وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٦] (١٠٤٠) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِم أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "لَا تَزَالُ المَسْأَلةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ) هو: عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَة الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، أخو الزهريّ الإمام، وكان هو الأكبر، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عمر، وأنس، وحمزة بن عبد الله بن عمر، وحنظلة بن قيس الزرَقيّ، وعبد الله بن ثعلبة بن صُعَير، وأخيه محمد بن مسلم بن شهاب الزهريّ، ومولى لأسماء بنت أبي بكر، وغيرهم.
[ ١٩ / ٦٣٤ ]
ورَوَى عنه أخوه، وابنه محمد بن عبد الله، وبُكير بن الأشج، والنعمان بن راشد، وجماعة.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات لا، وقال أحمد بن صالح: يروي عن الزهريّ، ويروي عنه، وقال خليفة: تُوُفي قبل أخيه، وكذا قال الواقديّ، وزاد: وكان ثقةٌ كثير الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وهو أشبه.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٠٤٠)، وحديث (١٤٤٨): "إن حمزة أخي من الرضاعة".
٥ - (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن الخطّاب المدنيّ، شقيق سالم، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الصلاة" ٢٢/ ٩٤٥.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب -﵄- تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وأخو الزهرفي علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من أخي الزهريّ، وأبو بكر كوفيّ، والباقيان بصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: " لَا تَزَالُ الْمَسْاَلةُ) أي سؤال الناس المال، والمراد سؤال التكثّر، من غير حاجة، ولا ضرورة؛ لحديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: "من سأل الناس أموالهم تكثّرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقلّ، أو ليستكثر".
[ ١٩ / ٦٣٥ ]
(بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى الله) أي حتى يموت، فيلقى الله ﷿ (وَلَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ") جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، و"الْمُزْعَةُ"- بضم الميم، وسكون الزاي، وبالعين المهملة-: القطعة، وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي، والذي أحفظه عن المحدثين الضمّ، وقال ابن فارس: بكسر الميم، واقتصر عليه القَزّاز في "جامعه"، وذكر ابن سِيدَهْ الضم فقط، وكذا الجوهريّ، قال: وبالكسر من الرِّيش، والقطن، يقال: مَزَعْتُ اللحمَ: قطعتُهُ قطعة قطعةً، ويقال: أطعمه مُزْعَةً من لحم: أي قطعةً منه.
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "مُزْعُة لحم": أي قطعة لحم، ومنه مَزَعَت المرأةُ الصوفَ: إذا قطّعته لتهيّئه للغزل، وتمزعّ أنفه: أي تشقّق. وهذا كما قيل في الحديث الآخر: "المسائل كُدُوحٌ، أو خُدُوشٌ، يَخدُشُ بها الرجل وجهه يوم القيامة".
وهذا محمولٌ على كلّ من سأل سؤالًا لا يجوز له. وخصّ الوجه بهذا النوع؛ لأنّ الجناية به وقعت؛ إذ قد بذل من وجهه ما أُمر بصونه عنه، وتصرّف به في غير ما سُوّغ له. انتهى (^١).
وقال القاضي عياض ﵀: قيل: معناه يأتي يوم القيامة ذليلًا ساقطًا، لا وجه له عند الله، وقيل: هو على ظاهره، فيُحْشَر ووجهه عظم لا لحم عليه؛ عقوبةً له، وعلامة له بذنبه حين طلب، وسأل بوجهه، كما جاءت الأحاديث الأُخَر بالعقوبات في الأعضاء التي كانت بها المعاصي، وهذا فيمن سأل لغير ضرورة سؤالًا منهيًّا عنه، وأكثر منه، كما في الرواية الأخرى: "من سأل تكثرًا"، والله أعلم. انتهى (^٢).
وقال الخطابيّ ﵀ يَحْتَمِل أن يكودن المراد أنه يأتي ساقطًا، لا قَدْرَ له، ولا جاه، أو يُعَذَّب في وجهه حتى يسقط لحمه؛ لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء؛ لكونه أذلَّ وجهَهُ بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عَظْمٌ كله، فيكون ذلك شعاره الذي يُعْرَف به. انتهى.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٨٥.
(٢) راجع: "الإكمال" ٣/ ٥٧٤ - ٥٧٥.
[ ١٩ / ٦٣٦ ]
قال الحافظ ﵀: والأول صرف للحديث عن ظاهره، وقد يؤيده ما أخرجه الطبرانيّ والبزار من حديث مسعود بن عمرو مرفوعًا: دالا يزال العبد يسأل، وهو غنيّ حتى يَخْلُق وجهه، فلا يكون له عند الله وجهٌ".
وقال ابن أبي جمرة: معناه أنه ليس في وجهه من الحسن شيء؛ لأن حسن الوجه هو مما فيه من اللحم. انتهى.
ومال المهلَّب ﵀ إلى حمله على ظاهره، وإلى أن السرّ فيه أن الشمس تدنو يوم القيامة، فإذا جاء لا لحم بوجهه كانت أذية الشمس له أكثر من غيره، قال: والمراد به من سال تكثرًا، وهو غنيّ لا تحل له الصدقة، وأما من سأل، وهو مضطرّ فذلك مباح له، فلا يعاقب عليه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل الحديث على ظاهره -كما رأى المهلّب ﵀- هو الأولى، ولا ينافيه حديث الطبرانيّ والبزّار المذكور؛ لأن المعنى: أنه يأتي يوم القيامة وقد سقط لحم وجهه، ومع ذلك لا يكون له وجهٌ؛ أي شرحث عند الله تعالى، وقد أورد البخاريّ ﵀ مؤيّدًا حمل الحديث على ظاهره بعد أن أورد حديث ابن عمر -﵄- المذكور في الشفاعة، فقال: وقال: "إن الشمس تدنو يوم القيامة، حتى يبلغ العَرَق نصف الأذن، فبينا هم كذلك، استغاثوا باَدم، ثم بموسى، ثم بمحمد -ﷺ-.
وزاد عبد الله بن صالح: حدثني الليث، حدثني ابن أبي جعفر: "فيشفع ليُقضَى بين الخلق، فيمشي، حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا، يحمده أهل الجمع كلهم". انتهى.
ووجه ذلك أن الشمس إذا دنت يكون مَن لا لحم على وجهه أشدّ تأذّيًا بها من غيره.
والحاصل أن ظاهر الحديث هو المقصود، وبقيّة المعاني لا تنافيه، فيبعث لا لحم على وجهه، ويكون لا قدر له عند الله تعالى، ويعذّب بتساقط لحمه.
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٣٢١ - ٣٢٢، و"عمدة القاري" ٩/ ٥٦.
