وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٣] (١٠٣٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، يَعْنِي الْحِزَامِيَّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ"، قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ، فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حِزَام المدنيّ، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
[ ١٩ / ٦١٧ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ) أي الكامل في المسكنة، قال القرطبيّ ﵀: مِفْعيل من السكون، فكأنّ مَنْ عَدِمَ المالَ سكنت حركاته، ووجوه مكاسبه، ولذلك قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١٦] أي لاصقًا بالتراب، وعند الأصمعيّ: أنه أسوأ حالًا من الفقير، وعند غيره عكس ذلك، وقيل: هما اسمان لمسمّى واحد. انتهى (^١)، وسنكمّل الكلام في ضبط المسكين، واشتقاقه، وفي الفرق بينه والفقير في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
قال النوويّ ﵀: معناه: المسكين الكامل المسكنة الذي هو أحقّ بالصدقة، وأحوج إليها، ليس هو هذا الطّوّاف، بل هو الذي لا يَجِد غِنًى يُغنيه، ولا يُفْطَن له، ولا يَسأل الناس، وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطَوّاف، بل معناه نفي كمال المسكنة، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية. انتهى (^٢).
وقال وليّ الدين ﵀: قال العلماء: معنى الحديث أن المسكين الكامل المسكنة هو المتعفّف الذي لا يطوف على الناس، ولا يسألهم، ولا يُفْطَن لحاله، وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطَّوَّاف، وإنما معناه نفي كمالها، وهذا كقوله -ﷺ-: "أتدرون من المفلس؟ … " الحديث، وكقوله -ﷺ-: "أتدرون من الرَّقُوب؟ … "، وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ الآية.
واستَدَلّ ابن عبد البرّ على إطلاق اسم المسكنة على الطَّوّاف بحديث أم بجيد -﵂- مرفوعًا: "رُدُّوا المسكين، ولو بظِلْف مُحْرَق"، وبقول عائشة -﵂-: "إن المسكين ليقف على بابي … " الحديث، قال: وقد جعل الله تعالى الصدقات للفقراء والمساكين، وأجمعوا أن السائل الطَّوّاف المحتاج مسكين. انتهى (^٣).
_________________
(١) راجع: "المفهم" ٣/ ٨٤.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٩.
(٣) "طرح التثريب" ٤/ ٣٢ - ٣٣.
[ ١٩ / ٦١٨ ]
(بِهَذَا الطَّوَّافِ) الباء زائدة في خبر "ليس"، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "مَا" وَ"لَيْسَ" جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ … وَبَعْدَ "لَا" وَنَفْي "كَانَ" قَدْ يُجَرْ
و"الطَّوّاف" بفتح الطاء، وتشديد الواو صيغة مبالغة؛ أي من يُكثر الطواف، والإشارة يَحتمل أن تكون لحضوره ومشاهدته، وَيحْتَمل أن تكون لحقارته (^١).
(الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ) أي لسؤالهم (فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ) أي يُردّ على الأبواب لأجل اللقمة، أو أنه إذا أخذ اللقمة رجع إلى باب آخر، فكأن اللقمة ردّته من باب إلى باب.
قال في "اللسان": اللَّقْمَة -بالفتح- واللُّقْمة -بالضمّ-: ما تُهيّئه للَّقْم، قال: وفي "التهذيب": اللُّقْمة -بالضمّ- اسم لما يُهيّئه الإنسان للالتقام، واللَّقْمة -بالفتح- أكلها بمرّة، تقول: أكلتُ لُقْمةً بلَقْمَتين. انتهى.
وفي رواية للبخاريّ: "ليس المسكين الذي تردّه الأكلة، والأكلتان، ولكنّ المسكين الذي ليس له غنى، ويستحيي، أو لا يسأل الناس إلحافًا".
وقوله: "الأكلة، والأكلتان". قال أهل اللغة: الأُكلة -بالضمّ-: اللقمة، و-بالفتح-: المرّة من الغداء، والعشاء، والموافق هنا المضموم، بدليل رواية "اللقمة، واللقمتان".
قال السنديّ ﵀: المراد: ليس المسكين المعدود في مصارف الزكاة هذا المسكين، بل هذا داخل في الفقير، وإنما المسكين المستور الحال الذي لا يعرفه أحدٌ إلا بالتفتيش، وبه يتبيّن الفرق بين الفقير والمسكين في المصارف، وقيل: المراد: ليس المسكين الكامل الذي هوأحقّ بالصدقة، وأحوج إليها المردود على الأبواب لأجل اللقمة، ولكن الكامل الذي لا يجد … إلخ. انتهى.
(وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَمانِ") بالتاء المثناة الفوقيّة، هكذا في "الصحيحين" وغيرهما، ووقع في "السنن الكبرى" للنسائيّ بالثاء المثلّثة، والله تعالى أعلم.
(قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في
_________________
(١) "طرح التثريب" ٤/ ٣٣.
[ ١٩ / ٦١٩ ]
الأصول كلِّها: "فما المسكين؟ "، وهو صحيحٌ؛ لأن "ما" تأتي كثيرًا لصفات مَن يَعْقِل، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. انتهى (^١).
ووقع في رواية مالك بلفظ: "فمن المسكين"، وهي واضحة، قال في "الطرح": قوله: "فمن المسكين؟ "، كذا هو في روايتنا، من طريق أبي مصعب، عن مالك، وهو الوجه، وفي رواية يحيى بن يحيى، عن مالك: "فما المسكين؟ "، وتابعه عليه جماعة، كما ذكره ابن عبد البرّ، وكذا هو في "صحيح مسلم"، من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الْحِزَاميّ، وله ثلاث توجيهات:
[أحدها]: أن يكون أراد: فما الحال التي يكون بها السائل مسكينًا؟.
[والثاني]: أن تكون "ما" هنا بمعنى "مَنْ"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ [الشمس: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [الليل: ٣]، ذكرهما ابن عبد البرّ ﵀.
[والثالث]: أن "ما" تأتي كثيرًا لصفات مَن يَعْقِل، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾؛ أي الطيب. انتهى (^٢).
(قَالَ: "الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى) بكسر الغين مقصورًا: اليسار، وقوله (يُغْنِيه) صفة له، وهو قدر زائد على اليسار؛ إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يستغني به، بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، واللفظ مُحْتَمِلٌ لأن يكون المراد نفي أصل اليسار، ولأن يكون المراد نفي اليسار المقيَّد بأنه يُغنيه مع وجود أصل اليسار، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، وكقول الشاعر:
عَلَى لَا حِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ
وعلى الاحتمال الثاني ففيه أن المسكين هو الذي يملك ما يقع موقعًا من كفايته لا يكفيه، وهو حينئذ أحسن حالًا من الفقير، فإنه الذي لا يَملِك شيئًا أصلًا، أو يملك ما لا يقع موقعًا من كفايته، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، وفقهاء الكوفة، وقال به من أهل اللغة: الأصمعيّ، وأبو جعفر أحمد بن عُبيد،
_________________
(١) "شرح النووي" ٧/ ١٢٩ - ١٣٠.
(٢) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٤/ ٣٣.
[ ١٩ / ٦٢٠ ]
واستُدِلَّ له أيضًا بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]، فسماهم مساكين، مع أن لهم سفينةً؛ لكونها لا تقوم بجميع حاجتهم.
وعكس آخرون ذلك، فقالوا: الفقير أحسن حالًا من المسكين، حكاه ابن عبد البرّ، عن يونس بن حبيب، وابن السِّكِّيت، وابن قُتيبة، وقومٍ من أهل الفقه والحديث.
وقال آخرون: هما سواءٌ، ولا فرق بينهما في المعنى، وإن افترقا في الاسم، حكاه ابن عبد البرّ، عن ابن القاسم، وسائر أصحاب مالك، وحَكَى ابنُ بطال قولًا رابعًا، أن المسكين الذي يسأل، والفقير الذي لا يسأل (^١).
وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
(وَلَا يُفْطَنُ لَهُ) بالبناء للمفعول مخفّفًا، وهو مرفوعٌ عطفًا على "لا يجدُ"، وقوله: (فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ) منصوب بـ "أن" مضمرةً بعد الفاء السببيّة، كما مرّ نظيره قريبًا.
وقوله: (وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا") مرفوع عطفًا على "لا يجد" أيضًا، ووقع في رواية: "ولا يقوم، فيسأل الناس"، وعليها يكون قوله: "فيسألَ" منصوبًا مثل "فيُتصدَّق"، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٢٣٩٣ و٢٣٩٤ و٢٣٩٥] (١٠٣٩)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٧٦) و"التفسير" (٤٥٣٩)، و(أبو داود) في "الزكاة" (١٦٣١)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٧١ و٢٥٧٢ و٢٥٧٣) و"الكبرى" (٢٣٥٢ و٢٣٥٣ و٢٣٥٤)، و(مالك) في "الموطّأ" (١٧١٣)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١١/ ٩٦)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٤٥٦)، و(الطيالسيّ) في
_________________
(١) "طرح التثريب" ٤/ ٣٣ - ٣٤.
