وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٢٠] (١٠٥١) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ").
[ ٢٠ / ٦١ ]
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
والباقون كلّهم تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لما أسلفناه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زُهير، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد، وسفيان كوفيّ، ثم مكيّ، وزُهير نسائيّ، ثم بغداديّ، وابن نمير كوفيّ.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في عصره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ) -بفتح العين، والراء المهملتين، وبالضاد المعجمة-: متاع الدنيا، وحُطامها، من أيّ نوع كان، سُمِّي بذلك؛ لزواله، ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾، وفي الحديث: "الدنيا عرضٌ حاضرٌ، يأكل منه البرّ والفاجر"، وأما العَرْض بإسكان الراء، فهو ما عدا النقد، والنقدُ هو الدراهم والدنانير، قاله أبو زيد، والأصمعيّ، وغيرهما، وقال أبو عبيد: العَرْض: المتاع الذي لا يدخله كيل ولا وزن، ولا يكون حيوانًا ولا عقارًا. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": وأما العَرَض فهو ما يُنتفَع به، من متاع الدنيا، ويُطلق
_________________
(١) "طرح التثريب" ٤/ ٨٠.
[ ٢٠ / ٦٢ ]
بالاشتراك على ما يقابل الجوهر، وعلى كل ما يَعْرِض للشخص، من مرض ونحوه.
وقال أبو عبد الملك البونيّ فيما نقله ابن التين عنه قال: اتَّصل بي عن شيخ من شيوخ القيروان أنه قال: العرض بتحريك الراء: الواحد من العُرُوض التي يُتَّجَر فيها، قال: وهو خطأ، فقد قال الله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ الآية [الأعراف: ١٦٩]، ولا خلاف بين أهل اللغة في أنه ما يَعْرِض فيه، وليس هو أحد العروض التي يُتَجَر فيها، بل واحدها عَرْض بالإسكان، وهو ما سوى النقدين.
وقال أبو عبيد: العروض: الأمتعة، وهي ما سوى الحيوان والعقار، وما لا يدخله كيل ولا وزن، وهكذا حكاه عياض وغيره.
وقال ابن فارس: العرض بالسكون: كلُّ ما كان من المال غير نقد، وجمعه عُرُوضٌ، وأما بالفتح فما يصيبه الإنسان من حظه في الدنيا، قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ الآية [الأنفال: ٦٧]، وقال: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٩]. انتهى (^١).
[تنبيه]: "عن كثرة العرض" "عن" هنا سببيّة، قاله في "الفتح"، وقال في "الطرح": "عن" هنا يَحْتَمِل معناها أوجهًا:
[أحدها]: أن تكون للتعليل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]؛ أي ليس عِلّيّة الغنى وسببه كثرة العرض.
[ثانيها]: أن تكون للظرفية؛ أي ليس الغنى في كثرة العرض.
[ثالثها]: أنها بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ أي بالهوى؛ أي ليس الغنى بكثرة العرض. انتهى (^٢).
(وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ") معنى الحديث: ليس الغنى الحقيقيّ المعتبر من كثرة المال، بل هو من استغناء النفس، وعدم الحرص على الدنيا، ولهذا
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٥٥٨ "كتاب الرقاق" رقم (٦٤٤٦).
(٢) "طرح التثريب" ٤/ ٨٠ - ٨١.
[ ٢٠ / ٦٣ ]
ترى كثيرًا من المتموِّلين فقير النفس، مجتهدًا في الزيادة، فهو لشدّة شَرَهِهِ، وشدّة حِرْصه على جمعه، كانه فقيرٌ، وأما غنى النفس، فهو من باب الرضا بقضاء الله؛ لعلمه أن ما عند الله لا ينفد، قاله في "العمدة" (^١).
وقال النوويّ ﵀: معنى الحديث: الغنى المحمود غنى النفس، وشِبَعُها، وقلّة حرصها، لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة؛ لأن من كان طالبًا للزيادة لم يستغن بما معه، فليس له غنى، وسبقه القاضي عياض ﵀ إلى ذلك، ثم حَكَى عن الإمام المازريّ أنه قال: يَحْتَمِل أن يريد الغنى النافع، والذي يَكُفّ عن الحاجة، وليس ذلك على ظاهره؛ لأنه معلوم أن كثير المال غنيّ. انتهى.
وحاصل هذا إثبات الغنى لغنيّ النفس، والمبالغة فيه، حتى ينفي الغنى عمن فقده، وإن كثر ماله، مع أنه غنيّ بالحقيقة، لكنه نُفِي لانتفاء ثمرته، فإنه وإن وجد الغنى بالمال مع الحرص، فهو غير محمود، ولا نافع، كما يُسَمَّى العالم الذي لا يعمل بعلمه جاهلًا؛ لانتفاء ثمرة العلم في حقه، والله أعلم (^٢).
وقال في "الفتح" عند قوله: "إنما الغنى غنى النفس" ما نصّه: في رواية الأعرج، عن أبي هريرة، عند أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما: "إنما الغنى في النفس"، وأصله في مسلم، ولابن حبان من حديث أبي ذرّ -﵁-: قال لي رسول الله -ﷺ-: "يا أبا ذرّ أترى كثرة المال هو الغنى؟ " قلت: نعم، قال: "وترى قلة المال هو الفقر؟ " قلت: نعم يا رسول الله، قال: "إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب".
