وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٩] (١٠٣٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيةَ يَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ، إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ فِي اللهِ ﷿، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ، فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَشَرَهٍ، كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (زيدُ بْنُ الْحُبَابِ) الْعُكليّ، أبو الحسين الكوفيّ، خُرَاسانيّ الأصل، صدوقٌ يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٦٠.
٣ - (مُعَاوِيةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدير الْحَضْرميّ، أبو عمر، أو أبو عبد الرحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، ثقةٌ له إفرادات [٧] (ت ١٥٨) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
٤ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ) أبو شعيب الإياديّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١ أو ١٢٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
[ ١٩ / ٥٩٩ ]
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيُّ) -بفتح الياء التحتانيّة، وسكون الحاء، وفتح الصاد المهملتين، بعدها موحّدة- هو: عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة اليَحْصَبيّ المقرئ الدمشقيّ، أبو عمران، وقيل: أبو عبيد الله، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو نعيم، وقيل: أبو عثمان، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو موسى، والأول أصحّ، ثقة [٣].
قرأ القرآن على المغيرة بن أبي شهاب، وقرأ عليه إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، وأبو عبيد الله مسلم بن مِشْكَم، ويحيى بن الحارث الذِّمَاريّ، ورَوَى عن معاوية، والنعمان بن بشير، وأبي أمامة، وفَضَالة بن عُبيد، وواثلة بن الأسقع، وأبي إدريس الخولانيّ، وقيس بن الحارث الغامديّ الْمَذْحِجيّ.
ورَوَى عنه أخوه عبد الرحمن، وربيعة بن يزيد، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وجعفر بن ربيعة، ومحمد بن الوليد الزُّبَيديّ، وغيرهم.
قال الهيثم بن عمران: كان عبد الله بن عامر رئيس أهل المسجد زمانَ الوليد بن عبد الملك، وكان يزعم أنه من حِمْيَر، وكان يُغْمَز في نسبه، وقال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: أحسبه الذي رَوَى عن أبي أيوب، وقال أبو عمرو الدانيّ: وَلي قضاء دمشق بعد بلال بن أبي الدرداء، ثم كان على مسجد دمشق، لا يَرَى فيه بدعة إلا غَيَّرها، وكان عالمًا قاضيًا صدوقًا، اتخذه أهل الشام إمامًا في قراءته واختياره.
وقال محمد بن سعد: مات سنة ثماني عشرة ومائة، وكان قليل الحديث، وقال يحيى بن الحارث الذِّمَاريّ: وُلد سنة (٢١) في أولها، ومات في أول عاشوراء من المحرم سنة (١١٨) وفيها أَرَّخه غير واحد، ورُوي عن خالد بن يزيد بن صالح بن صبيح المزنيّ أنه قال: وُلد عبد الله بن عامر سنة (١٨) من الهجرة، وكان له يوم مات مائة وعشر سنين.
تفرّد به المصنّف وله عنده هذا الحديث فقط، والترمذيّ، وله عنده قوله -ﷺ-: "يا عثمان لعلّ الله يُقَمِّصك بقميص … " الحديث.
٦ - (مُعَاوِيةُ) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أُميّة الأمويّ، أبو
[ ١٩ / ٦٠٠ ]
عبد الرحمن الخليفة، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة (٦٠) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الصلاة" ٨/ ٨٥٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين من معاوية بن صالح.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ -﵄-، وقد تولى الخلافة أربعين سنة، وكان قبلها أميرًا عشرين سنة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيِّ) بفتح الياء والصاد، هو أحد القرّاء السبعة، وقد ذكره الشاطبيّ ﵀ بقوله:
وَأَمَّا دِمَشْقُ الشَّامِ دَارُ ابْنِ عَامِرٍ … فَتِلْكَ بِعَبْدِ اللهِ طَابَتْ مُحَلَّلَا
[تنبيه]: "الْيَحْصَبِيّ" بضمّ الصاد، وفتحها: منسوب إلى بني يحصب، هكذا قال النوويّ ﵀.
وقال في "اللباب": "الْيَحْصبيّ" بفتح الياء، وسكون الحاء، وكسر الصاد المهملة، وقيل: بضمّها، وكسر الموحّدة، هذه النسبة إلى يحصب، وهي قبيلة من حِمْيَر، وهو يحصب بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن عبد شمس بن وائل بن غوث، ويُنسب إليهم خلق كثير، وأكثرهم نزلوا الشام ومصر. انتهى (^١).
