وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٢] (١٠٣٢) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أتَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ- رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ،
[ ١٩ / ٥٦٢ ]
تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا.
٢ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨.
٣ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، أو عمرو، أو غير ذلك، ثقة [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فبغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ- رَجُلٌ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على تسميته، وَيحْتَمِل أن يكون أبا ذرّ -﵁-، ففي "مسند أحمد" عنه، أنه سأل: أيّ الصدقة أفضل؟، لكن في الجواب: "جُهْدٌ من مُقِلّ، أو سرٌّ إلى فقير"، وكذا رواه الطبرانيّ من حديث أبي أُمامة، أنّ أبا ذرّ سأل، فأُجيب. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال مما لا يخفى بُعْده؛ لاختلاف الجوابين، فالظاهر أن السائل هنا غير أبي ذرّ -﵁-، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ؟) مبتدأٌ وخبره، وفي رواية ابن فُضيل، عن عُمارة التالية: "أيُّ الصدقة أعظم أجرًا"، وفي رواية عبد الواحد، عن عُمارة الآتية: "أيُّ الصدقة أفضل".
(فَقَالَ) -ﷺ-، وفي رواية ابن فُضيل: "أما وأبيك لتُنبّأنّه" ("أَنْ تَصَدَّقَ) يَحْتَمِل أن يكون بتشديد الصاد المهملة، وأصله: تتصدّق، فأدغمت التاء بعد
[ ١٩ / ٥٦٣ ]
قلبها في الصاد، وَيحْتَمِل أن يكون بتخفيف الصاد، وحذف إحدى التاءين، وأصله تتصدّق، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَرْ
وهو في تأويل المصدر خبر لمحذوف؛ أي هي صدقتك، أو مبتدأ خبره محذوفٌ: أي صدقتك، وأنت صحيح … إلخ أفضل أنواع الصدقة، والله تعالى أعلم.
(وَأَنْتَ صَحِيحٌ) جملة من مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحال؛ أي والحال أنك صحيح، والمراد بالصحيح في هذا الحديث من لم يدخل في مرض مخوف، كذا قيل.
(شَحِيحٌ) صفة لـ"صحيحٌ"، أو خبر بعد الخبر؛ أي من شأنه الشّحّ للحاجة إلى المال، وقال ابن الملك: قوله: "شحيح" تأكيد، وبيانٌ لـ"صحيحٌ"؛ لأن الرجل في حال صحّته يكون شحيحًا، وفي رواية للبخاريّ في "الوصايا": "وأنت صحيحٌ حريصٌ".
قال في "القاموس": الشحّ -مثلّثة-: البخل والحرص. انتهى.
وقال في "اللسان": الشُّحُّ -أي بالضمّ- والشَّحّ -أي بالفتح-: البُخْلُ، والضمّ أعلى. وقيل: هو البخل مع الحرص، وفي الحديث: "إيّاكم والشّحّ" (^١)، والشحّ أشدّ البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل، وقيل: البخل في أفراد الأمور، وآحادها، والشحّ عامّ، وقيل: البخل بالمال، والشحّ بالمال
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح، عن عبد الله بن عمرو -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: "إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفُحْش، فإن الله لا يحب الفُحْش، ولا التفحش، وإياكم والشُّحّ فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقَطَعُوا، وبالبخل فبَخِلوا، وبالفجور ففَجَروا"، قال: فقام رجل، فقال: يا رسول الله أيُّ الإسلام أفضل؟ قال: "أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك"، قال ذلك الرجل أو رجل آخر: يا رسول الله فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: "أن تهجر ما كَرِهَ الله، والهجرة هجرتان: هجرة الحاضر والبادي، فأما البادي فيطيع إذا أُمِر، ويجيب إذا دُعِي، وأما الحاضر فأعظمهما بليَّةً، وأعظمهما أجرًا"، هذا لفظ الإمام أحمد ﵀.
[ ١٩ / ٥٦٤ ]
والمعروف. انتهى. وقال في "المصباح": شَحَّ يَشُحُّ، من باب قتل، وفي لغة من بابي ضرب، وتَعِبَ، فهو شَحِيحٌ، وقومٌ أشحّاءُ، وأشحّة. انتهى.
