وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٣] (٨٩٨) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِثٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ (^١)، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: أَصَابَنَا، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: "لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى").
_________________
(١) وفي نسخة: "عن أنس بن مالك".
[ ١٧ / ٥٦٦ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه يتشيّع [٨] (ت ١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (١٣٦) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) وفي نسخة: "عن أنس بن مالك" - ﵁ -، وقوله: (قَالَ) قول جعفر بن سليمان الراوي عن ثابت؛ أي: قال ثابتٌ: (قَالَ أَنَسٌ) - ﵁ -: (أَصَابَنَا، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) جملة حاليّة معترضة بين الفعل وفاعله، وهو قوله: (مَطَرٌ، قَالَ) أنس - ﵁ -: (فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَوْبَهُ) أي: كشف - ﷺ - ثوبه عن بعض بدنه (حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ) "من" تبعيضيّة؛ أي: أصاب بعض بدنه بعض المطر النازل من السماء (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟) أي: حسر ثوبك عن بعض بدنك (قَالَ: "لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى") قال القرطبيّ - ﵀ -؛ أي: بإيجاد ربّه له، وهذا منه - ﷺ - تبرّكٌ بالمطر، واستشفاءٌ به؛ لأن الله تعالى قد سمّاه رحمةً، ومباركًا، وطَهُورًا، وجعله سبب الحياة، ومُبعدًا عن العقوبة، ويُستفاد منه احترام المطر، وترك الاستهانة به. انتهى (^١).
وأنشد بعضهم في معنى الحديث قوله:
تَضُوعُ أَرْوَاحُ نَجْدٍ مِنْ ثِيَابِهِمُ … بَعْدَ الْقُدُومِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ بِالدَّارِ
وقال السنوسيّ: وكما يُتبرّك به فلا يُمتهن باستعماله في النجاسات، كصبّه في مِرْحاضٍ، قال: واختار بعضهم استعمال ماء المطر دون ماء الآبار؛
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٤٦.
[ ١٧ / ٥٦٧ ]
لهذا الحديث، والأطبّاء يقولون: إن أنفع المياه ما لم يُختزن، كاختزانه في المراجل. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "فلا يُمتهن … إلخ" مما لا دليل عليه، وكذا قوله: "واختار بعضهم … إلخ"؛ لأن هذا الحديث لا يدلّ عليه، وإنما يدلّ على التمطّر في أول نزول المطر، ولم يثبت أنه - ﷺ - كان يتكلّف للطهارة بماء المطر، بل كان يتطهّر غالبًا بماء الآبار ونحوها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ - ﵀ -: معنى حديث عهد بربه؛ أي: بتكوين ربّه إياه، ومعناه أن المطر رحمةٌ، وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها، فيُتَبَرَّك بها، قال: وفي هذا الحديث دليلٌ لقول أصحابنا: إنه يستحب عند أول المطر أن يكشف غير عورته؛ ليناله المطر، واستدلوا بهذا، وفيه أن المفضول إذا رأى من الفاضل شيئًا لا يعرفه أن يسأله عنه؛ ليعلمه، فيعملَ به، ويُعَلِّمه غيره. انتهى.
وقال القاضي عياضٌ - ﵀ -: قال بعض أهل المعاني: معناه: حديث عهد بالكون بإرادة الرحمة؛ لقوله تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ الآية [لأعراف: ٥٧]، وقوله: ﴿مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ الآية [ق: ٩]، وقوله: ﴿مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ الآية [الفرقان: ٤٨، ٤٩]، بخلاف ما أخبر به عنه فيما يقرب عهد كونه بإرادة الغضب والسخط وخوفه، وذلك عند هبوب الرياح، وطلوع السحاب حتى تُمطر، كما جاء في الحديث الآخر: "إنه إذا كان يوم الريح والغيم عُرف ذلك في وجهه، وأقبل، وأدبر، فإذا أمطرت سُرّ به"، ويقول: "إني خشيتُ أن يكون عذابًا سُلّط على أمتي"، فقد خشي - ﷺ - أن تعمّهم عقوبة بذنوب العاصين منهم، ويقول إذا رأى المطر: "رحمة"، وقد ذكر مسلم أحاديث في هذا المعنى. انتهى كلام القاضي - ﵀ - (^٢).
