وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤١٠] (١٠٤٦) - (حَدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ: حُبِّ الْعَيْشِ، وَالْمَالِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة الثبت الفقيه الكوفيّ، ثم المكيّ، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وسفيان، فمكيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁-.
٥ - (ومنها): أنه أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-.
[ ٢٠ / ٣٤ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (يَبْلُغُ بِهِ) أي بهذا الحديث (النَّبِيَّ -ﷺ-) يعني أنه رفعه إلى النبيّ -ﷺ-، وقد تقدّم غير مرّة أن هذه الصيغة من صِيَغ الرفع حكمًا، وإنما عدل التابعيّ، عن التصريح بقول الصحابيّ: "قال رسول الله -ﷺ-" أو نحو ذلك؛ لتردّده في الصيغة، هل هي "قال رسول الله -ﷺ-"، أو "عن رسول الله -ﷺ-"، أو نحو ذلك؟ مع كونه متيقّنًا رفعه، فأتى بصيغة تَحْتَمِل الجميع، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أي النبيّ -ﷺ- "قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ) أي قويّ نَشِطٌ (عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ) إنما أنّثه مع قوله: "حبّ العيش والمال" بتأويه بخصلتين؛ أي كائن على حب خصلتين، والمراد استمراره على ذلك، ودوامه عليه، وأن حبة لهاتين الخصلتين لم ينقطع عنه بشيخوخته، وقوله: (حُبِّ الْعَيْشِ، وَالْمَالِ") يجوز فيه الجرّ على البدليّة، والرفع على أنه خبر لمحذوف؛ أي هو العيش والمال، والنصب مفعولًا لفعل مقدّر؛ أي أعني حبّ العيش والمال.
وقوله: "حبّ العيش" هو بمعنى قوله في الرواية التالية: "طول الحياة"؛ أي طول العمر، وقوله: "والمال" هو بمعنى قوله في الرواية التالية أيضًا: "وحبّ المال"؛ يعني أنه يحبّ جمعه، ومنعه.
قال النوويّ ﵀: هذا مجاز، واستعارة، ومعناه: أن قلب الشيخ كاملُ الحب للمال، محتكم في ذلك كاحتكام قوّة الشاب في شبابه، هذا صوابه، وقيل في تفسيره غير هذا مما لا يُرتضى. انتهى (^١).
وقال في "الطرح": وقيل: وصفه بكونه شابًّا؛ لوجود هذين الأمرين فيه اللذين هما في الشباب أكثر، وبهم أليق؛ للرجاء في طول أعمارهم، ودوام استمتاعهم ولذاتهم في الدنيا، وحب الدنيا هو كثرة المال، وطول الأمل هو طول الحياة المذكوران في الرواية الأخرى، وكذا حب العيش المذكور في رواية مسلم هو طول الحياة، وقوله في رواية البخاريّ من حديث أنس: "وتكبر معه اثنتان" المراد كبرهما في المعنى، وقوّتهما، وعدم ضعفهما، فهو بمعنى
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٣٨.
[ ٢٠ / ٣٥ ]
قوله في رواية مسلم: "وتَشِبّ منه اثنتان"، وبذلك يندفع قول القائل: كونهما تشبّان منافي لكبرهما؛ لأن المراد بكبرهما قوّتهما، وذلك موافق لشبابهما، وليس المراد كِبَرأ يؤدي إلى الهرم والضعف، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" عند قوله: "لا يزال قلب الكبير شابًّا في اثنتين: في حب الدنيا، وطول الأمل": المراد بالأمل هنا محبة طول العمر، فسّره حديث أنس الذي بعده في آخر الباب، وسمّاه شابًّا؛ إشارة إلى قوّة استحكام حبة للمال، أو هو من باب المشاكلة والمطابقة.
وقال أيضًا بعد نقل قول النوويّ: "هذا صوابه، وقيل في تفسيره غير هذا، مما لا يرتضى" ما نصّه: وكأنه أشار إلى قول عياض: هذا الحديث فيه من المطابقة، وبديع الكلام الغاية، وذلك أن الشيخ من شأنه أن تكون آماله، وحرصه على الدنيا قد بَلِيَت على بلاء جسمه؛ إذا انقضى عمره، ولم يبق له إلا انتظار الموت، فلما كان الأمر بضدّه ذُمَّ، قال: والتعبير بالشابّ إشارة إلى كثرة الحرص، وبُعْد الأمل الذي هو في الشباب أكثر، وبهم أليق؛ لكثرة الرجاء عادةً عندهم في طول أعمارهم، ودوام استمتاعهم، ولذاتهم في الدنيا. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٢٤١٠ و٢٤١١] (١٠٤٦)، و(البخاريّ) في "الرقاق" (٦٤٢٠)، و(الترمذيّ) في "الزهد" (٢٣٣٨)، و(ابن ماجه) في "الزهد" (٤٢٣٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٥٨ و٣٩٤ و٤٤٣ و٤٤٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢١٩)، و(الحاكم) في "مستدركه" (٤/ ٣٢٨)، و(أبو نعيم) في
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٤/ ٨٢.
(٢) الفتح" ١١/ ٢٤٠.
[ ٢٠ / ٣٦ ]
"مستخرجه" (٣/ ١١٢ - ١١٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٦٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٠٨٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما جُبل عليه الإنسان، وهو حبّ العيش والمال.
٢ - (ومنها) بيان ذمّ طول الأمل، والحرص على جمع المال، وذلك يقتضي فضل الصدقة للغني، والتعفف للفقير، قاله وليّ الدين ﵀ (^١).
٣ - (منها): بيان فضل الزهد في الدنيا.
٤ - (ومنها): ما قاله المازريّ ﵀: فيه إشارة إلى أن الإرادة في القلب؛ خلافًا لمن رأى أنه في الرأس. انتهى.
