وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٨] (٩٧٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُوبَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيةَ، عَنْ يَزِيدَ، يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "اسْتَأذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي (^١)، فَلَمْ يَأَذَنْ لي، وَاسْتَأَذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لي ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزَّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٣ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيةَ) بن الحارث بن أسماء الفزاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٥ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
_________________
(١) وفي نسخة: "في أن أستغفر لأمي".
[ ١٨ / ٦٢٧ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه، فبغداديّان، والصحابيّ، فمدنيّ.
٣ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁-، رَأسُ المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: (اسْتَأَذَنْتُ رَبِّي)؛ أي: طلبت منه الإذن، وكان ذلك عام الفتح (أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي) وفي نسخة: "في أن أستغفر لأمي"؛ أي: أطلب لها أن يغفر ذنوبها (فَلَمْ يَأَذَنْ لِي) بالبناء للفاعل، وفي الرواية التالية: "فلم يؤذن لي" بالبناء للمفعول.
قال ابن الملك ﵀: إنما لم يأذن له؛ لأنها كافرة، والاستغفار للكافرين لا يجوز؛ لأن الله لا يغفر لهم أبدًا، وقال النووي ﵀: فيه النهي عن الاستغفار للكفّار، وقال الشوكانيّ ﵀: فيه دليل على عدم جواز الاستغفار لمن مات على غير ملة الإسلام.
وقال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِلُ أن يكون هذا الاستئذان قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، ويَحْتَمِل أن يكون بعد ذلك؛ وارتجى خصوصية أمه بذلك، والله تعالى أعلم، وهذا التأويل الثاني أولى. انتهى (^١).
(وَاسْتَاذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا) وكان بالأبواء، بين مكة والمدينة.
و"الزيارة" -بكسر الزاي، وتخفيف الياء-: معناه القَصْدُ، يقال: زاره، زِيارةً، وزَوْرًا -بالفتح-: قصده، فهو زائرٌ، وزَوْرٌ -بفتح، فسكون-، وقَوم زَوْرٌ أيضًا، وزُوّارٌ، مثلُ سافرٍ، وسَفْرٍ، وسُفَار، ونسوةٌ زَوْرٌ أيضًا، وزُوَّرٌ،
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٦٣٣ - ٦٣٤.
[ ١٨ / ٦٢٨ ]
وزائرات، والْمَزَار -بفتح الميم- يكون مصدرًا، وموضعُ الزيا رة، والزيَارةُ في الْعُرْف قَصْدُ المزور؛ إكرامًا له، واستئناسًا به، أفاده في "المصباح" (^١).
(فَأَذِنَ لِي") بالبناء للفاعل، قال القاضي عياض ﵀: سبب زيارته -ﷺ- قبرها أنه قصد الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيّده قوله -ﷺ- في آخر الحديث: "فزوروا القبور، فإنها نها تذكر الموت لا، وقيل: زيارته -ﷺ- قبرها مع أنها كافرة تعليم منه للأمة حقوق الوالدين، والأقارب، فإنه لم يترك قضاء حقها مع كفرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٢٥٨ و٢٢٥٩] (٩٧٦)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣٢٣٤)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٢٠٣٤) و"الكبرى" (٢١٦١)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٦٩ و١٥٧٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٤٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٤١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣١٦٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٥)، و(الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٣٧٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٧٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز زيارة قبر المشرك.
٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة، وقد انقطع الأمل في إسلامهم ففي الحياة أولى؛ لأنه يمكن أن يُدعَوْا إلى الإسلام، ويشرح لهم محاسنه، وتكشف شبهاتهم، ويرغّبون في الدخول فيه، فيُرجَى بذلك إنقاذهم
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٦٠.
[ ١٨ / ٦٢٩ ]
من النار، وقد ثبت في "الصحيح" أن غلامًا يهوديًّا كان يخدم النبيّ - ﷺ -، فمرض، فعاده النبيّ - ﷺ -، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم.
٣ - (ومنها): بيان جواز البكاء عند حضور المقابر؛ لما في الرواية التالية من كونه - ﷺ - بكى، وأبكى من حوله.
٤ - (ومنها): بيان النهي عن الاستغفار للمشركين.
٥ - (ومنها): بيان تأكُّد بِرِّ الوالدين، وأن إسلامهما ليس شرطًا في وجوب بِرّهما، بل يلزم برّهما ولو كانا مشركين، كما قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ الآية [لقمان: ١٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال صاحب "المرعاة في شرح المشكاة": الحديث بظاهره يدلّ على أن أمه - ﷺ - ماتت على غير الإسلام، وهو مذهب جمهور العلماء في شأن أبويه - ﷺ -، وقد ترجم النسائيّ، وابن ماجه لهذا الحديث: "باب زيارة قبر المشرك".