وقال في "القاموس": وَيحْصُب مثلّثة الصاد: حيّ باليمن، والنسبة مثلّثة أيضًا، لا بالفتح فقط، كما زَعَم الجوهريّ. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن اليحصبيّ مثلّث الصاد، وليس مقصورًا على الضمّ والفتح، كما صرّح به النوويّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٤٦٢.
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ٥٥.
[ ١٩ / ٦٠١ ]
(قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ) قال في "العمدة": فيه حذف المسموع؛ لأن المسموع هو الصوت، لا الشخص، قال الزمخشريّ: تقول: سمعت رجلًا يقول كذا، فتوقع الفعل على الرجل، وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يُسْمَع، أو جعلته حالًا عنه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف، أو الحال لم يكن منه بُدٌّ أن يقال: سمعت قول فلان. انتهى (^١).
وقوله: (يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من "معاوية" (إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ) هكذا هو في أكثر النسخ "وأحاديث" بالتنكير، وفي بعضها: "والأحاديث" بالتعريف، وكلاهما صحيحان.
[تنبيه]: قوله: "إياكم وأحاديث" هو النوع المسمّى عند النحاة بالتحذير، وهو تنبيه المخاطب على أمر يجب الاحتراز منه، وهو منصوب بعامل محذوف وجوبًا، والتقدير: إياكم أُحَذّر، ودعوا أحاديث، وقيل في التقدير غير ذلك، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال:
"إِيَّاكَ وَالشَّرَّ" وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لإِيَّا انْسُبْ وَمَا … سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا
إِلَّا مَعَ الْعَطْفِ أَوِ التَّكْرَارِ … كَـ "الضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي"
(إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵁-، ثمّ بيّن سبب استثنائه الحديث الذي كان في زمن عمر -﵁- بقوله: (فَإِنَّ) الفاء للتعليل؛ أي لأن (عُمَرَ) -﵁- (كَانَ يُخِيفُ) بضمّ أوله، من الإخافة (النَّاسَ) منصوب على المفعوليّة (فِي اللهِ ﷿) قال النوويّ ﵀: مراد معاوية -﵁- النهي عن الإكثار من الأحاديث بغير تثبّت لَمّا شاع في زمنه من التحديث عن أهل الكتاب، وما وُجِد في كتبهم حين فُتِحَت بلدانهم، وأمرهم بالرجوع في الأحاديث إلى ما كان في زمن عمر -﵁-؛ لضبطه الأمر، وشدّته فيه، وخوف الناس من سَطْوته، ومنعه الناس من المسارعة إلى الأحاديث، وطلبه الشهادة على ذلك حتى استقرّت الأحاديث، واشتهرت السنن. انتهى (^٢).
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ يَقُولُ: "مَنْ) موصولة تضمنت معنى الشرط،
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢/ ٥٠.
(٢) "شرح النووي" ٧/ ١٢٧ - ١٢٨.
[ ١٩ / ٦٠٢ ]
فلذلك جزم بها "يُرِدْ"، و"يُفَقِّهْهُ"؛ لأنهما فعل الشرط والجزاء (يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا) أي منفعةً، وهو ضدُّ الشرّ، وهو هنا اسم، وليس بأفعل تفضيل، وإنما نكّره لإفادة التعميم؛ لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي، فالمعنى: مَن يرد الله به جميع الخيرات، ويجوز أن يكون التنوين للتعظيم، والمقام يقتضي ذلك، كما في قول الشاعر:
لَهُ حَاجِبٌ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ يَشِينُهُ
أي حاجبٌ عظيم، ومانعٌ قويّ.
(يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ") بجزم "يُفقّهه" على أنه جواب الشرط؛ أي يجعله فقيهًا في الدين، والفقه لغة الفهم، وعُرفًا العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال، ولا يناسب هنا إلَّا المعنى اللغويّ؛ ليتناول فهم كل علم من علوم الدين.
وقال الحسن البصريّ: الفقيه هو الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، والبصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه.
