وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٤] (١٠٤٤) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِيَاب، حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيُّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَسْأَلهُ فِيهَا، فَقَالَ: "أَقِمْ حَتَّى تَأَتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا"، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: "يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ، حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُومَ ثَلَاَثَة مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَة، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ، حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُن مِنَ الْمَسْأَلةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا، يَأَكلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٩/ ٣.
٢ - (قُتَيْبَة بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
[ ٢٠ / ٥ ]
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (هَارُونُ بْنُ رَيابٍ) -بكسر الراء، وبمثنّاة تحتانيّة، ثم ألف، بعدها موحَّدة (^١) التميميّ، ثم الأُسيديّ، أبو بكر، ويقال: أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ عابد [٦].
روى عن أنس، وقيل: لم يسمع منه، والأحنف بن قيس، وقَبِيصة بن ذُؤيب، وكنانة بن نعيم، وابن المسيّب، وغيرهم.
وروى عنه أيوب، من أقرانه، والأوزاعيّ، والحمادان، ومعمر، وابن عيينة، وهمام بن يحعص، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين: ثقةٌ. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: يقال: إنه أجلّ أهل البصرة، قال ابن عُيينة: كان عنده أربعة أحاديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال البخاريّ في "تاريخه": روى عن أنس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: لم يسمع من أنس شيئًا (^٢)، وكان من العبّاد، ممن يُخفِي الزهد، وقال أبو محمد بن حزم: اليمانُ، وهارون، وعلئ بنو رئاب، كان هارون من أهل السنّة، واليمان من أئفة الخوارج، وعليّ من أئمة الروافض، وكانوا متعادين كلهم، وقال ابن سعد: كان ثقةٌ قليل الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيُّ) أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٤].
روى عن أبي برزة الأسلميّ، وقَبِيصة بن المخارق.
وروى عنه ثابت البُنانيّ، وعبد العزيز بن صُهيب، وهارون بن رئاب، وعديّ بن ثابت.
_________________
(١) هكذا ضبطه النوويّ في "شرحه"، وضبطه في "التقريب" بكسر الراء، بعدها تحتانيّة مهموزة، وآخره باء موحَّدة.
(٢) قال الحافظ: تناقض فيه كلام ابن حبّان، فذكره في التابعين، وقال: سمع من أنس، وكنانة بن نعيم، ثم ذكره في طبقة أتباع التابعين، وقال: لم يسمع من أنس شيئًا. انتهى. "تهذيب التهذيب" ٤/ ٢٥٣.
[ ٢٠ / ٦ ]
قال ابن سعد: كان معروفًا، ثقةٌ، إن شاء الله، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٠٤٤)، وحديث (٢٤٧٢): "هذا مني، وأنا منه … . ".
٦ - (قَبِيصَةُ بْنُ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيُّ) صحابيّ سكن البصرة -﵁- تقدم في "الإيمان" ٩٥/ ٥١٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فرّق في التفصيل؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى قُتيبة، فبغلانيّ.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة إلا نحو خمسة أحاديث (^١).
شرح الحديث:
(عَنْ قَبِيصَةَ) - بفتح القاف، وكسر الموحّدة، فمثنّاة تحتيّة، فصاد مهملة- (ابْنِ مُخَارِقٍ) -بضمّ الميم، وتخفيف المعجمة- ابن عبد الله -﵁- (الْهِلَالِيِّ) بكسر الهاء: نسبة إلى هلال بن عامر بن صَعْصَعة بن معاوية بن بكر بن هَوَازن، قبيلة كبيرة، يُنسب إليها كثير من العلماء، قاله في "اللباب" (^٢) (قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً) زاد ابن حبّان في "صحيحه" قصّة في أول هذا الحديث، فساق بسنده إلى كنانة العدويّ، قال: كنت عند قبيصة بن المخارق، فاستعان به نفرّ من قومه في نكاح رجل من قومه، فأبى أن يعطيهم شيئًا، فانطلقوا من عنده، قال كنانة: فقلت له: أنت سيد قومك، وأتوك يسألونك، فلم تعطهم شيئًا، قال: أما في هذا فلا أعطي شيئًا، وسأخبرك عن ذلك، تحملت بحمالة في قومي، فأتيت النبيّ -ﷺ-، فأخبرته، وسألته أن يعينني،
_________________
(١) راجع: "تحفة الأشراف" ٧/ ٥١٢ - ٥١٤.