قال السنديّ في حاشية النسائيّ: كأنه أخذ ما ذَكَرَ في الترجمة من المنع عن الاستغفار، أو من مجرّد أنه الظاهر على مقتضى وجودها في وقت الجاهليّة، لا من قوله: "فبكى، وأبكى"؛ إذ لا يلزم من البكاء عند الحضور في ذلك المحلّ العذاب، أو الكفر، بل يمكن تحققه مع النجاة، والإسلام أيضًا، لكن من يقول بنجاة الوالدين لهم ثلاث مسالك في ذلك:
مَسلَكُ أنهما ما بلغتهما الدعوة، ولا عذاب على من لم تبلغه الدعوة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فلعلّ من سلك هذا المسلك يقول في تأويل الحديث: إن الاستغفار فرع تصوّر الذنب لهم، وذلك في أوان التكليف، ولا يُعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة، فلا حاجة إلى الاستغفار لهم، فيمكن أنه ما شُرع الاستغفار إلا لأهل الدعوة، لا لغيرهم، وإن كانوا ناجين، وأما من يقول بأنهما أُحييا له - ﷺ -، فآمنا به، فيَحمِل هذا الحديث على أنه كان قبل الإحياء، وأما من يقول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهو يقول: بمنع الاستغفار لهما قطعًا، فلا حاجة له إلى تأويل، فاتضح وجه الحديث على جميع المسالك، والله تعالى أعلم. انتهى
[ ١٨ / ٦٣٠ ]
كلام السنديّ (^١).
قال صاحب "المرعاة": ولا يخفى ما في الوجوه الثلاثة من الضعف؛ لأن حديث إحياء أبويه - ﷺ - ضعيف جدًّا حتى حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، كالدارقطنيّ، والجوزقانيّ، وابن الجوزيّ، وابن دحية، وصرّح بضعفه فقط غير واحد، كابن شاهين، والخطيب، وابن عساكر، والسهيليّ، والمحبّ الطبريّ، وابن سيّد الناس، وقد اعترف بضعفه السيوطيّ أيضًا، حيث قال: وروى ابن شاهين حديثًا مسندًا في ذلك، لكن الحديث مضعّف.
وأما الآية الكريمة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ فهي مكيّة، وزيارته - ﷺ - لقبر أمه كانت عام الفتح، وقيل: عام الحديبية، سنة ستّ من الهجرة، وقيل: الآية في حقّ الأمم السالفة السابقة خاصّة، وقيل: المنفيّ فيها عذاب الاستئصال في الدنيا، لا عذاب الآخرة، وقيل: المراد: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بعد مجيء الشرع، من أنواع العبادات والحدود.
وأما القول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهي دعوى مجرّدة، من غير برهان، فلا يُلتفت إليه.
قال النوويّ في شرح حديث أنس - ﵁ - أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: "في النار"، قال: فلما قَفَّى دعاه، فقال: "إن أبي وأباك في النار"، ما نصّه: فيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان، فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء قد بلغتهم دعوة إبراهيم، وغيره من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم. انتهى كلام النوويّ ﵀.
وهذا يدلّ على أن النوويّ يكتفي في وجوب الإيمان على كلّ أحد ببلوغه دعوة من قبله من الرسل، وإن لم يكن مرسلًا إليه، وإلى هذا ذهب الْحَلِيميّ، كما صرّح به في "منهاجه".
وقال القاري: الجمهور على أن والديه - ﷺ - ماتا كافرين، وهذا الحديث أصحّ ما ورد في حقّهما، وقول ابن حجر -يعني الهيتمي-: وحديث إحيائهما
_________________
(١) "شرح السندي على النسائيّ" ٤/ ٩٠.
[ ١٨ / ٦٣١ ]
حتى آمنا به، ثم توفيا حديث صحيح، وممن صححه الإمام القرطبيّ، والحافظ ابن ناصر الدين (^١)، فعلى تقدير صحته لا يصلح أن يكون معارضًا لحديث مسلم، مع أن الحفاظ طعنوا فيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول ابن حجر: حديث صحيح، غير صحيح، وكذا نسبته التصحيح إلى القرطبيّ، وابن ناصر الدين غير صحيحة أيضًا، فقد ذكر السيوطيّ مَن مال إلى القول بإحيائهما، وإيمانهما من العلماء: الخطيبَ، والسهيليّ، والقرطبيّ، والمحب الطبريّ، والعلامة ناصر الدين ابن المنيّر، وغيرهم، وذكر استدلالةم بالحديث المذكور، ثم قال: هذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، بل قيل: إنه موضوع إلى آخر كلامه، والسيوطىّ من أشدّ من حاول في إثبات النجاة لهما، ولكن عمدته في ذلك عموم الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآية، وغيرها، والأدلة العقلية، فلو كان أحد من حفاظ الحديث قال بصحة هذا الحديث لذكره، ونصره، وهو مع شدة بحثه للأدلة في المسألة لم يستطع أن يصححه بكل ما أوتيه من العلم، وإنما دافع عن القول بوضعه فقط، ولم يبرهن على ذلك.
وبالجملة، فالحديث ما صححه عالم له عناية بالحديث، وإنما صححه من يَعْتَمِد على الرؤيا المنامية، والطرق الكشفية، التي لم يأذن الله تعالى بها في التشريع، وإنما غايتها إن كانت صحيحة أن يُستأنس بها في تثبيت ما ثبت
_________________
(١) الظاهر أنه ابن ناصر الدين المعروف بابن المنير الآتي في كلام السيوطيّ، وليس هو المحدث الكبير الحافظ المشهور ابن ناصر الدين الدمشقيّ، بدليل أنه ضعّف الحديث، كما ذكر السيوطىّ عنه، ونصه: وقال الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقيّ في كتابه المسمى "مورد الصادي في مولد الهادي" بعد إيراده الحديث المذكور، منشدًا لنفسه: حَبَا اللهُ النَّبِىَّ مَزِيدَ فَضْلٍ … عَلَى فَضْلٍ وَكَانَ بِهِ رَؤُوفَا فَأَحْيَا أُمَّهُ وَكَذَا أَبَاهُ … لإِيمَانٍ بِهِ فَضْلًا لَطِيفَا فَسَلِّمْ فَالْقَدِيمُ بِذَا قَدِيرٌ … وَإنْ كَانَ الْحَدِيثُ بِهِ ضَعِيفَا فبان بهذا أن الحافظ ابن ناصر الدين ممن ضعّف الحديث، لا ممن صححه، فتنبه.
