وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٥] (٩٧٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وبَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ،
_________________
(١) راجع: الشيخ ربيع بن هادي في كتابه "بين الإمامين: مسلم والدارقطنيّ" (ص ١٨٦ - ١٨٩).
[ ١٨ / ٦٠٥ ]
وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- كُلَّمَا كَانَ (^١) لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ الله -ﷺ- يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيع، فَيَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَّاكُمْ مَا تُوعَدُونَ، غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهم اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ"، وَلَمْ يُقِمْ (^٢) قتيْبَةُ قَوْلَهُ: "وَأَتَّاكُمْ ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٥ - (شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ) هو: شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، نُسب لجدّه، أبو عبد الله المدنيّ، صدوق يخطئ [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢١.
٦ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٧ - (عَائِشَةُ) -﵂- تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة.
_________________
(١) وفي نسخة: "كانت".
(٢) وفي نسخة: "ولم يقل".
[ ١٨ / ٦٠٦ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه الأولين، وابن أبي نمر.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله -ﷺ- كُلَّمَا) قال الطيبيّ ﵀: "كلما" ظرف فيه معنى الشرط، والعموم، وجوابه قوله: "يَخْرُجُ"، وهو العامل فيه، والجملة خبر "كان"، وهو حكاية معنى قول عائشة، لا لفظها الذي تلفّظت به، والمعنى: كان من عادة رسول الله -ﷺ- أنه إذا بات عند عائشة -﵂- أن يخرج في آخر الليل إلى البقيع (^١).
وقوله: (كَانَ) وفي نسخة: "كانت " (لَيْلَتُهَا) فيه أنه -ﷺ- يخرج كلّ ليلة من ليالي عائشة -﵂-، ولا ينفي ذلك أنه ربما خرج في ليلة غيرها، ولكنها ما رأته، وقال السنديّ في "شرح النسائيّ"؟ أي: في آخر عمره بعد حجة الوداع. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تحديد الوقت بكونه بعد حجة الوداع يحتاج إلى دليل، فالله تعالى أعلم.
وقوله: (مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) الجارّ والمجرور متعلق بصفة لـ"ليلتها"، أو بحال منه.
(يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"، أو هي تبعيّة (إِلَى الْبَقِيعِ)؛ أي: بقيع الغرقد، وفيه فضيلة الدعاء آخر الليل، وفضيلة زيارة قبور البقيع.
(فَيَقُولُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْم مُؤْمِنِينَ) "دار" منصوب على النداء، والتقدير: يا أهل دار قوم، فحذف المضَاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل: منصوب على الاختصاص، قال صاحب "المطالع": ويجوز جرّه على البدل من الضمير في "عليكم"، وقيل: الدار مقحم.
_________________
(١) راجع: "الكاشف" ٤/ ١٤٣٥.
[ ١٨ / ٦٠٧ ]
وقال الخطابيّ: وفيه أنه سمى المقابر دارًا، فدلّ على أن اسم الدار يقع على المقابر، قال: وهو صحيح، فإن الدار في اللغة يقع على الرَّبْع المسكون، وعلى الخراب غير المأهول، كقول الشاعر:
يَا دَارَ مَيَّةً فَالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ
ثم قال:
أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَمَدِ (^١)
(وَأتَاكُمْ) بالقصر؛ أي: جاءكم، قال ابن الملك: وإنما قال: "أتاكم"؛ لأن ما هو آت كالحاضر. انتهى. أو لتحقّقه كأنه وقع (^٢).
وقال القاري: ووقع في بعض نسخ "المشكاة": "وآتاكم" بالمدّ؛ أي: أعطاكم تحقيق لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ الآية [آل عمران: ١٩٤]. انتهى (^٣).
(مَا تُوعَدُونَ)؛ أي: ما كنتم توعدون به من الثواب، أوأعمّ منه ومن العذاب، وقوله: (غَدًا) متعلّق بما قبله، وَيحْتَمل تعلّقه بما بعده، وهو قوله: (مُؤَجّلُونَ)؛ أي: أنتم مؤخّرون، وممهلون إلى غد باعتبار أجوركم استيفاءً واستقصاءً، فالجملة مستأنفة مبيّنة أن ما جاءهم من الموعود أمور إجماليّة، لا أجور تفصيليَّة.
وقال الطيبيّ ﵀ إعرابه مشكلٌ، وإن حمل على الحال المؤكّدة من واو "توعدون " على حذف الواو والمبتدأ كان فيه شذوذان، قال ابن حجر الهيتميّ: وهو سائغ إذا دلّ عليه السياق كما هنا، قال الطيبيّ: ويجوز حمله على الإبدال من "ما توعدون "؟ أي: أتاكم ما تؤجّلونه أنتم، والأجل الوقت المضروب المحدود في المستقبل؛ لأن ما هو آتٍ بمنزلة الحاضر. انتهى (^٤).
وقال القاري بعد ذكره كلام الطيبيّ هذا ما نصّه: وهو كما قال ابن حجر بعيد، تكلّف جدًّا، بل السياق ينبو عنه. انتهى (^٥).
_________________
(١) "معالم السنن" ٤/ ٣٥١.
(٢) "المرعاة" ٥/ ٥١٦.
(٣) "المرقاة" ٤/ ٢٥٤.
(٤) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٤٣٥ - ١٤٣٦.
(٥) "المرقاة" ٤/ ٢٥٥.
[ ١٨ / ٦٠٨ ]
(وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ)؛ أي: يا أهل المقبرة بالخصوص (لَاحِقُونَ) لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، قيل: تُدفن، قاله القارى (^١).
