وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٥] (١٠٤٥) - (وَحَدَّثنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- يَقُول: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ
_________________
(١) راجع: "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٥١١.
[ ٢٠ / ١٨ ]
إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أفقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: (خُذْهُ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) عن (٧٤) سنة (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ الحافظ، تقدّم قبل باب.
٣ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
٦ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
٧ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣، أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل والأداء، على ما أسلفنا بيانه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو والبخاريّ، وأبو داود، والثاني، تفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، غير هارون، فمروزيّ، ثم بغدادي، والنصف الثاني مسلسل بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن ابن عمر -﵁- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا.
[ ٢٠ / ١٩ ]
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب -﵄- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- يَقُولُ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُعْطِينِي الْعَطَاءَ) أي بسبب عمله، كما سيأتي في الرواية الآتية (فَأَقُولُ: أَعْطِهِ) أي العطاء الذي تعطينه (أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي) أي شخصًا أحوج إليه مني (حَتى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: (خُذْهُ) أي ما أعطيته لك (وَمَا) موصولة؛ أي الذي (جَاءَكَ) وقوله: (مِنْ هَذَا الْمَالِ) بيان لـ "ما" (وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، و"المشرف": المتطلّع للشيء، وهو اسم فاعل من الإشراف -بالمعجمة- وهو التعرّض للشيء، والحرص عليه، من قولهم: أشرف على كذا: إذا تطاول له، وقيل للمكان المرتفع: شَرَفٌ؛ لذلك.
قال أبو داود: سألت أحمد عن إشراف النفس؟ فقال: بالقلب، وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه؟ فقال: هو أن يقول مع نفسه: يبعث إليّ فلان بكذا، وقال الأثرم: يَضِيق عليه أن يردّه إذا كان كذلك، قاله في "الفتح" (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: إشراف النفس: تطلّعها، وتشوّفها، وشَرَهُهَا لأخذ المال، ولا شكّ أن هذه الأمور إذا كانت هي الباعثة على الأخذ للمال؛ كان ذلك من أدلّ دليل على شدّة الرغبة في الدنيا، والحبّ لها، وعدم الزهد فيها، والركون إليها، والتوسّع فيها، وكلّ ذلك أحوالٌ مذمومة، فنهاه عن الأخذ على هذه الحالة؛ اجتنابًا للمذموم، وقَمْعًا لدواعي النفس، ومخالفة لها في هواها، فإن لم يكن كذلك جاز له الأخذ للأمن من تلك العلل المذمومة.
قال الطحاويّ: وليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٥٤ في "كتاب الأحكام"، و٤/ ١٠٠ في "الزكاة".
(٢) راجع: "المفهم" ٣/ ٩٠.
[ ٢٠ / ٢٠ ]
(وَلَا سَائِلٍ) أي غير طالب له، قال النوويّ ﵀: فيه النهي عن السؤال، وقد اتفق العلماء على النهي عنه لغير الضرورة، واختُلف في مسألة القادر على الكسب، والأصحّ التحريم، وقيل: يباح بثلاثة شروط: أن لا يُذِلّ نفسه، ولا يُلحّ في السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فُقد شرط من هذه الشروط، فهي حرام بالاتفاق. انتهى، وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
(فَخُذْهُ) أي وجوبًا على ما قاله بعضهم؛ عملًا بظاهر الأمر، وهو الأظهر، أو استحبابًا على ما عليه الجمهور، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
(وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) مِن أَتْبع مخفّفًا؛ أي ما لم يُؤْتِك الله بالشرط المذكور، فلا تجعل نفسك تابعةً له، ناظرةً إليه؛ لأجل أن يحصل عندك.
وقال النوويّ ﵀: معناه: ما لم يوجد فيه هذا الشرط لا تُعلّق النفس به. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: أي لا تعلّقها، ولا تُطمعها في ذلك، فإذا فعلت ذلك بها سكنت، ويئست. انتهى.