[ ١٨ / ٦٣٢ ]
شرعًا، لا في إثبات ما أبطله علماء الحديث، وغيرهم ممن أوجب الله تعالى اتباعهم على الأمة، وجعلهم مرجعًا لها في المعضلات، حيث قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقال القاري ﵀: ومنعوا جوازه أيضًا بأن إيمان اليأس غير مقبول إجماعًا، كما يدلّ عليه الكتاب والسنّة، وبأن الإيمان المطلوب من المكلّف إنما هو الإيمان الغيبيّ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ الآية [الأنعام: ٢٨]. وهذا الحديث الصحيح صريح أيضًا في ردّ ما تشبث به بعضهم بأنهما كانا من أهل الفترة، ولا عذاب عليهم، مع اختلاف في المسألة (^١).
قال صاحب "المرعاة": واعلم أن هذه المسألة كثر النزاع والخلاف بين العلماء فيها، فمنهم من نصّ على عدم نجاة الوالدين، كما رأيت في كلام النوويّ، والقاري، وقد بسط الكلام في ذلك القاري في "شرح الفقه الأكبر"، وفي رسالة مستقلّة له، ومنهم من شَهِد لهما بالنجاة، كالسيوطيّ، وقد ألّف في هذه المسألة سبع رسائل (^٢)، بسط الكلام فيها، وذكر الأدلة من الجانبين، من شاء رجع إليها، والأسلم، والأحوط عندي هو التوقّف، والسكوت. انتهى كلام صاحب "المرعاة".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأولى، والأسلم الوقوف مع النصوص الصحيحة، كحديث الباب، وحديث مسلم المذكور: "إن أبي وأباك في النار"، مع عدم التوسع والخوض بزيادة ما ليس في النصوص، وأما تصحيح حديث إحياء أبوي النبيّ - ﷺ -، كما قال ابن حجر الهيتميّ فمما لا يُلتفت إليه، فإن جلّ الحفّاظ من المحدثين على أنه موضوع، كما أشرت إليه فيما تقدّم.
ثم إن هذه المسألة ما رأيت للمتقدّمين فيها كلامًا، بل إنما أثارها، وتنازع فيها، وخاض غَمْرَتَها المتأخرون، من أمثال السيوطي، ومن سار على دَرْبه فما وَسِع الأولين من السكوت، وعدم الخوض، وترك التنازع، والتخاصم
_________________
(١) "مرقاة المفاتيح" ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١.
(٢) كذا في "المرعاة"، والذي في كلام القاري "ثلاث رسائل"، فليُحرّر.
[ ١٨ / ٦٣٣ ]
هو الصواب لمن كان حريصًا على دينه، فلو كان في هذا الخوض خير لكان المتقدّمون أسبق إليه، وأحرص من المتأخرين عليه، فسلوك سبيلهم فيه السلامة في الدنيا والآخرة، فالواجب الوقوف على ما صحّ عن رسول الله - ﷺ -، وعدم التوسّع، ونصبِ الخلاف فيما وراءه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٩] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ (^١)، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: "اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي (^٢)، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ) بن أبي أميّة الطنافسيّ الكوفيّ الأحدب، ثقة حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٢/ ٢٣٤.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
وقوله: (زَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ) قال القاضي: بكاؤه - ﷺ - على ما فاتها من إدراكه، والإيمان به، وقيل: على عذابها، وفيه دليل على جواز البكاء عند حضور المقابر. انتهى.
وقوله: (فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي) بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ: "فلم يأذن لي" بالبناء للفاعل.
وقوله: (فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ)؛ أي: وذكرُ الموت يزهّد في الدنيا، ويرغّب في العقبى.
_________________
(١) وفي نسخة: "عن يزيد يعني: ابن كيسان".
(٢) وفي نسخة: "يأذن لي".
[ ١٨ / ٦٣٤ ]
وقال القاضي عياض ﵀ (^١): قوله: "فزوروها" بَيان في نسخ النهي عن زيارة القبور، وفي علّة الإباحة، وهو أن يكون للتذكر والاعتبار، لا للفخر والمباهاة، ولا لإقامة النوح والمآتم عليه، كما قال - ﷺ -: فزوروها، ولا تقولوا هُجْرًا (^٢).
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀: هذا الحديث وُجِد في رواية أبي العلاء بن ماهان لأهل المغرب، ولم يوجد في روايات بلادنا من جهة عبد الغافر الفارسيّ، ولكنه يوجد في كثير من الأصول في آخر "كتاب الجنائز"، ويُضَبَّب عليه، وربما كتب في الحاشية: رواه أبو داود في "سننه" عن محمد بن سليمان الأنباريّ، عن محمد بن عبيد بهذا الإسناد، ورواه النسائي عن قتيبة، عن محمد بن عبيد، ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن عبيد، وهؤلاء كلهم ثقات، فهو حديث صحيح بلا شك. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^٣).
وقال الحافظ ﵀ في "النكت الظراف" بعد نقل كلام النوويّ المذكور ما نصّه: قلت: قد ذكره الحميديّ في "الجمع"، من "صحيح مسلم" من طريق الجلوديّ، شيخ عبد الغافر، وكذا سبقه أبو مسعود في "أطراف الصحيحين"، وأخرجه البغويّ في "شرح السنّة" من طريق عبد الغافر الفارسيّ.
