وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٠] (٩٢٠) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ"، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمَنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ"، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ في قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وله (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
[ ١٨ / ١٥٨ ]
٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو) بن الْمُهَلَّب بن عمرو الأزديّ الْمَعْنيّ، أبو عمرو البغداديّ، وُيعرَف بابن الكرمانيّ، ثقةٌ، من صغار [٩] (ت ٢١٤) على الصحيح، وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٥/ ٥١١.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الكوفيّ، ثمّ الْمِصِّيصيِّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [٨] (ت ١٨٥) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٨.
٤ - (خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) ابن مِهْرَان، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ يرسل [٥١] (ت ١ و١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرْمِيّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ كثير الإرسال، يقال: فيه نصب يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٦ - (قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبِ) بن حَلْحَلة الْخُزاعيّ، أبو سعيد، ويقال: أبو إسحاق المدنيّ، نزيل دمشق، وُلد عام الفتح [٢].
رَوَى عن عمر بن الخطاب، ويقال: مرسل، وعن بلال، وعثمان بن عفان، وحذيفة، وعبد الرَّحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت، وعمرو بن العاص، ومحمد بن مسلمة، وتميم الداريّ، وأبي الدرداء، والمغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه إسحاق، والزهريّ، ورجاء بن حيوة، وعثمان بن إسحاق بن خَرَشة، وعبد الله بن موهب، وعبد الله بن أبي مريم مولى بني ساعدة، ومكحول، وأبو قلابة الجرميّ، وآخرون.
قال ابن سعد: كان على خاتم عبد الملك، وكان آثر الناس عنده، وكان البريد إليه، وكان ثقةٌ مأمونًا، كثير الحديث، وقال ابن لَهِيعة، عن ابن شهاب: كان من علماء هذه الأمة، وذكره أبو الزناد في الفقهاء، وقال محمد بن راشد، عن مكحول: ما رأيت أحدًا أعلم منه، وقال مغيرة، عن الشعبيّ: كان أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت، وقال الغلابيّ، عن ابن معين: أُتيَ به رسول الله - ﷺ - ليدعو له بالبركة، وقال الهيثم، عن عبد الله بن عياش: ذهبت عينه يوم الحرّة.
وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": وُلد
[ ١٨ / ١٥٩ ]
في أول سنة من الهجرة، وكان له فقه وعلم، وقال ابن قانع: يقال: له رؤية، وقال أبو موسى المدينيّ في "الذيل": أورده العسكريّ في الصحابة، وقال جعفر: لا يصح سماعه؛ لأنه وُلد يوم الفتح، ورَوَى عن النبيِّ - ﷺ - أحاديث مراسيل.
وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: كان من فقهاء أهل المدينة وصالحيهم، مات بالشام سنة (٨٦)، وقيل: سنة (٩٦)، وقال خليفة وغير واحد: مات سنة ست وثمانين، وقال ابن سعد: مات سنة ست، أو سبع، وقال ابن معين: مات سنة (٧) وقيل: مات سنة (٨)، وقيل: مات سنة (٨٩) في خلافة عبد الملك بن مروان.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٩٢٥) وحديث (١٤٠٨): "لا تُنْكَح العمة على بنت الأخ … "الحديث، وأعاده بعده.
و"أمُّ سلمة" - ﵂ - ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: خالد، عن أبي قلابة، عن قبيصة.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) - ﵁ - أنَّها (قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى أَبِيِ سَلَمَةَ) - ﵁ - زوجها (وَقَدْ شَقَّ) بفتح الشين، مبنيًّا للفاعل، ورفع (بَصَرُهُ) على الفاعليّة، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا ضبطناه، وهو المشهور، وضبطه بعضهم "بَصَرَهُ" بالنصب، وهو صحيح أيضًا، والشين مفتوحة بلا خلاف، قال القاضي: قال صاحب "الأفعال": يقال: شَقَّ بَصَرُ الْميتِ، وشَقَّ الميتُ بَصَرَهُ، ومعناه شَخَصَ، كما في الرواية الأخرى، وقال ابن السِّكِّيت في "الإصلاح"، والجوهريّ حكايةً عن ابن السَّكِّيت: يقال: شَقَّ بَصَرُ الميت، ولا تقل: شُقَّ الميتُ بصرَهُ، وهو الذي
[ ١٨ / ١٦٠ ]
حضره الموت، وصار ينظر إلى الشيء، لا يرتدّ إليه طرفه. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: صوابه، وصحيحه شَقَّ بفتح الشين مبنيًّا للفاعل، وبرفع البصر؛ أي: انفتح، يقال: شَقّ بصر الميت، وشَقَّ الميتُ بصرَهُ: إذا شَخَصَ بصرَهُ، بفتح الخاء أيضًا، قاله صاحب "الأفعال"، ولم يَعرف أبو زيد الضمّ. انتهى (^٢).