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: أحاديث الباب كلّها متواردة على الإخبار عمّا جُبِل الإنسان عليه، من حبّ المال، والحرص على البقاء في الدنيا، وعلى أن ذينك ليسا بمحمودين، بل هما مذمومان، ويُحقّق الذمّ في ذلك قوله -ﷺ-: "ويتوب الله على من تاب"، وقد نصّ الله تعالى على ذمّ ذلك في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ الآية [البقرة: ٩٦]، وغيره مما في معناه، وقوله -ﷺ-: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه" (^٢). انتهى (^٣).
وقال غيره: الحكمة في التخصيص بهذين الأمرين أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه، فهو راغب في بقائها، فأحب لذلك طول العمر، وأحب المال؛ لأنه من أعظم الأسباب في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالبًا طولُ العمر، فكلما أحسّ بقرب نفاد ذلك اشتدّ حبة له، ورغبته في دوامه، قاله في "الفتح" (^٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٤/ ٨٢.
(٢) حديث صحيح أخرجه أحمد، والترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ، وهو كما قال.
(٣) "المفهم" ٣/ ٩٢.
(٤) "الفتح" ١١/ ٢٤٠.
[ ٢٠ / ٣٧ ]
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤١١] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ: طُولُ الْحَيَاةِ، وَحُبُّ الْمَالِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) المخزوميّ المدنيّ الإمام الحجة الفقيه، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وما قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤١٢] (١٠٤٧) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ، وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميمي تقدّم قبل باب.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّف، كان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدّة وُثُوقه به [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
[ ٢٠ / ٣٨ ]
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، مدلّسٌ، من كبار [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٦ - (أَنَسُ) بن مالك بن النضر الأنصاريّ النجّاريّ الصحابيّ الخادم المشهور، مات سنة (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥٠) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: ("يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ) بفتح حرف المضارعة، والراء، يقال: هَرِمَ هَرَمًا، من باب تَعِبَ، فهو هَرِمٌ: كبِرَ، وضَعُفَ، وشُيُوخٌ هَرْمَى، مثلُ زَمِنٍ وزَمْنَى، وامرأةٌ هَرِمةٌ، ونسوة هَرْمَى، وهَرِمَاتٌ أيضًا، والْمَهْرَمةُ مثلُ الْهَرَمِ، ومنه قولهم: تركُ العَشَاء مَهْرَمةٌ، ويعدّى بالهمزة، فيقال: أهرمه: إذا أضعفه، قاله الفيّوميّ ﵀ (^١).
وقوله: (وَتَشِبُّ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: شَبَّ الصبيّ يَشِبّ، من باب ضَرَبَ شَبَابًا، وشَبِيبة، وهو شابّ، وذلك سنّ قبل الكُهُولة، وقومٌ شُبّان، مثلُ فارس وفُرْسان، والأنثى شابّة، وجمعها شوابُّ، مثلُ دابّة ودوابّ (^٢).
وقوله: (اثْنَتَانِ) تقدّم أنه إنما أنّث "اثنتان" مع كون "الحرص" مذكّرًا بتأويله بخصلتان.
وفي رواية البخاريّ: "يكبر ابن آدم، ويكبر معه اثنان: حب المال، وطول العمر".
وقال في "العمدة": قوله: "يَكْبَرُ" بفتح الباء الموحدة؛ أي يطعن في السن، قوله: "ويَكْبُرُ معه" بضم الباء؛ أي يَعْظُم، ولو صحت الرواية في الكلمة الثانية بالفتح، فالتوفيق بينه وبين الحديث السابق الذي ذكر فيه الشباب، أن المراد بالشباب الزيادة في القوّة، وبالْكِبَر الزيادة في العدد، فذاك باعتبار الكيف، وهذا باعتبار الكمّ، قالوا: التخصيص بهذين الأمرين، هو أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نَفْسُهُ، فاحب بقاءها، وهو العمر، وسبب بقائها، هو المالُ، فإذا أحسّ بقرب الرحيل قَوِيَ حبة لذلك، كما قيل:
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٣٧.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣٠٢.
[ ٢٠ / ٣٩ ]
وَالْكَرَى عِنْدَ الصَّبَاحِ يَطِيبُ (^١)
وقال في "الفتح": قوله: "يَكْبَرُ" بفتح الموحدة؛ أي يطعن في السنّ، وقوله: "ويَكْبُر معه" بضم الموحدة؛ أي يَعْظُم، ويجوز الفتح، ويجوز الضم في الأول؛ تعبيرًا عن الكثرة، وهي كثرة عدد السنين بالعِظَمِ. انتهى، وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٢٤١٢ و٢٤١٣ و٢٤١٤] (١٠٤٧)، و(البخاريّ) في "الرقاق" (٦٤٢١)، و(الترمذيّ) في "صفة القيامة" (٢٤٥٥) و"الزهد" (٤٢٣٤)، و(ابن ماجه) في "الزهد" (٤٢٣٤)، و(الطيالسيّ) في (مسنده) (٢٠٠٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٩٢ و٢٥٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٢٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢٨٥٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٦٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٠٨٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤١٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي (^٢) أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَني أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- قَالَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٢٣/ ٣٦.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ٢٠ / ٤٠ ]
٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ ربما وَهِم [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدّسْتُوَائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية هشام الدستوائي، عن قتادة هذه ساقها البخاريّ ﵀ (^١) في "صحيحه"، فقال:
(٦٤٢١) - حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا هشام، حدّثنا قتادة، عن أنس بن مالك -ﷺ- قال: قال رسول الله -ﷺ- "يَكْبَر ابن آدم، ويَكْبُر معه اثنان: حبُّ المال، وطول العمر". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤١٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِنَحْوِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج البصريّ، الإمام الحجة الناقد الشهير [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
والباقون ذُكروا قبله.
_________________
(١) أي مع اختلاف في ألفاظه قليلًا، وليس كما قال المصنّف: مثله، فتنبّه.