[ ١٩ / ٦٢١ ]
"مسنده" (١/ ٣١٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٠ و٣١٦ و٣٩٥ و٤٦٩ و٤٩٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٦١٥)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٣٦٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٩٢ و١٣٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٧)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٩/ ٣٠)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ٢٢٠ و٢٦٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٥ و٧/ ١١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٠٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان معنى المسكين الذي ذكره الله ﷿ بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠].
٢ - (ومنها): أن المسكنة إنما تُحمد مع العفّة عن السؤال، والصبر على الحاجة.
٣ - (ومنها): استحباب الحياء في كلّ الأحوال.
٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يقول: إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وأن المسكين الذي له شيء، لكنه لا يكفيه، بخلاف الفقير فإنه الذي لا شيء له، كما سيأتي توجيهه، إن شاء الله تعالى.
٥ - (ومنها): حسن الإرشاد لوضع الصدقة، وأن يُتحرّى وضعها فيمن صفته التعفّف، دون الإلحاح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الفرق بين الفقير والمسكين: قال العلّامة أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في "تفسيره": واختلف علماء اللغة، وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال:
(الأول): ما ذهب إليه يعقوب بن السّكّيت، والْقُتَبيّ، ويونس بن حبيب من أنّ الفقير أحسن حالًا من المسكين، قالوا: الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه، ويُقيمه، والمسكين الذي لا شيء له، واحتجّوا بقول الراعي [من البسيط]:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
[ ١٩ / ٦٢٢ ]
وذهب إلى هذا قومٌ من أهل اللغة، والحديث، منهم أبو حنيفة، والقاضي عبد الوهّاب.
والوفق من الموافقة بين الشيئين كالالتحام؛ يقال: حَلُوبته وفقَ عياله؛ أي لها لَبَنٌ قدرَ كفايتهم، لا فضل فيه، قاله الجوهريّ.
(الثاني): ذهب آخرون إلى أن المسكين أحسن حالًا من الفقير، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ الآية، فأخبر أنّ لهم سفينةً من سُفُن البحر، وربّما ساوت جملةً من المال، وعضدوه بما روي عن النبيّ -ﷺ- أنه تعوّذ من الفقر، وروي عنه أنه قال: "اللهمّ أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا" (^١)، فلو كان المسكين أسوأ حالًا من الفقير لتناقض الخبران؛ إذ يستحيل أن يتعوّذ من الفقر، ثمّ يسأل ما هو أسوأ حالًا منه، وقد استجاب الله دعاءه، وقُبِض، وله مالٌ مما أفاء الله عليه، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية؛ ولذلك رَهَنَ دِرْعَه، قالوا: وأمّا بيت الراعي، فلا حجّة فيه؛ لأنه إنما ذكر أن الفقير كانت له حَلُوبةٌ في حالٍ، قالوا: والفقير معناه في كلام العرب: المفقور الذي نُزِعت فِقَرُهُ (^٢) من ظهره من شدّة الفقر، فلا حال أشدّ من هذه، وقد أخبر الله بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، واستشهدوا بقول الشاعر [من الكامل]:
لَمَّا رَأَى لُبَدُ (^٣) النُّسُورَ تَطَايَرَتْ … رَفَعَ الْقَوَادِمَ كَالْفَقِيرِ الأَعْزَلِ
أي لم يُطق الطيران، فصار بمنزلة من انقطع صلبه، ولَصِق بالأرض، ذهب إلى هذا الأصمعيّ، وغيره، وحكاه الطحاويّ عن الكوفيين، وهو أحد قولي الشافعيّ، وأكثرِ أصحابه.
_________________
(١) أخرجه الترمذيّ في جامعه، بسند ضعيف.
(٢) الفقرة -بالكسر- والفَقْرة، والفقارة -بالفتح-: ما انتضد من عظام الصلب، من لدن الكاهل إلى العجب.
(٣) لُبَد اسم آخر نِسورِ لقمان بن عاد، سماه بذلك لأنه لبد، فبقي لا يذهب، ولا يموت، والقوادم أربع ريشات في مقدّم الجناح، الواحدة قادمة. من هامش القرطبيّ ٨/ ١٨٩.
[ ١٩ / ٦٢٣ ]
(الثالث): أنّ الفقير والمسكين سواء، لا فرق بينهما في المعنى، وإن افترقا في الاسم، وإلى هذا ذهب الشافعيّ في أحد قوليه، وابن القاسم، وسائر أصحاب مالك، وبه قال أبو يوسف.
