وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١١] (٩٠٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدَّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدَّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام، ربّما دلّس، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (حَبِيبُ) بن أبي ثابت قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت ١١٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، قيل: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) (ع) أو بعد ذلك تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، تقدَّم في الباب الماضي أيضًا.
وقوله: (ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) هذه الكيفيّة قد فُسّرت في الرواية التالية، ولفظها: "أنَّه صلى في كسوف، قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ سجد، قال: والأخرى مثلها".
وفي رواية أبي عوانة: "صلّى في الكسوف، فقرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ سجد سجدتين، والأخرى مثلها".
وقوله: (وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ) هكذا في رواية المصنّف - ﵀ -، وليست هذه
[ ١٨ / ١٠٠ ]
الزيادة في "مسند أبي عوانة"، ولا في "مستخرج أبي نعيم"، ويخالفها ما وقع عند النسائيّ، فإنَّه قال بعد أن أخرج الحديث عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن عليّة بسند المصنّف ما نصّه: "وعن عطاء مثل ذلك" (^١).
ومعنى قوله: "وعن عليّ … إلخ" أنَّه رُوي عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ - مثل ما رُوي عن ابن عبّاس - ﵄ -.
[تنبيه]: إن أراد المصنّف - ﵀ - بحديث عليّ - ﵁ - هذا من رواية حبيب بن أبي ثابت عنه، فلم أجد من أخرجه، وإلا فقد أخرجه البيهقيّ - ﵀ - في "السنن الكبرى" (٣/ ٣٣٠) من رواية حنش، عنه، فقال:
(٦١٢١) - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، ثنا محمَّد بن عبيد الله بن المنادي، ثنا يونس بن محمَّد، ثنا عبد الواحد، ثنا سليمان الشيبانيّ، ثنا الحكم بن عتيبة، عن حنش بن ربيعة، قال: انكسفت الشمس على عهد عليّ - ﵁ - قال: فخرج، فصلى بمن عنده، فقرأ "سورة الحجّ"، و"يس" لا أدري بأيهما بدأ، وجهر بالقراءة، ثمَّ ركع نحوًا من قيامه، ثمَّ رفع رأسه، فقام نحوًا من قيامه، ثمَّ ركع نحوًا من قيامه، ثمَّ رفع رأسه، فقام نحوًا من قيامه، ثمَّ ركع نحوًا من قيامه، أربع ركعات، ثمَّ سجد في الرابعة، ثمَّ قام، فقرأ بـ "سورة الحج"، و"يس"، ثمَّ قام، فصنع كما صنع في الركعة الأولى، ثمان ركعات، وأربع سجدات، ثمَّ قعد، فدعا، ثمَّ انصرف، فوافق انصرافه، وقد انجلى عن الشمس.
قال: لم يرفعه سليمان الشيبانيّ، ورواه الحسن بن الحرّ عن الحكم، فرفعه.
(٦١٢٢) - أخبرناه أبو عليّ الروذباريّ، ثنا عبد الله بن عمر بن أحمد بن شوذب بواسط، ثنا شعيب بن أيوب، ثنا يحيى بن آدم، وأبو نعيم، وحفص بن
_________________
(١) وقوله: "وعن عطاء مثل ذلك" يعني: أن حبيب بن أبي ثابت روى عن عطاء بن أبي رباح مثل ما رواه عن طاوس، عن ابن عباس - ﵄ -. وظاهر صنيع الحافظ المزّيّ في "تحفة الأشراف" أن رواية عطاء مرسلة، حيث أوردها في قسم "المراسيل" ١٣ ص ٢٩٩، والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١٨ / ١٠١ ]
عمر الطنافسيّ، قالوا: ثنا زهير، عن الحسن بن الحرّ، عن الحكم، عن رجل يقال له: حنش، عن عليّ - ﵁ - قال: كسفت الشمس، فصلى عليّ - ﵁ - للناس، فقرأ بياسين ونحوها، ثمَّ ركع نحوًا من قراءته السورة، ثمَّ رفع رأسه، وقال: سمع الله لمن حمده، ثمَّ قام قدر السورة، يدعو ويكبر، ثمَّ ركع قدر قراءته، ثمَّ قال: سمع الله لمن حمده، ثمَّ قام أيضًا قدر السورة، ثمَّ ركع قدر ذلك أيضًا، حتى ركع أربع ركعات، ثمَّ قال: سمع الله لمن حمده، ثمَّ سجد، ثمَّ قام في الركعة الثانية، ففعل كفعله في الركعة الأولى، ثمَّ جلس يدعو ويرغب، حتى انكشفت الشمس، ثمَّ حدّثهم أن رسول الله - ﷺ - كذلك فعل.
(٦١٢٣) - أخبرنا أبو سعد المالينيّ، أنبأ أبو أحمد بن عديّ الحافظ، قال: حنش بن المعتمر أبو المعتمر الكنانيّ، وقال بعضهم: حنش بن ربيعة، سمع عليًّا - ﵁ - روى عنه سماك بن حرب، والحكم بن عتيبة، يتكلمون في حديثه، وهو كوفيّ، سمعت ابن حماد يذكره عن البخاريّ.
قال أبو أحمد (^١): وقال أبو عبد الرحمن النسائيّ فيما أخبرني محمَّد بن العباس عنه: حنش بن المعتمر ليس بالقويّ.