[فائدة]: قال الإمام ابن القيّم - ﵀ -: الغيث مذكور في القرآن في عدة مواضع، وهو لذيذ الاسم على السمع، والمسمَّى على الروح والبدن، تبتهج الأسماع بذكره، والقلوب بوروده، وماؤه أفضل المياه، وألطفها، وأنفعها،
_________________
(١) "مكمل إكمال الإكمال" ٣/ ٤٩.
(٢) "إكمال المعلم" ٣/ ٣٢٥.
[ ١٧ / ٥٦٨ ]
وأعظمها بركةً، ولا سيما إذا كان من سحاب راعد، واجتمع في مستنقعات الجبال، وهوأرطب من سائر المياه؛ لأنه لم تَطُل مدته على الأرض، فيكتسبَ من يبوستها، ولم يخالطه جوهر يابس، ولذلك يتغير، وَيتَعَفَّن سريعًا للطافته، وسرعة انفعاله، وهل الغيث الربيعي ألطف من الشَّتَويّ، أو بالعكس؟ فيه قولان:
قال من رجّح الغيث الشتويّ: حرارة الشمس تكون حينئذ أقلّ، فلا تجتذب من ماء البحر إلا ألطفه، والجو صافٍ، وهو خالٍ من الأبخرة الدخانية، والغبار المخالط للماء، وكلّ هذا يوجب لطفه، وصفاءه، وخلوّه من مخالط.
وقال من رجّح الربيعيّ: الحرارة توجب تحلل الأبخرة الغليظة، وتوجب رقه الهواء، ولطافته، فيخفف بذلك الماء، وتقلّ أجزاؤه الأرضية، وتصادف وقت حياة النبات، والأشجار، وطيب الهواء. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ - (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٠٨٣] (٨٩٨)، و(أبو داود) في "الأدب" (٥١٠٠)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (١٨٣٧)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٥٧١)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٣ و٢٦٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣٤٢٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٢٢) و"الحلية" (٦/ ٢٩١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦١٣٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٥٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٧١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث قد تكلّم فيه الحافظ أبو الفضل بن
_________________
(١) "زاد المعاد" ٤/ ٣٤٦.
[ ١٧ / ٥٦٩ ]
عمّار -﵀-، فقال: هذا حديث تفرّد به جعفر بن سليمان من بين أصحاب ثابت، لم يروه غيره، قال: وأخبرني الحسين بن إدريس، عن أبي حامد المخلديّ، عن عليّ ابن المدينيّ، قال: لم يكن عند جعفر كتاب، وعنده أشياء ليست عند غيره، وأخبرنا محمد بن أحمد بن البراء، عن عليّ ابن المدينيّ، قال: أما جعفر بن سليمان فأكثر عن ثابت، وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير، وسمعت الحسين يقول: سمعت محمد بن عثمان يقول: جعفر ضعيف. انتهى كلام أبي الفضل -﵀- (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الجواب عن مسلم -﵀- أن جعفرًا وإن تكلّم فيه بحضهم، كابن المدينيّ، إلا أن كثيرًا من الحفّاظ قوّوه، ومعظم كلام من تكلّم فيه إنما هو في تشيّعه، لا في روايته، فقد وثّقه ابن معين، وابن سعد، ووثقه أيضًا ابن المدينيّ في رواية، وقال أحمد: لا بأس به، وقال ابن عديّ: ولجعفر حديثٌ صالح، وروايات كثيرةٌ، وهو حسن الحديث، معروفٌ بالتشيّع، وجمع الرقاق، وأرجوأنه لا بأس به، وقد روى أيضًا في فضل الشيخين، وأحاديثه ليست بالمنكرة، وما كان فيه منكر، فلعل البلاء فيه من الراوي عنه، وهو عندي ممن يجحب أن يُقبل حديثه. انتهى.