وقال في "الفتح": قال صاحب "المنتهى": الشّحّ: بُخلٌ مع حرص، وقال صاحب "المحكم": "الشّحّ " مثلّثٌ الشين، والضمّ أعلى، وقال صاحب "الجامع": كأنّ الفتح في المصدر، والضمّ في الاسم. انتهى (^١).
وقال الخطابيّ ﵀: الشحُّ أعمّ من البخل، وكأن الشحّ جنس، والبخل نوعٌ، وأكثر ما يقال البخل في أفراد الأمور، والشح عامّ، كالوصف اللازم، وما هو مِن قِبَل الطبع، قال: فمعنى الحديث: أن الشح غالب في حال الصحة، فإذا شَحَّ فيها، وتصدّق كان أصدق في نيته، وأعظم لأجره، بخلاف من أشرف على الموت، وأَيِسَ من الحياة، ورأى مصير المال لغيره، فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة والشحّ رجاءَ البقاء، وخوف الفقر. انتهى (^٢).
(تَخْشَى الْفَقْرَ) بإخراج المال من يدك، والجملة خبر بعد خبر، أو حالٌ بعد حال، أو مستأنفةٌ، سيقت لبيان حال الصحيح، والمراد أن تقول في نفسك: لا تتلف مالك كيلا تصير فقيرًا، فتحتاج إلى الناس.
(وَتَأْمُلُ الْغِنَى) أي ترجوه، وتطمع فيه، وتقول: أترك مالي في بيتي؛ لأكون غنيًّا، ويكون لي عزّ عند الناس بسببه.
قال في "القاموس": الأَمَلُ، كجَبَلٍ، ونَجْمٍ، وشِبْرٍ: الرجاء، جمعه آمالٌ، وأَمَلَهُ أَمْلًا، وأَمَّلَه: رجاه. انتهى. وقال في "المصباح": أَمَل يأمُلُ أَمَلًا، من باب طَلَب: ترَقّبه، وأكثر ما يُستعمل الأمَلُ فيما يُستبعَدُ حصوله، قال كعب بن زُهَير بن أبي سُلْمَى [من البسيط]:
أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُو مَوَدَّتُهَا … وَمَا إِخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ
ومَنْ عَزَمَ على السفر إلى بلد بعيدٍ يقول: أَمَلْتُ الوصولَ، ولا يقولُ: طَمِعْتُ إلا إذا قرب منها، فإن الطمع لا يكون إلا فيما قرُبَ حصوله، والرجاء بين الأمل والطمع، فإنّ الراجي قد يخاف أن لا يحصل مأموله، ولهذا يُستعمل بمعنى الخوف، فإذا قوي الخوف استُعمل استعمالَ الأمل، وعليه بيت كعب بن
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٢٣٩.
(٢) راجع: "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٣.
[ ١٩ / ٥٦٥ ]
زُهير، وإلا استُعمل بمعنى الطمع، فأنا آمِلٌ، وهو مأمولٌ على فاعل ومفعول، وأَمّلته تأميلًا مبالغةٌ وتكثيرٌ، وهو أكثر من استعمال المخفّف. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المناسب هنا كون الأَمَل بمعنى الرجاء، والله تعالى أعلم.
وفي رواية النسائيّ: "تأمل العيش"، و"العيش" -بفتح، فسكون-: الحياة؛ أي ترجو الحياة.
وانما خصّ هاتين الحالتين، وهما أمل الغنى، وخشية الفقر؛ لأنّ الصدقة في هاتين الحالتين أشدّ مُراغمةً للنّفس.
(وَلَا تُمْهِلَ) يجوز فيه الجزم، على أنه نهيٌ عن الإمهال، والرفع على أنه نفي له، وهو بمعنى النهي الأكيد، ويجوز النصب عطفًا على "أن تصدّقَ".
(حَتَّى اِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) كلمة "حتّى" للغاية، والضمير في "بَلَغَت" يرجع إلى الروح، بدلالة سياق الكلام عليه، والمراد منه قارَبَتِ البلوغَ؛ إذ لو بلغته حقيقةً، لم تصحّ وصيّته، ولا شيءٌ من تصرّفاته.
و"الْحُلْقُوم": هو الحلق، وفي "المخصّص" عن أبي عُبيدة: هو مجرى النفس، والسعال من الجوف (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "حتى إذا بلغت الحلقوم" أي النفس، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ، لكن دلّ عليها الحال، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة: ٨٣] ومعناه: قاربت الحلقوم، فلو بلغته لم تأت منه وصيّة ولا غيرها، والحلقوم: الحلق. انتهى (^٢).