قال القرطبيّ: ظاهر اللفظ يدلّ على أن المسكين غير الفقير، وأنهما صنفان، إلا أنّ أحد الصنفين، أشدّ حاجة من الآخر، فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما صنفًا واحدًا، ولا حجّة في قول من احتجّ بقوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾؛ لأنه يَحْتَمِل أن تكون مستأجرة لهم؛ كما يقال: هذه دار فلان إذا كان ساكنها، وإن كانت لغيره، وقد قال الله تعالى في وصف أهل النار: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ الحج: ٢١]، فأضافها إليهم، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، وقال -ﷺ-: "من باع عبدًا، وله مالٌ"، وهو كثير جدًّا يُضاف الشيء إليه، وليس له، ومنه قولهم: باب الدار، وجُلُّ الدابّة، وسَرْجُ الفرس، وشبهه، ويجوز أن يُسمَّوا مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف؛ كما يقال لمن امتُحِنَ بنكبة، أو دُفع إلى بليّة: مسكين، وفي الحديث: "مساكين أهل النار"، وقال الشاعر [من الطويل]:
مَسَاكِينُ أَهْلِ الْحُبِّ حَتَّى قُبُورُهُمْ … عَلَيْهَا تُرَابُ الذُّلِّ بَيْنَ الْمَقَابِرِ
وأمّا ما تأوّلوه من قوله -ﷺ-: "اللهمّ أحيني مسكينًا" الحديث، رواه أنس، فليس كذلك؛ وإنما المعنى هاهنا التواضع لله الذي لا جبروت فيه، ولا نخوَة، ولا كِبْر، ولا بَطَرَ، ولا تكبّر، ولا أَشَرَ، ولقد أحسن أبو العَتَاهية، حيث قال [من البسيط]:
إِذَا أَرَدت شَرِيفَ الْقَوْمِ كُلِّهِمِ … فَانْظُرْ إِلَى مَلِكٍ فِي زِيِّ مِسْكِينِ
ذَاكَ الَّذِي عَظُمَتْ فِي اللهِ رَغْبَتُهُ … وَذَاكَ يَصْلُحُ لِلدُّنْيَا وَللدِّينِ
وليس بالسائل؛ لأن النبيّ -ﷺ- قد كره السؤال، ونهى عنه، وقال في امرأة سوداء أبت أن تزول له عن الطريق: "دعوها، فإنها جبّارة" (^١). وأما قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، فلا يمتنع أن يكون لهم شيء. والله أعلم.
_________________
(١) لم أر من أخرجه.
[ ١٩ / ٦٢٤ ]
وما ذهب إليه أصحاب مالك، والشافعيّ في أنهما سواء حسن.
(الرابع): ما ذكره ابن سُحنون عن مالك، أنه قال: الفقير المحتاج المتعفّف، والمسكين السائل، وروي عن ابن عبّاس، وقاله الزهريّ، واختاره ابن شعبان.
(الخامس): ما قاله محمد بن مسلمة: الفقير الذي له المسكن، والخادم، والمسكين الذي لا مال له.
قال القرطبيّ: وهذا القول عكس ما ثبت في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو، وسأله رجلٌ، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإنّ لي خادمًا، قال: فأنت من الملوك.
(السادس): ما روي عن ابن عبّاس -﵄-، قال: الفقير من المهاجرين، والمساكين من الأعراب الذين لم يهاجروا. وقاله الضحّاك.
(السابع): أن المسكين الذي يخشع، ويستكنّ، وإن لم يسأل، والفقير: الذي يتحمّل، ويقبل الشيء سرًّا، ولا يخشع. قاله عبيد الله بن الحسن.
(الثامن): المساكين الطّوّافون، والفقراء فقراء المسلمين. قاله مجاهد، وعكرمة، والزهريّ.
(التاسع): الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب. قاله عكرمة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ بتصرّف (^١).
وقال ابن الأثير ﵀ في "النهاية": وقد تكرّر ذكر المسكين، والمساكين، والمسكنة، والتمسكن، قال: وكلّها يدور معناه على الخضوع والذلّة، وقلّة المال، والحال السيّئة، واستكان: إذا خَضَعَ، والمسكنة: فقر النفس، وتمسكن: إذا تشبّه بالمساكين، وهم جمع المسكين، وهو الذي لا شيء له. وقيل: هو الذي له بعض الشيء. وقد تقع المسكنة على الضعف. انتهى (^٢).
وقال العلّامة اللغويّ ابن منظور: ﵀ في كتابه "لسان العرب": والْمِسْكين
_________________
(١) جامع الأحكام ٨/ ١٦٨ - ١٧١.
(٢) راجع: "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٢/ ٣٨٥.