وفيه إشارة إلى أن الْمَدَار على عدم تعلّق النفس بالمال، لا على عدم أخذه وردّه على المعطي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر -﵁- هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٢٤٠٥ و٢٤٠٦ و٢٤٠٧ و٢٤٠٨ و٢٤٠٩، (١٠٤٥)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٧٣) و"الأحكام" (٧١٦٤)، و(أبو داود) في "الزكاة" (١٦٤٧) و"الخراج" (٢٩٤٤)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٦٠٤ و٢٦٠٥ و٢٥٠٦ و٢٦٠٧ و٢٦٠٨) وفي "الكبرى" (٢٣٨٥ و٢٣٨٦ و٢٣٨٧
[ ٢٠ / ٢١ ]
و٢٣٨٨ و٢٣٨٩)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٧ و٢١ و٢/ ٩٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١/ ١٢)، و(أحمد) في "مسند العشرة" (١٠١ و١٣٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٦٤٧)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ١٣٥) و"مسند الشاميين" (١/ ٨٤ و٤/ ١٥٦ و٢٣٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٨٣ و١٨٤ و٣٥٤) و"المعرفة" (٥/ ٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم من رزقه الله تعالى مالًا من غير مسألة، والجمهور على استحباب أخذه على تفصيل في المسألة، لكن القول بالوجوب هو الأقرب؛ لأنه الذي تدلّ عليه ظواهر النصوص، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: هذا الحديث أصلٌ في أنّ كلّ مَن عَمِلَ للمسلمين عملًا من أعمالهم العامّة، كالولاية، والقضاء، والْحِسْبة، والإمامة، فارزاقهم في بيت مال المسلمين، وأنهم يُعْطَون ذلك بحسب عملهم. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): أن للإمام أن يعطي بعض رعيّته إذا رأى لذلك وجهًا، وإن كان غيره أحوج إليه منه.
٤ - (ومنها): أن ردّ عطيّة الإمام ليس من الأدب، ولا سيّما من الرسول -ﷺ-؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].
٥ - (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر بن الخطّاب -﵁-، وبيانَ فضله، وزُهده، وإيثاره، وكذا لابن السعديّ -﵁-، فقد طابق فعلُه فعلَه، كما سيأتي بعد حديث.
٦ - (ومنها): أنّ أخذ ما جاء من المال من غير سؤال، ولا إشراف نفس أفضلُ من ردّه؛ لأن أخذه يكون أعون على العمل، وألزم للنصيحة؛ لأنه إذا لم
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٩١.
[ ٢٠ / ٢٢ ]
يأخذ كان عند نفسه متطوّعًا بالعمل، فقد لا يجدّ جدّ من أخذ، ركونًا إلى أنه غير ملتزم، بخلاف الذي يأخذ، فإنه يكون مستشعرًا بأن العمل واجبٌ عليه، فيجدّ جدَّه فيه.
٧ - (ومنها): أن التصدّق بالمال بعد قبضه أفضل من التصدّق قبله؛ لأدن الإنسان إذا دخل المال في يده يكون أحرص عليه، فإذا تصدّق به طيّبة نفسه، كان أدلّ على حبة للخير، وقوة إيمانه، بخلاف ما إذا تصدّق قبل قبضه، فإن النفس لا تطمع إليه كثيرًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم أخذ الشخص ما جاءه من المال، من غير مسألة، ولا إشراف، وفي عطيّة السلطان:
قال النوويّ ﵀: اختَلَفَ العلماء فيمن جاءه مالٌ، هل يجب قبوله، أم يُندبُ؟ على ثلاثة مذاهب، حكاها أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، وآخرون، والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه يستحبّ في غير عطيّة السلطان، أما عطيّة السلطان، فحرّمها قوم، وأباحها قوم، وكرهها قوم، والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أَعطَى من لا يستحقّ، وإن لم يغلب الحرام، فمباحٌ، إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ، وقالت طائفة: الأخذ واجبٌ من السلطان وغيره.
وقال آخرون: هو مندوبٌ في عطيّة السلطان، دون غيره، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (^١).