[تنبيه]: اختُلف في إتيانه بالاستثناء مع أن الموت لا شكّ فيه على أقوال:
[أحدها]: وهو أظهرها: أنه ليس للشكّ، وإنما هو للِتبرّك، وامتثال أمر الله له بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣، ٢٤].
قال الحافظ أبو عمر ﵀: الاستثناء قد يكون في الواجب، لا شكًّا، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، ولا يُضاف الشك إلى الله تعالى.
[والثاني]: أنه عادة المتكلّم، يُحسّن به كلامَهُ.
[والثالث]: أنه عائد إلى اللحوق في هذا المكان، والموتِ بالمدينة.
[والرابع]: أن "إن" بمعنى "إذ".
[والخامس]: أنه راجع إلى استصحاب الإيمان لمن معه.
[والسادس]: أنه كان معه من يظن بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم.
وحكى الحافظ أبو عمر أنه عائد إلى معنى "مؤمنين"؛ أي: لاحقون في حال إيمان؛ لأن الفتنة لا يأمنها أحد، ألا ترى قول إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقول يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، ولأن نبينا -ﷺ- مكان يقول: "اللهم اقبضني إليك غير مفتون".
واستبعد الأبيّ الثالث بقوله -ﷺ- للأنصار: "المحيا محياكم، والممات مماتكم"، قال: إلا أن يكون قال ذلك قبلُ. انتهى.
وقال النووي ﵀ بعد ذكر الأقوال الأربعة الأُوَل ما نصّه: وقيل: أقوال أُخَر ضعيفة جدًّا، تركتها لضعفها، وعدم الحاجة إليها، منها قول من قال:
_________________
(١) "المرقاة" ٤/ ٢٥٥.
[ ١٨ / ٦٠٩ ]
الاستثناء منقطع، راجع إلى استصحاب الإيمان. وقول من قال: كان معه -ﷺ- مؤمنون حقيقة، وآخرون يظنّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم، وهذان القولان، وإن كانا مشهورين، فهما خطأ ظاهر. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو أقرب الأقوال عندي، فالاستثناء للتبرّك، والله تعالى أعلم.
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ") هو موضع بظاهر المدينة، فيه قبور أهلها، قال في "النهاية": هو المكان المتسع، ولا يسمّى بقيعًا إلا وفيه شجر، أوأصولها، والغرقد شجر، والآن بقيت الإضافة، دون الشجر.
وقال النوويّ: سُمّي بقيع الغرقد، لغرقد كان فيه، وهو ما عَظُم من العَوْسج (^١)، وفيه إطلاق الأهل على ساكن المكان، من حيّ وميت. انتهى (^٢).
وفيه أن الدعوة الإجماليّة على وجه العموم كافية (^٣).
وقوله: (وَلَمْ يُقِمْ) يعني أنه لم يذكر في روايته، وفي نسخة: "ولم يقل" (قتيْبَةُ قَوْلَهُ: "وَأتاكُمْ") والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٢٥٥] (٩٧٤)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣/ ٢١٩)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٢٠٣٩) و"الكبرى" (٦/ ٢٦٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٨٥)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٣/ ١٠١٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٣)، وفوائد الحديث تأتي في الحديث التالي- إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) العوسج: شجر الغرقد العظيم، وهو كثير الشوك، عديم الثمر.
(٢) "شرح مسلم" ٧/ ٤٥.
(٣) "المرقاة" ٤/ ٢٥٥.
[ ١٨ / ٦١٠ ]
وبالسند المتصل إلي الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
[٢٢٥٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، ألهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُحَدَّثُ، فَقَالَتْ: ألَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَعَنّي، قُلْنَا: بَلَى (ح) وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ، أَنهُ قَالَ يَوْمًا: ألَا أُحَدِّثُكُمْ (^١) عَنِّي وَعَنْ أُمّي، قَالَ: فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أمُّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ألا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتي الَّتي كَانَ النَّبِي -ﷺ- فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُويدًا، وَانْتَعَلَ رُويدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ (^٢)، فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: "مَا لَكِ يَا عَائِشَ حَشْيَا رَابِيَةً؟ " قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيءَ، قَالَ: "لَتُخْبِرِينِي (^٣)، أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: "فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ (^٤) أَمَامِي؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَهَدَني فِي صَدْرِي لَهْدَةً (^٥) أَوْجَعَتْني، ثُمَّ قَالَ: "أَظنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ " قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ نَعَمْ، قَالَ: "فَإِنَّ جِبْرِيلَ
_________________
(١) وفي نسخة: "ألا أخبركم".
(٢) وفي نسخة: "وفتح الباب رويدًا".
(٣) وفي نسخة: "لَتُخْبِرِنِّي".
(٤) وفي نسخة: "رأيته".
(٥) وفي نسخة: "فلهزني في صدري لهزة".
[ ١٨ / ٦١١ ]
أتَانِي حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأَمُرُكَ أَنْ تَأَتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ، فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ"، قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأَخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ").
رجال هذا الإسناد:
١ - (هَارُونُ بْنُ سعِيدٍ الأَيْلِيُّ) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٢٥/ ٢٩.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب) أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ عابد [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور، تقدّم قبل باب.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم أيضًا قبل باب.
٥ - (عَبْدُ الله بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلبِ) بن أبي وَدَاعة الحارث بن صُبيرة بن سُعيد بن سَعْد بن سَهْم بن عَمرو بن هُصَيص بن كعب بن لُؤيّ بن غالب السهميّ، مقبول [٦].
