عن هذا الاستدراك، فقال: هذه الزيادة التي زادها الضحاك زيادة ثقةٌ، وهي مقبولة؛ لأنه حَفِظَ ما نسيه غيره، فلا تقدح فيه. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: جواب النوويّ ﵀ هذا قد تقدّم تعقّبه بأنه ليس على إطلاقه، بل يحتاج إلى حال المخالفة، هل المخالف ممن يُقبل خلافه أم لا؟ وهنا ليس كذلك؛ لأن الضحاك بن عثمان كما سبق في ترجمته صدوقٌ
_________________
(١) أي: منقطعًا.
(٢) أي: منقطعًا.
(٣) "شرح النوويّ" ٧/ ٤٠.
[ ١٨ / ٦٠٤ ]
يُخطئ، فمخالفته لمالك والماجشون لا قيمة لها؛ لأنهما إمامان في الحفظ والإتقان، فلو خالف أحدهما لردّت مخالفته، فكيف وهما اثنان؟.
[فإن قيل]: قد ذُكر للضحاك متابع على الوصل، فقد تابعه حماد بن خالد الخيّاط، كما قاله الدارقطنيّ.
[قلت]: إن هذه المتابعة غير معتبرة؛ لأن حماد بن خالد قد خالف أصحاب مالك كلّهم، فقد رووه عنه، عن أبي النضر، عن عائشة، ولم يذكروا فيه أبا سلمة، فتكون روايته شاذة، فلا يصلح لمتابعة الضحّاك، فتفطّن.
والحاصل أن الصحيح هو ما قاله الدارقطنيّ من ترجيح الإرسال على الوصل؛ لما ذُكر (^١).
لكن يُجاب عن المصنّف ﵀ بانه إنما أورد رواية الضحّاك من باب المتابعة، فقد أخرج الحديث قبله موصولًا عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة -﵂-.
وقد تابع عبّاد بن عبد الله بن الزبير حمزة بن عبد الله بن الزبير، أخرجه أحمد، وابن حبّان في "صحيحه".
والحاصل أن الحديث صحيح موصول من الطريقين، فلا تضرّ العلة المذكورة في رواية الضحّاك، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.