وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٣] (٩١٠) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ خَبَرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نُودِيَ بِـ "الصَّلَاةَ جَامِعَةً"، فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ
[ ١٨ / ١٠٥ ]
فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ، وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدَّم قبل باب.
٢ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم، مشهورٌ بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله (٧٣) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ) (^١) هو: شيبان بن عبد الرحمن التميميّ البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمَّد السَّمَرْقَنْدي الحافظ، ثقةٌ ثبتٌ فاضل متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله (٧٤) (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٥ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيّ البصريّ، نزيل تنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٣.
٦ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) - بتشديد اللام - بن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، نزيل حِمْصَ، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣٠٩.
٧ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٨ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ ثبتٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٩ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعيد السَّهميّ، أبو محمَّد، أوأبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرَّة على الراجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
_________________
(١) منسوبٌ إلى نحو بطن من الأزد، لا إلى علم النحو.
[ ١٨ / ١٠٦ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من سداسيات المصنف - ﵀ -، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، ويحيى بن حسّان، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن أبا سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - ﵄ - (أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي: في زمانه (نُودِيَ) بالبناء للمجهول؛ أي: أمر النبيّ - ﷺ - بالنداء، وهو الإعلام بهذه الجملة، وقد تقدَّم التصريح في حديث عائشة - ﵂ - بأن النبيّ - ﷺ - هو الذي بعث مناديًا، فنادى بذلك، وفي رواية النسائيّ: "فأمر النبيّ - ﷺ - مناديًا ينادي أن الصلاة جامعة". (بِـ "الصَّلَاةَ جَامِعَةً") وفي رواية البخاريّ: "أن الصلاة جامعة" بفتح الهمزة، وتخفيف النون، وهي "أن" المفسّرة، وروي بتشديد النون، والخبر محذوف، تقديره: أنّ الصلاة ذاتَ جماعة حاضرةٌ (^١).
وقوله: "الصلاةَ جامعةً" برفع الجزأين على أنهما مبتدأ وخبر، ونصبهما، الأوّل على الإغراء، والثاني على الحال، ورفع الأوّل، ونصب الثاني، وبالعكس، وتقدم الكلام على ذلك مُستوفًى في شرح حديث عائشة - ﵂ -[٢٠٩٢]. (فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ) المراد بالسجدة هنا الركعة بتمامها، وبالركعتين الركوعان، وهو موافق لروايتي عائشة، وابن عبّاس - ﵄ - المتقدّمتين في أن في كلّ ركعة ركوعين، وسجودين، ولو ترك على ظاهره لاستلزم تثنية الركوع، وإفراد السجود، ولم يصر إليه أحد، فتعيّن تأويله، قاله في "الفتح".
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤١١.
[ ١٨ / ١٠٧ ]
(ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جُلِّيَ) بضم الجيم، وتشديد اللام، على صيغة المجهول، من التجلية، وهو الانكشاف (عَنِ الشَّمْسِ) وفي رواية البخاريّ: "ثمَّ جَلَس، ثمَّ جُلّي عن الشمس" أي: كُشف عنها بين جلوسه في التشهّد والسلام، كما بيّنه قوله في حديث عائشة - ﵂ -: "ثمَّ انصرف، وقد تجلّت الشمس"، أفاده في "الفتح" (^١).
وقوله: (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) هذا يَحْتَمل أن يكون من قول أبي سلمة، ويَحْتَمِل أن يكون من قول عبد الله بن عمرو - ﵄ -، فيكون من رواية صحابيّ، عن صحابيّة، ووَهِمَ من زَعَم أنَّه معلّق (^٢). (مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ، وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ) أي: من السجود الذي سجده النبيّ - ﷺ - في تلك الصلاة، وفي رواية أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - التالية: "فقام يصلي بأطول قيام وركوع وسجود، وما رأيته يفعله في صلاة قط".