قال: وأقرب من هذا أن يُجمع بين الكلامين بأنه سقط من النسخ
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٣/ ٤٥٢ - ٤٥٣.
(٢) حديث صحيح أخرجه النسائيّ (٢٠٣٣): أخبرني محمد بن قُدامة، قال: حدثنا جرير، عن أبي فروة، عن المغيرة بن سبيع، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أنه كان في مجلس فيه رسول الله - ﷺ -، فقال: "إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي إلا ثلاثًا، فكلوا، وأطعموا، وادّخِروا ما بدا لكم، وذكرت لكم أن لا تنتبذوا في الظروف: الدباء، والمزَفّت، والنقير، والحنتم، انتبذوا فيما رأيتم، واجتنبوا كل مسكر، ونهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هُجْرًا".
(٣) "شرح النوويّ" ٧/ ٤٦.
[ ١٨ / ٦٣٥ ]
المتأخّرة التي تدور على فقيه الحرم محمد الفضل الْفُرَاويّ، وعلى ذلك يُحمل كلام النوويّ، وكان ثابتًا في الأصل من طريق الجلوديّ، وعلى ذلك يُحمل صنيع صاحب "شرح السنّة"، وسائر من أثبته في "صحيح مسلم"، وأخرجه أبو نعيم الأصبهانيّ في "مستخرجه على صحيح مسلم" بأسانيده، وجزم بأن مسلمًا أخرجه، وكتاب مسلم عنده من طريق أبي العلاء بن ماهان التي وقعت لنا. انتهى كلام الحافظ ﵀ باختصار (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا أن هذا الحديث ثابت في "صحيح مسلم"، ولذا أورده الحافظ المزّيّ ﵀ في "تحفة الأشراف" (١٠/ ٩٢ - ٩٣)، ولم يتكلم فيه بشيء، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٦٠] (٩٧٧) - (حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، وَهُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ، إِلا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا"، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
_________________
(١) "النكت الظراف" ٩/ ٤٥٠ من نسخة "تحفة الأشراف".
[ ١٨ / ٦٣٦ ]
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق عارف، رمي بالتشيّع [٩] (١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٤ - (أَبُو سِنَانٍ ضِرَارُ (^١) بْنُ مُرَّةَ) الشيبانيّ الأكبر الكوفيّ، ثقة ثبت [٦].
روى عن أبي صالح السمّان، وسعيد بن جبير، ومحارب بن دثار، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، وشريك، والسفيانان، وهُشيم، ومحمد بن فُضيل، وخالد الواسطىّ، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم.
قال ابن المدينيّ، عن يحيى القطّان: كان ثقة. وقال أبو طالب، عن أحمد: كوفيّ ثبت. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به. وقال النسائيّ: كوفيّ ثقة. وقال العجليّ: ثقة ثبت في الحديث، مبرّز، صاحب سنّة، وهو في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث. وقال ابن يونس، عن أبي بكر بن عيّاش: حدثنا أبو سنان ضِرَار بن مُرّة، وكان من خيار الناس. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، حَفَر قبره قبل موته بخمس عشرة سنة، وكان يأتيه، فيختم فيه القرآن. ونقل ابن خلفون، عن ابن نُمير، أنه وثقه. وقال يعقوب بن سفيان: كان خيارًا ثقة. وفي موضع آخر: ثقة ثقة. وقال الدارقطنيّ: كوفيّ ثقة فاضل. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة ثبت. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٣٢) وكذا أرّخه يعقوب بن سفيان، وخليفة، وابن قانع.
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد" وأبو داود في "المراسيل"، والباقون، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وكرّره ثلاث مرّات، و(١١٥١) حديث: "إن الصوم لي، وأنا أجزي به … " الحديث.
[تنبيه]: ولهم أبو سنان الشيبانىّ الأصغر، وهو سعيد بن سِنَان الْبُرْجُميّ الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوق له أوهام، وهو أيضًا من الطبقة [٦] وله في هذا الكتاب حديث واحد، وهو حديث: "لا وجدت، إنما بُنيت المساجد … "، وتقدّم في [١٨/ ١٢٦٧] (٥٦٩).
_________________
(١) بكسر أوله، مخفّف الراء.
[ ١٨ / ٦٣٧ ]
٥ - (مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) السّدوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقة إمام زاهد [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٠/ ١٠٦٩.
٦ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله بن بُريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ القاضي، ثقة [٣] (ت ١٠٥) وقيل: (١١٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٧ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحُصيب - ﵁ -، تقدّم في الباب الماضي.
وأبو بكر بن أبي شيبة ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما ابن المثنّى فمن التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير ابن المثنّى، فبصريّ، وبريدة وابنه فمروزيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) هو عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصيب - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نَهَيْتُكُمْ) وفي رواية للنسائيّ: أنه كان في مجلسٍ فيه رسول الله - ﷺ -، فقال: "إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي … " (عَنْ زِيارةِ الْقُبُورِ) قيل: سبب النهي عن زيارة القبور في أول الأمر أنهم كانوا حديثي عهد بالجاهليّة، وقريبي عهد بعبادة الأوثان، ودعاء الأصنام، فنُهُوا عن زيارة القبور، خشية أن يقولوا، أو يفعلوا عندها ما كانوا يعتادونه في الجاهلية، وخوفًا من أن يكون ذلك ذريعة لعبادة أهل القبور (^١)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "المرعاة" ٥/ ٥١٠.