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد سنة عشرين ومائة، وقال ابن عيينة: رأيت عبد الله أبن كثير سنة (٢٢) وكان قاصّ الجماعة، وذكر البخاريّ قول سفيان هذا في ترجمة عبد الله بن كثير الداريّ.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ) بن مخرمة بن المطّلب بن عبد مناف المطلبيّ، يقال: له رؤية، وقد وثقه أبو داود وغيره، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن النبيّ -ﷺ- مرسلًا، وعن أبي هريرة، وعائشة، وعن أمه، عن عائشة.
وروى عنه ابنه حكيم، وابن أبي مليكة، على خلاف فيه، وعبد الله بن
[ ١٨ / ٦١٢ ]
كثير بن المطلب، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعمر بن عبد الرحمن بن مُحيصن، وابن جريج.
قال أبو داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر العسكريّ أنه أدرك النبيّ -ﷺ-، وهو صغير.
أخرج له المصنف، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٩٧٤) وحديث (٢٥٧٤).
٦ - (عَائِشَةُ) -﵂-، ذُكرت قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ) بن أبي وَدَاعة السهميّ (أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ) المطّلبيّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) -﵂- (تحَدِّثُ) وقوله: (فَقَالَتْ) بيان وتوضيح لمعنى "تُحدِّث" (ألَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَعَنِّي)؛ أي: عن قصتي التي جرت لي معه -ﷺ- (قُلْنَا: بَلَى)؛ أي: حدّثينا.
وقوله: (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد (وَحَدَّثَنى مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ) قال الحافظ أبو عليّ الغَسّانيّ الجيانيّ ﵀: هذا الحديث أحد الأحاديث المقطوعة في مسلم، قال: وهو أيضًا من الأحاديث التي وُهِمَ في رواتها، وقد رواه عبد الرزاق في "مصنّفه" عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة، أنه سمع عائشة. انتهى.
قال القاضي عياض ﵀: قوله: إن هذا مقطوع لا يُوافَقُ عليه، بل هو مُسْنَدٌ، وإنما لم يُسَمِّ راويه له، فهو من باب المجهول، لا من باب المنقطع؛ إذ المنقطع ما سقط من رواته راوٍ قبل التابعيّ.
وقوله: (وَاللَّفْظُ لَهُ)؛ أي: إن لفظ الحديث لحجاج الأعور، وقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) قال القاضي عياض ﵀: هذا إشكال آخر في هذا السند؛ إذ يوهم أن حجاجًا الأعور حدَّث به عن آخر، يقال له: حجاج بن محمد، وليس كذلك، بل حجاج الأعور هو حجاج بن محمد، بلا شكّ، وتقدير كلام مسلم: حدّثني من سمع حجاجًا الأعور، قال هذا المحدث:
[ ١٨ / ٦١٣ ]
حدّثني حجاج بن محمد، فَحَكَى لفظ المحدِّث. انتهى كلام القاضي ﵀ (^١). وهو تحقيق مفيدٌ.
وقال النوويّ ﵀: ولا يقدح رواية مسلم لهذا الحديث عن هذا المجهول الذي سمعه منه، عن حجاج الأعور؛ لأن مسلمًا ذكره متابعة لا متأصلًا مُعتَمَدًا عليه، بل الاعتماد على الإسناد الصحيح قبله. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: سنتكلّم مَن وصل رواية حجاج الأعور في المسألة الثانية -إن شاء الله تعالى-.
(حَدَّثنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) قال: (أخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) هو عبد الله بن كثير بن المطّلب المذكور في السند الذي قبله، هكذا في هذه الرواية أن شيخ ابن جريج هو عبد الله المذكور، وقد خالف في ذلك يوسف بن سعيد النسائيّ، فقال: عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، وقد رجّح الدارقطنيّ وغيره أن يوسف أخطأ في قوله: "ابن أبي مليكة"، إنما الصواب في هذا عبد الله بن كثير المذكور، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا -إن شاء الله تعالى- (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِب، أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: ألا أُحَدِّثُكُمْ) وفي نسخة: "ألا أخبركم" (عَنِّي وَعَنْ أُمِّي)؛ أيَ: عما جرى بيني وبين أمي من الحديث (قَالَ) عبد الله الراوي عن محمد بن قيس (فَظَنَنَّا أنَّهُ يُرِيدُ أمُّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ) يعني أنه لَمّا قال لهم: عنّي وعن أمي، ظنوا أنه يريد والدته، فإذا هو يريد أمه، وأم جميع المؤمنين عائشة -﵂-، كما بيّنه بقوله: (قَالَ) محمد بن قيس (قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂- (ألا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ الله -ﷺ-، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي) "كان" هنا تامّة، فلا تحتاج إلى خبر؛ أي: لما جاءت، وحضرت ليلتي (الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِيهَا عِنْدِي) تعني ليلة نوبتها (انْقَلَبَ)؛ أي: تحوّل عن فراشه الذي اضطجع عليه، وقال السنديّ ﵀: أي: رجع من صلاة العشاء (فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ)؛ أي: ليمكنه الانتعال عند قيامه للخروج (وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ)؛ أي: نام عليه (فَلَمْ يَلْبَثْ) من باب تَعِب، وجاء في المصدر السكون للتخفيف،
_________________
(١) راجع: "إكمال المعلم" ٣/ ٤٥١.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ٤٢ - ٤٣.