قال النوويّ - ﵀ -: في هذين الحديثين دليل للمختار، وهو استحباب تطويل السجود في صلاة الكسوف، ولا يضرّ كون أكثر الروايات ليس فيهما تطويل السجود؛ لأنَّ الزيادة من الثقة مقبولة، مع أن تطويل السجود ثابت من رواية جماعة كثيرة من الصحابة، وذكره مسلم من روايتي عائشة وأبي موسى - ﵄ -، ورواه البخاريّ من رواية جماعة آخرين، وأبو داود من طريق غيرهم، فتكاثرت طرقه، وتعاضدت، فتعيّن العمل به. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": قوله: "ولا سجدت سجودًا قط كان أطول منه"، وتقدّم في رواية عروة، عن عائشة بلفظ: "ثمَّ سجد، فأطال السجود"، وفي أوائل "صفة الصلاة" من حديث أسماء بنت أبي بكر مثله، وللنسائيّ من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بلفظ: "ثمَّ رفع رأسه، فسجد، وأطال السجود"، ونحوه عنده عن أبي هريرة، وللشيخين من حديث أبي موسى - ﵁ -: "بأطول قيام، وركوع، وسجود رأيته قط"، ولأبي داود والنسائيّ من حديث سمرة - ﵁ -: "كأطول ما سجد بنا في صلاة قط".
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٣/ ٤٢٠.
(٢) راجع: "الفتح" ٣/ ٤٢٠.
(٣) "شرح النوويّ" ٦/ ٢١٤ - ٢١٥.
[ ١٨ / ١٠٨ ]
وكلّ هذه الأحاديث ظاهرة في أن السجود في الكسوف يطوّل كما يطوّل القيام والركوع، وأبدى بعض المالكية فيه بحثًا، فقال: لا يلزم من كونه أطال أن يكون بلغ به حدّ الإطالة في الركوع، قال الحافظ: وكأنه غفل عما رواه مسلم في حديث جابر - ﵁ - بلفظ: "وسجوده نحو من ركوعه".
وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي، وبه جزم أهل العلم بالحديث من أصحابه، واختاره ابن سُريج، ثمّ النوويّ، وتعقّبه صاحب "المهذّب" بأنّه لم يُنقل في خبر، ولم يقل به الشافعيّ. انتهى.
ورُدّ عليه في الأمرين معًا، فإن الشافعيّ نصّ عليه في "البويطيّ"، ولفظه: ثمَّ يسجد سجدتين طويلتين، يقيم في كلّ سجدة نحوًا مما قام في ركوعه. انتهى (^١).
وقال الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه": "باب طول السجود في الكسوف"، قال في "الفتح": أشار بهذه الترجمة إلى الردّ على من أنكره، واستدلّ بعض المالكية على ترك إطالته بأن الذي شُرِع فيه التطويل شُرِع تكراره، كالقيام، والركوع، ولم تشرع الزيادة في السجود، فلا يشرع تطويلة، وهو قياس في مقابلة النصّ، فهو فاسد الاعتبار.
وأبدى بعضهم في مناسبة التطويل في القيام والركوع، دون السجود، أن القائم والراكع يمكنه رؤية الانجلاء، بخلاف الساجد، فإن الآية عُلْوية، فناسب طول القيام لها، بخلاف السجود، ولأن في تطويل السجود استرخاءَ الأعضاء، فقد يفضي إلى النوم، وكلُّ هذا مردود بثبوت الأحاديث الصحيحة في تطويلة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصواب مذهب من قال بتطويل السجود في الكسوف؛ كالقيام والركوع؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٢٠.
(٢) "الفتح" ٣/ ٤١٩ - ٤٢٠.
[ ١٨ / ١٠٩ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١١٣] (٩١٠)، و(البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٤٥ و١٠٥١)، و(النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٧٩) و"الكبرى" (١٨٦٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٧٥ و٢٢٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٧٥ و١٣٧٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٣٣ و٢٤٣٤ و٢٤٣٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤٤ و٢٠٤٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٤] (٩١١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللهَ، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
٤ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات بعد (٩٠) أو قبلها، وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٥.