[ ١٩ / ٦٢٥ ]
أي بالكسر، والْمَسْكين أي بالفتح- الأخيرة نادرة؛ لأنه ليس في الكلام مَفْعِيل-: الذي لا شيء له، وقيل: الذي لا شيء له يكفي عياله، قال أبو إسحاق: المسكين الذي أسكنه الفقر؛ أي قلّل حركته، وهذا بعيد؛ لأن مسكينًا في معنى فاعل، وقوله: الذي أسكنه الفقر يُخرجه إلى معنى مفعول، وهو مِفْعيل من السكون، مثلُ الْمِنْطيق من النُّطْق، قال ابن الأنباريّ: قال يونس: الفقير أحسن حالًا من المسكين، والفقير الذي له بعض ما يُقيمه، والمسكين أسوأ حالًا من الفقير، وهو قول ابن السكيت؛ قال يونس: وقلت لأعرابيّ: أفقير أنت أم مسكين؟ فقال: لا والله، بل مسكين، فأعلم أنه أسوأ حالًا من الفقير؛ واحتجّوا على أن المسكين أسوأ حالًا من الفقير بقول الراعي [من البسيط]:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
فأثبت أن للفقير حَلوبةً، وجعلها وَفْقًا لعياله؛ قال: وقول مالك في هذا كقول يونس، وروي عن الأصمعيّ أنه قال: المسكين أحسن حالًا من الفقير، وإليه ذهب أحمد بن عُبيد، قال: وهو القول الصحيح عندنا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ فأخبر أنهم مساكين، وأن لهم سفينة، تساوي جملة، وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، فهذه الحال التي أخبر بها عن الفقراء، هي دون الحال التي أخبر بها عن المساكين. قال ابن برّيّ: وإلى هذا القول ذهب عليّ بن حمزة الأصفهانيّ اللغويّ، ويرى أنه الصواب، وما سواه خطأٌ، واستدلّ على ذلك بقوله: ﴿مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، فأكّد ﷿ سُوء حاله بصفة الفقر؛ لأنّ الْمَتْرَبة الفقر، ولا يؤكّد الشيء إلا بما هو أوكد منه، واستدلّ على ذلك بقوله ﷿: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، فأثبت أنّ لهم سفينة يعملون عليها في البحر، واستدلّ أيضًا بقول الراجز:
هَلْ لَكَ فِي أَجْرٍ عَظِيمٍ تُؤجَرُهُ … تُغِيثُ مِسْكِينًا قَلِيلًا عَسْكَرُهْ
عَشْرُ شِيَاهٍ سَمْعُهُ وَبَصَرُهْ … قَدْحَدَّثَ النَفْسَ بِمِصْرٍ يَحْضُرُهْ
فأثبت أنّ له عشر شياه، وأراد بقوله: عسكره غنمه، وأنها قليلة، واستدلّ
[ ١٩ / ٦٢٦ ]
أيضًا ببيت الراعي، وزعم أنه أعدل شاهد على صحّة ذلك، وهو قوله: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ؛ لأنه قال: أما الفقير الذي كانت حَلُوبته، ولم يقل: الذي حلوبته، وقال: فلم يُترك له سَبَدٌ، فأعلمك أنه كانت له حلوبة تقوت عياله، ومن كانت هذه حاله، فليس بفقير، ولكن مسكين، ثم أعلمك أنها أُخذت منه، فصار إذ ذاك فقيرًا؛ يعني ابنُ حمزة بهذا القول أنّ الشاعر لم يُثبت أن للفقير حَلوبة؛ لأنه قال: الذي كانت حلوبته، ولم يقل: الذي حلوبته، وهذا كما تقول: أما الفقير الذي كان له مالى، وثَرْوَةٌ، فإنه لم يُترك له سَبَد، فلم يُثبت بهذا أن للفقير مالًا وثروة، وإنما أثبت سُوء حاله الذي به صار فقيرًا، بعد أن كان ذا مال وثروة، وكذلك يكون المعنى في قوله:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ
أنه أثبت فقره لعدم حلوبته بعد أن كان مسكينًا قبل حلوبته، ولم يُرد أنه فقير مع وجودها، فإنّ ذلك لا يصحّ كما لا يصحّ أن يكون للفقير مالٌ وثروة في قولك: أما الفقير الذي كان له مالٌ وثروة؛ لأنه لا يكون فقيرًا مع ثروته وماله.