[ ١٨ / ٦٣٨ ]
(فَزُورُوهَا) وفي رواية للنسائيّ: "فمن أراد أن يزورها، فليزرها، ولا تقولوا هُجْرًا"، بضم، فسكون؛ أي: ما لا ينبغي من الكلام، وفي رواية له من طريق زُبيد بن الحارث، عن محارب: "فزوروها ولْتَزدكم زيارتها خيرًا"، وفي رواية له من طريق الزبير بن عديّ، عن ابن بُريدة: "ومن أراد زيارة القبور، فإنها تذكر الآخرة"، وللحاكم من حديث أنس - ﵁ -: "وتُرِقّ القلبَ، وتُدمِع العين، فلا تقولوا هُجْرًا"، وله من حديث ابن مسعود - ﵁ -: "فإنها تزهد في الدنيا"، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -، الماضي عند مسلم: "زوروا القبور، فإنها تذكّر الموت".
وفي قوله: "ومن أراد زيارة القبور إلخ" بيان أن الأمر في زيارتها للاستحباب، لا.
للوجوب؛ لأنه علّقه بالإرادة، ففيه الردّ على بعض من قال: إن زيارتها واجبة -كابن حزم- مستدلًّا بلفظ الأمر، حيث إنه للوجوب، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: هذا من الأحاديث التي تَجمَع بين الناسخ والمنسوخ، وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها، وأجمعوا على أن زيارتها سنّة، وأما النساء ففيهنّ خلاف لأصحابنا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي أن الراجح هو الجواز للنساء أيضًا؛ لقوة دليله، والله تعالى أعلم.
(وَنَهَيْتُكمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِىِّ)؛ أي: عن أكل لحومها (فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ) وفي رواية: "فكلوا، وأطعموا، وادَّخِروا، ما بدا لكم".
وسبب نهيه - ﷺ - عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، هو ما سيأتي للمصنف ﵀ في "كتاب الأضاحي" (١٩٧١) من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد، قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة، فقالت: صدق، سمعت عائشة تقول: دَفّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى، زمن رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "ادَّخِروا ثلاثًا، ثم تصدقوا بما بقي"،
_________________
(١) "شرح مسلم" ٧/ ٥٠.
[ ١٨ / ٦٣٩ ]
فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويَجْمُلون منها الوَدَكَ، فقال رسول الله - ﷺ -: "وما ذاك؟ "، قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: "إنما نهيتكم من أجل الدافّة التي دَفَّت، فكلوا، وادَّخِروا، وتصدقوا".
والدّافّة بتشديد الفاء: الجماعة التي تسير سيرًا ليّنًا، وسيأتي تمام ما يتعلّق به هناك -إن شاء الله تعالى-.
(وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ) فعيل بمعنى مفعول، يقال: نَبَذْته نَبْذًا، من باب ضرب: ألقيتُهُ، فهو منبوذ، وصبيّ منبوذ: مطروح، ومنه سمي النبيذ؛ لأنه يُنبَذ؛ أي: يُترك حتى يشتدّ. قاله في "المصباح".
والمعنى نهيتكم عن شرب النبيذ، في الظروف (إِلَّا) حالة كونه (فِي سِقَاءٍ)؛ أي: قِرْبَة، وفي رواية للنسائيّ: "وذكرت لكم أن لا تنتبذوا في الظروف: الدبّاء، والمزفّت، والنقير، والحنتم" (فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا) وفي رواية للنسائيّ: "في الأوعية كلها"، وهو بوزن "الأسقية" ومعناها، قال السنديّ ﵀: أي الظروف، وإلا لا يصحّ المقابلة. انتهى. (وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) وفي رواية للنسائيّ: "انتبذوا فيما رأيتم، واجتنبوا كلّ مسكر".
يعني أن الانتباذ في جميع الظروف جائز، وإنما المنهيّ عنه هو شرب المسكر.
وقوله: (قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ)؛ أي: محمد بن عبد الله بن نُمير شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) غرض المصنف ﵀ بهذا بيان أن المكنّى في رواية أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن المثنّى بـ "ابن بُريدة" هو عبد الله بن بُريدة، كما بيّنه ابن نمير في روايته، وليس سليمان بن بُريدة أخاه، كما يأتي في رواية علقمة بن مرثد.
والحاصل أن هذا الحديث مرويّ عن ابني بُريدة: عبد الله، وسليمان، كلاهما عن أبيهما، ولكن رواية محارب بن دثار، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه، وكذا رواية عطاء الخراسانىّ، وأما رواية علقمة بن مرثد، فعن سليمان، عن أبيه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[ ١٨ / ٦٤٠ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بريدة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٢٦٠ و٢٢٦١] (٩٧٧)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣٦٩٨)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٥٤ و١٥١٠ و١٨٦٩)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٢٠٣٢ و٢٠٣٣ و٤٤٢٩ و٤٤٣٠ و٥٦٥١ و٥٦٥٢ و٥٦٥٣ و٥٦٥٤ و٥٦٥٥ و٥٦٧٨) و"الكبرى" (١٠٠ و٢١٥٩ و٢١٦٠ و٤٥١٨ و٤٥١٩)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (٣٤٠٥)، و(الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٥٣٠ و٥٣١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٧٦ و٧٧)، و(الدارقطني) في "سننه" (٤/ ٢٥٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٥/ ٨٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢٩)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٥٦٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥/ ٨٢) و"الأوسط" (٣/ ٢١٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ٢٤٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٥٥ و٣٥٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان إباحة زيارة القبور، ونسخه بعد أن كان منهيًّا عنه، بشرط أن لا يقولوا منكرًا من القول، وأن لا يفعلوا فعلًا منكرًا أيضًا.