(فَأَغْمَضَهُ) أي: سدّ - ﷺ - أجفان أبى سلمة - ﵁ - بعد موته، وغطّاها؛ لئلا يقبح منظره.
(ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - ("إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ) بالبناء للمفعول (تَبِعَهُ الْبَصَرُ") معناه إذا خرج الروح من الجسد يتبعه البصر ناظرًا أين يَذْهَب، وفي الروح لغتان التذكير، والتأنيث، وهذا الحديث دليل للتذكير.
قال التوربشتيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل هذا وجهين:
أحدهما: أن الروح إذا قُبض تبعه البصر؛ أي: في الذهاب، فلهذا أغمضته؛ لأن فائدة الانفتاح ذهبت بذهاب البصر عند ذهاب الروح.
والوجه الثاني: أن روح الإنسان إذا قبضتها الملائكة نظر إليها الذي حضره الموت نظرًا شزرًا لا يرتدّ إليه طرفه حتى تضمحلّ بقيّة القوّة الباصرة الباقية بعد مفارقة الروح الإنسانيّ التي يقع لها الإدراك والتمييز دون الحيوانيّ الذي به الحسّ والحركة، وغير مستنكر من قدرة الله تعالى أن يكشف عنه الغطاء ساعتئذ حتى يصير ما لَمْ يكن يبصره، وهذا الوجه في حديث أبي هريرة الآتي أظهر. انتهى (^٣).
(فَضَجَّ) بتشديد الجيم: أي رفع الصوت بالبكاء، وصاح (نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ) أي: من أهل أبي سلمة - ﵁ - (فَقَالَ) - ﷺ -: ("لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ) أي: لا تدعوا بالويل والثبور على عادة الجاهليّة، وقال القرطبيّ: ويمكن أن يكون المراد أنهم إذا تكلّموا في حقّ الميت بما لا يرضاه الله حتى يرجع تبعته
_________________
(١) "شرح النووي" ٦/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥٧٢.
(٣) "المرعاة" ٥/ ٣١١.
[ ١٨ / ١٦١ ]
إليهم، فكأنهم دعوا على أنفسهم بشرّ، أو يكون المعنى كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٩]؛ يعني بعضكم بعضًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره القرطبيّ من الاحتمالين مما لا يخفى بُعده، بل المعنى هو ما ذكرناه أَوّلًا، فتبصّر.
(فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ") أي: في دعائكم من خير أو شرّ (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - ("اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ) بتشديد الياء الأولى؛ أي: اجعله في زمرة الذين هديتهم إلى الإسلام، ورفعت درجتهم به (وَاخْلُفْهُ) بوصل الهمزة، وضمّ اللام، من خَلَف يَخلُفُ: إذا قام مقام غيره في رعاية أمره، وحفظ مصالحه؛ أي: كن خليفة له (فِي عَقِبِهِ) بكسر القاف؛ أي: أولاده، وقيل: من يعقُبه، ويتأخّر عنه من ولد وغيره، ولذا أبدل عن "عقبه" قوله: (فِي الْغَابِرِينَ) بإعادة الجارّ؛ أي الباقين في الأحياء من الناس؛ يعني كن خليفة له في أولاده الباقين، فاحفظ أمورهم، ومصالحهم، ولا تكلهم إلى غيرك.
وقال الأشرف - ﵀ -: قوله: "في الغابرين" بدلٌ من "عَقِبه"؛ أي: كن خليفة له في الباقين من عقبه.
قال الطيبيّ: أقول: ويمكن أن يكون "في عقبه" متعلّقًا بالفعل، و"في الغابرين" حالًا من "عقبه"، والمعنى: أوقع خلافتك في عَقِبه، حال كونهم كائنين في جملة الباقين من الناس، بأن يستميل قلوب الناس إليهم حتى يكونوا مقبولين بينهم، يُراعون أحوالهم، ينفعون ولا يضرّون. انتهى (^١).
(وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ) فيه استحباب تقديم النفس في الدعاء (وَافْسَحْ) بوصل الهمزة، فعل طلب من فسح يفسح، من باب فتح؛ أي: أوسع (لَهُ فِي قَبْرِهِ) قال القاري - ﵀ -: دعاء له بعد الضغط، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الطويل عند أحمد وغيره: "فينادي مناد في السماء أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجَنَّة، وألبسوه من الجَنَّة، وافتحوا له بابًا إلى الجَنَّة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها، ويُفْسَح له في قبره مَدَّ بصره".