وقال ابن حبّان: كان من الثقات في الروايات، غير أنه ينتحل الميل إلى أهل البيت، ولم يكن بداعية إلى مذهبه، وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف في أن الصدوق المتقن إذا كانت فيه بدعة، ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بخبره جائزٌ. انتهى.
وقال ابن شاهين في "المختَلَف فيهم": إنما تُكُلّم فيه لعلة المذهب، وما رأيت من طعن في حديثه إلا ابن عمّار بقوله: جعفر بن سليمان ضعيف. انتهى.
وقال البزّار: لم نسمع أحدًا يطعن عليه في الحديث، ولا في الخطأ فيه، إنما ذُكرت عنه شيعيّته، وأما حديثه فمستقيم. انتهى (^٢).
_________________
(١) "علل الحديث في كتاب الصحيح" ١/ ٨٦ - ٨٧.
(٢) راجع: ترجمته في "تهذيب التهذيب" ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨.
[ ١٧ / ٥٧٠ ]
فقد تبيّن بما ذُكر أن جعفر بن سليمان ثقةٌ مستقيم الحديث، وأن المعظم الطعن فيه إنما هو في مذهبه.
والحاصل أن هذا الحديث صحيح، كما هو رأي المصنّف -﵀- حيث أورده مورد الاحتجاج به، وكما سبق من توثيق الأئمة له، فالأرجح ما ذهب إليه المصنّف، فلا تلتفت إلى طعن أبي الفضل بن عمّار، وتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٤] (٨٩٩) - (حَدَّثَنَا (^١) عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ جَعْفَرٍ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: "إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا، سُلِّطَ عَلَى أُمَّتي"، وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: "رَحْمَةٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدَّةً، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من صغار [٩] مات في أول (٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) الميميّ مولاهم، أبو محمد، أوأبوأيّوب المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ المعروف بالصادق، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٩.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٧ / ٥٧١ ]
٤ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) على المشهور (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٥ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق - ﵄ -، أم المؤمنين، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وجعفر، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، إلا عطاءً، فمكيّ، وشيخه، وإن كان بصريًّا، فقد سكن المدينة أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الحديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) اسم أبيه أسلم، كما مرّ آنفًا (أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -) بالنصب على البدليّة (تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ) "كان" هنا أن تكون تامّة، فلا تحتاج إلى خبر، كما قال الحريريّ -﵀- في "ملحته":
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمَ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
ويَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، وخبرها محذوف؛ أي: واقعًا، أو حاضرًا.
قال الفيّوميّ -﵀-: و"الريح": مؤنثة على الأكثر، فيقال: هي الريح، وقد تُذَكَّر على معنى الهواء، فيقال: هو الريح، وهي الريح، نقله أبو زيد، وقال ابن الأنباريّ: الريح مؤنثة، لا علامةَ فيها، وكذلك سائر أسمائها، إلا الأعصار، فإنه مذكر، وراح اليوم يروح رَوْحًا، من باب قال، وفي لغة من باب خاف: إذا اشتدت ريحه، فهو رائح، ويجوز القلب والإبدال، فيقال: رَاحٍ، كما قيل؛ هارٍ في هائرٍ، ويوم رِّيحٌ بالتشديد؛ أي: طيب الريح، وليلة رَيِّحة
[ ١٧ / ٥٧٢ ]
كذلك، وقيل: شديدُ الريح نقله المطرزي عن الفارسيّ. انتهى (^١).
و"الغيْمُ": السحاب، الواحدة غَيْمة، وهو في الأصل مصدرٌ، من غامت السماءُ، من باب سار: إذا أَطْبق بها السحاب، وأغامت بالألف، وغَيَّمَت، وتغَيَّمت مثله، والغين بالنون لغة في الغيم، وغِينَتِ السماءُ باليناء للمفعول: غُطِّيت بِالغين، قاله الفيّوميّ -﵀- (^٢).