وقال في "اللسان": الفقه: العلم بالشيء، والفهم له، وغَلَب على علم الدين؛ لسيادته، وشرفه، وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النَّجْم على الثُّرَيّا، والْعُود على الْمَنْدَل، قال ابن الأثير: واشتقاقه من الشِّقِّ والْفَتْح، وقد جعله العرف خاصًّا بعلم الشريعة -شرّفها الله تعالى- وتخصيصًا بعلم الفروع منها، وقال غيره: والفقه في الأصل: الفهم، يقال: أُوتي فلان فقهًا في الدين؛ أي فَهْمًا فيه، قال الله عز جل: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ أي ليكونوا علماء به. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "يُفَقِّهْهُ": أي يُفَهِّمه، وهي ساكنة الهاء؛ لأنها جواب الشرط، يقال: فَقُه بالضم: إذا صار الفقه له سجيةً، وفَقَهَ بالفتح: إذا سبق غيرَهُ إلى الفهم، وفَقِهَ بالكسر: إذا فَهِمَ، ونَكَّر "خيرًا"؛ ليشمل القليل والكثير، أو التنكير للتعظيم؛ لأن المقام يقتضيه، ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين؛ أي يتعلم قواعد الإسلام، وما يتصل بها من الفروع، فقد حُرِمَ الخير، وقد أخرج أبو يعلى حديثَ معاوية -﵁- من وجه آخر ضعيف، وزاد في
_________________
(١) "لسان العرب" ١٣/ ٥٢٢.
[ ١٩ / ٦٠٣ ]
آخره: "ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به"، والمعنى صحيحٌ؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا، ولا طالب فقه، فيصحُّ أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم. انتهى (^١).
قال معاوية -﵁-: (وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "إِنَّمَا) من أدوات الحصر (أَنَا) مبتدأ، وخبره قوله: (خَازِنٌ) اسم فاعل، من خَزَنَ المال، من باب نصر: إذا أحرزه.
وفي الرواية الآتية: "وإنما أنا قاسم، والله يُعطي"، ومعناه: أن المعطي حقيقةً هو الله تعالى، ولست أنا معطيًا، وإنما أنا خازنٌ على ما عندي، ثم أَقْسِم ما أُمِرت بقسمته على حسب ما أُمرت به، فالأمور كلها بمشيئه الله تعالى وتقديره، والإنسان مُصَرَّفٌ مربوب، قاله النوويّ ﵀ (^٢).
وقال في "العمدة": فيه "إنما" التي تفيد الحصر، والمعنى: ما أنا إلَّا قاسمٌ.
[فإن قلت]: كيف يصحّ هذا، وله -ﷺ- صفات أخرى، مثل كونه رسولًا، ومبشرًا، ونذيرًا؟.
[أجيب]: بأن الحصر بالنسبة إلى اعتقاد السامع، وهذا ورد في مقامٍ كان السامع معتقدًا كونه معطيًا، وإن اعتقد أنه قاسمٌ، فلا ينفي إلَّا ما اعتقده السامع، لا كلَّ صفة من الصفات، وحينئذٍ إن اعتقد أنه معطٍ لا قاسمٌ، فيكون من باب قصر القلب؛ أي ما أنا إلَّا قاسمٌ؛ أي لا معطٍ، وإن اعتقد أنه قاسمٌ ومعطٍ أيضًا، فيكون من قصر الإفراد؛ أي لا شَرْكة في الوصفين؛ أي بل أنا قاسم فقط.
ومعناه: أنا أَقْسِم بينكم، فأُلقي إلى كل واحد ما يليق به، والله يُوَفِّق من يشاء منكم لفهمه، والتفكر في معناه.
وقال التوربشتيّ ﵀: اعلم أن النبيّ -ﷺ- أعلم أصحابه أنه لم يُفَضِّل في
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٢٩٠ كتاب "العلم" رقم (٧١).
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٩.
[ ١٩ / ٦٠٤ ]
قسمة ما أوحى الله إليه أحدًا من أمته على أحد، بل سوَّى في البلاغ، وعَدَلَ في القسمة، وإنما التفاوت في الفهم، وهو واقع من طريق العطاء، ولقد كان بعض الصحابة -﵃- يسمع الحديث، فلا يفهم منه إلّا الظاهر الجليّ، ويسمعه آخر منهم، أو من بعدهم، فيستنبط منه مسائل كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقال الشيخ قطب الدين ﵀ في "شرحه": قوله: "إنما أنا قاسم"؛ يعني أنه لم يستأثر بشيء من مال الله، وقال النبيّ -ﷺ-: "ما لي بما أفاء الله عليكم إلَّا الخمس، وهو مردود عليكم"، وإنما قال: "أنا قاسم"؛ تطييبًا لنفوسهم؛ لمفاضلته في العطاء، فالمال لله، والعباد لله، وأَنا قاسم بإذن الله ماله بين عباده.