[ ١٨ / ٦١٤ ]
قاله في "المصباح" (^١)؛ أي: لم يتأخر في مكانه (إِلَّا ريثَمَا) بفتح الراء، وإسكان الياء، وبعدها ثاء مثلثة: أي قَدْرَ ما (ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ)؛ أي: نِمْتُ، يقال: رَقَدَ رَقْدًا، من باب نصرَ، ورُقُودًا ورُقادًا: إذا نام ليلًا كان أو نهارًا، وبعضهم يخصُّه بنوم الليل، والأول هو الحقّ، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]، قال المفسّرون: إذا رأيتهم حسبتهم أيقاظًا؛ لأن أعينهم مفتَّحةٌ، وهم نيامٌ (^٢). (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُويدًا)؛ أي: مترفّقًا متمهّلًا؛ لئلا ينَبّهها، وهو مصدر في موضع الحال، قاله القرطبيّ. (وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ) زاد في بعض النسخ: "رُويدًا" (فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا)؛ أي: أغلق الباب بلطف؛ لئلَا تَعْلَم بخروجه، وبقائها في الليل وحدها، فتستوحش، وتُذعَرَ. (جَعَلْتُ دِرْعِي)؛ أي: قميصي (فِي رَأسِي، وَاخْتَمَرْتُ)؛ أي: لبست الخِمَار، وهو بكسر الخاء المعجمة: ثوب تُغطِّي به المرأة رأسها، والجمع خُمُرٌ، مثل كتاب، وكُتُب، قاله في "المصباح". (وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي)؛ أي: جعلت إزاري قِنَاعًا، والظاهر أنها تلفَّفت به فوق خمارها.
وقال النوويّ ﵀: قولها: "وتقنّعت إزاري"، هكذا هو في الأصول "إزاري" بغير باء في أوله، وكأنه بمعنى لبست إزاري، فلهذا عُدّي بنفسه. انتهى.
(شُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ)؛ أي: في إثره؛ أي: بعده، يقال: تبعتُهُ في أَثَرِهِ -بفتحتين- وإِثْرِه- بكسر الهمزة، وسكون المثلُثة-؛ أي: تبعته عن قرب، أفاده في "المصباح"، والذي حملها على خروجها خلفه، ومتابعتها لما صنعه المغيرة، ظنّت أنه خرج إلى بعض أزواجه.
(حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ) بفتح الموحّدة، وكسر القاف: هو المكان المعروف بالمدينة، وتقذم البحث فيه في شرح الحديث الماضي. (فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)؛ أي: دعا ثلاث مرّات، رافعًا يديه (ثُمَّ انْحَرَفَ)؛ أي: مال، راجعًا إلى بيته (فَأَنْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ) في المشي (فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ) يقال: هَرْوَل هَرْولةً: أسرع في مشيه، دون الْخَبَب، ولهذا يقال: هو بين المشي
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٤٧.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
[ ١٨ / ٦١٥ ]
والْعَدْو، وجعل جماعة الواو أصلًا، قاله في "المصباح"، وهو أشدّ من الإسراع (فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحضَرْتُ) بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، من الإحضار، وهو العَدْوُ، ومثله الْحُضْر بالضمّ؛ أي: عَدَا، فعدوت، يقال: عدا في مشيه عَدْوًا، من باب قال: قارب الْهَرْوَلة، وهو دون الْجَرْي، قاله في "المصباح"؛ أي: زاد في الإسراع أشدّ من الذي قبله، فازددَت أنا فيه (فَسبَقْتُهُ)؛ أي: في الوصول إلى البيت (فَدَخَلْتُ) البيت (فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ)؛ أي: ليس شيءٌ بعد دخول البيت إلا اضطجاعي، فالمؤول بالمصدر خبر "ليس"، واسمها محذوف، كما قدّرناه، أو المؤول اسمها، وخبرها محذوف؛ أي: واقعًا منّي، وقال السنديّ: أي: فليس بعد الدخول منّي إلا الاضطجاع، فالمذكور اسم "ليس"، وخبرها محذوف. انتهى.
(فَدَخَلَ) البيت (فَقَالَ: "مَا لَكِ يَا عَائِشَ) بالترخيم، ويجوز فيه فتح الشين، ويسمى لغة من ينتظر الحرف المحذوف للترخيم، وضمها، ويسمى لغة من لا ينتظره، وهما وجهان جاريان في كل المرخمات، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ … فَالْبَاقِيَ اسْتَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ
وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَحْذُوفًا كَمَا … لَو كَانَ بِالآخِرِ وَضْعًا تُمِّمَا
فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي ثَمُودَ يَا … ثَمُو وَيَا ثَمِي عَلَى الثَّانِي بِيَا
وقوله: (حَشْيَا) منصوب على الحال، وهو بفتح الحاء المهملة، وإسكان الشين المعجمة، مقصورًا؛ أي: مرتفعةَ النَّفَس، متواترتَهُ، كما يحصل للمسرع في المشي، وقال النوويّ: معناه: وقد وقع عليكِ الْحَشَا، وهو الربو، والتهيّج، الذي يَعرِض للمسرع في مشيه، والْمُحْتَدِّ في كلامه، من ارتفاع النفَس، وتواتره، يقال: امرأة حَشْيا، وحَشْيَةٌ، ورجل حَشْيَان، وحَشٍ، قيل: أصله من أصاب الربو حشاه. انتهى.
وقوله: (رَابِيَةً؛ ")؛ أي: مرتفعة البطن (قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ)؛ أي: لم يوجد مني شيء يوجب ذلك، وقال النوويّ ﵀: وقع في بعض الأصول: "لا بي شيء" بباء الجر، وفي بعضها: "لأيّ شيء" بتشديد الياء، وحذف الباء، على الاستفهام، وفي بعضها: "لا شيء"، وحكاها القاضي، قال: وهذا الثالث أصوبها. انتهى.