[ ١٩ / ٦٣٧ ]
وهذا كلّه فيمن سأل تكثّرًا، وهو غنيّ، لا تحلّ له الصدقة، وأما من سأل، وهو مضطرٌّ، فذلك مباحٌ له، فلا يناله الوعيد المذكور؛ للأدلّة الأخرى التي تدلّ على عدم دخوله فيه، كما أشرت إليه سابقًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- ذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٣٩٦ و٢٣٩٧ و٢٣٩٨] (١٠٤٠)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٧٥)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٥٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه " (١١/ ٩٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه " (٤٢٤)، و(أحمد) في (أمسنده " (١٥/ ٢ و٨٨)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٢٦٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٨ - ١٠٩)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط " (١/ ١٠٤ و٨/ ٣١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ذمّ مسألة الناس تكثّرًا، دون ضرورة.
٢ - (ومنها): بيان عقوبة مَنْ أكثر من سؤال الناس، وهو أنه يأتي يوم القيامة، وليس على وجهه قطعة لحم.
٣ - (ومنها): أن يوم القيامة هو يوم وقوع الجزاء الأوفى، من ثواب، أو عقاب.
٤ - (ومنها): ما نَقَل ابن بطال عن المهلَّب، قال: فَهِم البخاريّ أن الذي يأتي يوم القيامة لا لحم في وجهه من كثرة السؤال أنه للسائل تكثُّرًا لغير ضرورة إلى السؤال، ومن سأل تكثرًا فهو غنيّ، لا تحل له الصدقة، وإذا جاء يوم القيامة لا لحم على وجهه، فتؤذيه الشمس أكثر من غيره، ألا ترى قوله في الحديث: "الشمس تدنو حتى يبلغ الْعَرَق نصف الأذن … "، فَحَذَّر من الإلحاف في المسألة لغير حاجة إليها، وأما من سال مضطرًّا فمباح له ذلك،
[ ١٩ / ٦٣٨ ]
إذا لم يجد عنها بُدًّا، ورَضِي بما قُسِم له، وُيرْجَى أن يؤجر عليها (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَخِي الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ"مُزْعَةُ ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد، تقدّم قبل بابين.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن عليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ "مُزْعَةُ") يعني إسماعيل لم يذكر في روايته لفظ "مُزْعة"، هكذا قال المصنّف ﵀، والظاهر أنه لم يقع في روايته، وإلا فالحديث عند الإمام أحمد ﵀ فيه ذكر "مُزعة"، كما يأتي في التنبيه التالي، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عليّة، عن معمر هذه ساقها الإمام أحمد: ﵀، فقال في "مسنده":
(٤٦٢٤) - حدّثني إسماعيل، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهريّ، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله ﵎، وليس في وجهه مُزْعَة لحم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المنّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٨] (…) - (حَدَّثَنِي (^٢) أَبُو الطاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ،
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٩/ ٥٨.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٩ / ٦٣٩ ]
أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَمِعَ؛ أَبَاهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَل النَّاسَ، حَتى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ (^١) في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) يسار أبو بكر الفقيه المصريّ، ثقةٌ عابد [٥] (ت ١٣٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٠/ ١٣٠٦.
والباقيان ذُكرا قبلًا.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبلًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٩] (١٠٤١) - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ، أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أوأبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٧.
_________________
(١) وفي نسخة: "ليس".
[ ١٩ / ٦٤٠ ]
٣ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير، قيل: اسمه هَرِم، وقيل غيره، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه واصل، فما أخرج له البخاريّ، وأما أبو كُريب فممن اتّفق الجماعة بالرواية عنه بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ -﵁-، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: "مَنْ سَأَل النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ) أي شيئًا من أموالهم، يقال: سألته الشيءَ، وسألته عن الشيء، قال الطيبيّ ﵀: قوله: "أموالهم" بدل اشتمال من "الناس"، وقوله: "تكثّرًا" مفعول له، وقد تقرّر عند العلماء أن البدل هو المقصود بالذات، وأن الكلام سيق لأجله، فيكون القصد من سؤال هذا السائل نفس المال، والإكثار منه، لا دفع الحاجة، فيكون مثل هذا المال كنزًا يترتّب عليه قوله: "فإنما يسأل جمرًا"، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إلى قوله ﴿يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٤ - ٣٥] سمّى التكثّر جمرًا؛ لأنه مسبّبٌ عنه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠]. انتهى (^١).
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٥١١.
[ ١٩ / ٦٤١ ]
(تَكَثُّرًا) منصوب على أنه مفعول لأجله؛ أي لأجل أن يكثر به ماله، لا لاحتياجه إليه، وقيل: أي بطريق الإلحاح والمبالغة في السؤال (فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا) أي قطعة من نار جهنّم؛ يعني أن ما أخذه سبب للعقاب بالنار، وجعله جمرًا للمبالغة، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية؛ أي ما يوجب نارًا في العقبى، ويجوز أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأخذه يصير جمرًا حقيقةً، ويُكوى به، كما ثبتٌ في مانعي الزكاة (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: حمله على ظاهره هو الأشبه بظاهر النصّ، كما يشهد له قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣٥]، والله تعالى أعلم.
(فَلْيَسْتَقِلَّ، أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ") أي فليستقلّ الجمر، أو ليستكثره، فيكون تهديدًا على سبيل التهكّم، أو فليستقلّ المسألة، فيكون تهديدًا محضًا، كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ الآية [الكهف: ٢٩]، قاله الطيبيّ.
وقال في "السبل": قوله: "فليستقلّ" أمر للتهكم، ومثله ما عُطف عليه، أو للتهديد، من باب ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وهو مشعر بتحريم السؤال للاستكثار". انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٣٩٩، (١٠٤١)] و(ابن ماجه) في "الزكاة" (١٨٣٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٢٠٣ - ٢٠٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ١٨٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٤٧٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٦)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "المرعاة" ٦/ ٢٥٤.
(٢) راجع: "المرعاة"٦/ ٢٥٤.
[ ١٩ / ٦٤٢ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ذمّ سؤال الناس أموالهم دون حاجة واضطرار.
٢ - (ومنها): بيان أن هذا الذمّ إنما يلحقه إذا سأل تكثّرًا، لا للضرورة.
٣ - (ومنها): التهديد بأن المال الذي أخذه بهذا السؤال يكون في الآخرة نارًا يُعذّب به.
٤ - (ومنها): بيان أن الأمر والنهي قد يخرجان من معنى الطلب إلى معنى التهديد، فليس في قوله: "فليستقلّ إلخ" إباحة للسؤال، وتخيير فيه، وإنما تهديد لفاعله، كما في قوله ﷿: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ الآية، فإنه ليس تخييرًا، وإنما تهديد، ولذا قال بعده: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ الآية [الكهف: ٢٩]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٠] (١٠٤٢) - (حَدَّثَنِي هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ بَيَانٍ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يَقُولُ: "لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ، فيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ، وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ (^١)، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَل رَجُلًا أَعْطَاهُ، أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أفضَلُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هّنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مُصعب، أبو السريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٣ - (بَيَان أَبُو بِشْرٍ) هو: بيان بن بِشْر الأحمسيّ، أبو بشر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٤٧/ ١٨٩١.
_________________
(١) وفي نسخة: "عن الناس".
[ ١٩ / ٦٤٣ ]
٤ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات بعد (٩٠) أو قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص هـ ٤٧.