٢ - (ومنها): نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، وسيأتي تمام الكلام عليه في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): نسخ النهي عن الانتباذ، إلا في الأسقية، وإباحته في كلّ وعاء، بشرط الاتقاء عن شرب المسكر، وسيأتي تمام الكلام فيه أيضًا في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
٤ - (ومنها): بيان جواز النسخ في الشرع، ووقوعه، وهو مجمع عليه عند المسلمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم زيارة القبور:
قال الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" بعد أن أخرج حديث الباب ما
[ ١٨ / ٦٤١ ]
نصّه: والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بزيارة القبور بأسًا، وهو قول ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
وقال أيضًا بعد أن أخرج حديث أبي هريرة - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - لعنَ زَوّارات القبور" ما نصه: وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخّص النبيّ - ﷺ - في زيارة القبور، فلما رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء، لقلة صبرهنّ، وكثرة جزعهنّ. انتهى كلام الترمذيّ ﵀ (^١).
وقال العلامة القرطبيّ ﵀: قوله: "فزوروها" نصّ في النسخ للمنع المتقدّم، لكن اختلف العلماء، هل هذا النسخ عامّ للرجال وللنساء، أم هو خاصّ للرجال، دون النساء؛ والأول أظهر. وقد دلّ على صحة ذلك أنه - ﷺ - قد رأى امرأة تبكي عند قبر، فلم يُنكر عليها الزيارة، وإنما أنكر عليها البكاء.
وقال أيضًا عند قوله: "فإنها تذكّر الموت" ما نصّه: وتَذَكُّر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء، على أن أصحّ ما في نهي النساء عن زيارة القبور ما خرّجه الترمذيّ، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - "لعن زَوّارات القبور"، صححه الترمذيّ على أن في إسناده عُمَر بن أبي سلمة، وهو ضعيف عندهم. ثم إن هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة؛ لأن زوّارات للمبالغة، ويمكن أن يقال: إن النساء إنما يُمنعن من إكثار الزيارة؛ لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج، والتبرّج، والشهرة، والتشبّه بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولِمَا يُخاف عليها من الصُّرَاخ، وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا يُفرّق بين الزائرات، والزوّارات، والصحيح نسخ المنع عن الرجال والنساء، كما تقدّم، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبىّ ﵀، هو الحقّ؛ لقوة دليله، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
وقال الحافظ ﵀ في "الفتح": قال النوويّ تبعًا للعبدريّ، والحازميّ،
_________________
(١) انظر: "جامع الترمذيّ" ٣/ ٣٦١ - ٣٦٣.
(٢) "المفهم" ٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣.
[ ١٨ / ٦٤٢ ]
وغيرهما: اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال جائزة، كذا أطلقوا، وفيه نظر؛ لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين، وإبراهيم النخعيّ، والشعبىّ الكراهة مطلقًا، حتى قال الشعبيّ: لولا نهي النبي - ﷺ - لزرت قبر ابنتي. فلعلّ من أطلق أراد بالاتفاق ما استقرّ عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ، والله أعلم.
ومقابل هذا قول ابن حزم: إن زيارة القبور واجبة، ولو مرّة واحدة في العمر، لورود الأمر به.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم أن الصواب كون الأمر للاستحباب؛ لصحة قوله - ﷺ - في رواية النسائيّ ﵀: "فمن أراد أن يزور فليزر"، ولعلّ ابن حزم لم يستحضر هذه الرواية حينما قال بالوجوب، والله تعالى أعلم.
قال: واختُلف في النساء، فقيل: دخلن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحلّه ما إذا أُمِنت الفتنة، ويؤيد الجواز حديث الباب -يعني حديث أنس - ﵁ - الذي أورده البخاريّ مستدلًّا على مشروعية زيارة القبور، فقال في "صحيحه":
(١٢٨٣) - حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك - ﵁ -، قال: مَرّ النبيّ - ﷺ -، بامرأة تبكي عند قبر، فقال: "اتقي الله، واصبري"، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبيّ - ﷺ -، فأتت بابَ النبيّ - ﷺ -، فلم تجد عنده بَوّابِين، فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر، عند الصدمة الأولى".
وموضع الدلالة منه أنه - ﷺ - لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريرُهُ - ﷺ - حجة. وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة - ﵂ -، فروى الحاكم من طريق ابن أبي مليكة، أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن، فقيل لها: أليس قد نهى النبيّ - ﷺ - عن ذلك؟ قالت: نعم، كان نهى، ثم أمر بزيارتها.
وقيل: الإذن خاصّ بالرجال، ولا يجوز للنساء زيارة القبور، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في "المهذّب"، واستدلّ بحديث أحمد، والنسائيّ عن
[ ١٨ / ٦٤٣ ]
عبد الله بن عمرو، قال: "بينما نحن نسير مع رسول الله - ﷺ -؛ إذ بصر بامرأة … " الحديث، وفيه: قال لها: "ما أخرجك من بيتك، يا فاطمة؟ "، قالت: أتيت أهل هذا الميت، فترحّمت إليهم، وعزيتهم بميتهم، قال: "لعلك بلغت معهم الكُدَى؟ " قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، فقال لها: "لو بلغتها معهم، ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك". لكن الحديث ضعيف، ضعفّه النسائيّ.