[ ٢٠ / ٤١ ]
[تنبيه]: رواية شعبة، عن قتادة هذه، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١١٧٩٢) - حدّثنا وكيعٌ، ومحمد بن جعفر، قالا: حدّثنا شعبة، قال ابن جعفر في حديثه: سمعت قتادة، عن أنس يقول: قال رسول الله -ﷺ-: "يَهْرَم ابن آدم، ويبقى منه اثنتان: الحرص والأمل". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤١٥] (١٠٤٨) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ، لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ").
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا قبل حديثين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥١) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ أنسِ) بن مالك -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ) أي فرضًا وتقديرًا (وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ) وفي الرواية التالية: "من ذهب".
وقال في "الفتح": قوله: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا"، في الرواية الثانية: "لو أن لابن آدم واديًا مالًا لأحبّ أن له إليه مثله"، ونحوه في حديث أنس في الباب، وجمع بين الأمرين في الباب أيضًا، ومثله في مرسل جُبير بن نُفَير، وفي حديث أُبَي.
وقوله: "من مال" فسّره في حديث ابن الزبير بقوله: "من ذهب"، ومثله في حديث أنس في الباب، وفي حديث زيد بن أرقم عند أحمد، وزاد: "وفضّة"، وأوَّله مثل لفظ رواية ابن عباس الأولى، ولفظه عند أبي عبيدة في "فضائل القرآن": كنا نقرأ على عهد رسول الله -ﷺ-: "لو كان لابن آدم واديان
[ ٢٠ / ٤٢ ]
من ذهب وفضة، لابتغى الثالث"، وله من حديث جابر بلفظ: "لو كان لابن آدم وادي نخل". انتهى (^١).
(لَابْتَغَى) بالغين المعجمة، وهو افتعالٌ، بمعنى الطلب، ومثله في حديث زيد بن أرقم، وفي الرواية الثانية: "أحبّ"، وفي حديث ابن عبّاس: "لأحبّ"، وقال في حديث أنس: "لتمنى مثله، ثم تمنى مثله، حتى يتمنى أوديةً" (وَادِيًا ثَالِثًا) أي واديًا آخر أعظم منهما ذُخْرًا، وهَلُمّ جَرًّا، كما يشير إليه بقوله: (وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ) أي بطنه، وفي رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج عند الإسماعيليّ: "نفس" بدل "جوف"، وفي حديث جابر كالأول، وفي مرسل جُبير بن نُفير: "ولا يُشْبع -بضم أوله- جوف"، وفي حديث ابن الزبير: "ولا يَسُدّ جوف"، وفي رواية عند البخاريّ: "ولا يملأ عين"، وفي حديث أنس فيه: "ولا يملأ فاه"، ومثله في حديث أبي واقد عند أحمد، وله في حديث زيد بن أرقم: "ولا يملأ بطن".
قال الكرمانيّ ﵀: ليس المراد الحقيقة في عضو بعينه بقرينة عدم الانحصار في التراب؛ إذ غيره يملؤه أيضًا، بل هو كناية عن الموت؛ لأنه مستلزم للامتلاء، فكأنه قال: لا يشبع من الدنيا حتى يموت، فالغرض من العبارات كلها واحد، وهي من التفنن في العبارة.
وتعقّبه الحافظ ﵀ فقال: وهذا يَحْسُن فيما إذا اختلفت مخارج الحديث، وأما إذا اتحدت فهو من تصرف الرواة، ثم نسبة الامتلاء للجوف واضحة، والبطنُ بمعناه، وأما النفس فعبّر بها عن الذات، وأطلق الذات وأراد البطن، من إطلاق الكل وإرادة البعض، وأما النسبة إلى الفم، فلكونه الطريق إلى الوصول للجوف، وَيحْتَمِل أن يكون المراد بالنفس العين، وأما العين فلأنها الأصل في الطلب؛ لأنه يَرَى ما يُعجبه فيطلبه؛ ليحوزه إليه، وخص البطن في أكثر الروايات؛ لأن أكثر ما يُطلب المال لتحصيل المستلذات، وأكثرها يكون للأكل والشرب. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ٥٣١/ ١٤ - ٥٣٢ "كتاب الرقاق" رقم (٦٤٣٦ - ٦٤٤٠).
(٢) "الفتح" ١٤/ ٥٣٢ "كتاب الرقاق" رقم (٦٤٤٠).
[ ٢٠ / ٤٣ ]
(إِلَّا التُّرَابُ) أي تراب القبر، قال القاري ﵀: فيه تنبيه نَبِيه على أن البخل الْمُوَرِّث للحرص مركوز في جِبِلّة الإنسان، كما أخبر الله ﷿ عنه في القرآن، حيث قال أبلغ من هذا الحديث: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ [الإِسراء: ١٠٠]، فهذا يدلّ على أن حرص ابن آدم، وخوفه من الفقر الباعث له على البخل، حتى على نفسه أقوى من الطير الذي يموت عَطَشًا على ساحل البحر؛ خوفًا من نفاده، ومن الدودة التي قُوتُها التراب، وتموت جوعًا خشية من فراغه؛ لأن ما ذُكر من الماء والتراب في جنب خزائن رحمة رب الأرباب كقطرة من السحاب. انتهى (^١).
(وَيَتُوبُ اللهُ) أي يرجع بالرحمة (عَلَى مَنْ تَابَ") أي رجع إليه بطلب العصمة، أو يتفضل الله بتوفيق التوبة، وتحقيق استعادة العقبى على من تاب؛ أي من محبة الدنيا، والغفلة عن حضرة المولى.
قال النوويّ ﵀: معنى "لا يملأ جوفه إلا التراب" أنه لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت، ويمتلئ جوفه من تراب قبره، وهذا الحديث خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على الدنيا، ويؤيده قوله: "ويتوب الله على من تاب"، وهو متعلِّق بما قبله، ومعناه: أن الله تعالى يقبل التوبة من الحرص المذموم، وغيره من المذمومات (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: "ويتوب الله على من تاب" أي إن الله يقبل التوبة من الحريص، كما يقبلها من غيره، قيل: وفيه إشارة إلى ذمّ الاستكثار من جمع المال، وتمني ذلك، والحرص عليه؛ للإشارة إلى أن الذي يترك ذلك يُطلَق عليه أنه تاب.