وإ أَبُو هُرَيْرَةَ" -﵁- ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن قيسًا هو التابعيّ الوحيد الذي تفرّد بالرواية عن العشرة المبشّرين بالجنة -﵃ -، قال السيوطيّ: ﵀ في "ألفيّة الحديث":
وَالتَّابِعُونَ طَبَقَاتٌ عَشَرَهْ … مَعْ خَمْسَةٍ أَوَّلُهُمْ ذُو الْعَشَرَهْ
وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ … وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِم كَثِيرُ
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَأَنْ) بفتح اللام، قال الكرمانيّ: هي إما ابتدائيّة، أو جواب قسم محذوف. انتهى، و"أن" مصدريّة (يَغْدُوَ) أي يذهب أول النهار، يقال: غدا غُاوًّا، من باب قعد: ذهب (أَحَدُكُمْ) بالرفع على الفاعليّة (فَيَحْطِبَ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في الأصول "فيحطب" بغير تاء بين الحاء والطاء في الموضعين، وهو صحيحٌ، وهكذا أيضًا في النسخ: "ويستغني به من الناس" بالميم، وفي نادر منها: "عن الناس بالعين، وكلاهما صحيح، والأول محمول على الثاني. انتهى (^١).
قال الفيّوميّ ﵀: حَطَبْتُ الْحَطَبَ حَطْبًا، من باب ضَرَبَ: جمعته، واسم الفاعل حاطبٌ، قال: واحتطب مثل حَطَبَ. انتهى (^٢).
(عَلَى ظَهْرِهِ) متعلّق بما قبله (فَيَتَصَدَّقَ بِهِ) أي بثمنه بعد بيعه، كما بيّنته
_________________
(١) "شرح النوويّ " ٧/ ١٣١.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٤١.
[ ١٩ / ٦٤٤ ]
الرواية التالية: "لأن يغدو أحدكم، فيحطبَ على ظهره، فيبيعه … " (وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ) وفي نسخة: "عن الناس"؛ أي عن سؤالهم، وقوله: (خَيْرٌ لَهُ) خبر قوله: "لأن يغدو"؛ لأنه في تأويل المصدر مبتدأ؛ أي غدُوُّه خيرٌ له.
وقال في "الفتح": ليست "خير" هنا بمعنى أفعل التفضيل؛ إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، والأصحّ عند الشافعيّة أن سؤال مَن هذا حاله حرام.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل، وتسميتِهِ الذي يُعطاه خيرًا، وهو في الحقيقة شرّ. انتهى (^١).
وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: [فإن قلت]: لا خير في السؤال، فما وجه هذا الترجيح؟.
[قلت]: يَحْتَمِل وجهين:
[أحدهما]: أن ذلك حيث اضطرّ إلى السؤال بحيث لا يصير فيه ذمّ أصلًا، فتَرْكُه مع ذلك خير من فعله، وفي هذا الجواب نظرٌ؛ لأن من أمكنه الاحتطاب لم يضطرّ إلى السؤال.
[ثانيهما]: أن هذه الصيغة، وهي "خيرٌ" قد تستعمل في غير الترجيح، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ الآية [الفرقان: ٢٤]. انتهى (^٢).
وقال السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ": الكلام من قبيل: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، والمراد أن ما يَلْحَق الإنسان بالاحتزام من التعب الدنيويّ خيرٌ له مما يلحقه بالسؤال من التعب الأخرويّ، فعند الحاجة ينبغى أن يختار الأول، ويترك الثاني. انتهى (^٣).
وقال في "حاشيته على صحيح مسلم": قوله: "خير له … إلخ"؛ أي أَبُو فُرض في السؤال خيريّة لكان هذا خيرًا منه، والا فمعلومٌ أنه لا خيريّة في السؤال. انتهى (^٤).
(مِنْ أَنْ يَسْأَل رَجُلًا) أي من سؤاله رجلًا، والمراد بالرجل الشخص،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٤/ ٩٨.
(٢) "طرح التثريب" ٤/ ٨٣ - ٨٤.
(٣) "شرح السندي" ٥/ ٩٤.
(٤) نقله في "المرعاة" ٦/ ٢٥٧.
[ ١٩ / ٦٤٥ ]
فسؤال المرأة مثل سؤال الرجل (أَعْطَاهُ) جملة في محلّ نصب نعت و"رجلًا"؛ أي أعطاه مسؤوله، فحَمّله ثقل المنّة، ومذلّة المسألة (أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ) أي منعه ذلك الذي سأله، فاكتسب الذلّ والهوان، والخيبة، والحرمان؛ يعني أن الإعطاء، والمنع سيّان في كون الاحتطاب خيرًا له، ثمّ علّل ذلك بقوله: (فَإِنَّ) الفاء للتعليل؛ أي لأن (الْيَدَ الْعُلْيَا) هي المنفقة، أو هي المتعفّفة، والأول أصحّ، كما تقدّم بيانه (أفْضَلُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) هي السائلة (وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ") أي ابدأ في الإنفاق بإعطاء الشخص الذي يلزمك إنفاقه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، وهو متّفق عليه بالسياق الآتي بعد حديث.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٤٥٠ و٢٤٠١ و٢٤٠٢] (١٤٠١)، و(البخاريّ) في " البيوع " (٢٠٧٤) و"الشرب" (٢٣٧٤)، و(الترمذيّ) في "الزكاة" (٦٨٠)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٤٨٥ و٢٥٨٩) و"الكبرى" (٢٣٦٥)، و(مالك) في "الموطّأ" (١٨٨٣)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٠٥٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٥٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ذمّ السؤال، وأنه من أقبح الخصال، ولولا قبحه في نظر الشرع لم يفضّل عليه امتهان المرء نفسه في طلب الرزق، وذلك لما يدخل على السائل من ذلّ السؤال، ومن ذلّ الردّ؛ إذا لم يُعط، ولمَا يدخل على المسؤول من الضيق في ماله، إن أَعطَى كلّ سائل.
وقد ذكرت في "شرح النسائيّ" حدّ الغنى الذي يمنع من أخذ الزكاة، ومن سؤال الناس، واختلاف العلماء فيه، فراجعه تستفد (^١)، وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) راجع: "ذخيرة العقبى" ٢٣/ ١٩٠ - ١٩٥.
[ ١٩ / ٦٤٦ ]
٢ - (ومنها): جواز الحلف لتقوية الأمر، وتأكيده (^١).
٣ - (ومنها): الحثّ على طلب الرزق، وارتكاب المشقّة في ذلك، ولو أدّى ذلك إلى امتهان المرء نفسه.
٤ - (ومنها): ترجيح الاكتساب على السؤال، ولو كان بعمل شاقّ كالاحتطاب، ولو لم يَقدِر على بهيمة يَحْمِل الحطب عليها، بل حمله على ظهره، وذكر ابن عبد البرّ، عن عمر -﵁-، قال: مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس.