[ ١٨ / ٦١٦ ]
وقال القرطبيّ ﵀: قيّد الأسديّ هذا الحرف "لأيّ شيء؛ " بالياء المثناة تحتُ، وخفض "شيء" على الاستفهام؛ تغطيةً لحالها، كأنها تقول: لأيّ شيء تسأل؟، ورواه العذريّ: "لا بي شيءٌ" بالباء الموحّدة، ورفع "شيء"، على أن تكون "لا" بمعنى "ليس "؛ أي: ليس بي شيء، وهي روايتنا، وفي بعض النسخ: "لا شيء"، وهي أقربها. انتهى (^١).
(قَالَ) -ﷺ- ("لَتُخْبِرِينِي) بفتح اللام وهي اللام الموطئة للقسم، والنون مخفّفة، وفي بعض النسخ مشدّدة؛ أي: والله لتُخبرنّي بما صنعتِ، وقال السنديّ: بفتح لام، ونون ثقيلة، مضارع للواحدة المخاطبة، من الإخبار، فتكسر الراء هنا، وتفتح في الثاني. انتهى.
(أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ")؛ أي: يوحي إليّ بذلك (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأمِّي) متعلق بمحذوف؛ أي: أفديك بأبي وأمي، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، أو "أنت" مبتدأ، والجار والمجرور متعلّق بالخبر المقدّر؛ أي: مَفْديٌّ بأبي وأمي (فَأَخْبَرْتُهُ)؛ أي: خبر ما جرى لها من متابعته -ﷺ- (قَالَ) -ﷺ- ("فَأّنتِ السَّوَادُ)؛ أي: الشخص (الَّذِي رَأَيْتُ) وفي نسخة: "رأيته" (أَمَامِي؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً) بفتح الهاء، والدال المهملة؛ أي: دفعني، وضربني بجُمْع كفّه، وفي بعض النسخ: "فلهزني في صدري لهزةً"، بفتح الهاء، والزاي المعجمة، وهما متقاربان، قال النوويّ: قال أهل اللغة: لَهَدَه، ولَهَّدَه -بتخفيف الهاء، وتشديدها- أي: دفعه. ولَهَزَه: إذا ضربه بجُمْعِ كفه في صدره، ويقرب منهما لَكَزَه، وَوَكَزَه. انتهى (^٢). وهذا منه -ﷺ- كان تأديبًا لها من أجل سوء ظنّها به -ﷺ- (أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: "أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ) ﷿ (عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ ") -ﷺ- أي أن يظلماكِ، يقال: حاف يَحيف، حَيْفًا: جار، وظلم، فهو حائف، وجمعه حَافَةٌ، وحُيَّفٌ، أفاده في "المصباح".
وقال السنديّ ﵀: أي بأن يَدخُل الرسول في نوبتك على غيرك، وذكر "الله" لتعظيم الرسول، والدلالةِ على أن الرسول لا يمكن أن يفعل بدون إذن من الله تعالى، فلو كان منه جور لكان بإذن الله تعالى له فيه، وهذا غير ممكن،
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٦٣٥.
(٢) "شرح مسلم" ٧/ ٤٧.
[ ١٨ / ٦١٧ ]
وفيه دلالة على أن القَسْم عليه واجب؛ إذ لا يكون تركه جورًا إلا إذا كان واجبًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح من أقول العلماء أن القسم ليس واجبًا على النبيّ -ﷺ-، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
(قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُم النَّاسُ) "مهما" شرطية، ولذا جُزِم الفعل بعدها، وجوابها قولها: (يَعْلَمْا اللهُ نَعَمْ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع الأصول، وهو صحيح، وكأنها لما قالت: مهما يكتم الناس، يعلمه الله صدّقت نفسها، فقالت: نعم (قَالَ) -ﷺ- ("فَإَنَّ جِبْرِيلَ) ﵇ (أتانِي حِينَ رَأَيْتِ) مفعوله محذوف؛ أي: ما صنعته من وضع ردائي، فما بعده (فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْك)؛ أي: لئلا تفزعي، وتنزعجي (فَأَجَبْتُهُ فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ) لما ذُكر (وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ)؛ أي: إنما ناداني من بعيد، ولم يدن مني؛ لأنه لا يدخل عليك (وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ) بكسر التاء لخطاب المرأة، والجملة في محل نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (وَظنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ)؛ أي: إنما فعلتُ كذلك لظني نومك (فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي) من عطف العلة على المعلول؛ أي: إنما كرهت إيقاظك، خشيةً من استيحاشك (فَقَالَ) جبريل ﵇ (إِن رَبَّكَ يَأَمُرُكَ أَنْ تَأَتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ، فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ") قال القرطبيّ ﵀: يدلّ على أنه دعا لأهل البقيع، واستغفر، وأن هذا هو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى: "يصلي"، وقد قيل: إنه صلى عليهم صلاته على الجنازة، ويؤيّد هذا القول أنه قد جاء في حديث مالك: "فأصلي عليهم"، ثم الذي يقول بهذا يرى أن ذلك خاصّ بالنبيّ -ﷺ-، والأول أظهر، وهذا محتمل. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني بعيد جدًا، ومما يبعده قولها: "ثم رفع يديه ثلاث مرار"، فالصواب أنه استغفر، ودعا لهم، والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ) عائشة -﵂- (قُلْتُ: كيْفَ أقولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟) المراد أهل القبور مطلقًا، لا خصوص أهل البقيع؛ أي كيف أقول من الذكر والدعاء عند زيارة القبور؟.