قال العينيّ ﵀: بين الكلامين بَوْنٌ؛ لأن الكلام الأول يُشْعِر القسمة في تبليغ الوحي، وبيان الشريعة، وهذا الكلام صريح في قسمة المال، ولكل منهما وجه.
أما الأول: فإن نَظَر صاحبه إلى سياق الكلام، فإنه أخبر فيه أن من أراد الله به خيرًا يفقهه في الدين؛ أي في دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقيل: الفقهُ في الدين: الفقهُ في القواعد الخمس، ويتصل الكلام عليها في الأحكام الشرعية، ثم لما كان فقههم متفاوتًا؛ لتفاوت الأفهام أشار إليه النبيّ -ﷺ- بقوله: "إنما أنا قاسم"؛ يعني أن هذا التفاوت ليس مني، وإنما الذي هو مني هو القسمة بينكم؛ يعني تبليغ الوحي إليهم، من غير تخصيص بأحد، والتفاوت في أفهامهم من الله تعالى؛ لأنه هو المعطي، يعطي الناس على قدر ما تعلقت به إرادته؛ لأن ذلك فضل منه يؤتيه من يشاء.
وأما الثاني: فإن نَظَر صاحبه إلى ظاهر الكلام؛ لأن القسمة حقيقةً تكون في الأموال، ولكن يتوجه هنا السؤال عن وجه مناسبة هذا الكلام لما قبله، ويمكن أن يجاب عنه بأن مَوْرِد الحديث كان وقت قسمة المال حين خصص -ﷺ- بعضهم بالزيادة؛ لحكمة اقتضت ذلك، وخَفِيت عليهم، حتى تَعَرَّض بعضهم بأن هذه قسمة فيها تخصيص لناس، فرَدّ عليهم النبيّ -ﷺ- بقوله: "من يرد الله
[ ١٩ / ٦٠٥ ]
به … إلخ"؛ يعني من أراد الله به خيرًا يوفقه، ويزيد له في فهمه في أمور الشرع، ولا يعترض لأمر ليس على وفق خاطره؛ إذ الأمر كله لله، وهو الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يزيد وينقص، والنبيّ -ﷺ- قاسم، وليس بمعطٍ حتى يُنْسَب إليه الزيادة والنقصان، وعن هذا فَسَّر أصحاب الكلام الثاني قوله -ﷺ-: "والله يعطي" بقولهم: أي مَن قسمت له كثيرًا فبقدر الله تعالى، وما سبق له في الكتاب، وكذا من قسمت له قليلًا فلا يزداد لأحد في رزقه، كما لا يزداد في أجله.
وقال الداوديّ ﵀: في قوله: "إنما أنا قاسم، والله يعطي" دليل على أنه إنما يعطي بالوحي، ثم قال في آخر كلامه: إن شأن أمته القيامُ على أمر الله إلى يوم القيامة، وهم الذين أراد الله بهم خيرًا حتى فَقِهُوا في الدين، ونصروا الحقّ، ولم يخافوا ممن خالفهم، ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. انتهى (^١).
(فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ) بحذف المفعول الثاني؛ أي المالَ (عَنْ طِيبِ نَفْسٍ) أي طيب نفسه -ﷺ-، وانشراح صدره لما أعطاه؛ يعني أنه لم يُعطه كارهًا (فَيُبَارَكُ) بالبناء للمفعول؛ أي يجعل الله تعالى البركة.
[تنبيه]: دخول الفاء على المضارع إذا وقع جواب شرط جائزٌ، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣] ويكون الفعل مرفوعًا، بتقدير مبتدأ، والجملة جواب الشرط (^٢)؛ أي فهو يبارك له فيه، وفي رواية الطبرانيّ: "فإنه يبارك له فيه" (لَهُ) أي للشخص الْمُعْطَى (فِيهِ) أي في ذلك المال الذي أعطاه -ﷺ- له (وَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ) "عن" هنا بمعنى "بَعْد"؛ أي بعد مسألته، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]؛ أي بعد قليل، وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦ والمائدة: ١٣] أي بعد مواضعه، بدليل قوله في مكان آخر: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]، وقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٩]؛ أي حالًا بعد حال، وقول الشاعر [من الرجز]:
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٢/ ٥١ - ٥٢.
(٢) راجع: "حاشية الخضري على ابن عقيل" ٢/ ١٩٠.