[ ١٨ / ١١٠ ]
٥ - (أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدريّ الصحابيّ الجليل، مات - ﵁ - قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنَّه مسلسلٌ بالكوفيين من إسماعيل، وهُشيم واسطيّ، ويحيى نيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن قيسًا هو التابعي الوحيد الذي اجتمعت له الرواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة على الصحيح، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو - ﵁ - (الْأَنْصَارِيِّ) ويقال له: البدريّ أيضًا؛ لسكناه بدرًا، أو لشهوده غزوة بدر، وهو الصحيح أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ) أي: علامتان من العلامات الدالة على وحدانيّة الله تعالى، وعظيم قدرته (يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ) بتشديد الواو، من التخويف (وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا) أي: من الآيات (شَيْئًا) يعني: إذا رأيتم انكساف شيء من الشمس، أو القمر (فَصَلُّوا) استُدلّ به على أنَّه لا وقت لصلاة الكسوف معيّنٌ؛ لأنَّ الصلاة عُلّقت برؤيته، وهي ممكنة في كلّ وقت، من ليل أو نهار، وتقدّم بيان الخلاف في ذلك، مع ترجيح القول بمشروعيّتها في أوقات الكراهة؛ لظاهر النصّ، فتنبّه.
[تنبيه]: قوله: "فصلّوا" المراد به الصلاة المعهودة التي صلاها النبيّ - ﷺ - للكسوف، ويَحْتَمِل أن يكون المراد مطلق الصلاة، فيُستدلّ به على جواز أدائها مطلقًا كسائر النوافل.
وقد أورد الإمام البخاريّ - ﵀ - في أول أبواب الكسوف الأحاديث
[ ١٨ / ١١١ ]
المطلقة في الصلاة، مثل حديث أبي مسعود هذا، وحديث أبي بكرة، وحديث ابن عمر، وحديث المغيرة بن شعبة - ﵃ - وكلها بلفظ: "فصلّوا"، فقال في "الفتح": ابتدأ البخاريّ أبواب الكسوف بالأحاديث المطلقة في الصلاة بغير تقييد بصفة؛ إشارةً منه إلى أن ذلك يُعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصفة المخصوصة عنده أفضل، وبهذا قال أكثر العلماء، ووقع لبعض الشافعيّة، كالبندنيجي أن صلاتها ركعتين كالنافلة لا يُجزئ. انتهى (^١).
(وَادْعُوا اللهَ، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ") ببناء الفعل للمفعول؛ أي: ينجلي ما حل بكم من الكرب بسبب الانكساف، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى؛ أي: حتى يكشف الله تعالى عنكم ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود الأنصاريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١١٤ و٢١١٥ و٢١١٦] (٩١١)، و(البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٤١ و١٠٥٧ و٣٢٠٤)، و(النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٦٢) و"الكبرى" (١٨٥٤)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٦١)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٤٥٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٢٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٥٣٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٧٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٢٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٠٤.
[ ١٨ / ١١٢ ]
قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَيْسَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ، فَقُومُوا فَصَلُّوا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عربيّ الحارثيّ، تقدَّم قبل باب.
٣ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمَّد البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَيْسَ يَنْكَسِفَانِ … إلخ) هكذا النسخ، فـ "ليس" هنا عملت في ضمير الشأن، وجملة "ينكسفان" خبرها، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَمَرْوَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ وَوَكِيعٍ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدَّم في الباب الماضي.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) وله (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
[ ١٨ / ١١٣ ]
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدَّم قبل باب.
٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير، تقدَّم قبل باب أيضًا.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٧ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمَّد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدَّم قبل باب.
٨ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدَّم قبل باب أيضًا.
٩ - (مَرْوَانُ) بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفَزَاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثمَّ دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
و"إسماعيل" هو: ابن أبي خالد ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد ساقها الطبرانيّ - ﵀ - في "المعجم الكبير" (١٧/ ٢١١) فقال:
(٥٧٤) - حدّثنا عُبَيْدُ بن غَنَّامٍ، ثنا أبو بَكْرِ بن أبي شَيْبَةَ، ثنا وَكِيعٌ، عن إِسْمَاعِيلَ بن أبي خَالِدٍ، عن قَيْسِ بن أبي حَازِمٍ، عن عُقْبَةَ بن عَمْروٍ أبي مَسْعُودٍ، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسول اللهِ - ﷺ -، فقال أُنَاسٌ: إنما انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إبراهيم - ﵇ -، فقال النبيّ - ﷺ -: "إن الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ من آيَاتِ اللهِ، فإذا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا".
