وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٦٢] (٩٧٨) - (حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ، أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: أُتِى النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ).
[ ١٨ / ٦٥٠ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ (^١) الْكُوفِيُّ) أبو جعفر، مولى بني هاشم، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) (م) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨.
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية، أبو خيثمة المذكور في الباب الماضي.
٣ - (سِمَاكُ) بن حرب بن أوس، تقدّم قريبًا.
٤ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة - ﵄ -، تقدّم قريبًا أيضًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٤١) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فمن أفراده، وسماك علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: أُتِيَ النَّبِىُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (^٢). (بِمَشَاقِصَ) جمع مِشْقَص بكسر الميم، وفتح القاف: هو نَصْلُ السهم؛ إذا كان طويلًا، غيرَ عريض (فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) ولفظ النسائيّ: أن رجلًا قتل نفسه بمشاقص، فقال رسول الله - ﷺ -: "أما أنا فلا أصلي عليه".
قال النوويّ ﵀: في هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يُصلَّى على قاتل نفسه؛ لعصيانه، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز، والأوزاعيّ، وقال الحسن، والنخعيّ، وقتادة، ومالك، وأبو حنيفة، والشّافعيّ، وجماهير العلماء: يصلَّى عليه، وأجابوا بأن النبيّ - ﷺ - لم يصلّ عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلّت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النبيّ - ﷺ - في أول الأمر الصلاة على من عليه دَين، زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة، وعن إهمال وفائه، وأمر
_________________
(١) بتشديد اللام.
(٢) "تنبيه المعلم" ص ١٨٥.
[ ١٨ / ٦٥١ ]
أصحابه بالصلاة عليه، فقال - ﷺ -: "صلّوا على صاحبكم". انتهى (^١).
وقال القاضي عياض ﵀: مذهب العلماء كافّة الصلاة على كل مسلم، ومحدود، ومرجوم، وقاتل نفسه، وولد الزنى، وعن مالك وغيره أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حدّ، وأن أهل الفضل لا يصلون على الفُسّاق؛ زجرًا لهم.
وعن الزهريّ: لا يصلى على مرجوم، ويصلى على المقتول في قصاص.
وقال أبو حنيفة: لا يصلى على محارب، ولا على قتيل الفئة الباغية.
وقال قتادة: لا يصلى على ولد الزنى، وعن الحسن لا يصلى على النفساء تموت من زنًا، ولا على ولدها.
ومنع بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير، واختلفوا في الصلاة على السقط، فقال بها فقهاء المحدثين، وبعض السلف إذا مضى عليه أربعة أشهر، ومنعها جمهور الفقهاء حتى يَسْتَهِلّ، وتُعرَف حياته بغير ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن السقط يُصلّى عليه؛ لما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - مرفوعًا: "والسقط يُصَلَّى عليه، ويُدْعَى لوالديه بالمغفرة والرحمة"، وهو حديث صحيح.
قال: وأما الشهيد المقتول في حرب الكفار، فقال مالك، والشافعيّ، والجمهور: لا يُغْسَل، ولا يصلى عليه، وقال أبو حنيفة: يُغْسَل ولا يصلى عليه، وعن الحسن يغسل ويصلى عليه. انتهى كلام القاضي باختصار (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح قول من قال بجواز الصلاة على الشهيد، قال الإمام أحمد ﵀: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلّوا عليه أجزأ، وقال أبو محمد بن حزم ﵀: إن صُلِّي على الشهيد فحسنٌ، وإن لم يصلّ عليه فحسن، وقد حقّقت المسألة بما فيه الكفاية في "شرح النسائيّ" (^٣)، فراجعه، تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٧/ ٥١، كتاب الجنائز رقم الحديث ٢٢٥٩.
(٢) راجع: "إكمال المعلم" ٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥.
(٣) راجع: "ذخيرة القعبى" ١٩/ ٢٠٧ - ٢١٥ رقم الحديث (١٩٥٣).
[ ١٨ / ٦٥٢ ]
وقال القرطبيّ ﵀: لعلّ هذا القاتل لنفسه كان مستحلًّا لقتل نفسه، فمات كافرًا، فلم يصلّ عليه لذلك، وأما المسلم القاتل لنفسه فيُصلَّى عليه عند كافّة العلماء. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يردّ قول القرطبىّ: كان مستحلًّا … إلخ قولُهُ - ﷺ -: "أما أنا فلا أصلي عليه"؛ لأن تقديره: وأما أنتم فصلّوا عليه؛ لأن "أما" للتفصيل، فيكون المراد تفصيل حال المصلين عليه بين من لا يصلّي، وهو النبيّ - ﷺ -، وبين من يصلّي، وهم الصحابة - ﵃ -، فدلّ على أنه مسلم، وليس بكافر، وأما تركه - ﷺ - الصلاة عليه مع كونه مسلمًا؛ زجرًا لغيره؛ لئلّا يتجاسروا بقتل أنفسهم.
وقال الإمام ابن المنذر ﵀: واختلفوا في الصلاة على من قتل نفسه، فكان الحسن، والنخعيّ، وقتادة يرون الصلاة عليه، وقال الأوزاعيّ: لا يصلى عليه، وذكر أن عمر بن عبد العزيز لم يُصلّ عليه.
قال ابن المنذر ﵀: سَنَّ رسول الله - ﷺ - الصلاة على المسلمين، ولم يستثن منهم أحدًا، وقد دخل في جملتهم الأخيار والأشرار، ومن قُتل في حدّ، ولا نعلم خبرًا أوجب استثناء أحد ممن ذكرناهم، فيُصَلَّى على من قتل نفسه، وعلى من أصيب في أيّ حدّ أصيب فيه، وعلى شارب الخمر، وولد الزنا، لا يُستثنَى منهم إلا من استثناه النبيّ - ﷺ - من الشهداء الذين أكرمهم الله بالشهادة، وقد ثبت أن نبيّ الله - ﷺ - صلى على من أصيب في حدّ. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ باختصار (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ حسنٌ جدًّا، وهو أن يصَلَّى على جميع المسلمين، إلا من صحّ استثناؤه منهم، كالشهيد، إلا أن للإمام خاصّةً أن لا يصلي على من يَحِيف في الوصيّة (^٢)، وعلى من غَلّ، وعلى من عليه دَين، وعلى من قَتَلَ نفسه، إن رأى ذلك؛ لأجل أن ينزجر الناس عن مثل أفعالهم، وقد استوفيت بيان أدلّة ما ذُكر في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصوب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) الأوسط ٥/ ٤٠٦ - ٤٠٩.
(٢) هذا على تقدير صحة حديثه، لكن الحديث لا يصحّ، كما بيّنته في "شرح النسائيّ"، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
[ ١٨ / ٦٥٣ ]
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة علىّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيتُ من كتابة الجزء الثامن عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" والمؤذّن يؤذّن لصلاة الظهر يوم الاثنين المبارك (٢٥/ ١/ ١٤٢٨ هـ الموافق ١٣ فبراير - شباط ٢٠٠٧ م).
أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣].
(اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء التاسع عشر مفتتحًا بـ ١٢ - كِتَاب الزكاة، (١) - (بَابُ بَيَانِ مَا تَجِبُ فيهِ الزَّكَاةُ، وكَمْ مِقْدَارُ ما يُخْرَجُ) رقم الحديث [٢٢٦٣] (٩٧٩).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
[ ١٨ / ٦٥٤ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ليلة الجمعة المباركة ٢٩/ ١/ ١٤٢٨ هـ أول الجزء التاسع عشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى، البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج، رحمه الله تعالى.