وقال الحافظ: والتحقيق في المسألة أن من عُلِمَ كون ماله حلالًا، فلا تردّ عطيّته، ومن عُلم كون ماله حرامًا، فتحرم عطيّته، ومن شُكّ فيه، فالاحتياط ردّه، وهو الورع، ومن أباحه أَخَذَ بالأصل.
قال ابن المنذر: واحتجّ من رخّص فيه بأن الله تعالى قال في اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، وقد رهن الشارع درعه عند يهوديّ، مع علمه بذلك، وكذلك أَخَذَ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير، والمعاملات الفاسدة. انتهى (^٢).
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" ٧/ ١٣٥.
(٢) راجع: "الفتح" ١٥/ ١٠١.
[ ٢٠ / ٢٣ ]
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي في مسألة القبول القولُ بالوجوب؛ لظواهر النصوص؛ إذ هي بصيغة الأمر، ولا صارف له إلى الندب، وما ادّعاه بعضهم من الإجماع على الندب غير صحيح؛ لما عرفت من الخلاف.
وأما عطيّة السلطان، فالتفصيل الذي ذكره الحافظ ﵀، هو الصواب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في حكم أخذ الراتب لمن يقوم بمصالح المسلمين: قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب رزق (^١) الحاكم، والعاملين عليها، وكان شُرَيح القاضي يأخذ على القضاء أجرًا، وقالت عائشة -﵂-: يأكل الوصيّ بقدر عُمالته، وأكل أبو بكر، وعمر، ثم أورد حديث عمر -﵁- المذكور في الباب محتجًّا به على جواز ذلك.
قال الطبريّ ﵀: في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شُغِل بشيء من أعمال المسلمين أَخْذَ الرزق على عمله ذلك، كالولاة، والقضاة، وجُبَاة الفيء، وعُمّال الصدقة، وشبههم؛ لإعطاء رسول الله -ﷺ- عمر العُمَالةَ على عمله.
وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت -﵁-، كان يأخذ الأجر على القضاء.
واحتجّ أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة، وجعل لهم منها حقًّا؛ لقيامهم، وسعيهم فيها.
وقال ابن المنذر: وحديث ابن السعديّ حجة في جواز أرزاق القضاة من وجهها.
وقال النوويّ: في هذا الحديث جواز أخذ العوض على أعمال المسلمين، سواء كانت لدين، أو لدنيا، كالقضاء، والحسبة، وغيرهما. انتهى (^٢).
_________________
(١) الرزق: ما يرتّبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين. وقال المطرّزيّ: الرزق ما يخرجه الإمام كلّ شهر للمرتزقة من بيت المال، والعطاء ما يُخرجه كلّ عام. ذكره في "الفتح" ١٥/ ٥١.
(٢) "شرح مسلم" ٧/ ١٣٨.
[ ٢٠ / ٢٤ ]
وقال الطبريّ: ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم؛ لكونه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك، ولم يحرّموه مع ذلك.
وقال أبو عليّ الكرابيسيّ: لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبةً، من الصحابة، ومن بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار، لا أعلم بينهم اختلافًا، وقد كره ذلك قوم، منهم مسروق، ولا أعلم أحدًا منهم حرمه.
وقال المهلّب: وجه الكراهة أنه في الأصل محمول على الاحتساب؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، فأرادوا أن يجري الأمر على الأصل الذي وضعه الله لنبيّه -ﷺ-، ولئلا يدخل فيه من لا يستحقّه، فيتحيّل على أموال الناس.
وقال غيره: أخذ الرزق على القضاء؛ إذا كانت جهة الأخذ من الحلال جائز إجماعًا، ومن تركه إنما تركه تورُّعًا، وأما إذا كانت هناك شبهة، فالأولى الترك جزمًا، ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه، واختُلِف إذا كان الغالب حرامًا، وأما من غير بيت المال ففي جواز الأخذ من المتحاكمين خلاف، ومن أجازه شرط فيه شروطًا، لا بدّ منها.