٥ - (ومنها): الحضّ على التعفّف عن المسألة، والتنزّه عنها.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: وما زال ذوو الهمم والأخطار من الرجال، يتنزّهون عن السؤال، ولقد أحسن أبو الفضل أحمد بن المعذل بن غيلان العبديّ الفقيه المالكي حيث يقول:
الْتَمِسِ الأَرْزَاقَ عِنْدَ الَّذِي … مَا دُونَهُ إِنْ سِيلَ مِنْ حَاجِبِ
مَنْ يُبْغِضُ التَّارِكَ عَنْ سُؤلِهِ … جُودًا وَمَنْ يَرْضَى عَنِ الطَّالِبِ
وَمَنْ إِذَا قَالَ جَرَى قَوْلُهُ … بِغَيْرِ تَوْقِيع إِلَى كَاتِبِ
ومن أحسن ما قيل نظمأ في الرضى والقناعة، وذمّ السؤال قولُ بعض الأعراب [من الطويل]:
عَلَامَ سُؤَالُ النَّاسِ وَالرِّزْقُ وَاسِعُ … وَأَنْتَ صَحِيحٌ لَمْ تَخُنْكَ الأَصَابعُ
وَللْعَيْشِ أَوْكَارٌ وَفِي الأرْضِ مَذْهَبُ … عَرِيضٌ وَبَابُ الرِّزْقِ فِي الأَرْضِ وَاسِعُ
فَكُنْ طَالِبًا لِلرِّزْقِ مِنْ رَازِقِ الْغِنَى … وَخَلِّ سُؤَالَ النَّاسِ فَاللهُ صَانِعُ
وقال مسلم بن الوليد [من الطويل أيضًا]:
أَقُولُ لِمَأفُونِ (^٢) الْبَدِيهَةِ طَائِر … مَعَ الْحِرْصِ لَمْ يَغْنَمْ وَلَمْ يَتَمَوَّلِ
سَلِ النَّاسَ إِني سَائِلُ اللهِ وَحْدَهُ … وَصَائِنٌ عِرْضِي عَنْ فُلَانٍ وَعَنْ فُلِ
وقال عُبيد بن الأبرص:
مَنْ يَسْلِ النَّاسَ يَحْرِمُوهُ … وَسَائِلُ اللهِ لَا يَخِيبُ
_________________
(١) هذا على جعل اللام لام قسم، وقد تقدم أنها تحتمل أن تكون ابتدائية.
(٢) "المأفون": الضعيف العقل والرأي. قاله في "القاموس".
[ ١٩ / ٦٤٧ ]
ومن قصيدة للحسين بن حميد:
وَسَائِلُ النَّاسِ إِنْ جَادُوا وَإِنْ بَخِلُوا … فَإِنَّهُ بِرِدَاءِ الذُّلِّ مُشْتَمِلُ
وقال أبو العتاهية، فأحسن [من الوافر]:
أَتَدْرِي أَيُّ ذُلٍّ فِي السُّؤَالِ … وَفِي بَذْلِ الْوُجُوهِ إِلَى الرِّجَالِ
يَعِزُّ عَلَى التَّنَزهِ مَنْ رَعَاهُ … وَيَسْتَغْنِي الْعَفِيفُ بِغَيْرِ مَالِ
تَعَالَى اللهُ يَا سَلْمُ بْنَ عَمْرٍ … أَذَلَّ الْحِرْصُ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ
وَمَا دُنْيَاكَ إِلَّا مِثْلُ فَيءٍ … أَظَلَّكَ ثُمَّ آذَنَ بِالزَّوَالِ
إِذَا كَانَ النَّوَالُ بِبَذْلِ وَجْهِي … فَلَا قَرُبْتُ مِنْ ذَاكَ النَّوَالِ
مَعَاذَ اللهِ مِنْ خُلُقٍ دَنِيءٍ … يَكُونُ الْفَضْلُ فِيهِ عَلَيَّ لَا لِي
تَوَقَّ يَدًا تَكُونُ عَلَيْكَ فَضْلًا … فَصَانِعُهَا إِلَيْكَ عَلَيْكَ عَالِي
يَدٌ تَعْلُو بِجَمِيلِ فِعْلٍ … كَمَا عَلَتِ الْيَمِينُ عَلَى الشِّمَال
وُجُوهُ الْعَيْشِ مِنْ سَعَةٍ وَضِيقٍ … وَحَسْبُكَ وَالتَّوَسُّعُ فِي الْحَلَالِ
وَتُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ أَخَا نَعِيمَّ … وَأَنْتَ تُصِيفُ فِي فَيْءِ الظِّلَالِ
وَأَنْتَ تُصِيبُ قُوتَكَ فِي عَفَافٍ … وَرِيُّكَ إِنْ ظَمِئْتَ مِنَ الزُّلَالِ
مَتَى تُمْسِي وَتُصْبِحُ مُسْتَرِيحًا … وَأَنْتَ الدَّهْرَ لَا تْرْضَى بِحَالِ
تُكَابِدُ جَمْعَ شَيءٍ بَعْدَ شَيءٍ … وَتَبْغِي أَنْ تَكُونَ رَخِيَّ بَالِ
وَقَدْ يَجْزِي قَلِيلُ الْمَالِ مَجْزَى … كَثِيرِ الْمَالِ فِي سَدِّ الْخِلَالِ
إِذَا كَانَ الْقَلِيلُ يَسُدُّ فَقْرِي … وَلَمْ أَجِدِ الْكَثِيرَ فَلَا أُبَالِ
هِيَ الدُّنْيَا رَأَيْتُ الْحُبَّ فِيهَا … عَوَاقِبُهُ التَّفَرُّقُ عَنْ تَقَالِ
تُسَرُّ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى هِلَالٍ … وَنَقْصُكَ إِنْ نَظَرْتَ إِلَى الْهِلَالِ (^١)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في حديث الباب فضيلةُ الاكتساب بعمل اليد، وقد ذكر بعضهم أنه أفضل المكاسب، وقال الماورديّ ﵀: أصول المكاسب الزراعة، والتجارة، والصناعة، وأيها أطيب؟ فيه مذاهب للناس، أشبهها بمذهب الشافعيّ أن التجارة أطيب، قال: والأشبه عندي أن الزراعة أطيب؛ لأنها أقرب إلى التوكّل.
_________________
(١) راجع: "التمهيد" ٤/ ١١٠ - ١١٣.
[ ١٩ / ٦٤٨ ]
قال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب": في "صحيح البخاريّ"، عن المقدام بن معد يكرب -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: "ما أكل أحد قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيّ الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده". قال النوويّ: فالصواب ما نصّ عليه رسول الله -ﷺ-، وهو عمل اليد، فإن كان زرّاعًا، فهوأطيب المكاسب، وأفضلها؛ لأنه عمل يده، ولأن فيه توكّلًا، كما ذكره الماورديّ؛ ولأن فيه نفعًا عامًّا للمسلمين، والدوابّ، وأنه لا بدّ في العادة أن يؤكل منه بغير عوض، فيحصل له أجره، وإن لم يكن ممن يعمل بيده، بل يعمل له غلمانه، وأجراؤه، فاكتسابه بالزراعة أفضل؛ لما ذكرناه.