_________________
(١) "المفهم" بتصرف ٢/ ٦٣٥ - ٦٣٦.
[ ١٨ / ٦١٨ ]
(قَالَ) -ﷺ- (قُولي: "السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ)؛ أي: القبور، تشبيهًا للقبر بالدار في كونه مسكنًا (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ) قال القرطبيّ ﵀ هذا يدلّ على أن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء؛ خلافًا لمن قال: إن تحية الميت: عليك السلام، بتقديم عليك، تمسكًا بما رُوي أن النبيّ -ﷺ- سلم رجل عليه، فقال: عليك السلام يا رسول الله، فقال: "لا تقل: عليك السلام؛ فإن عليك السلام تحيَّة الموتى" (^١)، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه -ﷺ- إنما كره منه أن يبدأ بعليك السلام؛ لأنه كذلك كانت تحية الجاهلية للموتى، كما قال شاعرهم:
عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ … وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا
ومقصوده -ﷺ- أن سلام المؤمنين على الأحياء والموتى مخالف لما كانت الجاهليّة تفعله، وتقوله، والله أعلم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث الذي أشار إليه أخرجه أحمد، وأبو داود في "سننه" والترمذيّ، وصححه، والنسائيّ، وصححه الحاكم، عن أبي تميمة الْهُجَيميّ، عن أبي جُرَيّ -بالجيم، والراء، مصغرًا- قال: أتيت رسول الله -ﷺ-، فقلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: "لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحيّة الموتى".
وقد اعترض الحافظ ﵀، كون البيت المذكور من شعر أهل الجاهلية، فإن قيس بن عاصم صحابيّ مشهور، عاش بعد النبيّ -ﷺ- والمرثية المذكورة لمسلم معروف، قالها لما مات قيس، ومثله ما أخرج ابن سعد وغيره أن الجنّ رَثَوا عمر بن الخطاب بأبيات، منها:
عَلَيْكَ سلَامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ … يَدُ الله فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
وقال ابن العربيّ في السلام على أهل البقيع: لا يعارض النهي في حديث أبي جُرَيّ؛ لاحتمال أن يكون الله أحياهم لنبيّه -ﷺ-، فسلم عليهم سلام الأحياء، كذا قال. قال الحافظ: ويردّه حديث عائشة المذكور (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ٦٣، وأبو داود رقم ٤٠٨٤، والترمذيّ ٢٧٢١، وابن حبان ٥٢٢.
(٢) المصدر المذكور.
(٣) يعني: قولها: كيف أقول؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين".
[ ١٨ / ٦١٩ ]
وقال النوويّ: فيه ترجيح لقول من قال في قوله: "سلام عليكم دار قوم مؤمنين": إن معناه أهل دار قوم مؤمنين، وفيه أن المسلم والمؤمن قد يكونان بمعنى واحد، وعطف أحدهما على الآخر؛ لاختلاف اللفظ، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] ولا يجوز أن يكون المراد بالمسلم في هذا الحديث غير المؤمن؛ لأن المؤمن إن كان منافقًا لا يجوز السلام عليه، والترحّم. انتهى (^١).
(وَيرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا)؛ أي: المتقدّمين إلى الآخرة، فالسين والتاء فيه، وفي "المستأخرين" ليستا للطلب، بل زائدتان للتوكيد (وَالْمُسْتَأْخِرِينَ)؛ أي: المتأخرين في الدنيا، وهم الأحياء، ففيه الدعاء بالرحمة للأحياء والأموات (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ") قد تقدّم في شرح الحديث الماضي بيان اختلاف العلماء في التقييد بهذا الاستئناء، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في ذكر من وصل رواية حجاج بن محمد الأعور التي أبهم المصنّف شيخه فيها:
قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ﵀: هذا الحديث قد رويناه متّصلًا من طريق يوسف بن سعيد بن مسلم، عن حجاج، غير أنه قال: "عن حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن مُليكة"، فجعل بدل "عبد الله بن كثير بن المطّلب" عبد الله بن أبي مُليكة"، فخالف غيره من رُواة حجاج، وحديثهم أصحّ.
قال: أخبرنا حاتم بن محمد التميميّ، قال: أخبرني أبو الحسن أحمد بن إبراهيم بن فراس بمكة- حرسها الله- وحدّثنا محمد بن عتّاب، وعبد الملك بن زيادة الله التميميّ، قالا: نا المَاضي يونس بن عبد الله، قال: نا أبو عمر
_________________
(١) "شرح مسلم" ٤٧/ ٧ - ٤٨، كتاب الجنائز.
[ ١٨ / ٦٢٠ ]
أحمد بن هلال بن زيد، قال: نا أبو عبيد الله محمد ربيع الْجِيزيّ، قال: نا يوسف بن سعيد بن مسلم، قال: نا حجّاج، عن ابن جُريج قال: أخبرني ابن أبي مُليكة سمع محمد بن قيس بن مَخْرمة يقول: سمعت عائشة تُحدّث، قالت: ألا أحدّثكم عثّي وعن رسول الله -ﷺ -؟ قلنا: بلى، قالت: لَمّا كانت ليلتي التي هو عندي …، واقتصّ الحديث بلفظ مسلم بن الحجاج.
قال: هكذا رَوَيناه من طريق أبي عبيد الله محمد بن الربيع الجِيزيّ، وكان ثقةً، وجعله في باب ابن أبي مليكة.