وأما رواية أبي أسامة، عن إسماعيل، فساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده" (٢/ ٩٢) فقال:
(٢٤٢٩) - حدّثنا محمَّد بن إسحاق البكائيّ، وعليّ بن حرب، قالا: ثنا يعلي بن عبيد (ح) وحدّثنا الدقيقيّ، قال: ثنا يزيد بن هارون (ح) وحدّثنا أبو البختريّ، قال: ثنا أبوأسامة، قالوا: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود، عن النبيّ - ﷺ - قال: "إن الشمس والقمر لا
[ ١٨ / ١١٤ ]
تنكسفان لموت أحد من الناس، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما، فقوموا فصلوا".
وأما رواية ابن نمير، عن إسماعيل، فساقها ابن ماجه - ﵀ - في "سننه" (١/ ٤٠٠) فقال:
(١٢٦١) - حدّثنا محمَّد بن عبد اللهِ بن نُمَيْرٍ، ثنا أبي، ثنا إسماعيل بن أبي خَالِدٍ، عن قَيْسِ بن أبي حَازِمٍ، عن أبي مَسْعُودٍ، قال: قال رسول اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ من الناس، فإذا رَأَيْتُمُوهُ، فَقُومُوا فَصَلُّوا".
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن إسماعيل، فساقها البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى" (٣/ ٣٢٠) فقال:
(٦٠٩٢) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين، قالوا: ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعيّ، أنبأ سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ -، فقال الناس: "انكسفت الشمس لموت إبراهيم"، فقال النبيّ - ﷺ -: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله، وإلى الصلاة".
وأما رواية جرير بن عبد الحميد، فساقها الطبرانيّ - ﵀ - في "المعجم الكبير" (١٧/ ٢١١) مقرونًا بوكيع، فقال:
(٥٧٥) - حدّثنا الْحُسَيْنُ بن إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، ثنا عُثْمَانُ بن أبي شَيْبَةَ، ثنا جَرِيرٌ وَوَكِيعٌ، عن إِسْمَاعِيلَ بن أبي خَالِدٍ، عن قَيْسٍ، عن أبي مَسْعُودٍ، قال: قال رسول اللهِ - ﷺ -: "إن الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، ليس يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ الناس، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ من آيَاتِ اللهِ، فإذا رَأَيْتُمُوهَا، فَقُومُوا إلى الصَّلاةِ".
وأما رواية مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، فلم أجد من ساقها، فليُنظر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ ١٨ / ١١٥ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٧] (٩١٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَامَ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَقَامَ يُصَلِّي بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُ اللهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ، وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَلَاءِ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَقَالَ: "يُخَوِّفُ عِبَادَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادِ) بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) أبو كُريب، تقدَّم قبل باب.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة المذكور في السند الماضي.
٤ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ، عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - سنة (٥٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من خماسيات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّفاقهما في كيفيّة التحمل والأداء، كما أسلفته غير مرّة.
[ ١٨ / ١١٦ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي عامر، فما أخرج له البخاريّ إلا تعليقًا، وأما شيخه الثاني، فقد اتّفق الجماعة بالرواية عنه دون واسطة.
٣ - (ومنها): أنَّه مسلسل بثقات الكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ - ﵁ - أنَّه (قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَامَ فَزِعًا) بكسر الزاي، صفة مشبهة، ويجوز الفتح على أنَّه مصدر بمعنى الصفة، قاله في "الفتح"، ويَحْتَمِل أن يكون منصوبًا على أنَّه مفعول من أجله؛ أي: من أجل فَزَعه (يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ) بالرفع على أن "تكون" تامة؛ أي: يخشى أن تحضُر الساعة، أو ناقصة، و"الساعة" اسمها، والخبر محذوف، أو العكس.
قال الكرمانيّ - ﵀ -: وهذا تمثيل من الراوي كأنه قال: فَزِعًا كالخاشي أن تكون القيامة، وإلَّا فكان النبيّ - ﷺ - عالِمًا بأن الساعة لا تقوم، وهو بين أظهرهم، وقد وعده الله إعلاء دينه على الأديان كلها، ولم يبلغ الكتاب أجله.