(٢) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٤٥٤.
[ ٢٠ / ٧ ]
فقال: "بل نحملها عنك يا قبيصة، ونؤديها إليهم من إبل الصدقة -ثم قال-: إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل بحمالة … " الحديث (^١).
(قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً) أي تكلّفت دينًا، قال في "النهاية": "الحمالة"- بفتح الحاء المهملة- كسَحَابة: ما يتحمّله الإنسان عن غيره، من دية، أو غَرَامة، مثل أن يقع حربٌ بين فريقين، تُسفَك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجلٌ يتحمّل ديات القتلى؛ ليُصلح ذات البين، والتحمّل أن يحملها عنهم على نفسه -أي يتكفلها، ويلتزمها في ذمّته-. انتهى (^٢).
وقال الخطّابيّ ﵀: تفسير الْحَمَالة أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال، وَيحدُث بسببهما العداوة، والشحناء، ويُخاف من ذلك الفتق العظيم، فيتوسّط الرجل فيما بينهم، ويسعى في إصلاح ذات البين، ويتضمن مالًا لأصحاب الطوائل، يترضّاهم بذلك حتى تسكن الثائرة، وتعود بينهم الألفة. انتهى.
وقال النوويّ ﵀ ما حاصله: الحمالة -بالفتح- هو المال الذي يتحمّله الإنسان؛ أي يستدينه، ويدفعه في إصلاح ذات البين، كالإصلاح بين قبيلتين، ونحو ذلك، وإنما تحل له المسألة، ويُعطَى من الزكاة بشرط أن يستدينه لغير معصية. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "تحمّلت حَمَالةً" أي ألزمتها نفسي، والحمالة: ما لزم الإنسان تحمّله من غُرْم، أو دية، وكانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية، أو غيرها، قام أحدهم، فتبرعّ بالتزام ذلك، والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شكّ أن هذا من مكارم الأخلاق، ولا يصدر مثله إلا عن سادات الناس وخيارهم، وكانت العرب لكرمها إذا عَلِمَت بأن أحدًا تحمّل حَمالةً بادروا إلى معونته، وأعطوه ما يُتمّ به وجه مكرُمته، وتبرأ به ذمّته، ولو سأل المتحمّل في تلك الحمالة لم يُعَدَّ ذلك نقصًا
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" ٨/ ٨٥ - ٨٦.
(٢) "النهاية في غريب الحديث والأثر" ١/ ٤٤٢.
(٣) "شرح النوويّ على صحيح مسلم" ٧/ ١٣٤.
[ ٢٠ / ٨ ]
في قدره، بل شرفًا وفخرًا، ولذلك سال هذا الرجل رسول الله -ﷺ- في حمالته التي تحمّلها على عادتهم، فأجابه النبيّ -ﷺ- إلى ذلك بحكم المعونة على المكرُمة، ووعده طو بمال من الصدقة؛ لأنه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات. انتهى (^١).
(فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَسْأَلهُ فِيهَا) أي في الحمالة؛ أي لأجلها (فَقَالَ: "أَقِمْ) أمر من الإقامة، بمعنى اثبت، واصبر. وقال السندي: أي كن في المدينة مقيمًا (حَتَّى تَأَتِيَنَا الصَّدَقَةُ) بنصب الفعل بـ "أن" مضمرةً وجوبًا بعد "حتّى"، لكونه مستقبلًا، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "حَتَّى" حَالًا اوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
والمعنى: حتى يَحْضُر لدينا مال الصدقة (فَنَأَمُرَ لَكَ بِهَا") بالنصب عطفًا على "تأتي" (قَالَ) قبيصة (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- ("يَا قَبِيصَةُ إِن الْمَسْأَلةَ) وفي رواية للنسائيّ: "إن الصدقة" (لَا تَحِل إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاَثةٍ) أي لا تحلّ إلا لصاحب ضرورة مُلْجِئة إلى السؤال، كهؤلاء الثلاثة، وقال القرطبيّ ﵀: لَمّا قَرّر النبيّ -ﷺ- منعَ قاعدة المسألة من الناس بما تقدّم من الأحاديث، وبمبايعتهم على ذلك، وكانت الحاجات والفاقات تنزل بهم، فيحتاجون إلى السؤال، بَيَّن لهم -ﷺ- من يخرُج من عموم تلك القاعدة، وهم هؤلاء الثلاثة. انتهى (^٢).
(رَجُل) بالجرّ بدلًا من "أحد"، أو من "ثلاثة"، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، اي أحدهم، ويجوز نصبه بتقدير فعل، كـ "أعني"، على لغة ربيعة الذين يقفون على المنصوب المنوّن بالسكون (تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ) أي جاز له سؤال الناس (حَتَّى يُصِيبَهَا) أي ينال من المال ما يقضي به تلك الحمالة.
قال الطيبيّ ﵀: قوله: "حتى يُصيبها" الضمير ليس يرجع إلى المسألة، ولا إلى الحمالة نفسِها، بل إلى معناهما؛ أي يُصيب ما حصل له من المسألة، أو ما أدَّى من الحمالة، وهي الصدقة. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٨٧.
(٢) "المفهم" ٣/ ٨٧.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٥٠٩.
[ ٢٠ / ٩ ]
(ثُمَّ يُمْسِكُ) أي يترك مسألة الناس؛ لانقضاء سبب حلّ مسألتهم، وهو تحمّله الحمالة، فلما أصاب حاجته ارتفعت الإباحة، فيجب أن يمسك عنها.
(وَرَجُلٌ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة على ما تقدّم في الذي قبله (أَصَابَتْهُ جَائِحَة) هي الآفة التي تُهلك الثمار، والأموال، وتستأصلها، كالغَرَق، والْحَرْق، والبرد، المفسد للزروع والثمار، قال الفيّوميّ ﵀: الجائحة الآفة، يقال: جاحت الآفة المالَ تَجُوحُهُ جَوْحًا، من باب قال: إذا أهلكته، وتَجِيحه جيَاحةً لغة، فهي جائحةٌ، والجمع الجوائح، والمال مَجُوحٌ، ومَجِيحٌ، وأجاحته بالألف لغة ثالثةٌ، فهو مُجَاحٌ، واجتاحتِ المالَ، مثلُ جاحته. انتهى.
(اجْتَاحَتْ) أي استأصلت، وأتلفت (مَالَهُ) من ثمار بستانه، أو غيرها من الأموال (فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ) وفي رواية النسائيّ: "حتى يُصيبها" أي حتى يصيب بدل ماله المجتاح، وأنّث ضميره لتأويله بالحاجة، والله تعالى أعلم.
وقوله: "قَوَامًا من عيش" قال ابن الأثير: أي ما يقوم بحاجته الضروريّة، وقِوام الشيء: عماده الذي يقوم به، يقال: فلان قِوام أهل بيته، وقِوام الأمر ملاكه. انتهى (^١).
وقال في "القاموس": والقَوَام، كسَحَاب: العَدْل، وما يُعاش به. وبالضمّ: داءٌ في قوائم الشاء. وبالكسر: نظام الأمر، وعماده، وملاكه.
وقال في "المصباح": القوام -بكسر القاف-: ما يُقيم الإنسان من القوت، والقوام بالفتح: العدل، والاعتدال، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] أي عَدْلًا، وهو حسن القَوَام: أي الاعتدال. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تبيّن مما ذُكر أن القَوَام هنا يجوز ضبطه بالفتح، والكسر، على ما في "القاموس"، ومعناه: ما يقوم بحاجته الضروريّة، والله تعالى أعلم.