[ ١٩ / ٦٠٦ ]
وَمَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ عَنْ مَنْهَلِ … قَفْرٍ بِهِ الأَعْطَانُ لَمْ تُسَهَّلِ (^١)
(وَشَرّهٍ) بفتحتين؛ أي شدّة حرص، يقال: شَرِهَ على الطعام وغيره شَرَهًا، من باب تَعِبَ، حَرَصَ أشدّ الحرص، فهو شَرِهٌ (^٢). (كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ") قيل: هو الذي به داء لا يَشبع بسببه، وقيل: المراد تشبيهه بالبهيمة الراعية، والأول الأصحّ، وقد تقدّم بيانه.
زاد في رواية الطبرانيّ في آخر هذا الحديث: وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يقول: "لا تَزَالُ أُمَّةٌ من أُمَّتِي قَائِمَةً على أَمْرِ اللهِ، لا يَضُرُّهُمْ من خَالَفَهُمْ، وَلا من خَذَلَهُمْ، حتى يَأْتِيَ اللهُ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ على الناس" (^٣)، وقد تقدّم معنى هذه الزيادة للمصنّف في "كتاب الإيمان"، من حديث جابر -﵁-، ومضى الكلام عليها، وستأتي أيضًا في "كتاب الإمارة" من حديث معاوية، وغيره، وسنتكلّم عليها هناك -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاوية -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٣٨٩] (١٠٣٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٩٧ و٩٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ١٩٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٣٧٠ و٣٧١) و"مسند الشاميين" (٣/ ١٢٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٣٤٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان شدّة معاوية -﵁- حيث كان يُحذّر الناس من التحديث بالأحاديث التي لا يعتني بحفظها الناس، ولا يبالون ممن أخذوا؛ لئلا يقعوا في الكذب على رسول الله -ﷺ-، وحثّهم على التحديث بما كان في أيام
_________________
(١) راجع: "مغني اللبيب" ١/ ٢٩٨.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣١٢.
(٣) "المعجم الكبير" ١٩/ ٣٧٠.
[ ١٩ / ٦٠٧ ]
عمر -﵁-؛ لأن الناس كانوا معتنين بالحديث في أيامه؛ لأنه كان يخوّفهم بالله، ويشدّد عليهم في العناية بالحديث.
٢ - (ومنها): بيان فيه فضيلة العلم، والتفقه في الدين، والحثّ عليه؛ لأنه قائد إلى تقوى الله تعالى، والتزام طاعته، كما قال ﷿: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
٣ - (ومنها): بيان أنه -ﷺ- خازنٌ لما أوحي إليه من أمر الدين، وكذا لمال الله الذي آتاه له، وإنما المعطي هو الله تعالى، فتفاوت عطاياه للناس إنما كان بأمر الله ﷿، لا من عند نفسه -ﷺ-.
٤ - (ومنها): بيان المال الذي أصابه الإنسان بالعطاء يكون مباركًا إذا كان عن طيب نفس المعطي.
٥ - (ومنها): بيان أن ما حصل للإنسان من المال عن مسألته، وشرهه، فلا يبارك له فيه، بل كان كالذي يأكل ولا يَشْبَع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا وتعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٠] (١٠٣٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ هَمَّام، عَنْ مُعَاوِيةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، فَوَاللهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا، وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ، فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الْجُمَحيّ، أبو محمد الأثرم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٤ - (وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل بن سيح بن ذي كناز اليمانيّ الصنعانيّ الذِّمَاريّ، أبو عبد الله الأَبْنَاويّ، ثقةٌ [٣].
[ ١٩ / ٦٠٨ ]
رَوَى عن أبي هريرة، وأبى سعيد، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وجابر، وأنس، وعمرو بن شعيب، وأبي خليفة البصريّ، وأخيه همام بن منبه، وغيرهم.
ورَوى عنه ابناه: عبد الله وعبد الرحمن، وابنا أخيه عبد الصمد وعقيل ابنا معقل بن منبه، وسبطه إدريس بن سنان، وعمرو بن دينار، وروى هو أيضًا عنه، وسماك بن الفضل، وإسرائيل أبو موسى، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: كان من أبناء فارس، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وكان على قضاء صنعاء، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عمرو بن عليّ الفلاس: كان ضعيفًا (^١).