وقال في "الروضة" -بعد ذكره الحديث المتقدّم-: فهذا صريحٌ في ترجيح الزراعة، والصناعة؛ لكونهما من عمل يده، ولكن الزراعة أفضلهما؛ لعموم النفع بها للآدميّ وغيره، وعموم الحاجة إليها، والله أعلم.
قال وليّ الدين ﵀: وغاية ما في حديث الباب تفضيل الاحتطاب على السؤال، وليمس فيه أنه أفضل المكاسب، فلعفه ذكره لتيسّره، ولا سيّما في بلاد الحجاز؛ لكثرة ذلك فيها. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): حديث الباب يدلّ أيضًا على جواز الاكتساب بالمباحات، كالحطب، والحشيش النابتين في موات.
واستدلّ به المهلّب على جواز الاحتطاب، والاحتشاش من الأرض المملوكة، حتى يمنع من ذلك مالك الأرض، فترفع حينئذ الإباحة.
قال وليّ الدين: وهو مردود، فإن النبات في الأرض المملوكة ملك لمالكها، فلا يجوز التصرّف فيه بغير إذنه.
ثم حَكَى المهلّب عن ابن الموّاز أنه حَكَى عن ابن القاسم، عن مالك، قال: كانت له أرض يملكها، ليست بأرض خربة، فإن أراد أن يبيع ما ينبت فيها من المراعي بعد طيبهن أنه لا بأس به، وقال أشهب: لا يجوز ذلك؛ لأنه رزقٌ مِن رزقِ الله تعالى، ولا يحلّ لربّ الأرض أن يمنع منه أحدًا، لقوله -ﷺ-:
_________________
(١) "طرح التثريب" ٤/ ٨٤.
[ ١٩ / ٦٤٩ ]
"لا يُمنَع فضلُ الماء ليُمنَع به الكلأُ"، ولو كان النبات في حائط إنسان لما حلّ له أن يمنع منه أحدًا؛ لقوله -ﷺ-: لا حِمَى إلا لله، ولرسوله"، وقال الكوفيّون كقول أشهب. قاله في "طرح التثريب " (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الإمام مالك ﵀ هو الأرجح؛ لأن معنى الحديث: أنه لا يجوز لصاحب الماء الفاضل عن حاجته منعه عن أصحاب المواشي، حتى لا يترّتب على منعه منع الكلأ المباح؛ لأنهم إذا لم يجدوا ماء لا يمكنهم رعي مواشيهم في ذلك الكلأ، وليس المراد منع الكلأ المملوك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في الاكتساب فائدتان: الاستغناء عن السؤال، والتصدّق على المحتاج، وقد ذكرهما النبيّ -ﷺ- في قوله في رواية مسلم: "فيتصدّق، ويستغني من الناس"، كذا في أكثر نسخ "صحيح مسلم" بالميم، وفي بعضها "عن الناس" بالعين. قال النوويّ: وكلاهما صحيح، والأول محمول على الثاني. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): أشار في رواية المصنّف هذه إلى العلّة في تفضيل الاكتساب على السؤال، وهي أن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، والمكتسب يده عُلْيا، إن تصدّق، وكذا إن لم يتصدّق، وفسرنا العليا بالمتعفّفة عن السؤال، فقد يُستدلّ بهذا على ترجيح الرواية التي فيها "اليد العليا هي المتعفّفة"؛ لأنه لا يلزم من الاكتساب الصدقةُ، لكن تبيّن برواية المصنّف أن تفضيل الاكتساب هو للصدقة والاستغناء عن الناس، وكما أنه لا يلزم من الاكتساب الصدقة، لا يلزم من الاكتساب التعفّف عن السؤال، فربّ مكتسب مكتفِ، يسأل تكثّرًا، قاله وليّ الدين ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حكم سؤال الناس:
ذكر الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ" أن المسألة تنقسم إلى الأحكام الشرعيّة: التحريم، والكراهة، والوجوب، والندب، والإباحة، وقال
_________________
(١) "الطرح" ٤/ ٨٤ - ٨٥.
(٢) "الطرح" ٤/ ٨٤.
[ ١٩ / ٦٥٠ ]
أبو بكر ابن العربيّ: وبالجملة فإن السؤال واجب في موضع جائز في آخر حرام في آخر مندوب على طريق، فأما وجوبه، فللمريدين في ابتداء الأمر، وظاهر حالهم، وللأولياء للاقتداء، وجريًا على عادة الله في خلقه، ألا ترى إلى سؤال موسى والخضر لأهل القرية طعامًا، وهما من الله تعالى بالمنزلة المعلومة، فالتعريف بالحاجة فرض على المحتاج، وإذا ارتفعت الضرورة جاز أن يسأل في الزائد عليها، مهما يحتاج إليه، ولا يقدر عليه، ثم أنشد لبعضهم:
لَمَالُ الْمَرْءَ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي … مَفَاقِرَهُ (^١) أَعَفَّ مِنَ الْقُنُوعِ
قال: وإذا كملت للمرء مفاقره، وارتفعت حاجاته، لم يجز له أن يسَال تكثّرًا، ثم قال: وقد يكون السؤال واجبًا، أو مندوبًا، أما وجوبه، فللمحتاج، وأما المندوب فلمن يُعينه، وُيبيّن حاجته، إن استحيى هو من ذلك، أو رجا أن يكون بيانه أنفع، وأنجح من بيان حال السائل، كما كان النبيّ -ﷺ- يسأل لغيره. انتهى.
قال الحافظ العراقيّ ﵀: فذكر أربعة أوجه من الأحكام الشرعيّة في المسألة، دون الخامس، وهو قسم المكروه، فأما تمثيله للواجب بسؤال المحتاج فواضخ، وأما قسم المكروه، فسؤاله للسلطان مع إمكان الاستغناء عنه، وقد جمعهما النبيّ -ﷺ- في حديث سمرة -﵁- بقوله: "إلا أن يسأل الرجل سلطانًا، أو في أمر لا بدّ منه"، فهذا الأخير هو السؤال الواجب، قال: وأما تمثيل القاضي أبي بكر السؤال الواجب بالمريدين في ابتداء الأمر، وبسؤال الأولياء للاقتداء، وتمثيله بسؤال موسى والخضر طعامًا من أهل القرية ففيه نظر، ولا يُطلق على سؤال المريدين في ابتدائهم اسم الوجوب، وإنما جرت عادة المشايخ الذين يهذّبون أخلاق المريدين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك صلاحهم، فأما الوجوب الشرعيّ فلا، وأما سؤال الخضر وموسى، فلا يلزم هذه الأمة الاقتداء بهما في ذلك، وإنما وقع ذلك من الخضر لحكمة أطلعه الله عليها ليبيّن لموسى ﵇ ما ينتهي الحال إليه في المرّات الثلاث. انتهى كلام العراقيّ منقولًا من "طرح التثريب" (^٢).
_________________
(١) المفاقر: جمع فقر على غير قياس، أو جمع مُفْقِر مصدر أفقره. قاله في "للسان".
(٢) راجع: "طرح السّريب" ٤/ ٧٨ - ٧٩.