قال: فثبت بهذا أن المسكين أصلح حالًا من الفقير، قال عليّ بن حمزة: ولذلك بدأ الله تعالى بالفقير قبل من يستحقّ الصدقة من المسكين وغيره، وأنت إذا تأمّلت قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، وجدته سبحانه قد رتّبهم، فجعل الثاني أصلح حالًا من الأول، والثالثَ أصلح حالًا من الثاني، وكذلك الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، والثامن. قال: ومما يدلّك على أن المسكين أصلح حالًا من الفقير أن العرب قد تسمّت به، ولم تتسمّ بفقير لتناهي الفقر في سوء الحال، ألا ترى أنهم قالوا: تمسكن الرجل، فبنوا منه فعلًا على معنى التشبيه بالمسكين في زيّه، ولم يفعلوا ذلك في الفقير؛ إذ كانت حاله لا يَتزيّا بها أحد، قال: ولهذا رَغِبَ الأعرابيّ الذي سأله يونس عن اسم الفقير لتناهيه في سوء الحال، فآثر التسمية بالمسكنة، أو أراد أنه ذليلٌ لبعده عن قومه ووطنه، قال: ولا أظنّه أراد إلا ذلك، ووافق قولُ الأصمعيّ، وابنِ حمزة في هذا قولَ الشافعيّ.
وقال قتادة: الفقير الذي به زمانة، والمسكين الصحيح المحتاج، وقال
[ ١٩ / ٦٢٧ ]
زيادة الله بن أحمد: الفقير القاعد في بيته، لا يسأل، والمسكين الذي يسأل. انتهى كلام ابن منظور ﵀ باختصار (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحرّر مما لْقدّم أن قول الجمهور، ومنهم الشافعيّ ﵀: إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين هو الأرجح؛ لآية: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ الآية، ولحديث الباب، حيث وصفه بقوله: "الذي لا يجد غنى يُغنيه"، فإنه دالّ على أن له شيئًا من المال، لكنه لا يكفيه، ولآية الصدقة، حيث رتّبت المستحقّين لها بالترقّي من الأدنى إلى الأعلى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٤] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِينُ (^٢) الْمُتَعَفِّفُ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابد [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٣ - (شَرِيكُ) بن عبد الله بن أبي نَمِر، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ يخطئ [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢١.
٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ) الهلالي المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابد فاضلٌ، من صغار [٢] (ت ٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ٢٢٦.
_________________
(١) راجع: "لسان العرب " ١٣/ ٢١٤ - ٢١٦. طبعة دار صادر- بيروت.
(٢) وفي نسخة: "إن المسكين".
[ ١٩ / ٦٢٨ ]
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (إِنَّمَا الْمِسْكِينُ) وفي نسخة: "إِنَّ الْمِسْكِينَ"؛ أي إن الكامل في المسكنة.
وقوله: (الْمُتَعَففُ) أي الممتنع عن المسألة، بمعنى أنه لا يسأل الناس مع احتياجه تعفّفًا، ولذا أتبعه بقوله: "اقرأوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] " أي إن أردتم أن تعلموا معنى المسكين من كتاب الله تعالى، فاقرءوا هذه الآية.
قال السمين الحلبيّ ﵀: الإلحاف، والإلحاح، واللَّجَاج، والإحفاء، كلّه بمعنًى، يقال: ألحف، وألحّ في المسألة: إذا لجّ فيها، قال: واشتقاقه من اللِّحَاف؛ لأنه يشتمل الناس بمسألته، ويعمّهم، كما يشتمل الفحاف مَنْ تحتَهُ ويُغطّيه، ومنه قول ابن أحمر يَصِفُ ذَكَر نَعَام يَحضُنُ بيضه بجناحيه، ويجعل جناحه لها كاللِّحاف [من الكامل]:
يَظَلُّ يَحُفّهُنَّ بِقَفْقَفَيْهِ (^١) … وَيُلْحِفُهُنَّ هَفْهَافًا ثَخِينَا
وقال آخر في المعنى [من الرمل]:
ثُمَّ رَاحُوا عَبَقُ الْمِسْكِ بِهِمْ … يُلْحِفُونَ الأَرْضَ هُدَّابَ الأُزُرْ
أي يُلبسونها الأرض كإلباس اللحاف للشيء، وقيل: بل اشتقاق اللفظة من لَحْفِ الجبلِ، وهو المكان الخَشِنُ، ومجازه أنّ السائل لكثرة سؤاله كأنه استعمل الخشونة في مسألته، وقيل: بل هي من لَحَفَني فلانٌ: أي أعطاني فضل ما عنده، وهو قريبٌ من معنى الأول.
قال: وفي نصب ﴿إِلْحَافًا﴾ ثلاثة أوجه:
(أحدها): نصبه على المصدر بفعل مقدّر؛ أي يُلحفون إلحافًا، والجملة المقدّرة حالٌ من فاعل ﴿يَسْأَلُونَ﴾.
(الثاني): أن يكون مفعولًا من أجله: أي لا يسألون لأجل الإلحاف.
(الثالث): أن يكون مصدرًا في موضع الحال، تقديره: لا يسألون مُلحفين.
_________________
(١) قفقفا الطائر: جناحاه.