قال الحافظ: وقد جرّ القول بالجواز إلى إلغاء الشروط، وفشا ذلك في هذه الأعصار بحيث تعذّر إزالة ذلك، والله المستعان. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن أخذ الراتب على العمل جائزٌ مطلقًا، على الوجه الذي سبق تقريره آنفًا، ولا ينافي ذلك إخلاص العمل لله تعالى، كما اتّضح ذلك من حديث عمر -﵁- المذكور في الباب، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٥/ ٥١ - ٥٦.
[ ٢٠ / ٢٥ ]
رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ: أَعْطِهِ يَا رَسُولَ اللهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "خُذْهُ، فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تتبِعْهُ نَفْسَكَ"، قَالَ سَالِمٌ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الحافظ المصريّ، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فتَمَوَّلْهُ) أي اتّخذه مالًا.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَني ابْن شِهَابٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة الْكِنديّ الصحابيّ الصغير، مات سنة (٩١) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٧/ ١٧١٢.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ السَّعْدِيِّ) القرشيّ العامريّ، واسم أبيه عمرو.
وقيل: قُدامة، وقيل: عبد الله بن وقدان بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ العامريّ، أبو محمد، ويقال له: السعديّ؛ لأنه كان مسترضعًا في بني سعد، وقال فيه بعضهم: ابن الساعديّ، سكن الأردنّ.
[ ٢٠ / ٢٦ ]
رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعن عمر بن الخطّاب حديث الْعُمَالة، وعن محمد بن حبيب المصريّ، إن كان محفوظًا. وروى عنه حُويطب بن عبد الْعُزّى، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن مُحيريز، ومالك بن يُخامِر، وأبو إدريس، وبُسْر بن سعيد، وحسّان بن الضمريّ.
قال الواقديّ: توفّي سنة (٥٤)، وقال ابن حبّان: مات في خلافة عمر، قال ابن عساكر: لا أراه محفوظًا.
أخرج له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ عَمْرٌو) معناه: قال: قال عمرو، فحُذف كتابة "قال"، ولا بُدَّ للقارئ من النطق بـ "قال" مرتين، وإنما حَذَفُوا إحداهما في الكتاب اختصارًا، قاله النوويّ ﵀.
وقوله: (قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ "وحدثني" بالواو، وهو صحيحٌ مَلِيحٌ، ومعناه أن عمرًا حَدَّث عن ابن شهاب بأحاديث عَطَفَ بعضَها على بعض، فسمعها ابنُ وهب كذلك، فلما أراد ابن وهب رواية غير الأول أَتَى بالواو العاطفة؛ لأنه سَمِعَ غير الأول من عمرو معطوفًا بالواو، فَأَتَى به كما سمعه، وقد سبق بيان هذه المسألة في أول الكتاب. انتهى (^١).
وقوله: (بِمِثْلِ ذَلِكَ) أي بمثل حديث ابن شهاب الماضي عن سالم بن عبد الله، عن أبيه؛ يعني أن ابن شهاب حدّث عمرو بن الحارف بهذا الحديث من طريقين: طريق سالم، عن أبيه، وطريق السائب بن يزيد، عن حويطب بن عبد العزّى (^٢)، عن عبد الله بن السعديّ، عن عمر -﵃-، والطريق الثاني أنزل من الأول بثلاث وسائط؛ لأن الأول وصل فيه ابن شهاب إلى النبيّ -ﷺ- بواسطتين، والثاني وصل فيه بأربع وسائط: السائب، وحُويطب، وابن السعديّ، وعمر -﵃-، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٣٥.
(٢) وهذا سقط من سند المصنّف، وقد سبق أن الصواب إثباته، فتنبّه.
[ ٢٠ / ٢٧ ]
[تنبيهات]:
[التنبيه الأول]: وقع للإمام مسلم ﵀ في هذا الإسناد خطأ، حيث قال: عن السائب بن يزيد، عن عبد الله بن السعديّ، عن عمر بن الخطاب -﵁-، فأسقط حويطبًا.