(عُرِفَ) بالبناء للمفعول (ذَلِكَ لم أي: أَثر يوم الريح والغيم (فِي وَجْهِهِ) - ﷺ -، هو بمعنى قوله في الرواية التالية: "وإذا تخيّلت السماء تغيّر لونه"؛ يعني: أن أثر الخوف ظهر في وجهه - ﷺ -؛ خوفًا من أن يحصل من تلك الريح أو الغيم ما فيه ضرر للناس (وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ) أي: لا يستقوّ في حال واحد من شدّة الخوف (فَإذَا مَطَرَتْ) أي: نزل مطر السحاب، وقد سبق أن الصحيح جواز أن يقال: أمَطرت بالألف أيضًا (سُرَّ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي؛ استبشر، وفَرِح بذلك المطر (وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ) أي: ما سبق من تغيّر الوجه، وحصول الغمّ والكرب (قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (فَسَأَلْتُهُ) أي: عن سبب ذلك، وفي رواية سليمان بن يسار، عنها الآتية: "فقالت: يا رسول الله أرى الناس إذا رأوا الغيم فَرِحُوا؛ رجاء أن يكون فيه مطرٌ، وأراك إذا رأيته عرَفتُ في وجهك الكراهية" (فَقَالَ) - ﷺ -: ("إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَايًا، سُلِّطَ) بالبناء للمفعول (عَلَى أُمَّتِي") قال القرطبي -﵀ -: يعني: على الْعُتَاة عليه، والعصاة له من أمته، وكان - ﷺ - لعظيم حلمه، ورأفته، وشفقته يرتجي لهم الفلاح، والرجوع إلى الحقّ، وهذا كما قال يوم أُحد: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون"، وقيل: خاف أن تعمّهم العقوبة بسبب العصاة منهم، والأول أصحّ. انتهى (^٣).
وفي رواية سليمان بن يسار المذكورة: "قالت: فقال: يا عائشة ما يُؤَمّنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا".
(وَيَقُولُ) - ﷺ - (إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: "رَحْمَةٌ") خبر لمحذوف؛ أي: هذا رحمة
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٤٥.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٦٠.
(٣) "المفهم" ٢/ ٥٤٧.
[ ١٧ / ٥٧٣ ]
من الله -﷿- لعباده، ويحتمل أن يكون منصوبًا بفعل محذوف: اجعلها رحمة لا عذابًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه (^١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٠٨٤ و٢٠٨٥ و٢٠٨٦] (٨٩٩)، و(البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢٠٦) و"التفسير" (٤٨٢٩)، و(أبو داود) في "الأدب" (٥٠٩٨)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٢٥٧)، و(ابن ماجه) في "الدعاء" (٣٨٩١)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٥٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥٠٢ و٢٥٠٦ و٢٥٠٧ و٢٥٥٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٢٣ و٢٠٢٤ و٢٠٢٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٦١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^٢):
١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من شدّة الخوف من الله تعالى.
٢ - (ومنها): بيان أنه ينبغي الاستعداد بالمراقبة لله تعالى، والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال، وحدوث ما يُخاف بسببه.
_________________
(١) هذا هو الحقّ، وأما اختلاف شرّاح "المشكاة" هل متّفقٌ عليه، أو مما انفرد به مسلم؛ فمما لا يُلتفت إليه؛ لأن المراد باتفاق الشيخين إخراجهما الحديث عن صحابيّ واحد، ولا يُنظر في اختلاف سياقهما بالزيادة والنقص، والتقديم والتاخير، أو الاختصار والتطويل. والحاصل أن الحديث متفق عليه من حديث عائشة - ﵂ -، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(٢) المراد فوائد حديث عائشة - ﵂ - برواياته المختلفة، مما أورده المصنّف في الباب، ومما أشرنا إليه في الشرح، لا خصوص سياق هذه الرواية، فتنبّه.
[ ١٧ / ٥٧٤ ]
٣ - (ومنها): ما قيل: كان خوفه - ﷺ - أن يعاقبوا بعصيان العصاة، وسروره لزوال سبب الخوف.