وبحديث: "لعن الله زَوّارات القبور"، أخرجه الترمذيّ، وصححه من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث ابن عباس، ومن حديث حسان بن ثابت.
قال: واختلف من قال بالكراهة في حقّهنّ، هل هي كراهة تحريم، أو تنزيه؟. انتهى كلام الحافظ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح في هذه المسألة هو ما عليه أكثر أهل العلم، من أن زيارة القبور جائزة للرجال والنساء؛ لصحّة الأحاديث بذلك:
[فمنها]: حديث الباب، فإن الخطاب، وإن كان للذكور، إلا أنه يشمل النساء بدليل الأحاديث الأخرى.
[ومنها]: حديث عائشة - ﵂ - الذي تقدّم قبل هذا، وفيه: أنها قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟، قال: "قولي: السلام على أهل الديار، من المؤمنين، والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا، والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون"، فإنه - ﷺ - علّمها ما يُشرَع قوله عند زيارة القبور، ولم يمنعها من الزيارة، فدل على جوازه للنساء.
[ومنها]: ما أخرجه الحاكم بإسناد صحيح من طريق أبي التيّاح يزيد بن حميد، عن عبد الله بن أبي مليكة: "أن عائشة - ﵂ - أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله - ﷺ - نهى عن زيارة
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٩٢ - ٤٩٣.
[ ١٨ / ٦٤٤ ]
القبور؟ قالت: نعم كان نهى، ثمّ أمر بزيارتها" (^١).
[ومنها]: حديث أنس - ﵁ - عند الشيخين، وقد تقدم قريبًا، فإنه - ﷺ - لم ينكر عليها زيارتها للقبر، وإنما أنكر عليها البكاء، وعدمَ الصبر، ولذلك استدلّ به الإمام البخاريّ على جواز زيارة القبور، ولم يذكر من الأحاديث الدالّة على الجواز في "باب زيارة القبور" غيره، قال الحافظ في "الفتح": وكأنه لم تثبت على شرطه الأحاديث المصرّحة بالجواز.
والحاصل أن هذه الأحاديث الصحاح تدلّ دلالة واضحة على جواز زيارة القبور للنساء، ولم يأت المانعون بحجة تُعارض هذه الأحاديث الصحاح، فكلّ ما استدلّوا به من الأحاديث لا يخلو من كلام.
[فمنها]: حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي تقدم: "أنه - ﷺ - لعن زَوّارات القبور"، فهو وإن صححه الترمذي، إلا أن في سنده عُمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والأكثرون على تضعيفه.
[ومنها]: حديث حسان بن ثابت - ﵁ -، أخرجه أحمد، وابن ماجه، واللفظ له: "لعن رسول الله - ﷺ - زوّارات القبور"، وفي سنده عبد الرحمن بن بَهْمان، لم يرو عنه غير عبد الله بن عثمان بن خُثيم، وقال ابن المدينيّ: لا يعرف، ووثقه بعضهم.
[ومنها]: حديث ابن عباس - ﵁ -، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، بلفظ: "لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور، والمتخذين عليها السرج"، وفي سنده أبو صالح باذان، أو باذام، مولى أم هانئ ضعفوه، ومنهم من كذّبه.
فهذه الأحاديث، وإن قيل: إنها يتقوّى بعضها ببعض، لكنها لا تعارض الأحاديث السابقة الصحيحة، لأمور:
(أحدهما): رجحان تلك عليها، من حيث الصحّة.
(الثاني): أن الظاهر كون النبيّ - ﷺ - قالها قبل النسخ، كما بيّنته عائشة - ﵂ -، لما سألها ابن أبي مليكة، كما تقدّم.
(الثالث): أنها محمولة على ما إذا كانت زيارتهنّ مشتملة على محظور،
_________________
(١) راجع: "المستدرك" ١/ ٣٧٦.
[ ١٨ / ٦٤٥ ]
من النياحة، والجزع، وتجديد الحزن، أو من التبرّج، والتزيّن الذي يتسبب للفتنة.
وقد تقدم عن القرطبي ﵀، أن اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة؛ لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يُفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرّج، وما ينشأ من الصياح، وقد يقال: إذا أُمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن؛ لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء. انتهى.
قال الشوكانيّ ﵀: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر. انتهى (^١).
والحاصل أن الصواب جواز زيارة القبور للنساء، لكن بشرط أن يكنّ ملتزمات بحدود الشرع، الذي أوجبه الشرع عليهنّ عند الخروج إلى المساجد، ونحوها، بأن يكنّ محتجبات، غير متطيبات، وغير مُظهرات زينتهنّ، وغير قاصدات للمحظور المذكور، من النياحة، بل لمجرّد السلام، والدعاء للميت، وتذكر الآخرة، والاعتبار بأصحاب القبور، كما بيّن النبيّ - ﷺ - ذلك حينما أمر بزيارتها، بقوله: "إنها تذكر الآخرة"، وقوله: "تزهد في الدنيا"، و"تُرِقّ القلب، وتُدمع العين"، وأشار - ﷺ - إلى اجتناب المحظورات بقوله: "فلا تقولوا هُجرًا"، والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[٢٢٦١] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِىِّ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، أُرَاهُ عَنْ أَبِيهِ، الشَّكُّ مِنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٤/ ١٣٤ - ١٣٥.