(أَوْ) للشكّ من بعض الرواة (قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ) أي ما يكفي حاجته، و" السِّدَاد" -بالكسر-: كلّ شيء سَدَدْتَ به خَلَلًا، وبه سمّي سِدَادُ الثَّغْر، والقارورةِ، والحا جةِ، قاله ابن الأثير (^٢).
_________________
(١) "النهاية" ٤/ ١٢٤.
(٢) "النهاية" ٢/ ٣٥٣.
[ ٢٠ / ١٠ ]
وقال الفيّوميّ: والسَّدَادُ -بالكسر-: ما تُسدّ به القارورة وغيرها، وسِدَاد الثَّغْر -بالكسر- من ذلك، واختلفوا في سِدَادٍ من عيشي، وسِدَاب من عَوَزٍ لما يُرمَق به العيش، وتُسدّ به الْخَلَّة، فقال ابن السَّكِّيت، والفارابيّ، وتبعه الجوهريّ: بالفتح، والكسر، واقتصر الأكثرون على الكسر، منهم ابن قُتيبة، وثعلبٌ، والأزهريّ؛ لأنه مستعار من سِدَاد القارورة، فلا يُغيّر، وزاد جماعةٌ، فقالوا: الفتح لحنٌ، وعن النضر بن شُمَيلٍ: سِدَادٌ من عَوَزٍ؛ إذا لم يكن تامًّا، ولا يجوز فتحه، ونَقَل في "البارع" عن الأصمعيّ: سِدَاد من عَوَزٍ بالكسر، ولا يقال: بالفتح، ومعناه: إن أعوز الأمر كلُّهُ ففي هذا ما يَسُدُّ بعضَ الأمر. انتهى كلام الفيّوميّ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب في قوله: "سِدَادًا من عيش" في هذا الحديث بالكسر، وإن جوّز بعضهم الفتح فيه أيضًا، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ ﵀: أقول: بالغ في الكفّ عن المسألة حتى شبّه السائل بالمضطرّ الذي يَحِلّ له أكل الميتة إلى أن يسُدّ رمقه، وأبلغ منه قوله: "حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى" حيث "يقوم" وُضع موضع "يقول"؛ لأن قوله: "لقد أصابت فلانًا فاقةٌ" مقول للقول، فلا يناسب أن يقال: "يقوم لقد أصابت فلانًا فاقةٌ"، لكن لاهتمام الشأن وَضَعَ "يقوم" بدل "يقول"، جاعلًا المقول حالًا؛ أي يقوم ثلاثة قائلين هذا القول، ولمزيد الاهتمام أبرزه في معرض القسم، وقيّدهم بذوي العقول حتى لا يشهدوا عن تخمين، وجعلهم من قومه؛ لأنهم أعلم بحاله. انتهى (^٢).
(وَرَجُلٌ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، كسابقيه (أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ) اسم من افتاق يفتاق: إذا احتاج. أي رجلٌ كان غنيًّا موسرًا، ثم افتقر، وأصابته حاجة، ولم يُعرَف حاله (حَتَّى يَقُومَ ثَلَاَنة) وفي رواية النسائيّ: "حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ"، قال النوويّ ﵀: هكذا في جميع النسخ -أي نسخ صحيح مسلم"-: "حتى يقوم ثلاثة"، وهو صحيح؛ أي يقومون بهذا الأمر، فيقولون: لقد أصابته فاقة.
_________________
(١) المصباح المنير في مادة سدد.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٥٠٩.
[ ٢٠ / ١١ ]
انتهى، ولفظ أبي داود: "حتى يقول" باللام من القول، ولا يحتاج إلى تقدير محذوف.