وقال أيضًا: أخبرناه أبو عمر النَّمَريّ، نا عبد الله بن محمد بن أسد، نا حمزة الكنانيّ، قال: أنا النسائيّ، قال: أنا يوسف بن سعيد -يعني المصّيصيّ- قال: نا حجاج- هو الأعور- عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن أبي مُليكة، أنه سمع محمد بن قيس بن مَخْرمة يقول: سمعت عائشة تقول، فذكر الحديث.
وأخبرنا أبو عمر النَّمَريّ، قال: نا خلف بن القاسم، قال: نا أبو عليّ بن السكن، نا أبو نعيم عبد الملك بن محمد الْجُرْجانيّ، حدّثني يوسف بن سعيد المصّيصيّ، نا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي مُليكة، أنه سمع محمد بن قيس بن مَخرمة.
قال أبو عليّ (^١): وقد خُطئ يوسف بن سعيد في قوله: "عبد الله بن أبي مليكة"، ولم يُتابع عليه.
ذكر أبو الحسن الدارقطنيّ: نا أبو بكر النيسابوريّ، عبد الله بن محمد بن زياد، نا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدّثني عمّي، حدّثني ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، أنه سمع محمد بن قيس بن مَخْرمة يقول: سمعت عائشة تُحدّث، وذكر الحديث بكماله.
قال أبو الحسن: وحدّثنا أبو بكر النيسابوريّ، نا يوسف بن سعيد، نا حجاج، عن ابن جريج، نا عبد الله بن أبي مليكة، سمعت محمد بن قيس بن مخرمة، فذكر الحديث.
_________________
(١) هو الجيّانيّ.
[ ١٨ / ٦٢١ ]
قال أبو الحسن: وحدّثنا أبو بكر النيسابوريّ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، نا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله رجل من قريش، أنه سمع محمد بن قيس بن مَخرمة.
قال أبو بكر النيسابوريّ: هذا هو الصواب، وأخطأ يوسف بن سعيد في قوله: "ابن أبي مليكة".
قال الدارقطنيّ: هو عبد الله بن كثير بن المطّلب بن أبي وَدَاعة السهميّ.
قال الدارقطنيّ: وحدّثنا أبو بكر النيسابوريّ، قال: حدّثني أبو أميّة، نا رَوْح، نا ابن جريج، نا من سمع محمد بن قيس بن مخرمة يقول: سمعت عائشة بهذا.
ورواه عبد الرزّاق في "مصنّفه": عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة، أنه سمع عائشة تقول …، وذكر الحديث.
هكذا رُوي لنا هذا الإسناد من طريق الدَّبَريّ مقطوعًا، لم يُذكر فيه "عبد الله بن كثير". انتهى كلام الحافظ الجيّانيّ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخّص مما ساقه الجيّانيّ، ونقله عن الدارقطنيّ، وأبي بكر النيسابوريّ أن الصواب في هذا الإسناد كون شيخ ابن جريج هو عبد الله بن كثير بن المطّلب، كما هو رواية الأكثرين، وهو عبد الله رجل من قريش، كما وقع في سند المصنّف الثاني، وليس عبد الله بن أبي مليكة، كما هو رواية يوسف بن سعيد المصّيصيّ عند النسائيّ.
والحاصل أن عبد الله رجل من قريش في سند المصنّف الثاني هو عبد الله بن كثير بن المطّلب المذكور في السند الأول، وليس ابن أبي مليكة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٢٥٦] (٩٧٤)، و(الترمذيّ) (٧٣٩)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٢٠٣٧ و٢٠٣٩) وفي "الكبرى" (٢١٦٤) وفي باب "المغيرة" من "عشرة النساء" (٨٩١١ و٨٩١٢)، و(ابن ماجه) (١٥٤٦)
_________________
(١) "تقييد المهمل" (٣/ ٨٠٠ - ٨٠١ و٨٢٨ - ٨٣١).
[ ١٨ / ٦٢٢ ]
و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦٧١٢) وقد سقط من سنده "عبد الله بن كثير"، و(أحمد) في "مسنده " (٦/ ٧١ و١١١ و٢٢١)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤٥٩٣ و٤٦١٩ و٤٧٤٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٣ - ٥٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يقال عند دخول المقبرة، من السلام على الموتى، والدعاء، والاستغفار لهم.
٢ - (ومنها): بيان مشروعية القَسْم بين الزوجات في المبيت، وغيره.
٣ - (ومنها): بيان ما جُبلت عليه النساء، من المغيرة.
٤ - (ومنها)؛ بيان حسن أخلاق النبيّ -ﷺ-، ورأفته بأهل بيته، حيث إنه لم يفعل ما يُدخل على عائشة -﵁ - الوحشة، بل تلطّف في الخروج.
٥ - (ومنها): بيان كون الملائكة لا تدخل بيتًا، فيه امرأة وضعت ثيابها.
٦ - (ومنها): بيان رأفة الله تعالى، ورحمته بأهل البقيع حيث أمر نبيّه -ﷺ- أن يستغفر لهم.
٧ - (ومنها): بيان جواز ترخيم الاسم؛ إذا لم يكن فيه إيذاء للمرخّم.
٨ - (ومنها): بيان مشروعية تأديب الزوج زوجته بالضرب باليد ونحوه، ولو أوجعها ذلك.
٩ - (ومنها): بيان أن رسول الله -ﷺ- لا يظلم أحدًا؛ لأن الله ﷾ يكرمه بالوحي، ويرشده إلى ما هو الصواب، فلا يقع في الحيف والظلم.