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٣٧٤.
[ ١٨ / ١٦٢ ]
(وَنوِّرْ لَهُ فِيهِ") أي: في قبره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢١٣٠ و٢١٣١] (٩٢٠)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١١٨)، و(النسائيّ) في "المناقب" من "الكبرى" (٨٢٨٥)، و(ابن ماجة) في "الجنائز" (١٤٥٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٩٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٥٩ و٢٠٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب إغماض الميت، قالوا: والحكمة فيه أن لا يَقبُحٍ منظره لو تُرِك إغماضه، قال القرطبيّ - ﵀ -: وهو سنّة عَمِلَ بها المسلمون كافّة، والمقصود تحسين وجه الميّت، وستر تغيّر بصره. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): بيان استحباب الدعاء للميت عند موته، ولأهله وعقبه بأمور الدنيا والآخرة.
٣ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن الميت يُنعَّم في قبره، أو يُعذَّب.
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: هذا الحديث بلفظ الروح، وحديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بلفظ: "فذلك حين يتبع بصره نفسه" دليلٌ على أن الروح والنفس عبارتان عن معنى واحد، وهو الذي يُقبض بالموت، وفيهما ما يدلّ على أن الموت ليس عدمًا، ولا إعدامًا، وإنما انقطاع تعلّق الروح بالبدن ومفارقته، والحيلولة بينهما، ثم إن البدن يبلي، ويفنى إلَّا عَجْبَ الذَّنْب الذي منه بُدِئ خلق الإنسان، ومنه يُركَّب الخلق يوم القيامة. انتهى (^٢).
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: وفيه دليل لمذهب أصحابنا المتكلمين، ومن وافقهم أن الروح أجسام لطيفة، مُتَخَلِّلة في البدن، وتذهب
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٧٢ - ٥٧٣.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥٧٣.
[ ١٨ / ١٦٣ ]
الحياة من الجسد بذهابها، وليس عَرَضًا كما قاله آخرون، ولا دَمًا كما قاله آخرون، وفيها كلام متشعب للمتكلمين. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا البحث من فضول الكلام، بل مما لا ينبغي أن يُصرف إليه النظر؛ لأنه مما سدّ الشارع بابه، حيث قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، فيا ليت العلماء لَمْ يخوضوا في مثله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣١] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "وَاخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ"، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَوْسِعْ لَهُ فِي قَبْرِهِ"، وَلَمْ يَقُل: "افْسَحْ لَهُ"، وَزَادَ: قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: وَدَعْوَةٌ أُخْرَى سَابِعَةُ نَسِيتُهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الْوَاسِطيُّ) هو: محمد بن موسى بن عمران القطّان، أبو جعفر الواسطي ابن عمة أحمد بن سنان، صدوقٌ [١١].
رَوَى عن يزيد بن هارون، وأبي أحمد الزبيريّ، وأبي عامر العقديّ ووهب بن جرير بن حازم، والمثنى بن معاذ بن معاذ العنبريّ، وحماد بن عيسى الجهنيّ، ومعلى بن عبد الرَّحمن الواسطيّ، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وابن ماجة، وأبو إسماعيل السلميّ، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ، وأسلم بن سهل الواسطيّ، ومحمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ، وأبو بكر البزار، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات".
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ٢٢٣.
[ ١٨ / ١٦٤ ]
روى له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث (^١).
٢ - (الْمُثَنَّى بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ) العنبريّ، أخو عبيد الله، من صغار [٩].
رَوَى عن أبيه، ومعتمر بن سليمان، وخالد بن الحارث، وبشر بن المفضل، ويحيى القطان، وأبي قتيبة، وابن مهديّ، وعثمان بن عمر بن فارس، وغندر، ومعاذ بن هشام، ومؤمل بن إسماعيل، وغيرهم.
وروى عنه ابناه: الحسن ومعاذ، وأخوه عبيد الله بن معاذ، وأبو خيثمة، ومحمد بن موسى بن عمران القطان، وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة، وعباس الدوري، وغيرهم.
قال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: لا بأس به، وقال الحسين بن حبان: رجل صدق، ثقةٌ صدوقٌ، من خيار المسلمين، ما زال منذ هو حَدَثٌ خيرًا من أخيه عبيد الله مائة مرّة، وقال ابنه معاذ وغيره: مات سنة ثمان وعشرين ومائتين، وله إحدى وستون سنة.
تفرّد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
٣ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسَّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ) بن الحصين بن أبي الحرّ الْعَنْبَريّ القاضي البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، لكن عابوا عليه مسألة تكافئ الأدلَّة (^٢) [٧].