قال النوويّ في "شرحه": واعلم أن هذا الحديث مما استُدرك على مسلم، قال القاضي عياض: قال أبو عليّ بن السكن: بين السائب بن يزيد، وعبد الله بن السعديّ رجلٌ، وهو حُويطب بن عبد العزّى، قال النسائيّ: لم يسمعه السائب من ابن السعديّ، بل إنما رواه عن حويطب عنه، وقال غيره: هو محفوظ من طريق عمرو بن الحارث، رواه أصحاب شُعيب، والزبيديّ، وغيرهما، عن الزهريّ، قال: أخبرني السائب بن يزيد أن حويطبًا أخبره أن عبد الله بن السعديّ أخبره، أن عمر أخبره، وكذلك رواه يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب. انتهى كلام القاضي ﵀.
قال: وقد رواه النسائيّ في "سننه" كما ذُكِر عن ابن عيينة، عن الزهريّ، عن السائب، عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر -﵁-.
قال: ورويناه عن الحافظ عبد القادر الرُّهَاويّ في كتابه "الرباعيّات"، قال: وقد رواه هكذا عن الزهريّ: محمدُ بن الوليد الزبيديّ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصيّان، وعُقيل بن خالد، ويونس بن يزيد الأيليان، وعمرو بن الحارث المصريّ، والْحَكَم بن نافع الحمصيّ، ثم ذكر طرقهم بأسانيدها مطوّلةً مطرّقة، كلهم عن الزهريّ، عن السائب، عن حُويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر، وكذا رواه البخاريّ من طريق شعيب.
قال عبد القادر: ورواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ، فأسقط حويطبًا.
ورواه معمر، عن الزهريّ، واختُلف عنه فيه، فرواه عنه سفيان بن عيينة، وموسى بن أعين، كما رواه الجماعة، عن الزهريّ، ورواه ابن المبارك، عن معمر، فأسقط حويطبًا، كما رواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ، ورواه عبد الرزّاق، عن معمر، فأسقط حويطبًا، وابن السعديّ.
ثم ذكر الحافظ عبد القادر طرقهم كذلك، قال: فهذا ما انتهى من طرق هذا الحديث، قال: والصحيح ما اتفق عليه الجماعة -يعني عن الزهريّ، عن
[ ٢٠ / ٢٨ ]
السائب، عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^١).
قال الحافظ: ومقتضاه أن يكون سقوط حويطب من رواية مسلم وَهَمًا منه، أو من شيخه، وإلا فذِكْرُه ثابت من رواية غيره كما تقدّم، والله أعلم. انتهى (^٢).
[التنبيه الثاني]: هذا الإسناد اجتمع فيه أربعة من الصحابة، يروي بعضهم عن بعض: السائب، وحُويطب، وابن السعديّ، وعمر -﵃-، وقد ذكر بعضهم السند المذكور في بيتين، فقال:
وَفِي الْعُمَالَةِ إِسْنَادٌ بِأَرْبَعَةٍ … مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِ عَنْهُمْ ظَهَرَا
السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُوَيْطِبٍ عَبْـ … بدُ اللهِ حَدَّثَهُ بِذَاكَ عَنْ عُمَرَا (^٣)
وقد جاءت جملة من الأحاديث، فيها أربعةٌ صحابيّون يروي بعضهم عن بعض، وأربعةٌ تابعيّون يروي بعضهم عن بعض (^٤).
[التنبيه الثالث]: "حُويطب بن عبد العزّى" بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ العامريّ، أبو محمد، ويقال: أبو الأصبغ، مكيّ من مسلمة الفتح، وشهد حُنينًا، وكان من المؤلّفة، وجدّد أنصاب الحرم في عهد عمر.
روى عن عبد الله بن السعديّ. وعنه السائب بن يزيد، وابنه أبو سفيان بن حُويطب، وعبد الله بن ئريدة، وغيرهم، قال الدُّوريّ، عن ابن معين: لا أحفظ عنه، عن النبيّ -ﷺ- شيئًا ثابتًا، وقال الزبير بن بكّار: هو الذي افتدت أمه يمينه، وقال أحمد: بلغني عن الشافعيّ، قال: كان حويطب حَميد الإسلام (^٥).