١٠ - (ومنها): بيان استحباب إطالة الدعاء، وتكريره، ورفع اليدين فيه.
١١ - (ومنها): بيان أن دعاء القائم أكمل من دعاء الجالس في القبور.
١٢ - (ومنها): بيان جواز زيارة النساء للقبور، وهو الصحيح، وقد تقدم تمام البحث في ذلك، فلا تغفل.
١٣ - (ومنها): أنه استدلّ بعضهم بقوله: "أن يحيف الله عليك، ورسوله" على أن القَسْم واجب على النبيّ -ﷺ-، لكن الراجح من أقوال أهل العلم في ذلك عدم وجوب القسم عليه -ﷺلقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ
[ ١٨ / ٦٢٣ ]
مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]، ولكنه -ﷺ- كان يَقسِم لكريم أخلاقه، وحسن عشرته -ﷺ-، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه- إن شاء الله تعالى-.
١٤ - (ومنها): استحباب الدعاء المذكور في الحديث عند زيارة القبور.
١٥ - (ومنها): أن في قوله: "على أهل الديار" ترجيح قول من قال في قوله: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين": إن معناه أهل دار قوم مؤمنين.
١٦ - (ومنها): بيان أن المسلم والمؤمن قد يكونان بمعنى واحد، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]، ولا يجوز أن يكون المراد بالمسلم في هذا الحديث غير المؤمن؛ لأن المؤمن إن كان منافقًا لا يجوز السلام عليه والترحّم، قاله النوويّ ﵀ (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٧] (٩٧٥) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَسَدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: "السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ"، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ (^٢)، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَل الله (^٣) لنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللهِ الْأَسَدِيُّ) هو: أبو أحمد الزبيريّ، تقدّم قبل باب.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٤٤ - ٤٥.
(٢) وفي نسخة: زيادة: "والمسلمات".
(٣) وفي نسخة: "نسأل الله".
[ ١٨ / ٦٢٤ ]
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضًا قبل باب.
٥ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٥/ ٦٤٨.
٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وله تسعون سنةً (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٥/ ٦٤٨.
٧ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو عبد الله الصحابيّ المشهور، أسلم قبل بدر، ومات سنة (٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٣٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبيهِ) بريدة بن الْحُصيب -﵁- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا)؛ أيَ: خرج الصحابة -﵃- (إِلَى الْمَقَابِرِ)؛ أي: إلى زيارتها، وفي رواية النسائيّ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، كَانَ إِذَا أَتَى عَلَى الْمَقَابِرِ قال: السلام عليكم … " (فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ) وقوله: (فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ) بيان لاختلاف شيخيه في لفظ الحديث، فلفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة: فكان قائلهم يقول: (السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ، وَفِي رِوَايَةِ) شيخه (زُهَيْرِ) بن حرب: فكان قائلهم يقول: ("السَّلَامُ عَلَيْكمْ أَهْلَ الدِّيَارِ،) بنصب "أهلَ" على النداء، أو الاختصاص، كما تقدّم بيان ذلك (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ)، وفي بعض النسخ زيادة: "والمسلمات"، وَيحتاج إلى تأكّد صحتها، والله تعالى أعلم.
(وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ) زاد في رواية النسائيّ: "أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ، وَنحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ"، ومعنى قوله: "لنا فَرَط" بفتحتين؛ أي: متقدّمون علينا إلى الدار الآخرة، وأصل الفَرَط هو المتقدّم في طلب الماء، يُهَيّئ الدِّلَاء، والأَرْشاء،
[ ١٨ / ٦٢٥ ]
يقال: فَرَطَ القومَ فُرُوطًا، من باب قَعَد: إذا تقدم لذلك، يستوي فيه الواحد، والجمع، يقال: رجلٌ فَرَطٌ، وقومٌ فَرَطٌ. أفاده في "المصباح" (^١).
ومعنى قوله: "وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ"؛ أي: متبعون لكم، وآتون إلى الآخرة بعدكم، فـ"التبع " بفتحتين يستوي فيه الواحد، وغيره، يقال: تَبع زيد عمرًا، من باب تَعِبَ: مشى خلفه، أو مَرَّ به، فمضى معه، والمصلي تبع لإمامه، والناس تبعٌ له، ويكون واحدًا، وجمعًا، ويجوز جمعه على أتباع، مثلُ سبب وأسباب، قاله في "المصباح" أيضًا (^٢).
(أَسْأَل اللهَ) وفي نسخة: "نسأل الله" (لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ)؛ أي: محوَ الذنوب عنّا وعنكم، يقال: عفا الله عنك؛ أي: محا ذنوبَك، وعفوتُ عن الحقّ: أسقطتُهُ، كأنك محوتَهُ عن الذي هو عليه، وعافاه الله: محا عنه الأسقام، و"العافية": اسم منه، وهي مصدر جاءت على فاعلة، ومثله ناشئةُ الليل، بمعنى نُشُوء الليل، والخاتمةُ: بمعنى الختم، والعاقبة: بمعنى الْعُقُب، و﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ [الواقعة: ٢]، قاله الفيّوميّ ﵀ (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسالتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بريدة بن الحصيب -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٢٥٧] (٩٧٥)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٢٠٤٠) و"الكبرى" (٢١٦٧) و"عمل اليوم والليلة" (١٠٩١)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٤٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٥٣ و٣٥٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣١٧٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٣)، و(ابن السنّيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٥٩٤)،
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٦٩.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٧٢.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٤١٩.
[ ١٨ / ٦٢٦ ]
و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٧٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٥٥)، وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.