[ ١٩ / ٦٥١ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول أبي بكر ابن العربيّ: فأما وجوبه فللمريدين في ابتداء الأمر إلخ صدور مثل هذا الكلام من أمثاله عجيب، كيف يكون تهذيب الأخلاق بما هو من محظورات الشرع؟، فهل تهذّب النفوس إلا بمتابعة الرسول -ﷺ-، ومخالفة الهوى المضادّة لسنته؟. وهل جاء عنه -ﷺ- أنه أمر بتهذيب الأخلاق بالسؤال؛ وهل الأولياء يكونون قدوة في الشيء المذموم شرعًا؛ وما كانوا أولياء إلا بالتقوى، واتباع السنة، ومجانبة البدع والهوى، إن هذا لهو العجب العجاب، ومن الغريب أن العراقيّ اعترض عليه في قوله بالوجوب، ولم يعترض عليه في دعواه مشروعية تهذيب الأخلاق بالسؤال، بل وافقه في أصل المشروعية، حيث قال: وإنما جرت عادة المشايخ الذين يهذّبون أخلاق المريدين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك صلاحهم.
فهل هذا التهذيب من عمل الصحابة، والتابعين؟، لا، بل هذا مما ابتدعه الجهالة الذين لم يستضيئوا بنور الكتاب والسنّة، فالتهذيب الصحيح للأخلاق والنفوس، لا يكون إلا بما شرعه العليم الحكيم على لسان من أرسله مهذبًا للأخلاق، وهادي الخلق إلى الخلّاق.
وبالجملة فالنجاة كل النجاة في الدنيا والآخرة في اتباع هدي الرسول -ﷺ- الذي قال الله تعالى في حقّه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": ورد التخصيص في السؤال في أربعة أماكن: وهي أن يسأل سلطانًا، أو في أمر لا بدّ منه، أو ذا رحم في حاجة، أو الصالحين.
فأما السلطان فهو الذي بيده أموال المصالح، وأما الأمر الذي لا بدّ منه، فهو الحاجة التي لا بدّ منها، وأما ذو الرحم، فلِمَا ورد في الصدقة على ذي الرحم من الفضل، ولذهاب بعض العلماء إلى وجوب النفقة عليه مع وصف الفقر والعجز، فرُخّص في سؤاله، وأما سؤال الصالحين فهو في حديث ابن الفراسيّ الذي أخرجه النسائيّ ﵀.
[ ١٩ / ٦٥٢ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في تخصيص هذين القسمين نظر؛ إذ الأول يحتاج لدليل يخصّصه من عموم النهي عن السؤال كالقسمين الأولين، وما استدلّ به بعيد عن هذا، وأما الثاني فحديثه لا يصحّ (^١)، كما بيّنته في "شرح النسائيّ"، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: وحيث جاز السؤال، فيجتنب فيه الإلحاف، والسؤال بوجه الله تعالى، لما في سنن أبي داود، من حديث جابر -﵁-، مرفوعًا: "لا يُسأل بوجه الله إلا الجنّة" (^٢). قال: ومع ذلك فينبغي إعطاؤه، ما لم يسأل ممتنعًا؛ لما روى الطبرانيّ في "معجمه الكبير" من حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- بماسناد حسن، عن النبيّ -ﷺ-، أنه قال: "ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سُئل بوجه الله، فمنع سائله، ما لم يسأل هُجْرًا" (^٣). انتهى (^٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠١] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَذَثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: أتيْنَا أَنجا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: قَالَ النَّبِي -ﷺ-: "وَاللهِ لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ، فَيَحْطِبَ (^٥) عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهُ "، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِبثِ بَيَانٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قبل بابين.
٢ - (يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله
_________________
(١) لأن في سنده ابن الفراسيّ مجهول، ومسلم بن مخشيّ مجهول أيضًا، فتنبّه.
(٢) الحديث رواه أبو داود، وهو ضعيف، لتفرّد سليمان بن قَرْم به عن محمد بن المنكدر، والأكثرون على تضعيفه.
(٣) حديث حسنٌ، أخرجه الطبرانيّ.
(٤) راجع: "طرح التثريب" ٤/ ٧٩ - ٨٠.
(٥) وفي نسخة: "فيحتطب".
[ ١٩ / ٦٥٣ ]
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَاللهِ لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ) هكذا عند المصنّف لرواية إسماعيل بن أبي خالد بلفظ: "لأن يغدو … إلخ"، والذي في "مستخرج أبي نعيم": "لأن يَعْمِدَ أحدكم … إلخ"، وظاهر قول المصنّف ﵀: "بمثل حديث بيان" يدلّ على أن التفاوت بين النصّين في زيادة قوله: "فيبيعه" فقط، لا في لفظ "يغدو"، و"يعمد"، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بَيَانٍ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير إسماعيل بن أبي خالد.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ١٠٩) فقال:
(٢٣٢٤) - حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جريرٌ، عن إسماعيل بن أبي خالد (ح) وحدّثنا مسلم بن محمد بن أحمد، ثنا مسلم الدهان، ثنا إسحاق بن خيرويه، ثنا محمد بن عبيد، ثنا أبو مالك عمرو بن هاشم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: "لأَنْ يَعْمِد أحدكم، فيحتطب على ظهره، فيبيعه، فيستغني خير من أن يأتي رجلًا يسأله، يمنعه أو يؤتيه، ذلك أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول". انتهى.
وقد ساقها الأمام أحمد ﵀ في "مسنده"، مطوّلة، فقال:
(٩٧٩٦) - حدّثنا يحيى، عن إسماعيل؛ يعني ابن أبي خالد، قال: حدّثني قيس بن أبي حازم، قال: أتينا أبا هريرة نُسَلِّم عليه، قال: قلنا: حدِّثنا، فقال: صحبت رسول الله -ﷺ- ثلاث سنين، ما كنت سنوات قط أعقل مني فيهنّ، ولا أحب إلي أن أَعِي ما يقول رسول الله -ﷺ- يهن، وإني رأيته يقول بيده: "قريب بين يدي الساعة، تقاتلون قومًا نعالهم الشعر، وتقاتلون قومًا صغار الأعين، حُمْر الوجوه، كانها الْمَجَانُّ الْمُطْرَقة، والله لأن يغدو أحدكم، فيحتطب على ظهره، فيبيعه، وششغني به، ويتصدق منه، خير له من أن يأتي رجلًا، فيسأله، يؤتيه أو يمنعه، وذلك أن اليد العليا خير من اليد السفلى،
[ ١٩ / ٦٥٤ ]
وابدأ بمن تعول، وخلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٢] (…) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، ويُونسَ بْن عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا (^١) ابْن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْن الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أنَّة سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدَّكمْ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ، فَيَحْمِلَهَا عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَل رَجُلًا، يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يُونسَ بْن عَبْدِ الْأَعْلَى) الصدفيّ، أبو موسى المصرقي، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) عن (٩٦) سنةً (م ت س) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣.