٤ - (ومنها): استحباب الفرح والسرور عند نزول المطر؛ لأنه رحمة مهداة من الله تعالى لعباده، فينبغي أن يُفرَح به، كما قال الله -﷿-: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨].
٥ - (ومنها): أنه ينبغي أن يتذكّر الإنسان، ولا يذهل ما وقع في الأمم الخالية، ويحذر من الوقوع فيما وقعوا فيه من المعاصي؛ لئلا يصيبه مثل ما أصابهم.
٦ - (ومنها): استحباب الدعاء عند هبوب الريح، لما في الرواية التالية.
٧ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من كمال الشفقة، وشدّة الرأفة بأمته، كما وصفه الله -﷿- بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
[فإن قلت]: كيف يخشى - ﷺ - أن تُعَذّب أمته، وهو فيهم، وقد قال الله -﷿-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]؟.
[قلت]: أجاب ابن العربيّ -﵀- بأن الآية نزلت بعد هذه القصة، قال: ويتعيّن الحمل على ذلك؛ لأن الآية دلّت على كرامة له - ﷺ - ورفعِهِ، فلا يُتَخَيَّل انحطاط درجته أصلًا.
وتعقّبه الحافظ -﵀- بأنهْ يَعْكُر عليه أن آية الأنفال كانت في المشركين من أهل بدر، وفي حديث عائشة - ﵂ - إشعار بأنه - ﷺ - كان يواظب على ذلك من صنيعه، كان إذا رأى فعل كذا، والأولى في الجواب أن يقال: إن في آية الأنفال احتمالَ التخصيص بالمذكورين، أو بوقت دون وقت، أو أن مقام الخوف يقتضي غلبة عدم الأمن من مكر الله، وأولى من الجميع أن يقال: خَشِيَ على من ليس هو فيهم أن يقع بهم العذاب، أما المؤمن فشفقة عليه؛ لإيمانه، وأما الكافر فلرجاء إسلامه، وهو - ﷺ - بُعِث رحمةً للعالمين. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٧/ ٥٠٩ - ٥١٠ "كتاب بدء الخلق" رقم (٣٢٠٦).
[ ١٧ / ٥٧٥ ]
وبالسند المتّصل إلى ألامام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٥] (: ..) - (وَحَدَّثَنِي (^١) أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ، يُحَدِّثنا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ"، قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ (^٢)، فَقَالَ: "لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (ابْنُ وَهْب) هو عبد الله، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَن عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ -، وقوله: (زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -) بدل من "عائشة" (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ) أي: اشتدّ هبوبها، قال الفيوميّ -﵀-: عَصَفَت الريح عَصْفًا، من باب ضرب، وعُصُوفًا: اشتدّت، فهي عاصف، وعاصفةٌ، وجمع الأولى: عَوَاصفُ، والثانية: عاصفات، ويقال: أعصفت بالألف أيضًا، فهي مُعصفةٌ، ويُسند الفعل إلى اليوم والليلة؛ لوقوعه
_________________
(١) وفي نسخة: "وأخبرني".
(٢) وفي نسخة: "فعرفت ذلك عائشة، فسألته".
[ ١٧ / ٥٧٦ ]
فيهما، فيقال: يومٌ عاصفٌ، كما يقال: باردٌ؛ لوقوع البرد فيه. انتهى (^١).
وقولها هنا: "إذا عصفت الريح"، وهو شدّة هُبوبها، وفي رواية أبي يعلى بلفظ: "إذا هاجت ريح شديدة" يدلّ على خروج الريح الخفيفة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) - ﷺ -: ("اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا) أي: خير ذاتها (وَخَيْرَ مَا فِيهَا) أي: من منافعها (وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ) أي: بخصوصها في وقتها، وهو مبنيّ للمفعول، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل، قال الطيبيّ -﵀-: يَحْتَمِل الفتح على الخطاب، و"شرّ ما أرسلت به" على بناء المفعول، ليكون من قبيل قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم﴾، وقوله - ﷺ -: "الخير كلّه في يديك، والشرّ ليس إليك". انتهى (^٢).