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "حتى يقوم" هكذا في جميع نسخ مسلم، وهو صحيح، وقال الصنعانيّ (^١): كذا وقع في كتاب مسلم، والصحيح "يقول" باللام، وكذا أخرجه أبو داود، قال الطيبيّ: قد سبق أن "يقوم" أبلغ، والمقام له أدعى، وحذف القول في الكلام الفصيح شائع، قال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ الآية [الكهف: ٤٨]. انتهى (^٢).
(مِنْ ذَوِي الْحِجَا) -بكسر الحاء المهملة، وفتح الجيم، بعدها ألف مقصورة-: أي العقل والفِطْنة، قال القرطبيّ: واشترط الحجا؛ لأن من عَدِمه لا يحصل بقوله ثقةٌ، ولا يصلح للشهادة، أو لعلّه عبّر به عما يُشرط في المخبِر والشاهد من الأمور التي توجب الثقة بأقوالهم، ويكون الموصوف بها عَدْلًا مرضيًّا. انتهى (^٣).
(مِنْ قَوْمِهِ) إنما قيّدهم بقومه؛ لأنهم أعلم بدَخِيلة أمره، واستظهر بالثالث ليُلحق بالمنتشر، ولم يحتج فيمن أصابته الجائحة إلى مثل هذا؛ لظهور أمر الجائحة، وأما أمر الفاقة، فقد تخفى، قاله القرطبيّ ﵀ (^٤).
وقال النوويّ ﵀: وإنما قال -ﷺ-: "من قومه" لأنهم من أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يُخفَى في العادة، فلا يعلمه إلا من كان خبيرًا بصاحبه، وإما اشترط الحجا تنبيهًا على أنه يشترط في الشاهد التيقّظ، فلا تُقبل من مغفّل، وأما اشتراط الثلاثة، فقال بعض أصحابنا: هو شرط في بينة الإعسار، فلا يُقبل إلا من ثلاثة؛ لظاهر هذا الحديث، وقال الجمهور: يقبل من عدلين، كسائر الشهادة، غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب، وهذا محمول على من عُرِف له مالٌ، فلا يُقبل قوله في تلفه، والإعسار إلا ببيّنة، وأما من لم يُعرف له مالى، فالقول قوله في عدم المال. انتهى كلام النوويّ ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيّد هذا قوله في الحديث: "اجتاحت
_________________
(١) هكذا النسخة: "الصنعاني"، والظاهر أنه تصحيف من "الصغاني"، فليُحزر.
(٢) "الكاشف" ٥/ ١٥١٠.
(٣) "المفهم "٣/ ٨٨.
(٤) "المفهم" ٣/ ٨٨.
[ ٢٠ / ١٢ ]
ماله"، فإنه يدلّ على أن الذي يشهد له الثلاثة هو الذي كان له مالٌ، فاجتاحته آفة، فاحتاج للمسألة، والله تعالى أعلم.
وقال السنديّ ﵀: وهذا كنايةٌ عن كون تلك الفاقة محقّقةً، لا مُخَيّلةً، حتى أَبُو استُشهِد عقلاء قومه بتلك الفاقة لشهدوا بها، والفرق بين هذا القسم، والقسم السابق، أن الفاقة في القسم الأول ظاهرة بَينَ غالب الناس، وفي هذا القسم خفيّةٌ عنهم. انتهى.
(لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ) أي يقومون قائلين: قد أصابت إلخ.
(فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ، حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْش، أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُن) أي سوى هذه الأمور الثلاثة (مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ "سُحْتًا"، ورواية غير مسلم: "سُحْت"، وهذا واضح، ورواية مسلم صحيحة، وفيه إضمار؛ أي اعتقده سُحْتًا، أو يؤكل سُحْتًا. انتهى (^١).
و"السُّحُتُ" -بضم السين، والحاء المهملتين، أو بضمّ السين، وسكون الحاء، تخفيفًا-: هو كلّ مالٍ حرام، لا يَحِلّ كسبه، ولا أكله، وسُمّي بذلك؛ لأنه يَسْحَتُ البركة: أي يُذهبها، وَيمحَقها.