ويَحْتَمِل أن يكون - ﷺ - جعل ما سيقع كالواقع إظهارًا لتعظيم شأن الكسوف، وتنبيهًا لأمته أنَّه إذا وقع بعده يخشون أمر ذلك، ويفزعون إلى ذكر الله، والصلاة، والصدقة؛ لأنَّ ذلك مما يدفع الله به البلاء، أفاده في "العمدة" (^١).
وقال في "الفتح": قيل: وفيه جواز الإخبار بما يوجبه الظنّ من شاهد الحال؛ لأنَّ سبب الفزع يخفى عن الْمُشاهِد لصورة الفزع، فيَحْتَمِل أن يكون الفزع لغير ما ذُكر، فعلى هذا، فيشكل الحديث من حيث إن للساعة مقدمات كثيرة، لم تكن وقعت، كفتح البلاد، واستخلاف الخلفاء، وخروج الخوارج،
_________________
(١) "عمدة القاري" ٧/ ٨٨.
[ ١٨ / ١١٧ ]
ثمَّ الأشراط، كطلوع الشمس من مغربها، والدابّة، والدجّال، والدخان، وغير ذلك.
ويجاب عن هذا باحتمال أن تكون قصة الكسوف وقعت قبل إعلام النبيّ - ﷺ - بهذه العلامات، أو لعلّه خشي أن يكون ذلك بعض المقدّمات، أو أن الراوي ظنّ أن الخشية لذلك، وكانت لغيره، كعقوبة تحدث، كما كان يخشى عند هبوب الريح.
هذا حاصل ما ذكره النوويّ تبعًا لغيره، وزاد بعضهم أن المراد بالساعة غير القيامة؛ أي: الساعة التي جعلت علامة على أمر من الأمور، كموته - ﷺ -، أو غير ذلك.
وفي الأوّل نظر؛ لأنَّ قصة الكسوف متأخرة جدًّا، فقد تقدَّم أن موت إبراهيم - ﵁ - كان في العاشر، كما اتَّفَقَ عليه أهل الأخبار، وقد أخبر النبيّ - ﷺ - بكثير من الأشراط، والحوادث قبل ذلك.
وأما الثالث، فتحسين الظنّ بالصحابي يقتضي أنَّه لا يجزم بذلك إلا بتوقيف.
وأما الرابع، فلا يخفى بُعْدُه، وأقربها الثاني، فلعله خشي أن يكون الكسوف مقدّمة لبعض الأشراط؛ كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل أن يتخلّل بين الكسوف والطلوع المذكور أشياء، مما ذُكر، وتقع متتالية، بعضها إثر بعض، مع استحضار قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ الآية [النحل: ٧٧].
قال الحافظ: ثمَّ ظهر لي أنَّه يَحْتَمِل أن يُخرّج على مسألة دخول النسخ في الأخبار، فإذا قيل بجواز ذلك زال الإشكال.
وقيل: لعله قدّر وقوع الممكن لولا ما أعلمه الله تعالى بأنّه لا يقع قبل الأشراط، تعظيمًا منه لأمر الكسوف، ليتبيّن لمن يقع له من أمته ذلك كيف يخشى، ويفزع، لا سيما إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط، أو أكثرها.
وقيل: لعلّ حالة استحضار إمكان القدرة غلبت على استحضار ما تقدم من الشروط؛ لاحتمال أن تكون تلك الأشراط كانت مشروطة بشرط، لم يتقدّم
[ ١٨ / ١١٨ ]
ذكره، فيقع المخوف بغير أشراط؛ لفقد الشرط، والله - ﷾ - أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الاحتمال الأخير هو الأقرب، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَقَامَ يُصَلِّي بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ) أي: في الزمان الماضي (ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ) إشارةٌ إلى الآيات التي تقع مثل الكسوف، والزلزلة، وهبوب الريح الشديدة، ونحوها، ففي كل واحدة منها تخويف الله تعالى لعباده، ويفهم من هذا أن المبادرة بالذكر والدعاء لا يختص بالكسوفين فقط.