ويَحْتَمِل أن يكون تاب بالمعنى اللغويّ، وهو مطلق الرجوع؛ أي رَجَع عن ذلك الفعل والتمني. انتهى (^٣).
وقال الطيبيّ ﵀بعد نقل كلام النوويّ المتقدّم-: أقول: ويمكن أن
_________________
(١) "مرقاة المفاتيح" ٩/ ٤٥٦.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ١٣٩ - ١٤٠.
(٣) "الفتح" ١٤/ ٥٣٣.
[ ٢٠ / ٤٤ ]
يقال: معناه إن بني آدم كلهم مجبولون على حب المال، والسعي في طلبه، وأنه لا يَشْبَعُ منه إلا من عصمه الله تعالى، ووفّقه لإزالة هذه الجبِلّة عن نفسه، وقليلٌ ما هم، فوضع "ويتوب الله على من تاب" موضعه؛ إشعارًا بأن هذه الجبِلَّة المركوزة فيه مذمومةٌ، جاريةٌ مَجْرَى الذنب، وأن إزالتها ممكنةٌ، ولكن بتوفيق الله وتسديده، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] أضاف الشحّ إلى النفس؛ دلالة على أنها غَرِيزة فيها، وبَيَّن إزالته بقوله: ﴿يُوقَ﴾، ورَتَّب عليه قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
قال: وهاهنا نُكْتةٌ دقيقةٌ، فإنه ذكر ابن آدم تلويحًا إلى أنه مخلوق من التراب، ومن طبيعته القبض واليبس، فيمكن إزالته بأن يُمْطِر الله عليه السحائب من غمائم توفيقه، فَيُثْمِرُ حينئذ الْخِلال الزكيّة، والخصال المرضيّة، كما قال ﷿: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ الآية [الأعراف: ٥٨] فمن لم يتداركه التوفيق، وتركَهُ وحِرْصَهُ لم يزدد إلا حرصًا، وتهالكًا على جمع المال.
وموقع قوله: "ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب" موقع التذييل والتقرير للكلام السابق، ولذلك أعاد ذكر ابن آدم، ونِيطَ به حكمٌ أشملُ وأعمُّ، كأنه قيل: ولا يَشْبَع مَن خُلِق من التراب إلا بالتراب، وموقع "ويتوب الله على من تاب" موقع الرجوع؛ يعني أن ذلك لعسيرٌ صَعْبٌ، ولكن يسير على من يسّره الله تعالى عليه، فحقيق أن لا يكون هذا من كلام البشر، بل هو من كلام خالق القُوَى والقَدَر. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (^١).
وقال في "الفتح" -بعد ذكر كلام الطيبيّ المذكور-: ويَحْتَمِل أن تكون الحكمة في ذكر التراب دون غيره، أن المرء لا ينقضي طمعه حتى يموت، فإذا مات كان من شأنه أن يُدْفَن، فإذا دُفِن صُبّ عليه التراب، فملأ جوفه وفاه وعينيه، ولم يبق منه موضع يحتاج إلى تراب غيره، وأما النسبة إلى الفم،
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ١٠/ ٣٣٢٢ - ٣٣٢٣.
[ ٢٠ / ٤٥ ]
فلكونه الطريق إلى الوصول للجوف. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٢٤١٥ و٢٤١٦ و٢٤١٧، (١٠٤٨)، و(البخاريّ) في "الرقاق" (٦٤٣٩)، و(الترمذيّ) في "الزهد" (٢٣٣٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٩٦٢٤)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢١٩٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٢٢ و١٦٨ و١٧٦ و٢٣٦ و٢٧٢ و٢٤٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣١٨ و٣١٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢٩٥١ و٣١٤٣ و٣١٨١ و٣٢٦٦ و٣٢٦٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٣٥ و٣٢٣٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٣ - ١١٥)، و(الضياء) في "المختارة" (٣/ ٣٦٩ و٤١٢)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥/ ١٨٤) و"الأوسط" (٣/ ١٨٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن أحاديث الباب تدلّ على ذمّ الحرص والشَّرَه، ومن ثم آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا، والقناعة باليسير، والرضا بالكَفَاف.
٢ - (ومنها): أنه ينبغي للعبد أن يكون قصير الأمل، حتى يُقبل على الآخرة إقبالًا كلّيًّا؛ لأنه إذا كان طويل الأمل في الدنيا فترت همّته في الآخرة.
٣ - (ومنها): بيان كون الإنسان مجبولًا على حبّ الدنيا، والاستكثار منها، وطول البقاء فيها.
٤ - (ومنها): الحثّ على التوبة من هذه الخصال الذميمة.
٥ - (ومنها): بيان سعة كرم الله ﷿، وفضله حيث إنه إذا تاب العبد إليه تاب عليه، وسَتَرَ ما مضى من عيوبه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٥٣٢.
[ ٢٠ / ٤٦ ]
عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٥ - ٢٦].
وقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لله أشدّ فرحًا بتوبة عبده المؤمن، من رجل في أرض دَوّيّة مُهْلِكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ، وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشدّ فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته".
وأخرجاه من حديث أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لله أشدّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فاع يِس منها، فأَتَى شجرةً، فاضطجع في ظلها، قد أَيِس من راحلته، فبينا هو كذلك؛ إذا هو بها قائمةً عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤١٦] (…) - (وَحَدَّثنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ، فَلَا أَدْرِي أَشَيْءٌ أُنْزِلَ، أَمْ شَيْءٌ كَانَ يَقُولُهُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة، وقد تقدّموا قبل حديث.
وقوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ) مقول القول هو ما تقدّم في الرواية الماضية، وهو قوله: "لو كان لابن آدم واديان إلخ".