وقال أحمد بن محمد بن الأزهر: سمعت مسلمة بن هَمّام بن مسلمة بن هَمّام بن مُنَبِّه يذكر عن آبائه، قال: أصل منبه من خراسان، من أهل هَرَاة، أخرجه كسرى من هَرَاة؛ يعني إلى اليمن، فأسلم في عهد النبيّ -ﷺ-، فحسن إسلامه، فسكن ولده باليمن، وكان وهب بن منبه يختلف إلى هراة، ويتفقد أمرها، وجاء من وجهين ضعيفين عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: "سيكون رجلان في أمتي أحدهما يقال له: وهب يؤتيه الله تعالى الحكمة، والآخر يقال له: غيلان هو أضرّ على أمتي من إبليس".
قال إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الهرويّ: وُلد سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان، وقال ابن سعد وجماعة: مات سنة عشر ومائة، وقيل: مات سنة ثلاث عشرة، وقيل: سنة أربع عشرة، وقيل: سنة ست عشرة.
أخرج له البخاريّ (^٢)، والمصنّف وليس له عنده إلا هذا الحديث فقط، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه في "التفسير".
_________________
(١) هكذا ذكر في "تهذيب التهذيب" ولم يذكر سبب ضعفه، وهو محلّ نظر، والله تعالى أعلم.
(٢) روى له البخاريّ حديثًا واحدًا من روايته عن أخيه، عن أبي هريرة: "ليس أحدٌ أكثر حديثًا مني إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب".
[ ١٩ / ٦٠٩ ]
٥ - (هَمَّامُ) بن منبّه بن كامل، أبو عقبة الصنعانيّ، أخو وهب الراوي عنه، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
و"مُعَاوَيةُ" هو: ابن أبي سفيان -﵁- ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى وهب، فأخرج له ابن ماجه في "التفسير".
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض، ورواية الراوي عن أخيه.
شرح الحديث:
(عَنْ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان -﵄- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَا تُلْحِفُوا) بضم حرف المضارعة، من ألحف رباعيًّا، وذكر السنديّ أنه من ألحف، أو لحّف بالتشديد، ولم أر في كتب اللغة التشديد، فليُنظر.
قال في "اللسان": الإلحاف: شدّة الإلحاح في المسألة، وألحف السائلُ: ألحّ، قال ابن بَرّيّ: ومنه قول بشّار بن بُرْد [من الرجز]:
الْحُرُّ يُلْحِي والْعَصَا لِلْعَبْدِ … وَلَيْسَ لِلْمُلْحِفِ مِثْلُ الرَّدِّ
ونقل الأزهريّ، عن الزجّاج أن معنى ألحف شَمِلَ بالمسألة، وهو مستغنٍ عنها، قال: واللِّحَاف من هذا اشتقاقه؛ لأنه يَشمَل الإنسان في التغطية، قال: والمعنى في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي ليس منهم سؤالٌ، فيكون إلحاح، كما قال امرؤ القيس [من الطويل]:
عَلَى لَا حِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ
المعنى: ليس به منارٌ، فيُهتَدَى به. انتهى بتصرّف (^١)، وسيأتي في الباب التالي معنى الآية المذكورة -إن شاء الله تعالى-.
(في الْمَسْأَلَةِ) مصدر بمعنى السؤال؛ أي لا تبالغوا، ولا تُلِحّوا في السؤال.
_________________
(١) راجع: "لسان العرب" في مادة لحف.
[ ١٩ / ٦١٠ ]
وقال النوويّ ﵀: قوله: "ولا تُلحفوا في المسألة" هكذا هو في بعض الأصول "في المسألة" بـ "في"، وفي بعضها بالباء، وكلاهما صحيح، والإلحاف: الإلحاح. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "لا تلحفوا في المسألة" هكذا صحيح الرواية، ومعناه: لا تُنزلوا بي المسألة الملْحَفَ فيها؛ أي لا تُلحّوا عليّ في السؤال، والإلحاف: الإلحاح، وإنما نهى عن الإلحاح؛ لما يؤدّي إليه من الإبرام، واستثقال السائل، وإخجال المسؤول، حتى إنه إن أخرج شيئًا أخرجه عن غير طيب نفس، بل عن كراهة وتبرّم، وما استُخرج كذلك لم يُبارك فيه؛ لأنه مأخوذ على غير وجهه، ولذلك قال: "فتُخرِج له المسألة شيئًا، وأنا كارهٌ له"، ثم قد كان المنافقون يُكثرون سؤال رسول الله -ﷺ-؛ ليبخّلوه، فكان يُعطي العطايا الكثيرة بحسب ما يُسأل؛ لئلا يتمّ لهم غرضهم من نسبته إلى البخل، كما قال -ﷺ-: "إنهم خيّروني بين أن يسألوني بالفحش، أو يُبَخّلوني، ولست بباخل"، رواه مسلم. انتهى (^٢).