رَوَى عن خالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، وسعيد الجريريّ، وهارون بن رياب، وآخرين.
وروى عنه ابن مهديّ، وخالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ العنبريّ، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وغيرهم.
قال الآجريّ: قلت لأبي داود: عبيد الله بن الحسن عندك حجةٌ؟ قال:
_________________
(١) هذا ما في برنامج الحديث، وقال في "تهذيب التهذيب": قال في "الزهرة": رَوَى عنه البخاريّ أربعة أحاديث، ومسلم حديثين. انتهى. فليُنظر.
(٢) سيأتي قريبًا أنه رجع عن هذا الرأي.
[ ١٨ / ١٦٥ ]
كان فقيهًا، قال النسائيّ: فقيه بصريّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: ولي قضاء البصرة، وكان ثقةً محمودًا عاقلًا من الرجال، قال العجليّ: لَمّا مات سَوّار بن عبيد الله طلبوا عبيد الله بن الحسن، فهرب، ثم استُقضِي، وقال أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: أتى رجل عبيد الله بن الحسن، فقال: كنا عند الأمير محمد بن سليمان، فذُكِرتَ بكل الجميل إلَّا المزاح، فقال: والله إني لأمزح، وما أقول إلَّا الحقّ، وقال ابن مهديّ: كنا في جنازة، فسألته عن مسألة، فغلط فيها، فقلت له: أصلحك الله، أتقول فيه كذا وكذا؟، فأطرق ساعةً، ثم رفع رأسه، فقال: إذًا أَرْجِع، وأنا صاغرٌ؛ لأن أكون ذَنَبًا في الحقّ أحب إليّ من أن أكون رأسًا في الباطل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: من سادات أهل البصرة فقهًا وعلمًا.
وذكر عُمر بن شَبَّة في "تاريخ البصرة" أن المهديّ عَزَله سنة (٦٦) (^١)، وقال ابن أبي خيثمة: أخبرني سليمان بن أبي شيخ، قال: كان عبيد الله بن الحسن اتُّهِم بأمر عظيم، ورُوي عنه كلام رديء؛ يعني قوله: كلُّ مجتهد مصيب، ونقل محمد بن إسماعيل الأزديّ في "ثقاته" أنه رجع عن المسألة التي ذُكِرت عنه لَمَّا تَبَيَّن له الصواب، والله أعلم، وقال ابن قتيبة في "اختلاف الحديث": ثم نصير إلى عبيد الله بن الحسن العنبريّ، فنهجُم من قبيح مذهبه، وشدّة تناقض قوله على ما هو أولى مما أنكره، وذلك أنه كان يقول: إن القرآن يدلّ على الاختلاف، فالقول بالقدر صحيح، والقول بالإجبار صحيح، ولهما أصل في الكتاب، فمن قال بهذا فهو مصيب، ومن قال بهذا فهو مصيب، هؤلاء قوئم عَظَّموا الله، وهؤلاء قوم نزَّهوا الله، وكان يقول في قتال عليّ لطلحة والزبير وقتالهما إياه: كلُّه لله طاعة.
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: أنه وُلد سنة (١٠٥) ويقال: سنة (١٠٦) وولي القضاء سنة (٥٧) (^٢)، وقال أبو حسان الزياديّ: مات في ذي القعدة سنة ثمان وستين ومائة.
_________________
(١) أي: بعد المائة.
(٢) أي: بعد المائة.
[ ١٨ / ١٦٦ ]
تفرّد به المصنّف، وأبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
و"خالد الحذّاء" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي: بإسناد خالد الحذّاء الماضي، وهو: عن أبي قلابة، عن قبيصة بن ذُؤيب، عن أم سلمة - ﵂ -.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ … إلخ) فاعل "قال" ضمير عبيد الله بن الحسن.
وقوله: (وَاخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ) أي: فيمن تركه من أهله، فهو بمعنى قوله الماضي: "واخلفه في عقبه في الغابرين".
وقوله: (وَزَادَ: قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: وَدَعْوةٌ أُخْرَى سَابِعَةٌ نَسِيتُهَا) يعني أنه - ﷺ - دعا أيضًا دعوة أخرى سابعةً، غير ما سبق من الستة التي هي أولها قوله: "اللهم اغفر لأبي سلمة"، وثانيها: "وارفع درجته في المهديين"، وثالثها: "واخلُفه في عقبه في الغابرين"، ورابعها: "واغفر لنا وله يا ربّ العالمين"، وخامسها: "وافسح له في قبره"، وسادسها: "ونَوِّر له فيه".
[تنبيه]: رواية عبيد الله بن الحسن، عن خالد الحذّاء هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.