(قُلْتَ لِفُلَانٍ) كناية عن الموصى له (كَذَا) كناية عن الموصى به، والجملة من المبتدأ والخبر مقول: "قلتَ" ومعنى قوله: (وَلِفُلَانٍ كَذَا) هو كسابقه (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ") جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي وقد صار المال الذي تتصرّف فيه في هذه الحالة لفلان، وهو الوارث، فإن ثلثيه حقّ له، وأنت تتصدّق بجميعه، فكيف يُقبل منك؟ و"فلان" كناية عن الموصَى له.
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٨/ ٢٨٠.
(٢) "المفهم" ٣/ ٧٨.
[ ١٩ / ٥٦٦ ]
وقال القسطلانيّ ﵀: أي وقد صار ما أوصى به للوارث، فيُبطله إن شاء إذا زاد على الثلث، أو أوصى به لوارث آخر.
وقيل: المعنى: أنه قد خرج عن تصرّفه، وكمال ملكه، واستقر له بما شاء من التصرّف، فليس له في وصيّته كبير ثواب، وكثير فضل بالنسبة إلى صدقة الصحيح الشحيح.
وحاصل معنى الحديث أنّ أفضل الصدقة أن تتصدّق في حال حياتك، وصحّتك، مع احتياجك إلى المال، واختصاصه بك، وشحّ نفسك به، بأن تقول لك: لا تُتلف مالك كيلا تصير فقيرًا، لا في حال سقمك، وسياقِ موتك؛ لأنّ المالَ حينئذٍ خرج عنك، وتعلّق بغيرك؛ يعني أن أعظم الصدقة أجرًا أن تصدّق حال حاجتك، فإن الصدقة في هذه الحالة أشدّ مراغمة للنفس؛ لأن فيه مجاهدة النفس على إخراج المال الذي هو شقيق الروح مع قيام مانع الشحّ، وليس هذا إلا من قوّة الرغبة في القربة إلى الله ﷿، وصحّة العقد، فكان أفضل، وأعظم أجرًا من غيره.
وقال في "الفتح": قوله: "قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان" الظاهر أن هذا المذكور على سبيل المثال، وقال الخطّابيّ ﵀: فلانٌ الأول، والثاني الموصَى له، وفلان الأخير الوارث؛ لأنه إن شاء أبطله، وإن شاء أجازه.
وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالجميع من يُوصَى له، وإنما أدخل "كان" في الثالث إشارةً إلى تقدير القدَرِ له بذلك.
وقال الكرمانيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون الأول الوارثَ، والثاني المورّث، والثالث الموصَى له.
قال الحافظ ﵀: وَيحْتَمِل أن يكون بعضها وصيّةً، وبعضها إقرارًا، وقد وقع في رواية ابن المبارك، عن سفيان، عند الإسماعيليّ: "قلتَ: اصنعوا لفلان كذا، وتصدّقوا بكذا".
ووقع في حديث بُسْر بن جِحَاش -بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة، وأبوه بكسر الجيم، وتخفيف المهملة، وآخره شينٌ معجمةٌ- عند أحمد،
[ ١٩ / ٥٦٧ ]
وابن ماجه، بإسناد صحيح، واللفظ لابن ماجه: "بزق النبيّ -ﷺ- في كفّه، ثمّ وضع إصبعه السبّابة، وقال: يقول الله: أنَّى تُعجِزني ابنَ آدم، وقد خلقتك من قبلُ، من مثل هذه، فإذا بلغت نفسك إلى هذه -وأشار إلى حلقه- قلت: أتصدّق، وأنّى أوانُ الصدقة؟ ". وزاد في رواية أحمد: "حتى إذا سوّيتك، وعدلتك، مشيت بين بُردين، وللأرض منك وئيدٌ (^١)، وجمعتَ، ومنعتَ، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: لفلان كذا، وتصدّقوا بكذا"، أفاده في "الفتح" (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٢٣٨٢ و٢٣٨٣ و٢٣٨٤] (١٠٣٢)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤١٩) و"الوصايا" (٢٧٤٨)، و(أبو داود) في "الوصايا" (٢٨٦٥)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٤٢) وفي "كتاب الوصايا" (٢٦٣٧) وفي "الكبرى" (٢٣٢٢ و٦٤٣٨)، و(ابن ماجه) في "الوصايا" (٢٧٠٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩/ ٥٤ و٥٥)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ١٠٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣١ و٢٥٠ و٤١٥ و٤٤٧)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٥٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ١٠٥ و١٢٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٩/ ٩٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٤٦٥ و٤٧٩)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢١٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٩ و١٩٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٧١)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) الوئيد: صوت شدّة الوطء على الأرض.