قال ابن بطال ﵀: معنى الحديث: ليس حقيقة الغنى كثرة المال؛ لأن كثيرًا ممن وسّع الله عليه في المال، لا يقنع بما أُوتي، فهو يجتهد في الازدياد، ولا يبالي من أين يأتيه؟ فكأنه فقيرٌ؛ لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو من استغنى بما أوتي، وقَنِعَ به، ورَضِي، ولم يَحْرِص على الازدياد، ولا ألح في الطلب، فكأنه غني.
وقال القرطبيّ ﵀: معنى الحديث: إن الغِنَى النافعَ، أو العظيم، أو
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢٣/ ٥٥.
(٢) "طرح التثريب" ٤/ ٨١.
[ ٢٠ / ٦٤ ]
الممدوح، هو غِنَى النفس، وبيانه: أنه إذا استغنت نفسه كَفَّت عن المطامع، فَعَزَّت، وعَظُمت، وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله مَن يكون فقير النفس؛ لحرصه، فإنه يُوَرّطه في رذائل الأمور، وخسائس الأفعال؛ لدناءة همته، وبخله، ويكثر من يذمّه من الناس، ويَصْغُر قدره عندهم، فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل ذليل.
والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعًا بما رزقه الله، لا يحرص على الازدياد لغير حاجة، ولا يُلِحّ في الطلب، ولا يُلْحِف في السؤال، بل يرضى بما قَسم الله له، فكأنه واجد أبدًا، والمتصف بفقر النفس على الضدّ منه؛ لكونه لا يقنع بما أُعطِي، بل هو أبدًا في طلب الازدياد، من أيّ وجه أمكنه، ثم إذا فاته المطلوب حَزِن وأَسِف، فكأنه فقير من المال؛ لأنه لم يستغن بما أُعطِي، فكأنه ليس بغنيّ.
ثم غِنَى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لأمره؛ علمًا بأن الذي عند الله خير وأبقى، فهو مُعْرِض عن الْحِرْص والطلب وما أحسن قول القائل [من الطويل]:
غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ منْ سَدِّ حَاجَةٍ … فَإِنْ زادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرَا
وقال الطيبيّ ﵀: يمكن أن يراد بغنى النفس حصول الكمالات العلمية والعملية، وإلى ذلك أشار القائل [من الطويل]:
وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ … مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الْفَقْرُ
أي ينبغي أن يُنفق أوقاته في الغنى الحقيقي، وهو تحصيل الكمالات، لا في جمع المال، فإنه لا يزداد بذلك إلا فقرًا. انتهى.
وهذا وإن كان يمكن أن يراد، لكن الذي تقدَّم أظهر في المراد، وإنما يحصل غنى النفس بغنى القلب، بأن يفتقر إلى ربه في جميع أموره، فيتحقق أنه المعطي المانع، فيرضى بقضائه، ويشكره على نعمائه، ويَفْزَع إليه في كشف ضَرَّائه، فينشأ عن افتقار القلب لربه غنى نفسه عن غير ربه تعالى، والغنى الوارد في قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٨] يتنزل على غنى النفس، فإن الآية مكية، ولا يَخْفَى ما كان فيه النبيّ -ﷺ- قبل أن تُفْتَح عليه خيبر وغيرها، من قلة
[ ٢٠ / ٦٥ ]
المال، والله أعلم. انتهى ما في "الفتح" (^١)، وهو بحثٌ حسنٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٢٤٢٠] (١٠٥١)، و(البخاريّ) في "الرقاق" (٦٤٤٦)، و(الترمذيّ) في "الزهد" (٢٣٧٣)، و(ابن ماجه) في "الزهد" (١٣٨٦١)، و(النسائيّ) في "الرقاق" من "الكبرى" (١١٧٨٦)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٠٦٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١١٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢/ ٤٥٣)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٧/ ٢٠٣)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ١٣٣ و٤٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل القناعة، والحثّ عليها، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
٢ - (ومنها): بيان انقسام الغنى إلى قسمين: غنى قلبيّ، وغني ماليّ، ولا ينفع هذا إلا من كان عنده الأول.
٣ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى المعنى المراد بالحياة الطيّبة في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الآية [النحل: ٩٧]، فليست الحياة الطيّبة بكثرة المال والجاه، وإنما هي بحياة القلب، وغناه بربّه، واطمئنانه بذكره، وعدم الالتفات إلى ما سواه إلا ما كان طاعة لله ﷿، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن فيه بيان ما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الفهم الدقيق لمراد الشارع الحكيم، فلذا تقرأ في سيرهم وتراجمهم
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٥٥٨ - ٥٥٩ "كتاب الرقاق" رقم (٦٤٤٦).
[ ٢٠ / ٦٦ ]
شدّة حذرهم من الدنيا، والتقلّل منها، وزهدهم فيها؛ لعلمهم أن كثرتها يُفسد قلوبهم، ويورثهم فقرًا أبديًّا، ومن فتح الله عليه منهم الدنيا تراه يبذلها، وينفقها في وجوه الخير، ولا يدّخر لنفسه، ولا لأهله إلا ما لا بدّ له منه، ولقد مات رسول الله -ﷺ- ودرعه مرهون عند يهوديّ بسبب طعام أخذه لأهله، مع أن الله تعالى فتح عليه خيبر وغيرها من البلدان، ولكنه أنفق ذلك في سبيل الله تعالى، اللهم ارزقنا اتّباع سنّته، وأحينا، وأمتنا، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتًا، إنك سميعٌ قريب مجيب الدعوات، برحمتك يا أرحم الراحمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.