وقال القرطبيّ في ﵀: قوله: "سُحُتٌ" السحت: الحرام، وسمّي به لأنه يسحت وَيمحَقُ، وفيه لغتان: سكون الحاء وضمّها، وروايتنا في "سحت" الأول الرفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو "ما" الموصولة، وقد وقع لبعضهم "سحتًا" بالنصب، وليس وجهه ببيِّنٍ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: توجيهه بيِّنٌ، كما سبق في قول النوويّ ﵀، وذلك أن يُقدّر له ناصب؛ أي اعتقده سحتًا، أو نحو ذلك، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال أيضًا: قولهْ "فما سواهنّ سحتٌ" أي ما سوى هؤلاء الثلاثة، ثم هو بعد ذلك مخصوص بحديث سمُرة -﵁- الذي أخرجه أبو داود باسناد صحيح مرفوعًا: "المسائل كُدُوح يَكْدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يَجِد منه بُدًّا" (^٢).
_________________
(١) "شرح النوويّ " ٧/ ١٣٤.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في "سننه" (١٦٣٩).
[ ٢٠ / ١٣ ]
قال: وما تدعو الحاجة والضرورة إلى المسألة فيه يزيد على الثلاثة المذكورين في هذا الحديث الذي نحن باحثون فيه. انتهى (^١).
(يَكلُهَا) أي يأكل ما يحصل له بالمسألة، قاله الطيبيّ ﵀، وقال الصنعانيّ ﵀: "يأكلها": أي الصدقة، أنّث الضمير؛ لأنه جعل السحت عبارة عنها، وإلا فالضمير له. انتهى. (صَاحِبُهَا) أي صاحب المسألة (سُحْتًا") منصوب على الحال، أو بدل من الضمير المنصوب في "يأكلها".
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "يأكلها صاحبها سُحتًا" صفة لـ"سُحْتٌ" الماضي، والضمير الراجع إلى الموصوف مؤنّثٌ على تأويل الصدقة، وفائدة الصفة أن آكل السحت لا يجد للسحت الذي يأكله شبهة تجعله مباحًا على نفسه، بل يأكلها من جهة السحت، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [البقرة: ٦١]؛ أي يقتلونهم على اعتقاد أن قتلهم غير مباح (^٢)، وليس لهم حقّ عليهم، والتعريف في "المسألة" إما للعهد، فيكون الكلام في الزكاة، وإما للجنس، فيشمل التطوّع والفرض، وقرينة الأولى التفصيل؛ لأن التحمّل لا يكون إلا للغارم، وإصابة الجائحة للثمار إنما يُتصوّر في المساكين، وإصابة الفاقة للفقير.
[فإن قلت]: ما وجه تخصيص من أصابته الجائحة بالمساكين، ومن أصابته الفاقة بالفقير، وقد عَقَب كلًّا بقوله: "حتى يُصيب قوامًا من عيش"؟.
[قلنا]: الفرق ظاهرٌ، فإن من أصابته الآفة السماويّة، واستأصلت ثماره قد تبقى له الأرض والزرع، فيُعطَى ما يتقوم به من العيش، ولا يؤمر ببيع ما بقي وإنفاقه على نفسه، ولا يُعْنَى بالمسكين إلا هذا، ومن ثَمَّ لم تُطلب البيّنة في إصابة الحقّ الجائحة لظهورها كما تطلب في إصابة الفاقة، وتبيّن من هذا الفرق بين الفقير والمسكين، فلما خصّصت المسألة بالزكاة المفروضة عُلِم أن حكم التطوّع غير هذا.
[فإن قلت]: فلم خُصّ هؤلاء بالذكر دون سائرهم؟.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٨٩.
(٢) وقع في النسخة: "أن على اعتقاد أن قتلهم مباح"، والظاهر أن كلمة "غير" سقطت منه، فتنبّه.