(الَّتِي يُرْسِلُ اللهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ) هذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] (فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَافْزَعُوا) أي: الجئوا (إِلَى ذِكْرِهِ) الضمير يعود على الله تعالى في قوله: "يخوف بها عباده" (وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَاره") فيه أن الدعاء، والاستغفار عند الكسوف وغيره؛ لأنه مما يُدفَع به البلاء.
واستدلّ بذلك على أن الأمر بالمبادرة إلى الذكر، والدعاء، والاستغفار، وغير ذلك لا يختصّ بالكسوفين؛ لأنَّ الآيات أعمّ من ذلك.
قال الحافظ - ﵀ -: ولم يقع في هذه الرواية ذكر الصلاة، فلا حجة فيه لمن استحبّها عند كلّ آية. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ - ﵀ - حسن جدًّا.
وحاصله أنَّه ينبغي المبادرة عند رؤية الآيات إلى الذكر، والدعاء، والاستغفار، وأما أن يُصلَّى لها على صفة صلاة الكسوف فلا؛ لعدم الدليل على ذلك، والله تعالى أعلم.
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَلَاءِ) هو محمَّد بن العلاء، شيخه الثاني (كَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالكاف بدل قول أبي عامر: "خَسَفَت الشمس" بالخاء المعجمة، وهما بمعنى واحد (وَقَالَ) ابن العلاء أيضًا: ("يُخَوِّفُ عِبَادَهُ") بدل قول أبي عامر:
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
[ ١٨ / ١١٩ ]
"يخوّف بها عباده"، فحذف العائد مع جارّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١١٧] (٩١٢)، و(البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٥٩)، و(النسائيّ) في "الكسوف" (١٥٠٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٧١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٣٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤٧)، وفوائده تقدّمت غير مرّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٨] (٩١٣) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَرْمِي بِأَسْهُمِي فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَنَبَذْتُهُنَّ، وَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا يَحْدُثُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي انْكِسَافِ الشَّمْسِ الْيَوْمَ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَيُكَبِّرُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ، فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
[ ١٨ / ١٢٠ ]
٤ - (أَبُو الْعَلَاءِ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ) الْقَيسيّ الْجُريريّ البصريّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب، وقَطَن بن قَبِيصة بن الْمُخارق على خلاف فيه، وغيرهم.
وروى عنه سليمان التيميّ، وسعيد الْجُريريّ، وقتادة، وعوف الأعرابيّ على خلاف فيه.
قال النسائيّ في "الكنى": أبو العلاء حيّان بن عمير بصريّ ثقةٌ، وذكره ابن سعد، وقال: كان ثقةً قليل الحديث، وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وذكره البخاري في "فصل من مات بين التسعين والمائة".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَمُرَةَ) بن حبيب بن عبد شمس الْعَبْشميّ، أبو سعيد، أسلم يوم الفتح، يقال: اسمه عبد كُلال، وقيل: غير ذلك، فسماه النبيّ - ﷺ - عبد الرحمن، سكن البصرة، وهو الذي افتتح سِجِسْتان، وكابُل، وغيرهما، وشهد غزوة مُؤتة.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن معاذ بن جبل، وعنه حيّان بن عُمير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهِصّان بن كاهن، والحسن البصريّ، وأبو لَبِيد لِمَازَة بن زَبّار، وآخرون.
قال ابن سعد: استعمله عبد الله بن عامر على سِجِسْتان، وغزا خُراسان، ففتح بها فتوحًا، ثمَّ رجع إلى البصرة، فمات بها سنة خمسين، وكذا أرخه أبو موسى وغيره، وقال ابن عُفير: مات سنة خمسين، ويقال: سنة إحدى وخمسين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا برقم (٩١٣) وأعاده بعده، وحديث (١٦٤٨): "لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم"، و(١٦٥٢): "لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها … "، وأعاده بعده.