٢ - (عَمْرُو بْن الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٣ - (ابْن شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ويقال: مولى عبد الرحمن بن أزهر، واسمه سعد بن عُبيد، المدنيّ، ثقةٌ [٢] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٣/ ٣٩٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: "لَأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدَّكمْ) بفتح اللام، قال الكرمانيّ: هي إما ابتدائيّة، أو جواب قسمٍ محذوف. انتهى، و"يحتزم": أي يشدّ بالحبل، يقال: حَزَمتُ الدّابّةَ حَزْمًا، من باب ضرب: شددتها بالْحِزَام، قاله في "المصباح"، واحتزم الرجلُ، وتحزم بمعنًى، وذلك إذا شدّ وسطه بحبل، أفاده في "اللسان".
وقوله: (حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ) بالنصب مفعول "يحتزم"، و"الْحُزْمة" بضمّ،
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ١٩ / ٦٥٥ ]
فسكون، وجمعه حُزَم، كغُرْفَة، وغُرَف، ما يُشَدّ به الشيء، و"الْحَطَب" بفتح المهملتين: ما أُعدّ من الشجر شَبُوبًا -أي وَقُودًا- للنار، قاله في "اللسان".
وقوله: (فَيَبِيعَهَا) بالنصب عطفًا على "يحتزم".
وقوله: (يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ) في محلّ نصب نعتٌ لـ"رجلًا".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٣] (١٠٤٣) - (حَدَّثَنِي (^١) عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ سَلَمَةُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثنَا سَعِيدٌ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُسْلِم الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الْأَمِينُ، أمَّا هُوَ فَحَبِيبٌ إِلَيَّ، وَأمَّا هُوَ عِنْدِي فَأَمِينٌ، عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللهِ -ﷺ- تِسْعَةً، أَوْ ثَمَانِيَةً، أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: "ألَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ "وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: "ألَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ "، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: "ألَا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ "، قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا، وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبايِعُكَ؟ قَالَ: "عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا -وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً- وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا"، فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ، يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إَيَّاهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنديّ، ثقةٌ حافظٌ إمامٌ، صاحب "المسند" [١١] (ت ٢٥٥) عن (٧٤) سنةً (م دت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٩ / ٦٥٦ ]
٢ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٠.
٣ - (مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) الطّاطَرِيّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢١٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) التَّنُوخِيُّ الدمشقي، ثقةٌ إمام، سَوَّاه أحمد بالأوزاعي، وقَدَّمَه أبو مسهر، لكنه اختلط في آخر عمره [٧] (ت ١٦٧) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٥ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) الدمشقيّ، أبو شُعَيبٍ الإياديّ القَصِيرُ، ثقةٌ عابد [٤] (ت ١ أو ١٢٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
٦ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبيّ -ﷺ- يوم حُنَين، وسمع من كبار الصحابة، كان عالم الثام بعد أبي الدرداء -﵁-[٢] (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
٧ - (أَبُو مُسْلِم الْخَوْلَانِيُّ) عبد الله بن ثُوَب -بضم المثلثة وفتح الواو بعدها موحدة- وقيلً: ابن ثَوَاب بفتح الثاء، وتخفيف الواو، وقيل: ابن أثْوَب -وزان أحْمَر- ويقال: ابن عبد الله، ويقال: ابن عوف، أو ابن مِشْكَم، ويقال: اسمه يعقوب بن عوف الشامي الزاهد، ثقةٌ عابد [٢].
رَحَلَ إلى النبيّ -ﷺ-، فمات النبيّ -ﷺ- وهو في الطريق، فلقي أبا بكر، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقال: كان ثقةٌ، توفي زمن يزيد بن معاوية، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجلي: شامي تابعي ثقةٌ من كبار التابعين.
وقال ابن عبد البر: أدرك الجاهلية، وأسلم قبل وفاة النبيّ -ﷺ-، وهو معدود في كبار التابعين، وكان ناسكًا عابدًا، له كرامات، ثقةٌ مخضرم [٢].
ورَوَى ابن سعد في "الطبقات" عن شُرَحْبِيلَ بن مسلم، أن الأسود بن قيس ذا الحمار تَنَبَّا في اليمن، فبعث إلى أبي مسلم، فلما جاء قال: أتشهد أني رسول الله؛ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فردد ذلك مرارًا، فأمر بنار عظيمة، فأجّجَتْ، ثم ألقي فيها، فلم تضرّه، فأمره بالرحيل، فأتى المدينة، وقد مات النبيّ -ﷺ-، واستُخْلف أبو بكر
[ ١٩ / ٦٥٧ ]
فذكر قصة الحديث في قول عمر لأبي بكر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد -ﷺ- مَن فُعِل به كما فُعِل بإبراهيم ﵇. اهـ.
وقال النوويّ ﵀: هو مشهور بالزهد، والكرامات الظاهرة، والمحاسن الباهرة، أسلم في زمن النبيّ -ﷺ-، وألقاه الأسود العنسيّ في النار، فلم يحترق، فتركه، فجاء مهاجرًا إلى رسول الله -ﷺ-، فتوفي النبيّ -ﷺ-، وهو في الطريق، فجاء إلى المدينة، فلقي أبا بكر الصديق وعمر وغيرهما من كبار الصحابة -﵃-، هذا هو الصواب المعروف، ولا خلاف فيه بين العلماء، وأما قول السمعانيّ في "الأنساب": إنه أسلم في زمن معاوية، فغلط باتفاق أهل العلم، من المحدثين، وأصحاب التواريخ والمغازي والسير وغيرهم. انتهى (^١).
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله عندهم هذا الحديث عن عوف بن مالك -﵁- فقط، وعند الترمذي حديث آخر عن معاذ -﵁-.
٨ - (عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ) أبو حَمَّاد، ويقال غير ذلك، صحابيّ مشهور، من مُسْلِمَةِ الفتح، وسكن دمشق، ومات سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الجنائز" ٢٥/ ٢٢٣٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف اخنهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالدمشقيين سوى شيخيه، فالأول سمرقنديّ، والثاني نيسابوريّ، نزيل مكة.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: ربيعة، عن أبي إدريس، عن أبي مسلم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ) عبد الله بن ثُوَب، وقيل غيره (الْخَوْلَانِيِّ) - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو- نسبة إلى خَوْلان قبيلة نَزَلَتِ الشام، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الْأَمِينُ) فعيل بمعنى مفعول؛ أي: المحبوب المأمون، قال أبو مسلم ﵀:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٣٢.
[ ١٩ / ٦٥٨ ]
(أمَّا هُوَ) أي الشخص الموصوف بأنه الحبيب الأمين (فَحَبِيبٌ إِلَيَّ) أي محبوب عندي (وَأمَّا هُوَ عِنْدِي فَأَمِينٌ) أي مأمون في دينه، وأمانته، وقوله: (عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ) بالرفع بدل من الحبيب، أو عطف بيان له (الْأَشْجَعِيُّ) نسبة إلى أشجع بن ريث بن غَطَفَان بن سعد بن قيس عَيْلان، قبيلة مشهورة، قاله في "اللباب" (^١).