وقوله: (فَلَا أَدْرِي أَشَيْءٌ أُنْزِلَ، أَمْ شَيْءٌ كَانَ يَقُولُهُ) ببناء أُنزل للمفعول، هذا من كلام أنس -﵁- بيّن به أنه لم يعلم أن قوله -ﷺ-: "لو كان لابن آدم إلخ" هل هو مما نزل من القرآن المتلوّ، أو هو من حديث رسول الله -ﷺ- الذي كان يقوله من عنده، وليس متلوًّا؟.
[ ٢٠ / ٤٧ ]
وحاصل ما أشار إليه أنس -﵁- في هذا أنه شكّ هل هذا الحديث الذي سمعه منه -ﷺ- من جملة ما بلّغه عن الله تعالى على أنه قرآن يُتلى، أم من جملة ما بلّغه عنه تعالى، وليس مما يتلى؟.
وقد ذكر الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" بعد إخراجه حديث أنس -﵁- الآتي بعدُ من رواية ابن شهاب عنه ما نصّه: وقال لنا أبو الوليد (^١): حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أُبَيّ، قال: كنا نَرَى هذا من القرآن حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾. انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "كنا نُرَى" بضم النون: أي نظنّ، ويجوز فتحها من الرأي أي نعتقد، قوله: "هذا" لم يبين ما أشار إليه بقوله: "هذا"، وقد بيّنه الإسماعيليّ، من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، ولفظه: كنّا نرى هذا الحديث من القرآن: "لو أن لابن آدم واديين من مال، لتمنى واديًا ثالثًا … " الحديث، دون قوله: "ويتوب الله إلخ".
وقوله: "حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ "، زاد في رواية موسى بن إسماعيل: "إلى آخر السورة"، وللإسماعيليّ أيضًا، من طريق عفّان، ومن طريق أحمد بن إسحاق الحضرميّ قالا: حدّثنا حماد بن سلمة، فذكر مثله، وأوّله: "كنا نُرى أن هذا من القرآن إلخ".
_________________
(١) قال في "الفتح": قوله: "وقال لنا أبو الوليد" هو الطيالسيّ هشام بن عبد الملك، وشيخه حماد بن سلمة لم يَعُدُّوه فيمن خرّج له البخاري موصولًا، بل عَلَّم المزي على هذا السند في الأطراف علامة التعليق، وكذا رقّم لحماد بن سلمة في "التهذيب" علامة التعليق، ولم ينبّه على هذا الموضع، وهو مصير منه إلى استواء "قال فلان"، و"قال لنا فلان"، وليس بجيّد؛ لأن قوله: "قال لنا" ظاهر في الوصل، وإن كان بعضهم قال: إنها للإجازة، أو للمناولة، أو للمذاكرة، فكل ذلك في حكم الموصول، وإن كان التصريح بالتحديث أشدّ اتصالًا، والذي ظهر لي بالاستقراء من صنيع البخاريّ أنه لا يأتي بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه، كان يكون ظاهره الوقف، أو في السند مَن ليس على شرطه في الاحتجاج، ثم ذكر أمثلة لذلك، فراجعه ١٤/ ٥٣٤ تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.
[ ٢٠ / ٤٨ ]
قال ابن بطال وغيره: قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ خرج على لفظ الخطاب؛ لأن الله فَطَر الناس على حب المال والولد، فلهم رغبة في الاستكثار من ذلك، ومِن لازم ذلك الغفلة عن القيام بما أُمروا به، حتى يفجأهم الموت.
ووجه ظنّهم أن الحديث المذكور من القرآن ما تضمنه من ذم الحرص على الاستكثار من جمع المال، والتقريع بالموت الذي يقطع ذلك، ولا بدّ لكل أحد منه، فلما نزلت هذه السورة، وتضمّنت معنى ذلك مع الزيادة عليه، عَلِموا أن الأول من كلام النبيّ -ﷺ-.
وقد شرحه بعضهم على أنه كان قرآنًا، ونسخت تلاوته لَمّا نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾، فاستمرت تلاوتها، فكانت ناسخة لتلاوة ذلك، وأما الحكم فيه والمعنى فلم ينسخ؛ إذ نسخ التلاوة لا يستلزم المعارضة بين الناسخ والمنسوخ كنسخ الحكم، والأول أولى، وليس ذلك من النسخ في شيء.
ويؤيد ما ردّه ما أخرجه الترمذيّ، من طريق زِرّ بن حُبيش، عن أُبَيّ بن كعب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن"، فقرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]، وقرأ فيها: "إن ذات الدين عند الله الحنيفية المسلمة، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية، ومن يعمل فيه خيرًا فلن يُكْفَره"، وقرأ عليه: "لو أنّ لابن آدم واديًا من مال لابتغى إليه ثانيًا، ولو أن له ثانيًا لابتغى إليه ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" (^١)، وسنده جيّد.
والجمع بينه وبين حديث أنس عن أُبَيّ المذكور آنفًا أنه يَحْتَمِل أن يكون أُبَيّ لَمّا قرأ عليه النبيّ ﴿لَمْ يَكُنِ﴾، وكان هذا الكلام في آخر ما ذكره النبيّ -ﷺ- احْتَمَلَ عنده أن يكون بقية السورة، واحتَمَلَ أن يكون من كلام النبيّ -ﷺ-، ولم يتهيأ له أن يَستَفْصِل النبيّ -ﷺ- ذلك حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾، فلم ينتف الاحتمال.
_________________
(١) حديث حسنٌ، أخرجه الترمذيّ (٣٧٩٣) في "المناقب".
[ ٢٠ / ٤٩ ]
ومنه ما وقع عند أحمد، وأبي عبيد في "فضائل القرآن" من حديث أَبِي واقد الليثيّ قال: كنا نأتي النبيّ -ﷺ- إذا نزل عليه، فيحدثنا، فقال لنا ذات يوم: "إن الله قال: إنما أنزلنا المال لإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم وادٍ لأحب أن يكون له ثانٍ … " الحديث بتمامه، وهذا يَحْتَمِل أن يكون النبيّ -ﷺ- أخبر به عن الله تعالى على أنه من القرآن، ويَحْتَمِل أن يكون من الأحاديث القدسية، والله أعلم.