[ ١٩ / ٦٢٩ ]
وقال أبو عبيدة: انتصب إلحافًا على أنه مصدر في موضع الحال؛ أي لا يسألون الناس في حال الإلحاف، أو مفعولٌ لأجله؛ أي لا يسألون لأجل الإلحاف. انتهى (^١).
وقال الحافظ ﵀: وهل المراد نفي المسألة؛ أي لا يسألون أصلًا، أو نفي السؤال بالإلحاف خاصّة، فلا ينتفي السؤال بغير إلحاف؟ فيه احتمال، والثاني أكثر في الاستعمال، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أَبُو سألوا لم يسألوا إلحافًا، فلا يستلزم الوقوع. انتهى (^٢).
وقال السمين ﵀ واعلم أن العرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد، نحو: ما رأيت رجلًا صالحًا، الأكثر على أنك رأيت رجلًا، ولكن ليس بصالح، ويجوز أنك لم تر رجلًا البتّة، لا صالحًا، ولا طالحأ، فقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ المفهوم أنهم يسألون لكن لا بإلحاف، ويجوز أن يكون المعنى: أنهم لا يسألون، ولا يُلحفون، والمعنيان منقولان في التفسير، والأرجح الأوّل عندهم، ومثله في المعنى: ما تأتينا، فتحدّثنا، يجوز أنه يأتيهم، ولا يحدّثهم، ويجوز أنه لا يأتيهم، ولا يُحدّثهم، انتفى السبب، وهو الإتيان، فانتفى السبب، وهو التحديث.
وقد شبّه الزجّاج ﵀ معنى هذه الآية الكريمة بمعنى بيت امرئ القيس، وهو قوله [من الطويل]:
عَلَى لاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ … إَذَا سَافَهُ الْعَوْدُ النَّبَاطيُّ جَرْجَرَا (^٣)
قال أبو حيّان: تشبيه الزجّاج إنما هو في مطلق انتفاء الشيئين؛ أي لا سؤال، ولا إلحاف، وكذلك هذا: لا منار، ولا هداية، لا أنه مثله في خصوصيّة النفي؛ إذ كان يلزم أن يكون المعنى: لا إلحاف، فلا سؤال، وليس
_________________
(١) راجع: "الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون" ١/ ٦٥٧ - ٦٥٨.
(٢) راجع: "الفتح" في كتاب "التفسير" ٩/ ٦٣.
(٣) "اللاحب": الطريق الواضح، و"سافه": شَمّه، و"الْعَوْد": الجمل المسنّ، و"جرجر": صوّت، وقوله: "لا يهتدى بمناره" يريد نفي المنار والاهتداء.
[ ١٩ / ٦٣٠ ]
تركيب الآية على هذا المعنى، ولا يصحّ لا إلحاف فلا سؤال؛ لأنه لا يلزم من نفي الخاص نفي العائم، كما لَزِم من نفي المنار نفي الهداية التي هي من بعض لوازمه، وإنما يؤدي معنى النفي على طريقة النفي في البيت أن أَبُو كان التركيب: "لا يلحفون الناس سؤالًا"؛ لأنه يلزم من نفي السؤال نفي الإلحاف؛ إذ نفي العامّ يدلّ على نفي الخاصّ، فتلخص من هذا كله أن نفي الشيئين تارةً تُدخِل حرفَ النفي على شيء، فتنتفي جميعُ عوارضه، وتُنَبِّه على بعضها بالذكر؛ لغرض فا، وتارة تُدخل حرفَ النفي على عارض من عوارضه، والمقصود نفيه، فينتفي لنفيه عوارضه (^١).
قال السمين ﵀: قد سبقه ابن عطيّة إلى هذا، فقال: تشبيهه ليس مثله في خصوصيّة النفي؛ لأن انتفاء المنار في البيت يدلّ على نفي الهداية، وليس انتفاء الإلحاح يدل على انتفاء السؤال، وأطال ابن عطيّة في تقرير هذا، وجوابه ما تقذم، من أن المراد نفي الشيئين، لا بالطريق المذكور في البيت، وكان أبو حيان قد قال قبلُ ما حكيته عنه آنفًا: ونظير هذا ما تاتينا فَتُحَدِّثَنا، فعلى الوجه الأول -يعني نفيَ القيد وحده- ما تأتينا محدثًا، إنما تأتي ولا تُحَدِّث، وعلى الوجه الثاني -يعني نفي الحكم بقيده- ما يكون منك إتيان، فلا يكون حديث، وكذلك هذا: لا يقع منهم سؤال البتةَ، فلا يقع إلحاح، ونَبَّهَ على نفي الإلحاح دون غير الإلحاح؛ لقبح هذا الوصف، ولا يراد به نفي هذا الوصف وحده، ووجود غيره؛ لأنه كان يصير المعنى الأول، وإنما يراد بنفي مثل هذا الوصف نفي المترتبات على المنفي الأول؛ لأنه نَفَى الأولَ على سبيل العموم، فتنتفي مترتباته، كما أنك إذا نفيت الإتيان، فانتفى الحديثُ، انتفت جميع مترتبات الإتيان، من المجالسة، والمشاهدة، والكينونة في محل واحد، ولكنه نَبَّهَ بذكر مترتب واحد؛ لغرضبى مّا على ذكر سائر المترتبات.