[ ٢٠ / ١٤ ]
[قلت]: لاندراج البقيّة فيهم، فإن الغارم، والغازي، والعامل، والمؤلّفة قلوبهم يجمعهم معنى السعي في مصالح المسلمين، وأن الرقاب، وابن السبيل من جنس الفقير والمسكين. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث قبيصة بن مُخَارق -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ٢٤٠٤] (١٠٤٤)، و(أبو داود) في "الزكاة" (١٦٤٠)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٧٩ و٢٥٨٠) و"الكبرى" (٢٣٦٠ و٢٣٦١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٠٨)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٨١٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٧٧ و٥/ ٦٠)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٦٧٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٣٥٩ و٢٣٦٠ و٢٣٧٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٩١ و٣٣٩٥)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٦٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ٩٤٦ و٩٤٧ و٩٤٨ و٩٤٩ و٩٥٠ و٩٥١ و٩٥٢ و٩٥٣ و٩٥٤ و٩٥٥)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٢/ ١٧ - ١٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٠ - ١١١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٧٣)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١١٩ و١٢٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٢٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم مسألة الناس لغير هؤلاء المذكورين في هذا الحديث، ومن كان بمعناهم، كما تقدّم في حديث سمرة -﵁- مرفوعًا: "المسائل كُدُوح يَكْدَح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يَجِد منه بُدًّا".
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٥١٠.
[ ٢٠ / ١٥ ]
٢ - (ومنها): بيان أن من تحمّل حَمالة يستحقّ الصدقة، وهو معنى (الغارم) المذكور في آية الصدقة.
٣ - (ومنها): ما قاله الخطّابيّ ﵀: في هذا الحديث علم كثيرٌ، وفوائد جمّة، ويدخل في أبواب من العلم والحكم، وذلك أنه قد جعل من تحلّ له المسألة من الناس أقسامًا ثلاثة: غنيًّا، وفقيرين، وجعل الفقر على ضربين: فقرًا ظاهرًا، وفقرًا باطنًا، فالغنيّ الذي تحلّ له المسألة هو صاحب الحمالة، وهي الكفالة، والْحَمِيل: الضمين، والكفيل، ثم ذكر تفسير الحمالة كما تقدّم، ثم قال: فهذا الرجل صنع معروفًا، وابتغى بما أتاه صلاحًا، فليس من المعروف أن تترك الغرامة في ماله، ولكن يُعان على أداء ما تحمّله منه، ويُعطى من الصدقة قدر ما تبرأ به ذمّته، ويخرج من عهدة ما تضمّنه منه.
وأما النوع الأول من نوعي أهل الحاجة، فهو رجلٌ أصابته جائحةٌ في ماله، فأهلكته، والجائحة في غالب العرف هي ما ظهر من الآفات، كالسيل يُغرق متاعه، والنار تُحرقه، والبرد يُفسد زرعه، وثماره، ونحو ذلك من الأمور، وهذه أشياء لا تخفى آثارها عند كونها، ووقوعها، فإذا أصاب الرجل شيء منها، فذهب ماله، وافتقر، حلّت له المسألة، ووجب على الناس أن يُعطوه الصدقة من غير بيّنة، يطالبونه بها على ثبوت فقره، واستحقاقه إياها.
وأما النوع الآخر، فإنما هو فيمن كان له ملك ثابث، وعُرف له يسار ظاهر، فادَّعَى تَلَفَ ماله من لصّ طَرَقه، أو خيانة ممن أودعه، أو نحو ذلك من الأمور التي لا يبين لها أثرٌ ظاهر في المشاهدة والعيان، فإذا كان ذلك، ووقعت في أمره الرّيبة في النفوس لم يعط شيئًا من الصدقة إلا بعد استبراء حاله، والكشف عنه بالمسألة من أهل الاختصاص به، والمعرفة بشأنه، وذلك معنى قوله: "حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: قد أصابت فلانًا الفاقة"، واشتراطه الحجا تأكيد لهذا المعنى؛ أي لا يكونون من أهل الغباوة والغفلة، ممن يخفى عليهم بواطن الأمور، ومعانيها، وليس هذا من باب الشهادة، ولكن من باب التبيّن والتعرّف، وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات، فإذا قال نفر من قومه، أو جيرانه، أو من ذوي الخبرة بشانه: إنه صادق فيما يدّعيه، أُعطي الصدقة.