وعلى الأول فهو مما نُسخت تلاوته جزمًا، وإن كان حكمه مستمرًّا، ويؤيد هذا الاحتمال ما أخرج أبو عبيد في "فضائل القرآن" من حديث أبي موسى قال: قرأت سورة نحو براءة، فَغِبتُ وحفظت منها: "ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديًا ثالثًا … " الحديث، ومن حديث جابر: "كنا نقرأ: لو أن لابن آدم ملء وادٍ مالًا لأحب إليه مثله … " الحديث. انتهى (^١)، وهو بحثٌ مفيدٌ.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ) يعني أن شعبة حدّث عن قتادة بمثل ما حدّث به أبو عوانة في الرواية السابقة.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن قتادة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٢٣٩٢) - حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدّث عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول، ولا أدري أشيء أُنزِل، أو كان يقوله؟: "لو أن لابن آدم واديين من مال، لتمنى، أو لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤١٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٥٣٥ - ٥٣٦ "كتاب الرقاق" رقم (٦٤٤١).
[ ٢٠ / ٥٠ ]
كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ ذَهَبٍ (^١)، أَحَبَّ أَنَّ لَهُ وَادِيًا آخَرَ، وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ، وَاللهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا أيضًا في الباب الماضي، و"أنس بن مالك" -﵁- ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤١٨] (١٠٤٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَوْ أَن لِابْنِ آدَمَ مِلْءَ وَادٍ مَالًا لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَلَا يَمْلَأُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَاللهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ"، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَا أَدْرِي أَمِنَ الْقُرْآنِ هُوَ أَمْ لَا؟ وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَمِنَ الْقُرْآنِ؟ لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله) الْحَمَّال، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصّيصيّ، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيه فًاضلٌ، كان يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ
_________________
(١) وفي نسخة: "وادي ذهب".
[ ٢٠ / ٥١ ]
فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر -﵄-، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لما أسلفناه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع، في غير موضع.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس -﵄- حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) هو: ابن أبي رباح (يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) -﵄- (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) قال في "الفتح": هذا من الأحاديث التي صرّح فيها ابن عبّاس بسماعه من النبيّ -ﷺ-، وهي قليلة بالنسبة لمرويّه عنه، فإنه أحد المكثرين، ومع ذلك، فتحمّله كان أكثره عن كبار الصحابة -﵃-. انتهى (^١).
(يَقُولُ: "لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ مِلْءَ وَادٍ) بالنصب على أنه اسم "أَنّ" مؤخَّرًا (مَالًا) منصوب على التمييز (لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَلَا يَمْلَأُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ) ولفظ البخاريّ: "ولا يملأ جوف ابن آدم"، وفي لفظ له: "ولا يملأ عين ابن آدم" (إِلَّا التُّرَابُ، وَاللهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ"، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- (فَلَا أَدْرِي) أي لا أعلم، فـ"لا" نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها (أَمِنَ الْقُرْآنَ هُوَ) أي الحديث المذكور (أَمْ لَا؟) أي أم ليس من القرآن، وقد سبق البحث في هذا مستوفًى في حديث أنس -﵁- الماضي.
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٥٣١ "كتاب الرقاق" رقم (٦٤٣٦ و٦٤٣٧).
[ ٢٠ / ٥٢ ]
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ) أي ابن حرب شيخه الأول (قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَمِنَ الْقُرْآنِ؟) أي قال عطاء: "فلا أدري إلخ" (لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسِ) يعني أنه جعله من كلام عطاء، والصواب أنه من كلام ابن عبّاس -﵄-، كما قال هارون بن عبد الله، وقد رواه البخاريّ عن محمد بن سلام، عن مخلد، عن ابن جريج، فقال: قال ابن عبّاس …، فذكره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٢٤١٨] (١٠٤٩)، و(البخاريّ) في "الرقاق" (٦٤٣٦ و٦٤٣٧)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٣١)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ٤٤٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٣/ ٢٤٧) و"مسند الشاميين" (٣/ ٣١٤)، و(إسحاق ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٤٠٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٦٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٠٩٠)، و(الشاشيّ) في "مسنده" (٣/ ٣٢٤)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤١٩] (١٠٥٠) - (حَدَّثَنِي سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ، قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَقُرَّاؤُهُمْ، فَاتْلُوهُ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدِّةِ بِبَرَاءَةَ، فَأُنْسِيتُهَا، غَيْرَ أَنِّي قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا: "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ، لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ"، وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً،
[ ٢٠ / ٥٣ ]
كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ، فَأُنْسِيتُهَا، غَيْرَ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا (^١): "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، فَتُكْتَبُ شَهَادَةً في أَعْنَاقِكُمْ، فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ، أبو محمد، صدوقٌ، إلا أنه عَمِي، فتلقّن ما ليس من حديثه، من قُدماء [١٠] (٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القشيريّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
٤ - (أَبُو حَرْبِ بْنُ أَيِي الْأَسْوَدِ) الدِّيليّ البصريّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي ذَرٍّ والصحيح عن أبيه، وعن عمة، وعن مِحْجن عنه، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن فَضَالة الليثيّ، وعُمير بن يَثْرِبي قاضي البصرة، وعبد الله بن قيس البصريّ.