[ ١٨ / ١٢١ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أنَّه مسلسل بالبصريين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ) - ﵁ - أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) هي "بين" الظرفيّة زيدت عليها "ما"، وقد تقدَّم البحث فيها مستوفًى غير مرّة (أَنَا أَرْمِي) وفي الرواية التالية: "كنت أرتمي بأسهم لي بالمدينة"، وفي الرواية الثالثة: "بينما أنا أترمّى بأسهم لي"، وفي رواية النسائيّ: "أترامى"، قال في "اللسان": وخَرَجْتُ أَتَرَمَّى، وَخَرَج يَتَرَمَّى: إذا خَرَج يَرْمِي في الأغراض، وأصول الشجر، وفي حديث الكسوف: "خرجت أَرْتَمِي بأسهمي"، وفي رواية: "أترامَى"، يقال: رميتُ بالسهم رَمْيًا، وارتميتُ، وتَرَاميتُ تَرَامِيًا، ورَامَيتُ مُرَاماةً: إذا رميت بالسهام الْقِسِيَّ، وقيل: خرجتُ أرتَمِي: إذا رميت الْقَنَصَ، وأترمَّى: إذا خرجت تَرمي في الأهداف، ونحوها. انتهى (^١).
وكان يتعلم الرمي، امتثالًا للأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]؛ إذ القوّة معناها الرمي، كما فسرها النبيّ - ﷺ - به، فقد أخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وهو على المنبر: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوّة الرمي، ألا إن القوة الرمي".
وأخرج أحمد، وأصحاب السنن عنه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ارموا، واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا".
(بِأَسْهُمِي) جمع سَهْم: واحدُ النَّبْل، وقيل: نفسُ النَّصْل، ويُجْمَع على سهام (فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وقوله: (إِذِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ) جواب "بينما"،
_________________
(١) "لسان العرب" ١٤/ ٣٣٥.
[ ١٨ / ١٢٢ ]
وفي الرواية الثالثة: "إذ خَسَفت الشمس" (فَنَبَذْتُهُنَّ) وفي الرواية التالية: "فنبذتها"؛ أي: رميت الأسهُم، وطرحتها، وتركت الاشتغال بها، وفي رواية النسائيّ: "فجمعتهنّ" أي: جمعت الأسهُم؛ لئلا تضيع عليّ لو تركتها مفرَّقةً (وَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا يَحْدُثُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: حدث الشيءُ حُدُوثًا، من باب قعد: إذا تجدّد وجوده، فهو حادث، وحديث (^١)؛ أي: يتجدّد (لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي انْكِسَافِ الشَّمْسِ) "في" سببيّة؛ أي: بسبب انكسافها، أو بمعنى: "عند".
والمعنى: أن عبد الرحمن ظنّ أنَّه لا بُدّ أن يتجدّد للنبيّ - ﷺ - في هذا الكسوف شيء من السنن، فأراد أن ينظر إليه، وقد تحقّق ظنه في ذلك، كما أخبر بالآتي.
وقوله: (الْيَوْمَ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ"انكساف"، أو بـ"يحدُثُ"، وفي الرواية التالية: "فقلت: والله لأنظرنّ إلى ما حَدَثَ لرسول الله - ﷺ - في كسوف الشمس".
(فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ) أي: وصلت إلى النبيّ - ﷺ -، وفي رواية النسائيّ: "فَأَتَيْتُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَهُ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ" (وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال (يَدْعُو، وَيُكَبِّرُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ) أي: كُشف عنها، وفي الرواية التالية: "فأتيته، وهو قائم في الصلاة، رافع يديه، فجعل يسبّح، ويَحمَد، ويُهلّل، ويكبّر، ويدعو حتى حُسِر عنها"، فتبيّن بهذه الرواية أن التسبيح، والتكبير، والدعاء المذكور كان في الصلاة، وفيه استحباب التسبيح، والتكبير، والدعاء في صلاة الكسوف.
وقال النوويّ - ﵀ -: فيه دليل لأصحابنا في رفع اليدين في القنوت، وردٌّ على من يقول لا تُرفع الأيدي في دعوات الصلاة. انتهى.
(فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) وفي رواية النسائيّ: "قَالَ: ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى
_________________
(١) "المصباح" ١/ ١٢٤.