قال: وطريقة أبي إسحاق الزجّاج هذه قد قبلها الناس، ونصروها، واستحسنوا تنظيرها بالبيت، كالفارسيّ، وأبي بكر الأنباريّ، قال أبو عليّ: لم
_________________
(١) "تفسير البحر المحيط" ٢/ ٣٤٣.
[ ١٩ / ٦٣١ ]
يُثبت في قوله ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ مسألة فيهم؛ لأن المعنى: ليس منهم مسألة، فيكون منهم إلحافٌ، ومثل ذلك قول الشاعر:
لَا يَفْزَعُ الأَرْنَبُ أَهْوَالَهَا … وَلَا تَرَى الضبَّ بِهَا يَنْحَجِرْ
أي ليس فيها أرنبٌ، فيَفْزَع لهولها، ولا ضبّ، فينحجر، وليس المعنى أنه ينفي الفزع عن الأرنب، والانحجار عن الضبّ.
وقال أبو بكر: تأويل الآية: لا يسألون البتّة، فيُخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف، فجرى هذا مجرى قولك: فلانٌ لا يُرجَى خيره؛ أي لا خير عنده البتّة، فيُرجى، وأنشد قول امرئ القيس:
وَصُمٌّ صِلَابٌ مَا يَقِينَ مِنَ الْوَجَى … كَانَّ مَكَانَ الرِّدْفِ مِنْهُ عَلَى رَأْلِ (^١)
أي ليس بهنّ وجى، فيشتكين من أجله، وقال الأعشى:
لَا يَغْمِزُ السَّاقَ مِنْ أَيْنٍ وَلَا وَصَبٍ … وَلَا يَعَضُّ عنَى شُرْسوفِهِ الصَّفَرُ (^٢)
معناه: ليس بساقه أينٌ، ولا وصبٌ، فيغمزها.
وقال الفرّاء قريبًا منه، فإنه قال: نفى الإلحاف عنهم، وهو يريد جميع وجوه السؤال، كما تقول في الكلام: قَلّما رأيت مثل هذا الرجل، ولعلّك لم تر قليلًا ولا كثيرًا من أشباهه.
وجعل أبو بكر الآية عند بعضهم من باب حذف المعطوف، وإن التقدير: لا يسالون الناس إلحافًا، ولا غير إلحاف، كقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد. انتهى كلام السمين ﵀ (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره السمين ﵀ من كلام أئمة اللغة تحقيقٌ حسن، وخلاصته ترجيح كون معنى الآية نفي الإلحاح والسؤال، فلا سؤال، ولا إلحاح، وهذا هو المعنى الموافق لتفسيره -ﷺ- المسكين بالمتعفّف،
_________________
(١) يصف حوافر الفرس، والوجى: أن تشتكي الحوافر من الحفا، والرأل: فرخ النعامة.
(٢) "الوصب": المرض، والشرسوف: واحد الشراسيف، وهي الأضلاع، والصَّفَرُ: الحيّة.
(٣) راجع: "الدر المصون في علوم الكتاب المكنون" ٢/ ٦٢٢ - ٦٢٧.
[ ١٩ / ٦٣٢ ]
أي الممتنع عن السؤال، وقال في الرواية الماضية: "ولا يسأل الناس شيئًا"؛ أي لا يسأل أصلًا.
والحديث متَّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٥] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكٌ، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) محمد بن إسحاق الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١٦٦.
٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٤) وله (٨٠) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٨.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل المذكور في السند الماضي، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٩.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ، ثقةٌ، من صغار [٢] (ع) تقدم فبم "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٧/ ١٤٩٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ) يعني أن محمد بن جعفر حدث عن شريك بمثل حديث أخيه إسماعيل بن جعفر عنه.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شريك هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٤٥٣٩) - حدّثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثني
[ ١٩ / ٦٣٣ ]
شريك بن أبي نَمِر، أن عطاء بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاريّ قالا: سمعنا أبا هريرة -﵁- يقول: قال النبيّ -ﷺ-: (اليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان، ولا اللقمة ولا اللقمتان، إنما المسكين الذي يتعَفَّف، واقرءوا إن شئتم؛ يعني قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.