[ ١٨ / ٦٤٦ ]
٣ - (زُبَيْدٌ الْيَامِىُّ) هو: زبيد بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية زُبيد الياميّ، عن محارب هذه، ساقها النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال:
(٤٤٢٩) - أخبرنا عمرو بن منصور، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد، وهو النفيليّ، قال: حدّثنا زهير (ح) وأنبأنا محمد بن معدان بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن بن أعين، قال: حدّثنا زهير، قال: حدّثنا زُبيد بن الحارث، عن محارب بن دِثَار، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إني كنت نهيتكم عن ثلاث: عن زيارة القبور فزوروها، ولتزدكم زيارتها خيرًا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا منها، وأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشربوا في أيّ وِعاء شئتم، ولا تشربوا مسكرًا"، ولم يذكر محمد: "وأمسكوا". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[…] (…) - (ح) وَحَدَّثنَا (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ -ﷺ-.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ) بن محمد بن سفيان السُّواليّ، أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ ربما خالف [٩] (ت ٢١٥) على الصحيح (ع) وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وقد سبق له أثرٌ واحد في "المقدّمة" ٦/ ٦١.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٨ / ٦٤٧ ]
[تنبيه]: رواية سليمان بن بُريدة، عن أبيه هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ٥٦) فقال:
(٢١٩٢) - حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا قبيصة (^١)، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان، عن أبيه (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا الحسين بن محمد بن حماد الحرانيّ، ثنا ابن بشار، والمغيرة بن عبد الرحمن، ثنا أبو عاصم، ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمد - ﷺ - في زيارة قبر أمه، فزوروها، فإنها تذكر الآخرة".
قال: رواه مسلم عن أبي بكر، عن قبيصة، عن سفيان، لفظ قبيصة (^٢): "سألت ربي الزيارة لقبر أمي، فأَذن لي، فزاره، فبكى، فلم نَرَ يومًا أكثر باكيًا من يومئذ". انتهى.
[تنبيه آخر]: رواية سليمان بن بُريدة، عن أبيه هذه أخرجها المصنّف هنا في "الجنائز" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن قبيصة بن عُقبة، -وفي "الأضاحي" عن حجاج بن الشاعر، عن أبي عاصم الضحّاك بن مَخْلد- كلاهما عن سفيان، عن علقمة بن مَرْثد، عنه به، وأعاده في "الأشربة" عن حجاج بقصّة الظروف، قاله الحافظ المزّيّ ﵀ (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[…] (…) - (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِي - ﷺ - كُلُّهُمْ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ.
_________________
(١) وقع في النسخة: "قتيبة"، والظاهر أنه غلط، فتنبّه.
(٢) وقع في النسخة أيضًا: "قتيبة"، والظاهر أنه غلط، فتنبّه.
(٣) "تحفة الأشراف" ٢/ ٨٤.
[ ١٨ / ٦٤٨ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدّمة" ٤/ ١٨.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّىّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، عَمِي، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٥ - (مَعْمَرُ) بن راشد البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٦ - (عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِىُّ) هو: عطاء بن أبي مسلم، أبو أيوب، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو صالح البلخيّ: نزيل الشام، مولى الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرَة الأزديّ، اسم أبيه عبد الله، ويقال: ميسرة، صدوقٌ يَهِم كثيرًا، ويُرسل، ويدلّس [٥].
رَوَى عن الصحابة مرسلًا، كابن عباس، وعدي بن عدي الكنديّ، والمغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وأنس، وكعب بن عجرة، ومعاذ بن جبل، وغيرهم.
ورَوَى عنه عثمان ابنه، وشعبة، وإبراهيم بن طهمان، وأبو عبد الرحمن إسحاق بن أسيد الخراساني، وداود بن أبي هند، ومعمر، وابن جريج، والأوزاعي، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة صدوق، قلت: يحتج به؟ قال: نعم. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: ثقة في نفسه، إلا أنه لم يَلْقَ ابن عباس. وقال أبو داود: ولم يدرك ابن عباس، ولم يره. وقال حجاج بن محمد عن شعبة: ثنا عطاء الخراسانيّ، وكان نسيًّا. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، يخطئ، ولا يَعْلَم، فبطل الاحتجاج به. قال ابن القطان: اسم أبيه عبد الله، كذا جزم به، وهذا قول مالك، وكان إبراهيم
[ ١٨ / ٦٤٩ ]
الصائغ يكنيه، وأما الأكثر فقالوا: ابن ميسرة، منهم أحمد، ويحيى بن معين، وقد ترجم البخاري لعطاء الخراساني ترجمتين: أحدهما عطاء بن عبد الله، قال: وهو ابن أبي مسلم، والثاني عطاء بن ميسرة، وقال الخطيب في: "الموضح": هما واحد. وقال ابن سعد: كان ثقة، روى عنه مالك. وقال الطبراني: لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من أنس. وقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: كان يُحيي الليل. وعن عطاء: قال: أوثق أعمالي في نفسي نشر العلم. قال ابنه عثمان بن عطاء: مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وقال أبو نعيم الحافظ: كان مولده سنة (٥٠).
أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وليس في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية عطاء الخراسانيّ، عن عبد الله بن بُريدة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٢٢٤٩٦) - حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن عطاء الخراسانيّ، حدّثني عبد الله بن بُريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الآخرة، ونهيتكم عن نبيذ الجرّ، فانتبذوا في كل وعاء، واجتنبوا كل مسكر، ونهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا، وتزوّدوا، وادَّخِرُوا". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.