(فَوَاللهِ لَا يَسْأَلُنِي) أي بالإلحاف (أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا) أي من المال (فَتُخْرِجَ) قال القاري ﵀: بالتأنيث، والتذكير (^٣)، منصوبًا ومرفوعًا، وبالنسبة مجازيةً سببية في الإخراج. انتهى (^٤).
(لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا، وَأَنَا لَهُ) أي لذلك الشيء؛ يعني لإعطائه، أو لذلك الإخراج الدالّ عليه "تخرج" (كَارِهٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَيُبَارَكَ لَهُ) بالبناء للمفعول، والنصب بـ "أن" مضمرة بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب النفي، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
وقال الأشرف ﵀: قوله: "فيبارك له" بالنصب بعد الفاء على معنى
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٩.
(٢) "المفهم" ٣/ ٨٣.
(٣) هذا بالنسبة لرواية "مشكاة المصابيح"، وأما بالنسبة لـ"صحيح مسلم" فليس فيه إلا التاء الفوقانيّة، فتنبّه.
(٤) "مرقاة المفاتيح" ٤/ ٣٠٢.
[ ١٩ / ٦١١ ]
الجمعية؛ أي لا يجتمع إعطائي أحدًا شيئًا، وأنا كارهٌ في ذلك الإعطاء، ويُباركَ الله في ذلك الذي أعطيته إياه، ونظيره قوله -ﷺ-: "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد، فيلجَ النار … " الحديث (^١) بنصب "يَلِجَ".
وقال القرطبيّ ﵀ بعد كلام الأشرف هذا: هذا الحديث نظير قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢] في وجه الإعراب، لا في المعنى؛ لأن المعنى في الآية: الطرد المسبّب عن الحساب منفيّ عنك، فكيف تطردهم؟ فالمنفيّ الفعل المعلّل، وفي الحديث المعلّل هو المنفيّ؛ أي عدمُ السؤال الملحّ المخرج سببُ البركة، فيُفهم منه أن السؤال الملحّ سبب لعدم البركة، قال: ولو رُوي بالرفع لم يفتقر إلى هذا التكلّف، وجعله سببًا ومسبّبًا، بل يكون رفعًا على الاشتراك، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٦]. انتهى (^٢).
(فِيمَا أَعْطَيْتُهُ") أي في المال الذي أعطاه -ﷺ- له، وهو كاره لعطائه، وفيه تحريم الإلحاح في السؤال؛ لأنه ورد بصيغة النهي، وهي للتحريم ما لم يصرفها صارف، ولا صارف هنا، وأن ما أُخذ عن إلحاح لا بركة فيه.
وقال الغزاليّ: من أخذ شيئًا مع العلم بأن باعث المعطي الحياء منه، أو من الحاضرين، ولولا ذلك لما أعطاه، فهو حرام إجماعًا، ويلزمه ردّه، أو رد بدله إليه أو إلى ورثته (^٣).
وقال النوويّ: اتَّفَقَ العلماءُ على النهي عن السؤال لغير ضرورة، واختَلَف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين: أصحهما أنها حرام؛ لظاهر الأحاديث، والثاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط: أن لا يُذِلّ نفسه، ولا يُلِحّ في السؤال، ولا يكلف بالمسؤول، فإن فُقِد أحد الشروط فحرام بالاتفاق. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) متّفقٌ عليه.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٥١٢.
(٣) راجع: "المرقاة" ٤/ ٣٠٢.
[ ١٩ / ٦١٢ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث معاوية -﵁- هذا أخرجه من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٣٩٠ و٢٣٩١] (١٠٣٨)، و(النسائيّ) في "الزكا ة" (٢٥٩٣) و"الكبرى" (٢٣٧٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٢٧٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٠١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٦٤٤) (٤/ ٩٨)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٧١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٦ - ١٠٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ١٨٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٣٤٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم الإلحاف، وهو النهي عنه، والظاهر أنه للتحريم؛ إذ لا صارف له.
٢ - (ومنها): بيان نزع البركة عما أُخِذ بالإلحاف.
٣ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن ما أُخذ بدون إلحاف يبارك الله تعالى فيه، وذلك كأن يسأل لحاجة، بدون إلحاح، أو يُعطَى بغير سؤال، ويوضّح ذلك حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه المتقدّم: "فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه … " الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩١] (…) - (حَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ بِصَنْعَاءَ، فَأَطْعَمَنِي مِنْ جَوْزَةٍ فِي دَارِهِ (^١)، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوَيةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ).