وروى عنه قتادة، وداود بن أبي هند، والقطان، وعثمان بن عمير البجليّ، وعثمان بن قيس البجليّ، وسيف بن وهب، وابن جريج، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من قراء أهل البصرة، وقال: كان معروفًا، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو وعمرو بن عليّ: مات سنة تسع ومائة، وقال خليفة في "الطبقات": إن اسمه كنيته، وذكر أنه مات سنة ثمان ومائة، وذكر عبد الواحد بن علي في "أخبار النحاة" عن أبي حاتم السجستانيّ قال: تعلّم النحو من أبي الأسود ابنُهُ عطاء، فإن صح هذا فيَحْتَمِلُ أن يكون هو اسم أبي حرب؛ لأنهم لم يذكروا لأبي الأسود ولدًا غيره، وقال ابن قتيبة: كان أبو حرب شاعرًا عاقلًا ولاه الحجاج جَوْخَى (^٢)،
_________________
(١) وفي نسخة: "قد حفِظت منها".
(٢) "جَوْخَى" كسكرَى: اسم موضع. اهـ. "ق".
[ ٢٠ / ٥٤ ]
فلم يزل عليها حتى مات الحجاج، وقال ابن عبد البرّ في "الكنى": هو بصريّ ثقةٌ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ في "خصائص عليّ"، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (أَبُوهُ) أبو الأسود الدِّيليّ، أو الدُّؤَليّ البصريّ، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، وقيل: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، وقيل غير ذلك، ثقةٌ فاضل مخضرم [٢] (ت ٦٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
٦ - (أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ المشهور -﵁-، مات سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصتف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكنى.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض، والابن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ) الدّيليّ أنه (قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) -﵁- (إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) أي أرسل إليهم ليجتمعوا إليه، فيَعِظَهم (فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ، قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ) وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج: "جمع أبو موسى القرَّاء، فقال: لا تدخلوا عليّ إلا من جمع القرآن، قال: فدخلنا عليه زُهاء ثلاثمائة رجل، فوعظنا … " (فَقَالَ: أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) أي أفضلهم، وأرفعهم درجة عند الله بسبب عنايتكم بالقرآن، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن عثمان بن عفّان -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: "خيركم من تعلّم القرآن، وعَلَّمه".
وفي رواية أبي نعيم المذكورة: "وقال: أنتم قرّاء أهل البلد".
(وَقُرَّاؤُهُمْ، فَاتْلُوهُ) أي اقرؤوا القرآن، مِن تلا القرآن تلاوةً: إذا قرأه،
[ ٢٠ / ٥٥ ]
ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: اتّبعوه، واعملوا بما فيه، مِن تلا الرجلَ يتلوه تُلُوًّا، على فُعُول: إذا تبعه (^١). (وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ) بفتحتين: أي الزمن (فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ) بنصب "تقسوَ" بـ "أن" مضمرة بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب النهي، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
قال القرطبيّ ﵀: يعني به: لا تستطيبوا مُدّة البقاء في الدنيا؛ فإن ذلك مُفسد للقلوب بما يجرّه إليها من الحرص والقسوة حتى لا تلين لذكر الله، ولا تنتفع بموعظة، ولا زجر. انتهى (^٢).
(كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) من الأمم السابقة: اليهود والنصارى، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [الحديد: ١٦].
قال الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره": يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله؛ أي تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهمه، وتنقاد له، وتسمع له وتطيعه.
أخرج مسلم في "صحيحه" من طريق عون بن عبد الله، عن أبيه، عن ابن مسعود -﵁- قال: كان ما كان بين إسلامنا، وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية إلا أربع سنين.
وقال سفيان الثوريّ، عن المسعوديّ، عن القاسم، قال: مَلّ أصحاب رسول الله -ﷺ-، فقالوا: حدّثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] قال: ثم مَلّوا مَلّةً، فقالوا: حدّثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، الآية [الزمر: ٢٣]، ثم مَلُّوا ملة، فقالوا: حدّثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٣).
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٧٦.
(٢) "المفهم" ٣/ ٩٣.
(٣) صححه الشيخ الألباني ﵀ من حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- في "صحيح موارد الظمآن" (١٤٦٢).
[ ٢٠ / ٥٦ ]
وقال قتادة: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ذُكِر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله -ﷺ- قال: "إن أول ما يُرفع من الناس الخشوع" (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ نَهَى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حُمِّلوا الكتاب من قبلهم، من اليهود والنصارى، لَمّا تطاول عليهم الأمد بدَّلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة، والأقوال المؤتفكة، وقلّدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] أي في الأعمال فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الآية [المائدة: ١٣] أي فسدت قلوبهم، فقست وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه، وتركوا الأعمال التي امروا بها، وارتكبوا ما نُهوا عنه، ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية.
وأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن الربيع بن عَمِيلة الفزاريّ، قال: حدّثنا عبد الله بن مسعود حديثًا ما سمعت أعجب إلي منه إلا شيئًا من كتاب الله، أو شيئًا مما قاله النبيّ -ﷺ- قال: "إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، اختَرَعوا كتابًا من عند أنفسهم، استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، واستلذّته، وكان الحقّ يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، فقالوا: تعالوا ندعو بني إسرائيل إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه تركناه، ومن كَرِه أن يتابعنا قتلناه، ففعلوا ذلك، وكان فيهم رجل فقيه، فلما رأى ما يصنعون عَمَدَ ما يَعْرِف من كتاب الله، فكتبه في شيء لطيف، ثم أدرجه، فجعله في
_________________
(١) صححه الشيخ الألباني ﵀ من حديث أبي الدرداء وشداد بن أوس -﵄- في "صحيح الترغيب والترهيب" (٥٤٢ - ٥٤٣).
[ ٢٠ / ٥٧ ]
قرن، ثم عَلَّق ذلك القرن في عنقه، فلما أكثروا القتل قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنكم قد أفشيتم القتل في بني إسرائيل، فادعوا فلانًا، فاعرضوا عليه كتابكم، فإنه إن تابعكم فسيتابعكم بقية الناس، وإن أبى فاقتلوه، فدَعَوا فلانًا ذلك الفقيه، فقالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا؟ قال؟ وما فيه؟ اعرضوه عليّ، فعرضوه عليه إلى آخره، ثم قالوا: أتؤمن بهذا؟ قال: نعم آمنت بما في هذا، وأشار بيده إلى القرن، فتركوه، فلما مات فتَّشُوه، فوجدوه معلقًا ذلك القرن، فوجدوا فيه ما يُعْرَف من كتاب الله، فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء ما كنا نسمع هذا أصابته فتنة، فافترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وخير مللهم ملة أصحاب ذي القرن"، قال ابن مسعود: هانكم أوشك بكم إن بَقِيتم، أو بقي من بقي منكم أن تروا أمورًا تنكرونها، لا تستطيعون لها غِيَرًا، فبحسب المرء منكم أن يعلم الله من قلبه أنه لها كاره (^١).
وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٧] فيه إشارة إلى أن الله تعالى يُلِين القلوب بعد قسوتها، ويَهْدي الْحَيَارى بعد ضِلّتها، ويُفَرّج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الْهَتّان الوابل، كذلك يَهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مُقْفَلة، لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضِلّ لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعّال، وهو الحكيم العدل في جميع الفِعَال، اللطيف الخبير الكبير المتعال. انتهى (^٢).
(وَاِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ) وفي رواية أبي نعيم المذكورة: "لقد أنزلت سورة كنّا نشبّهها ببراءة طولًا وتشديدًا، فنسيتها، غير أني قد حفظت منها آية فيها: لو كان لابن آدم … ".
_________________
(١) صححه الشيخ الألبانيّ ﵀ في "السلسلة الصحيحة" برقم (٢٦٩٤) وقال: في حكم المرفوع.
(٢) "تفسير ابن كثير" ٤/ ٣١١ - ٣١٢.
[ ٢٠ / ٥٨ ]
(فَأُنْسِيتُهَا) بالبناء للمفعول، قال القرطبيّ ﵀: هذا ضرب من النسخ، فإن النسخ على ما نقله علماؤنا على ثلاثة أضرُب:
أحدها: نسخ الحكم، وبقاء التلاوة.
والثاني: عكسه، وهو نسخ التلاوة، وبقاء الحكم.
والثالث: نسخ الحكم والتلاوة، وهو كرفع هاتين السورتين اللتين ذكرهما أبو موسى -﵁-، فإنهما رُفع حكمهما وتلاوتهما، وهذا النحو من النسخ هو الذي ذكره الله تعالى حيث قال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ الآية [البقرة: ١٠٦] على قراءة من قرأ بضمّ النون، وكسر السين، وكذلك قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، وهاتان السورتان مما قد شاء الله تعالى أن يُنسيه بعد أن أنزله، وهذا لأن الله تعالى فعّالٌ لما يريد، قادرٌ على ما يشاء؛ إذ كلّ ذلك ممكنٌ، ولا يَتَوهّم متوهّمٌ من هذا وشبهه أن القرآن ضاع منه شيءٌ، فإن ذلك باطلٌ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وبأن إجماع الصحابة ومن بعدهم انعقد على أن القرآن الذي تُعُبِّدنا بتلاوته، وبأحكامه هو ما ثبت بين دَفّتي المصحف، من غير قلادة ولا نقصان. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: جعله هاتين السورتين مما نسخ حكمًا وتلاوةً لا يخفى ما فيه، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(غَيْرَ أَنِّي قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا: "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ، لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ"، وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً، كنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ) بصيغة الفاعل؛ أي السور التي في أولها لفظ التسبيح، كـ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، و﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾.
وفي رواية أبي نعيم: "وأنزلت سورة كنّا نشبّهها بالمسبِّحات، أولها "سبّح لله"، فنسيتها … ".
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٩٣ - ٩٤.
[ ٢٠ / ٥٩ ]
(فَأُنْسِيتهَا، غَيْرَ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا (^١): "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) هو استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله، أما في الماضي فيكون كذبًا، أو في المستقبل فيكون خُلْفًا، وكلاهما مذموم، وهذا معنى ما في قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣]، وأما في هذا الحديث فإنما يتناول أن يُخبر عن نفسه بشيء فعله فيما مضى، ويتمدّح به فقط، بدليل قوله -ﷺ-: (فَتُكْتَبُ) بالرفع؛ أي فهي تكتب، وَيحْتَمِل أن يكون منصوب بعد الفاء السببيّة، لكن الأول أظهر، كما يدلّ عليه رفع قوله: "فتُسألون"، والله تعالى أعلم. (شَهَادَةً فِي أَعْنَاقِكُمْ، فَتُسْأَلُونَ) ولفظ أبي نعيم: "ثم تسألون" (عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ") هو معنى قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤].
قال الحافظ ابن كثير ﵀: قال معمر: وتلا الحسن البصريّ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ يا ابن آدم بُسِطَت لك صحيفتك، وَوُكِّل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مُتَّ طُوِيت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابأ تلقاه منشورًا: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ الآية، فقد عَدَلَ والله مَن جعلك حسيب نفسك، قال ابن كثير -﵁-: هذا من أحْسَن كلام الحسن ﵀. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
_________________
(١) وفي نسخة: "قد حفِظت منها".
(٢) "تفسير ابن كثير" ٣/ ٢٩.
[ ٢٠ / ٦٠ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٢٤١٩] (١٠٥٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كراهة الحرص على الدنيا، والتكالب عليها.
٢ - (ومنها): بيان فضل أبي موسى الأشعريّ -﵁- حيث كان يعتني بالدعوة إلى الله تعالى، والترغيب في الزهد في الدنيا، والإقبال على الآخرة.
٣ - (ومنها): بيان فضل البصرة حيث كان من أهلها علماء قرّاء لكتاب الله تعالى.
٤ - (ومنها): بيان جواز النسخ في كتاب الله تعالى، ووقوعه، وهو مجمع عليه بين المسلمين.
٥ - (ومنها): الإشارة إلى انقسام النَّسخ إلى الأقسام المذكورة، وقد استوفيت البحث في ذلك بما فيه الكفاية في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" في الأصول، فراجعه تستفد علومًا جمّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.