وتعقّب ابن حجر الهيتميّ في "شرح المشكاة" ما قاله الطيبيّ، فقال: هذا تكلّف بعيد لا حاجة إليه، فـ"أرسلت" مبنيّ للمفعول فيهما، كما هو المحفوظ، أو للفاعل. انتهى (^٣).
وقوله: (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ") قال القاري في شرح "المشكاة": على بناء المفعول في جميع النسخ، وكتَبَ ميرك فوقه "صحّ " إشارةً إلى عدم الخلاف. انتهى (^٤).
وأخرج أبو يعلى بإسناد صحيح عن قتادة، عن أنس - ﵁ - أن النبيّﷺ - كان إذا هاجت ريح شديدة قال: "اللهم إني أسألك من خير ما أُمِرتّ به، وأعوذ بك من شر ما أُمرت به".
وفي الباب عن أبي هريرة، عند أبي داود، والنسائيّ، وعن ابن عباس، عند الطبراليّ، وعن غيرهم، قاله في "الفتح" (^٥).
(قَالَتْ) عائشة - ﵂ -: (وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ) أي: تهيّأت السحاب للمطر،
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤١٤.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٣٢٥ - ١٣٢٦.
(٣) راجع: "المرقاة" ٣/ ٦٢٢.
(٤) "المرقاة" ٣/ ٦٢٣.
(٥) "الفتح" ٣/ ٣٩٠.
[ ١٧ / ٥٧٧ ]
قال الطيبيّ: "السماء" هنا بمعنى السحاب، وتَخَيَّلت السماءُ: إذا ظهر في السماء أثر المطر، وقال أبو عبيدة: تخيّلت من الْمَخِيلة بفتح الميم، وكسر المعجمة، بعدها تحتانيّةٌ ساكنة، وهي سحابة فيها رعدٌ وبرقٌ، يُخيَّل إليه أنها ماطرةٌ؛ يعني: سحابة يُخال فيها المطر، وتكون مظنّةً للمطر، وقال ابن الأثير: الْمَخيلة السحابة التي يُظنّ أن فيها مطرًا، وتخيّلت السماء: إذا تغيّمت. انتهى (^١). (تَغَيَّرَ لَوْنُهُ) أي: من خشية الله تعالى، ومن رأفته على أمته، وتعليمًا لهم في متابعته (وَخَرَجَ) من البيت تارةً (وَدَخَلَ) تارةً أخرى (وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ) أي: فلا يستقرّ في حال واحد (فَإِذَا مَطَرَتْ) أي: السحاب، وفي رواية للبخاريّ: "فإذا أمطرت السماء"، من الإمطار، قال الحافظ: وفيه ردّ على من زعم أنه لا يقال: أمطرت إلا في العذاب، وأما في الرحمة، فيقال: مطرت. انتهى. والحاصل أنه يقال: مطرت، وأمطرت في الرحمة بالوجهين (سُرِّيَ عَنْهُ) بضمّ السين المهملة، وتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول؛ أي: كُشف عنه الخوف وأُزيل عنه الحزن (فَعَرَفْتُ ذَلِكَ) أي: التغيّر المذكور (فِي وَجْهِهِ) - ﷺ - (قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ -: (فَسَأَلْتُهُ) أي: عن سببه، وفي بعض النسخ: "فعَرَفت ذلك عائشة، فسألته" (فَقَالَ) - ﷺ -: ("لَعَلَّهُ) أي: لعلّ هذا السحاب (يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ) الإضافة للبيان؛ أي: مثل الذي قال في حقّه قوم عادٍ: هذا عارضٌ ممطرنا، كما بيّنه تعالى بقوله: ﴿) فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ أي: السحاب ﴿عَارِضًا﴾ أي: سحابًا عارضًا، قال ابن الأثير: العارض السحاب الذي يعرض في السماء ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي: صهاريهم، ومحل مزارعهم ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ أي: سحاب عَرَض ليمطرنا، قال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ أي: من العذاب ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥]، فظهرت منه ريح، فأهلكتهم، فلا ينبغي لأحد أن يأمن من عذاب الله تعالى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "المرعاة" ٥/ ١٩٧.