_________________
(١) وفي نسخة: "من جوزة كانت في داره".
[ ١٩ / ٦١٣ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعدنيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) هذا كلام عمرو بن دينار، والجملة حاليّة من الفاعل، أو المفعول.
وقوله: (بِصَنْعَاءَ) قال الفيّوميّ ﵀: صنعاء: بلدة من قواعد اليمن، والأكثر فيها المدّ، والنسبة إليها صَنْعانيّ بالنون، والقياس صنعاويّ بالواو. انتهى (^١).
وقوله: (مِنْ جَوْزَةٍ فِي دَارِهِ) "الْجَوزة" بفتح الجيم، وسكون الواو: ثمر يؤكلٌ معربُ كَوْزة بالكاف (^٢).
وقوله: (فَذَكَرَ مِثْلَهُ) الضمير لابن أبي عمر.
[تنبيه]: رواية ابن أبي عمر، عن سفيان هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ١٠٦) من رواية الحميديّ، عن سفيان، فقال:
(٢٣١٤) - حدّثنا أبو عليّ محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميديّ، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا عمرو، سمعت وهب بن منبه، في داره بصنعاء، قال: وأطعمني من جَوْزَه (^٣) في داره، يحدّث عن أخيه، عن معاوية، أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا تُلْحِفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا، فتخرجه له مني المسألة، فأعطيه إياه، وأنا كاره، فيبارك له في الذي أعطيته". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٤٨.
(٢) راجع: "المصباح" ١/ ١١٥ و"المعجم الوسيط" ١/ ١٤٧.
(٣) وقع في النسخة: "من جودة" بالدال بدل الزاي، فأصلحته من مسلم وغيره.
[ ١٩ / ٦١٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٢] (١٠٣٧) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يَخْطُبُ، يَقُولُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَيُعْطِي اللهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ الحافظ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) تقدّم قريبًا.
و"معاوية بن أبي سفيان" -﵁-، ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
وقوله: (وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حالية من المفعول.
وقوله: (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) في محلّ نصب مقول "يقول".
وقوله: (يَقُولُ) الثاني في محلّ نصب على الحال من رسول الله -ﷺ-.
وقوله: (مَنْ) موصولة تضمنت معنى الشرط، فلذلك جُزِم بها "يَرِدْ"، و"يُفَقِّهْه"؛ لأنهما فعل الشرط والجزاء.
وقوله: (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) "إنما" من أدوات الحصر، و"أنا" مبتدأ، و"قاسم" خبره.
وقوله: "والله" أيضًا مبتدأ، و"يُعط" خبره، والجملة يصحّ أن تكون حالًا.
وقوله: "والله يُعطي" فيه تقديم لفظة "الله"؛ لإفادة التقوية عند السكاكيّ، ولا يَحْتَمِل التخصيص؛ أي الله يعطي لا محالةَ، وأما عند الزمخشريّ فيحتمله أيضًا، وحينئذٍ يكون معناه: الله يعطي لا غيره.
[ ١٩ / ٦١٥ ]
[فإن قلت]: إذا كانت جملة: "والله يعطي" حاليّةً، فما يكون معنى الحصر حينئذ؟.
[أجيب]: بأنّ الحصر بـ "إنما" دائمًا في الجزء الأخير، فيكون معناه: ما أنا بقاسم إلَّا في حال إعطاء الله، لا في حال غيره، وفيه حذف مفعول "يعطي"؛ لأنه جعله كاللازم إعلامًا بأن المقصود منه بيان هذه الحقيقة؛ أي حقيقة الإعطاء، لا بيان المفعول؛ أي الْمُعْطَى، أفاده في "العمدة" (^١)، وتمام شرح الحديث قد سبق في شرح حديث معاوية -﵁- المذكور أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاوية بن أبي سفيان -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٣٩٢] (١٠٣٧)، و(البخاريّ) في "العلم" (٧١) و"فرض الخمس" (٣١١٩) و"الاعتصام"، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (٢٢١)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٠١)، و(الدا رميّ) في "سننه" (١/ ٧٣ - ٧٤)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٢٣٨)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٤٠٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١/ ٢٩١)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٧٢٩ و٧٨٢ و٧٨٣ و٧٨٤ و٧٨٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٣١)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٢/ ٥٢.
[ ١٩ / ٦١٦ ]