قال الشيخ (^٢): ومن أصحابنا من ذهب إلى تصحيح الأخبار الواردة في هذه الأعداد، وأن النبيّ - ﷺ - فعلها مرات: مرة ركوعين في كل ركعة، ومرة ثلاث ركوعات في كل ركعة، ومرة أربع ركوعات في كل ركعة، فأدى كل منهم ما حَفِظَ، وأن الجميع جائزٌ، وكأنه - ﷺ - كان يزيد في الركوع إذا لم ير الشمس قد تجلت، ذهب إلى هذا إسحاق ابن راهويه، ومن بعده محمَّد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الصِّبْعيّ، وأبو سليمان الخطابيّ، واستحسنه أبو بكر محمَّد بن إبراهيم بن المنذر، صاحب الخلافيات - وبالله التوفيق - والذي أشار إليه الشافعيّ من الترجيح أصح. انتهى كلام البيهقيّ (^٣).
_________________
(١) كنية البيهقيّ - ﵀ -.
(٢) المراد به البيهقيّ - ﵀ -.
(٣) "السنن الكبرى" ٣/ ٣٣٠ - ٣٣١.
[ ١٨ / ١٠٢ ]
قال الجامع عفا الله عنه: رواية حنش عن علي - ﵁ - هذه ضعّفها أيضًا ابن حبَّان في "صحيحه" (٧/ ٩٩).
والحاصل أن روايته لا تصحّ، كرواية حبيب بن أبي ثابت المذكورة في الباب، كما سيأتي بيان ذلك في المسألة التالية، فتنبّه.
ثمَّ إن هذا الذي قاله البيهقيّ - ﵀ - من ترجيح رواية من روى أنَّه - ﷺ - صلى ركعتين كلّ ركعة بركوعين وسجدتين هو الأرجح؛ لقوّة حجته، فإن جلّ الحفاظ هكذا رووه، ومما يوهن الجمع بتعدّد الواقعة كما ذهب إليه من ذكرهم البيهقيّ آنفًا - والظاهر أن مسلمًا منهم حيث أخرج رواية ابن عبّاس - ﵄ - هذه هنا - كونُ الكسوف في عهده - ﷺ - لم يقع إلا مرّة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم - ﵁ -، ولا يصحّ وقوعه مرّة أخرى، فبان بذلك أن الجمع المذكور غير مقبول، وأن الصحيح هو الترجيح، كما قاله الشافعيّ - ﵀ - وغيره من المحقّقين، وقد سبق تحقيق هذا في أوائل "كتاب الكسوف"، فارجع إليه تزدد علمًا، والله تعالى وليّ التوفيق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس - ﵄ - هذا اختُلف في تصحيحه، فمنهم من صححه، كالمصنّف وابن خزيمة، فقد أخرجاه في "صحيحيهما"، والظاهر أنهما إنما صححاه لإمكان حمله على واقعة أخرى، فلا تنافي بينه وبين رواية ابن عبّاس بالماضية أنَّه - ﷺ - صلى ركعتين بأربع ركوعات، وأربع سجدات، ولكن في هذا الحمل نظر؛ لما سيأتي قريبًا.
ومنهم من ضعفه؛ لأنَّ له علّتين:
(إحداهما): أن فيه حبيب بن أبي ثابت، فإنَّه مدلّس، وقد عنعنه.
(والثانية): مخالفته لغيره ممن رَوَى عن ابن عبّاس - ﵄ -.
قال الإمام ابن حبَّان - ﵀ - في "صحيحه" (٧/ ٩٨): خبر حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس: "أن النبيّ - ﷺ - صلى في كسوف الشمس ثماني ركعات، وأربع سجدات"، ليس بصحيح؛ لأنَّ حبيبًا لم يسمع من طاوس هذا الخبر. انتهى.
[ ١٨ / ١٠٣ ]
وقال الحافظ البيهقيّ - ﵀ - في "سننه" (٣/ ٣٢٧): وحبيب، وإن كان من الثقات، فقد كان يدلّس، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس، ويَحْتَمِل أن يكون حمله عن غير موثوق به، عن طاوس، وقد رَوَى سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عبّاس من فعله أنَّه صلاها ست ركعات، في أربع سجدات، فخالفه في الرفع، والعدد جميعًا. انتهى.
وفيه علة أخرى، وهي الشذوذ، فقد روى غير واحد، عن ابن عباس أنها أربع ركعات، وأربع سجدات، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي، أن الصحيح من حديث ابن عباس - ﵄ - هو ما سبق من طريق الزهريّ، عن كثير بن عبّاس، عن ابن عبّاس - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - أنَّه صلّى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات، وفي رواية النسائيّ: أنَّه - ﷺ - صلى ركعتين بأربع ركوعات، وأربع سجدات، وهذا هو الصواب؛ لاتفاق كثير بن عباس، وعطاء بن يسار كما في الحديث الماضي (^١) عليه، ولموافقته للأحاديث الصحيحة في هذا الباب.
والحاصل أن حديث حبيب بن أبي ثابت هذا غير صحيح؛ لما ذكر من العلتين.
وأما دعوى إمكان الجمع بحمله على تعدد القصّة، كما قال ابن خزيمة، فيبعده أن الصحيح أنَّه - ﷺ - صلى صلاة الكسوف مرّة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم - ﵁ -، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢١١١] (٩٠٨) و[٤/ ٢١١٢] (٩٠٩)، (وأبو داود) في "الصلاة" (١١٨٣)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٦٠)، و(النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٦٧ و١٤٦٨) و"الكبرى" (١٨٥١ و١٨٥٢)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٥ و٣٤٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٥٣٤)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٨٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٥٩ و٢٤٦٠ و٢٤٦١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) أي: رواية زيد بن أسلم، عن عطاء المذكور في الباب الماضي.
[ ١٨ / ١٠٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٢] (٩٠٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفٍ، قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، قَالَ: وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدَّم قبل باب.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ) هو: محمَّد بن خلّاد بن كثير الباهليّ البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) هو ابن سعيد، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظ حجة إمام، كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
والباقون ذُكرُوا قبله، وكذا الكلام على الحديث قد استوفيته هناك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].