وقال الواقديّ: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، حدّثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم: وكان حويطب يقول: انصرفت من صلح الحديبية، وأنا مستيقن أن محمدًا -ﷺ- سيظهر، فذكر قصة طويلة.
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" ٧/ ١٣٦ - ١٣٧.
(٢) "الفتح" ١٥/ ٥٥.
(٣) "الفتح" ١٥/ ٥٤ - ٥٥.
(٤) "شرح النوويّ" ٧/ ١٣٦.
(٥) راجع: "تهذيب التهذيب" ١/ ٥٠٧.
[ ٢٠ / ٢٩ ]
وروى ابن سعد في "الطبقات" من طريق المنذر بن جَهم وغيره، عن حويطب، قال: لما دخل رسول الله -ﷺ- مكّة خِفْتُ خوفًا شديدًا، فذكر قصّة طويلة، فَفَرَّقْتُ أهلي بحيث يأمنون، وانتهيت إلى حائط عوف، فأقمت فيه، فإذا بأبي ذرّ، وكانت لي به معرفة -والمعرفة أبدًا نافعة- فسلّمت عليه، فذكرت له، فقال: اجمع عيالك، وأنت آمن، وذهب إلى رسول الله -ﷺ-، فأخبره، فاطمأننتُ، فقال لي أبو ذرّ: حتى متى يا أبا محمد؟ قد سُبِقتَ، وفاتك خير كثير، ورسول الله -ﷺ- أبرّ الناس، وأحلم الناس، وشرفه شرفك، وعزّه عزّك، فقلت: أنا أخرج معك، فقال: إذا رأيته، فقل: السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله، فقلتها، فقال: "وعليك السلام"، فتشهدتُ، فسُرّ بذلك، وقال: "الحمد لله الذي هداك"، قال: واستقرضني مالًا، فأقرضته أربعين ألفًا، وشهدتُ معه حُنينًا، وأعطاني من الغنائم، ثم قدم حُويطب المدينة، فنزلها إلى أن مات، وباع داره بمكة من معاوية باربعين ألف دينار، فاستكثرها بعض الناس، فقال حويطب: وما هي لمن عنده خمس من العيال؟. وروى عبد الرزاق من طريق أبي نَجِيح، عن حويطب: أن امرأة جذبت أمتها، وقد عاذت منها بالبيت، فشُلّت يدها، فلقد جاء الإسلام، وإن يدها شلّاء.
ورواه الطبرانيّ من وجه آخر من طريق ابن أبي نَجيح، عن أبيه، عن حُويطب، لكن قال: إن العائذة امرأة، وإن الذي جذبها زوجها (^١).
قال الواقديّ: كان قد بلغ عشرين ومائة سنة، ستين في الإسلام، وستين في الجاهليّة، قال خليفة: مات سنة (٥٤).
وذكر في "الفتح" أنه كان من أعيان قريش، وأسلم في الفتح، وكان حَمِيد الإسلام، وكانت وفاته بالمدينة سنة (٥٤) من الهجرة، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وهو ممن أُطلق عليه أنه عاش ستين في الجاهليّة، وستين في الإسلام تجوّزًا، ولا يتمّ ذلك تحقيقًا؛ لأنه إن أريد بزمان الإسلام أول البعثة، فيكون عاش سبعًا وستين، أو الهجرة، فيكون عاش فيه أربعًا وخمسين، أو زمن إسلامه هو، فيكون ستًّا وأربعين، والأول أقرب إلى الإطلاق على طريقة
_________________
(١) راجع: "الإصابة" ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
[ ٢٠ / ٣٠ ]
جبر الكسر تارةً، وإلغائه أخرى. انتهى (^١).
روى له الشيخان، والنسائيّ حديث الباب فقط، وهو الذي اجتمع فيه أربعة من الصحابة، ثم سقط ذكرُ حُويطب ص كتاب مسلم في جميع النسخ، قاله في "تهذيب التهذيب" (^٢).