(٢) راجع: "الفتح" ٦/ ٢٦. ونقلته بتصرّف.
[ ١٩ / ٥٦٨ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواب سؤال من سأل أيّ الصدقة أفضل؟، وهو أنه ما كان في حال الصحّة.
٢ - (ومنها): أنه يدلّ على أن المرض يَقْصُرُ يد المالك عن بعض ملكه، وأن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سِمَةَ البخل، ولذلك شَرَطَ أن يكون صحيح البدن، شحيحًا بالمال، يجد له وقعًا في قلبه؛ لما يأمله من طول العمر، ويخاف من طول الفقر.
٣ - (ومنها): أن تنجيز الصدقة، ووفاء الدين في الحياة، وحال الصحّة أفضل منه بعد الموت، وفي المرض، كما أشار النبيّ -ﷺ- إلى ذلك بقوله: "وأنت صحيحٌ، شحيحٌ، تأمل الغنى، وتخشى الفقر"؛ لأنه في حال الصحّة يصعُب عليه إخراج المال غالبًا لما يخوّفه به الشيطان، وُيزيّن له، من إمكان طول العمر، والحاجة إلى المال، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٨]. وأيضًا، فإن الشيطان ربّما زيّن له الْحَيْفَ في الوصيّة، أو الرجوع عن الوصيّة، فيتمحّض تفضيل الصدقة الناجزة.
قال بعض السلف عن بعض أهل التّرَف: يعصون الله في أموالهم مرّتين، يبخلون بها، وهي في أيديهم -يعني في الحياة- ويُسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم -يعني بعد الموت- (^١).
وأخرج الترمذيّ، بإسناد حسن، وصححه ابن حبّان، عن أبي الدرداء، مرفوعًا، قال: "مثلُ الذي يُعتقُ، ويتصدّق عند موته، مثلُ الذي يُهدي إذا شَبع"، وهو يرجع إلى معنى حديث الباب.
وروى أبو داود، وصححه ابن حبّان، من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، مرفوعًا: "لأن يتصدّق الرجل في حياته، وصحّته بدرهم، خيرٌ
_________________
(١) وعبارة العينيّ في "عمدته" ٨/ ٢٨١: ولَمّا بلغ ميمون بن مِهْرَان أنّ رقيّة امرأة هشام ماتت، وأعتقت كلّ مملوك لها، قال: يعصون الله في أموالهم مرّتين، يبخلون بما في أيديهم، فإذا صارت لغيرهم أسرفوا فيها. انتهى.
[ ١٩ / ٥٦٩ ]
له من أن يتصدّق عند موته بمائة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ: "أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ، أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوَان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ) قال القرطبيّ ﵀: قوله: "أما" استفتاح للكلام، و"أبيك" قسمٌ، ومقسم به، وتقدّم الكلام على القسم بالأب في "كتاب الإيمان"، والمقسم عليه "لتُنبّأَنّه" مبنيًّا للمفعول؛ أي لتُخْبَرنّ به حتى تعلمه. انتهى (^١).
وقال النوويّ ﵀: قد يقال: حلف بأبيه، وقد نَهَى عن الحلف بغير الله، وعن الحلف بالآباء، والجواب أن النهي عن اليمين بغير الله لمن تعمَّده، وهذه اللفظه الواقعة في الحديث تجري على اللسان من غير تعمّد، فلا تكون يمينًا ولا منهيًّا عنها، كما سبق بيانه في "كتاب الإيمان". انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٨.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٤.
[ ١٩ / ٥٧٠ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ، غَيْرَ أنَهُ قَالَ: (أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
والباقي ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الواحد بن زياد، عن عُمارة بن القعقاع هذه ساقها أبو داود ﵀ في "سننه"، فقال:
(٢٨٦٥) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا عبد الواحد بن زياد، حدّثنا عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قال رجل للنبيّ -ﷺ-: يا رسول الله أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: "أن تصدّق وأنت صحيحٌ حريصٌ، تأمل البقاء، وتخشى الفقر، ولا تُمْهِل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.