[ ١٧ / ٥٧٨ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٨٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ (ح) (^١) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَاَئِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا، حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا، أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَتْ (^٢): يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَى النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا؛ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ، قَالَتْ: فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) عن (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٧] مات قديمًا قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٣ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١.
٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، أحد الفقهاء السبعة، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٩.
والباقون ذُكروا قبله.
_________________
(١) ووقع في بعض النسخ: "وحدّثني زهير بن حرب، حدّثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث ح وأخبرني أبو الطاهر".
(٢) وفي نسخة: "فقلت".
[ ١٧ / ٥٧٩ ]
وقولها: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا) المستجمع: المجِدّ في الشيء القاصد له.
وقال في "الفتح": رواية الكشميهني: "مستجمعًا ضَحِكًا"؛ أي: مبالغًا في الضحك، لم يترك منه شيئًا، يقال: استجمع السيل: اجتمع من كلّ موضع، واستجمعت للمرء أموره: اجتمع له ما يُحبّه، فيكون "ضاحكًا" منصوبًا على التمييز، وإن كان مشتقًّا، مثلُ لله درّه فارسًا؛ أي: ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك بحيث يضحك ضَحِكًا تامًّا مقبلًا بكلّيته على الضحك (^١).
(حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ) بالتحريك: جمع لَهَاة، وهي اللحمة المتعلّقة في أعلى الحنك، ويُجمَع أيضًا على لَهًى بفتح اللام، مقصورًا.
وقولها: (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ) هذا لا ينافي ما جاء في الحديث الآخر: "أنه - ﷺ - ضَحِكَ حتى بدت نواجذه"؛ لأن ظهور النواجذ، وهي الأسنان التي في مُقَدَّم الفم، أو الأنياب لا يستلزم ظهور اللهاة، قاله في "الفتح" (^٢).
وقيل: كان التبسّم على سبيل الأغلب، وظهور النواجذ على سبيل الندرة، قاله في "المرعاة" (^٣).
وقولها: (عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية البخاريّ: "عُوِفت الكراهية في وجهه"، قال في "الفتح": عَبَّرَت عن الشيء الظاهر في الوجه بالكراهة؛ لأنه ثمرتها. انتهى.
وقال الطيبيّ -﵀-: قولها: "عرف ذلك في وجهه" أي: ظهر أثر الخوف في وجهه - ﷺ - مخافة أن يحصل من ذلك السحاب، أو الريح ما فيه ضرر للناس، فدلّ نفي الضحك البليغ عنه - ﷺ - على أنه لم يكن فَرِحًا لاهيًا بَطِرًا، ودلّ إثبات التبسّم له - ﷺ - على طلاقة وجهه، وبشاشته، ودلّ أثر خوفه من رؤية الغيم، أو الريح على رأفته، ورحمته على الخلق، وهذا هو الخلق العظيم. انتهى (^٤).
_________________
(١) "المرعاة" ٥/ ١٩٦.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٥٩١.
(٣) " المرعاة" ٥/ ١٩٦.
(٤) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٣٢٥.
[ ١٧ / ٥٨٠ ]
وقولها: (عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ) ببناء الفعل للفاعل، والتاء ضمير المتكلّم، و"الكراهية" منصوب على المفعوليّة، ويَحْتَمل أن يكون بالبناء للمفعول، و"الكراهيةُ" بالرفع على أنه نائب الفاعل.
وقوله: (مَا يُؤَمِّننِي إَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَاب) "ما" استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء يجعلني آمنًا من كون العذاب فيه؟.
وقوله: (قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ قال في "الفتح": ظاهر هذا أن الذين عُذِّبوا بالريح غير الذين قالوا ذلك؛ لما تقرر أن النكرة إذا أعيدت نكرةً كانت غير الأولى، لكن ظاهر آية الباب على أن الذين عُذبوا بالريح هم الذين قالوا: هذا عارض، ففي هذه السورة: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ الآيات، وفيها: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤].