وقول: (قَالَ) بدل من "حدّثني"، أو في محل نصب على الحال من "الحبيب" (كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللهِ -ﷺ- تِسْعَةً، أَوْ ثَمَانِيَةً، أَوْ سَبْعَة، فَقَالَ: "ألا تُبَايِعونَ) "ألا" هنا للعرض والتحضيص، ومعناهما طلب الشيء، لكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحَث، وتختص "ألا" هذه بالجملة الفعلية، نحو: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]. قاله ابن هشام الأنصاريّ ﵀ (^٢).
ففيه الحثّ على مبايعة النبيّ -ﷺ-.
(رَسُولَ الله؟ ") مفعول "تبايعون"، وإنما قال: "رسول الله" ولم يقل "تبايعوني" تنبيهًا على أن العلة الباعثة على المبايعة هي الرسالة.
زاد في رواية النسائيّ: لفظة " -ﷺ- "، فقال السنديّ ﵀: جملة "-ﷺ -" يَحْتَمِل أن تكون منه -ﷺ-، وأن تكون من غيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر كونها من غيره -ﷺ؛ - ولذا لم تقع في رواية مسلم هنا، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(وَكُنَا حَدِيثَ عَهْدٍ ببَيْعَةٍ) أي قريب زمن بمبايعته -ﷺ- (فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: "ألا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ "، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: "ألا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ ") يعني أنه -ﷺ- كرّر عليهم عرض المبايعة تأكيدًا (قَالَ) عوف -﵁- (فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا) أي للمبايعة له -ﷺ-؛ امتثالًا لأمره (وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ) وإنما قالوا ذلك لظنهم نسيانه ﷺ كونهم مبايعين له، حيث إنهم كانوا قريبي عهد بالمبايعة، فأرادوا تذكيره بذلك، أو أنهم أرادوا أن يستوضحوا ما هي البيعة المطلوبة منهم الآن؟ كما يدل عليه
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٦٤.
(٢) راجع: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ١/ ٦٦.
[ ١٩ / ٦٥٩ ]
قولهم (فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟) أي على أيّ شيء نبايعك الآن؟، فـ "ما" استفهاميّة حُذفت ألفها؛ لدخول حرف الجرّ عليها، كما قال في "الخلاصة":
وَ"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا … بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ "اقْتِضَاءَ مَا اقْتَضَى"
(قَالَ) -ﷺ- ("عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ) متعلق بمحذوف دلّ عليه السؤال؛ أي تبايعوني على عبادة الله تعالى؛ أي طاعته (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) يَحْتَمِل أن يكون "شيئًا" مفعولًا به؛ أي لا تشركوا به شيئًا من الأشياء من غير فرق بين حيّ وميت وجَماد وحيوان، وَيحْتَمِل أن يكون مفعولًا مطلقًا؛ أي لا تشركوا به شيئًا من الشرك الأكبر، والأصغر، والجليّ، والخَفِيّ (وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) بالجرّ عطفًا على قوله "أن تعبدوا الله"؛ أي وعلى إقامة الصلوات الخمس (وَتُطِيعُوا) وفي رواية أبي داود: "وتسمعوا، وتطيعوا"؛ أي تسمعوا، وتطيعوا أمر وُلاة الأمور الذين ولاهم الله تعالى عليكم إذا أمروكم بغير معصية الله تعالى (وَأَسَرَّ) من الإسرار؛ أي أخفى النبيّ -ﷺ- (كَلِمَةً خَفِيَّةً) أي لم يجهر بها كما جهر بما تقدم، ثم فسّر الكلمة الخفتة بقوله: (وَلَا تَسْأَلوا النَّاسَ شَيْئًا") وفي رواية النسائيّ: "وأن لا تسألوا الناس شيئًا"، وهو في تأويل المصدر بدل من "كلمة"، أو خبر لمحذوف؛ أي هي عدم سؤال الناس شيئًا.
والمراد بالسؤال: السؤال المتعلق بالأمور الدنيوية، فلا يتناول السؤال للعلم وأمور الدين، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
وقال في "المنهل": والحكمة في إسرار النهي عن السؤال أن يختص به بعضهم دون بعض؛ لأنَّ مِنَ الناس مَنْ لا بُدَّ له من السؤال لحاجته، ومنهم الغني عنه بماله، أو بالتعفف. انتهى (^١).
(فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أولَئِكَ النَّفَرِ، يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ) قال النوويّ ﵀: فيه التمسك بالعموم؛ لأنهم نُهُوا عن السؤال، فحَمَلُوه على عمومه، وفيه الحثّ على التّنَزُّه عن جميع ما يُسَمَّى سؤالًا، وإن
_________________
(١) "المنهل العذب المورود" ٩/ ٢٨٠.
[ ١٩ / ٦٦٠ ]
كان حقيرًا. انتهى، واللُّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عوف بن مالك الأشجعيّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٤٠٣] (١٠٤٣)، و(أبو داود) في "الزكاة" (١٦٤٢)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٤٦) و"الكبرى" (٣٢٠) (٢/ ١٢١)، و(ابن ماجه) في "الجهاد" (٢/ ٩٥٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ٣٩)، و(البزّار) في "مسنده" (٧/ ١٩٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٦)، و(الرويانيّ) في "مسنده" (١/ ٣٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان التحذير عن مسألة الناس، والتنفير عنه، ولو يسيرًا.
٢ - (ومنها): مشروعيّة تكرار مبايعة الإمام؛ تأكيدًا.
٣ - (ومنها): مشروعية المبايعة على عبادة الله تعالى، وعدم الإشراك به.
٤ - (ومنها): مشروعيّة المبايعة على أداء الصلوات الخمس.
٥ - (ومنها): وجوب طاعة ولاة الأمور، إلا إذا أمروا بالمعصية، فلا طاعة لهم؛ لما أخرجه الشيخان عن ابن عمر -﵄-، عن النبيّ -ﷺ - أنه قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة، فيما أحب وكَرِهَ، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
٦ - (ومنها): بيانُ ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من شدّة الحرص على نشر الدعوة، وتبليغ الأحكام كُلَّمَا وَجَدَ إلى ذلك سبيلًا.
٧ - (ومنها): مشروعية التعاهد على البر والتقوى.
٨ - (ومنها): أن فيه الأخذَ بالعموم؛ لأنهم نُهُوا عن السؤال، فحملوه على العموم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ١٩ / ٦٦١ ]
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيتُ من كتابة الجزء التاسع عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" والمؤذّن يؤذن لصلاة الفجر ليلة الثلاثاء المباركة (٢٨/ ٤/ ١٤٢٨ هـ الموافق ١٦ مايو - أيار ٢٠٠٧ م).
أسال الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء العشرون مفتتحًا بـ (٣٧) - (بَابُ بَيَانِ مَنْ تَحِلُّ لَهُ المَسْأَلَةُ) رقم الحديث [٢٤٠٤] (١٠٤٤).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
[ ١٩ / ٦٦٢ ]
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
ليلة الجمعة المباركة ١/ ٥/ ١٤٢٨ هـ أول الجزء العشرين من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" رحمه الله تعالى.