[ ٢٠ / ١٦ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ليس من باب الشهادات" فيه نظر لا يخفى، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أنّ فيه من العلم أن من ثبت عليه حقّ عند حاكم، فطلب المحكوم له حبسه، واذعَى المحكوم عليه الإفلاس والفقر، لا تسمع دعواه إلا ببيّنة، إن كان المحكوم عليه به لزمه بدل مال حصل في يده، كثمن مبيع، وقرض؛ لثبوت غناه بحصول المبيع، والقرض في يده، وتُقبل دعواه الإفلاس فيما ليس بدل مال، كبدل الغصب، وضمان المتلفات، ونفقة من يلزمه الإنفاق عليه، فلا يُحبس فيما ذُكِر إن ادّعى الفقر؛ لأن الأصل في الآدميّ العسر، وقد قال الله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]، إلا إذا بَرْهَن خصمه أنّ له مالًا، فيُحْبَس حسبما يراه القاضي؛ لقوله -ﷺ-: "مَطْلُ الغنيّ ظلم"، متّفق عليه، وقوله -ﷺ-: "لَيُّ الواجد يُحِلّ عِرْضَهُ، وعقوبته" حديث حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه.
وهذا إذا لم يكن له مالٌ ظاهر، وإلا انتُرع منه الحقّ، إن كان من جنسه، أو بَيعَ عليه، إن لم يكن من جنسه، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز نقل الصدقة من بلدة إلى أخرى، حيث قال: "أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها"، وقد استوفيت البحث في اختلاف العلماء في ذلك في "شرح النسائيّ"، وأن الأصحّ جواز نقلها؛ إذا كان هناك مصلحة راجحة (^١).
٦ - (ومنها): أن الحدّ الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي يكون بها قِوام العيش، وسِداد الخلّة، وذلك يعتبر في كلّ إنسان بقدر حاله، ومعيشته، وليس فيه حدّ معلوم، يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف أحوالهم (^٢).
٧ - (ومنها): ما قال المظهر ﵀: من لم يقدر على كسب لزمانة، ونحوها جاز له السؤال بقدر قوت يومه، ومن قدر على الكسب، وتركه
_________________
(١) راجع: "شرح النسائيّ" ٢٢/ ٣٢٢ - ٣٢٤.
(٢) راجع: "معالم السنن" للخطابيّ ﵀ ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٩.
[ ٢٠ / ١٧ ]
لاشتغاله بتعلّم العلم تجوز له الزكاة والصدقة، ومن تركه للتطوّع من الصلاة والصيام، ونحوهما فلا تجوز له الزكاة، ويكره له صدقة التطوّع، ومن تخلّى في نحو رباط، واشتغل بالطاعة والرياضة، وتصفية الباطن، فيُستحبّ لواحد منهم أن يسأل صدقة التطوّع، وكسرات الخبز، واللباس لهم، وينبغي للسائل أن ينوي الكفاف لهم لا لنفسه، إن لم يكن منهم، لكن لا يُكره أن يأكل معهم، وأن يترك الإلحاح، بل يقول: من يُعطي شيئًا لرضى الله؟، ولا يواجه أحدًا بعينه، فإن أُعطي دعا، وإن لم يُعط لم يَسْخَط، ومن لم يَقُم بهذه الشرائط كان إثمه أكثر من أجره، ولا يجوز للسائل أن يأخذ لهم الزكاة؛ لاقتدارهم على الكسب. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره من جواز السؤال لأجل من تجرّد للطاعة، وتصفية الباطن محلّ نظر، فمانه ممن يستطيع الكسب، فلا وجه للسؤال له؛ لدخوله في قوله -ﷺ- في حديث الباب: "فما سواهنّ من المسألة سحتٌ"، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.