وقد أجاب الكرمانيّ عن الإشكال بأن هذه القاعدة المذكورة إنما تَطِّرِد إذا لم يكن في السياق قرينة تدل على أنها عين الأول، فإن كان هناك قرينة كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فلا. ثم قال: ويَحْتَمِل أن عادًا قومان: قوم بالأحقاف، وهم أصحاب العارض، وقوم غيرهم.
قال الحافظ: ولا يخفى بعده، لكنه مُحْتَمِلٌ، فقد قال تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾، فإنه يُشعِر بأن ثَمّ عادًا أخرى.
وقد أخرج قصة عاد الثانية أحمد بإسناد حسنٍ (^١)، عن الحارث بن حسّان
_________________
(١) قال الإمام أحمد -﵀- في "مسنده" (١٥٥٢٤): حدّثنا زيد بن الحباب، قال: حدّثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحويّ، قال: حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث بن يزيد البكريّ، قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرميّ إلى رسول الله - ﷺ -، فمررت بالرَّبَذَة، فإذا عجوز من بني تميم مُنقَطَعٌ بها، فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله - ﷺ - حاجةً، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها، فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاصّ بأهله، وإذا راية سوداء تَخفق، وبلال متقلد =
[ ١٧ / ٥٨١ ]
البكريّ، قال: خرجت أنا والعلاء بن الحضرميّ إلى رسول الله - ﷺ - الحديث، وفيه: فقلت: أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد، قال: وما وافد عادٍ، وهو أعلم بالحديث، ولكنه يستطعمه، فقلت: إن عادًا قُحِطُوا، فَبَعَثُوا قيل بن عنز إلى معاوية بن بكر بمكة، يستسقي لهم، فمكث شهرًا في ضيافته، تغنيه الجرادتان، فلما كان بعد شهر، خرج لهم فاستسقى لهم، فمرت بهم سحابات، فاختار السوداء منها، فنودي: خذها رمادًا رمدًا، لا تُبْقِ من عاد أحدًا.
وأخرج الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه بعضه.
والظاهر أنه في قصة عاد الأخيرة لذكر مكة فيه، وإنما بُنيت بعد إبراهيم،
_________________
(١) = السيف بين يدي رسول الله - ﷺ -، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهًا، قال: فجلست، قال: فدخل منزلة، أو قال: رحله، فاستأذنت عليه، فأَذِنَ لي، فدخلت، فسلمت، فقال: هل كان بينكم وبين بني تميم شيء؟ قال: فقلت: نعم، قال: وكانت لنا الدَّبْرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم مُنقَطَع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأِذَن لها، فدخلت، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزًا، فاجعل الدَّهْناء، فحَمِيَت العجوز، واستوفزت، قالت: يا رسول الله، فإلى أين تضطر مضرك؟، قال: قلت: إنما مثلي ما قال الأول: مِعْزاء حملت حَتْفَها، حملتُ هذه، ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال: هيه، وما وافد عاد؟ وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه، قلت: إن عادًا قحطوا، فبعثوا وافدًا لهم، يقال له: قيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر، وتغنيه جاريتان، يقال لهما: الجرادتان، فلما مضى الشهر، خرج جبال تهامة، فنادى: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادًا، ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سُودٌ، فنودي: منها اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: خذها رَمَادًا رِمْدِدًا، لا تبق من عاد أحدًا، قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هلكوا، قال أبو وائل: وصدق، قال: فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد. انتهى. وهذا إسناد حسنٌ، كما قال الحافظ -﵀-.
[ ١٧ / ٥٨٢ ]
حين أسكن هاجر وإسماعيل بوادٍ غير ذي زرع، فالذين ذُكروا في "سورة الأحقاف" هم عاد الأخيرة، ويلزم عليه أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَخَا عَادٍ﴾ نبيّ آخر غير هود، والله أعلم. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.