[التنبيه الرابع]: رواية عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ هذه ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٧١٦٤) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزهريّ، أخبرني السائب بن يزيد ابن أخت نَمِر، أن حُوَيطب بن عبد الْعُزَّى أخبره، أن عبد الله بن السعدي أخبره، أنه قَدِمَ على عمر في خلافته، فقال له عمر: ألم أُحَدَّث أنك تَلِي من أعمال الناس أعمالًا، فإذا أُعطيت الْعُمَالة كرهتها؟ فقلت: بلى، فقال عمر: فما تريد إلى ذلك؟ قلت: إن لي أَفراسًا، وأعبدًا، وأنا بخير، وأريد أن تكون عُمَالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردتُّ الذي أردتَّ، فكان رسول الله -ﷺ- يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مَرَّةً مالًا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبيّ -ﷺ-: "خذه، فتموَّله، وتصدَّق به، فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مُشْرِف ولا سائل فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٨] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ الْمَالِكِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَفْتُ مِنْهَا، وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ، أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ، وَأَجْرِي عَلَى اللهِ، فَقَالَ: "خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ فَكُلْ، وَتَصَدَّقْ").
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٥/ ٥٢.
(٢) "تهذيب التهذيب" ١/ ٥٠٧.
[ ٢٠ / ٣١ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد، تقدّم قبل باب.
٣ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٤ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) العابد المدنيّ، مولى ابن الحضرميّ، ثقةٌ جليل [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ١٠٠١.
والباقون ذكروا قبله.
وقوله: (عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ) هكذا وقع في هذا الإسناد "عن أبن الساعديّ" عند المصنّف، من طريق الليث، عن بُكير بن الأشجّ، وخالفه عمرو بن الحارث، عن بكير، في الإسناد التالي، فقال: "عن ابن السعديّ"، وهو المحفوظ، كما سبق تحقيقه، فتنبّه.
قال النوويّ ﵀: وإنما قيل له ابن السعديّ؛ لأن أباه استُرْضِعٍ في بني سعد بن بكر بن هَوَازن، صَحِبَ ابن السعديّ رسول الله -ﷺ- قديمًا، وقال: وَفَدت في نفر من بني سعد بن بكر إلى رسول الله -ﷺ-، سَكَن الشام، رَوَى عنه السائب بن يزيد، وروى عنه جماعات من كبار التابعين. انتهى (^١).
وقوله: (الْمَالِكِيّ) نسبة إلى مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ.
وقوله: (بِعُمَالَةٍ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الميم: هي المال الذي يُعطاه العامل على عمله.
وقوله: (فَعَمَّلَنِي) بتشديد الميم: أي أعطاني أُجرة عَمَلي.
وقوله: (فَكُلْ، وَتَصَدَّقْ) فيه دليلٌ على أنه حلالٌ طيّبٌ، يصلح للأكل، والتصدّق، وغيرهما، فأما ما لا يكون كذلك فلا يصلح لشيء من ذلك، كما تقدّم (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٣٦.
(٢) "المفهم" ٣/ ٩١.
[ ٢٠ / ٣٢ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٩] (…) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ ابْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- عَلَى الصَّدَقَةِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ) أي حدّث عمرو بن الحارث، عن بكُير ابن الأشجّ بمثل ما حدّث به الليث بن سعد، عنه.
[تنبيه]: رواية عمرو بن الحارث، عن بُكير ابن الأشجّ هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ١١٢) فقال:
(٢٣٣٢) - حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، أخبرني ابن وهب، أخبرني عمرو، عن بُكير ابن الأشج، عن بُسْر (^١) بن سعيد، عن ابن السَّعديّ، قال: استَعْمَلني عمر بن الخطاب على الصدقة، فلما أدّيتها إليه أعطاني عُمَالتي، فقلت: إنما عَمِلتُ لله، وأجري على الله، فقال: خذ ما أعطيتك، فإني عَمِلتُ على عهد رسول الله -ﷺ-، فعَمَّلَني، فقلت مثل ما قلت، فقال لي رسول الله -ﷺ-: "إذا أُعطيتَ شيئًا من غير أن تَسْأَل فَكُلْ، وتصدّق". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) وقع في النسخة "بشر" بالشين المعجمة، وهو تصحيف، فتنبّه.
[ ٢٠ / ٣٣ ]