[ ١٨ / ١٢٣ ]
رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ"، وظاهره أنَّه صلى بعد انجلاء الشمس، وهو مخالف لسائر الأحاديث.
وقال النوويّ - ﵀ -: هذا مما يُستشكل، ويُظَنّ أن ظاهره أنَّه ابتدأ صلاة الكسوف بعد انجلاء الشمس، وليس كذلك، فإنَّه لا يجوز ابتداء صلاتها بعد الانجلاء، وهذا الحديث محمول على أنَّه وَجَده في الصلاة، كما صرح به في الرواية الثانية، ثمَّ جَمَع الراوي جميع ما جرى في الصلاة من دعاء، وتكبير، وتهليل، وتسبيح، وتحميد، وقراءة سورتين في القيامين الآخرين للركعة الثانية، وكانت السورتان بعد الانجلاء تتميمًا للصلاة، فتمّت جملة الصلاة ركعتين، أولها في حال الكسوف، وآخرها بعد الانجلاء، وهذا الذي ذكرته من تقديره لا بد منه؛ لأنه مطابقٌ للرواية الثانية، ولقواعد الفقه، ولروايات باقي الصحابة، والرواية الأولى محمولة عليه أيضًا؛ ليتفق الروايتان.
ونَقَل القاضي عن المازريّ أنَّه تأوله على صلاة ركعتين تطوعًا مستقلًّا بعد انجلاء الكسوف؛ لأنها صلاة كسوف، وهذا ضعيف، مخالف لظاهر الرواية الثانية، والله أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما أوَّلَ به المازريّ - ﵀ - أقرب، وأما تأويل النوويّ فلا يخفى تكلّفه، بل تردّه رواية النسائيّ المذكورة بلفظ: "ثم قام، فصلى ركعتين، وأربع سجدات"، فقوله: "وأربع سجدات" صريح في ردّ تأويله بأن معناه تمم الركعة الثانية؛ إذ ليس فيها إلا سجدتان، فظهر بهذا أنَّه إنما صلى بعد الانجلاء ركعتين كاملتين، فيهما ركوعان، وأربع سجدات، شكرًا لله تعالى في إزالته كسوف الشمس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الرحمن بن سمرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ٢١٧.
[ ١٨ / ١٢٤ ]
[فإن قلت]: كيف أخرجه المصنّف هنا، وفيه الْجُريريّ، وهو مختلطٌ، كما أسلفته آنفًا؟.
[قلت]: إنما أخرجه؛ لأنه من رواية بشر بن المفضّل، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، وتابعه عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وهو أيضًا ممن روى عنه قبل الاختلاط، وقد ذكرت في "عمدة المحتاط" أسماء الذين رووا عنه قبل اختلاطه، فقلت:
كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ … ثَلَاثَةً سِنِينَ حفْظُهُ هَبَطْ
وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا … قَبْلُ وَإِسْمَاعِيلُ سُفْيَانُ تَلَا
وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا … حَمَّادُ حَمَّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا
وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى … وَالثَّقَفِيْ وَابْنُ زُرَيْعٍ أَعْلَى (^١)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١١٨ و٢١١٩ و٢١٢٠] (٩١٣)، و(النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٦٠) و"الكبرى" (١٨٤١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٩٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٦١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٧٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٦٢ و٢٤٦٣ و٢٤٦٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ،
_________________
(١) "وهيب": هو ابن خالد، و"إسماعيل": هو ابن عليّة، و"سفيان": هو الثوري، و"معمر" هو: ابن راشد، و"عبد الوارث": هو ابن سعيد، و"حماد" الأوّل: هو ابن سلمة، والثاني: هو ابن زيد، و"بشر": هو ابن مفضّل، و"عبد الأعلى": هو ابن عبد الأعلى، و"الثقفيّ": هو عبد الوهاب بن عبد المجيد، و"ابن زُريع": هو يزيد.
[ ١٨ / ١٢٥ ]
وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ، فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَنَبَذْتُهَا، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ، رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو، حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا، قَالَ: فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا قَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الساميّ، أبو محمَّد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمٍ لِي) أي: أرمي الغرض، يقال: رمى، وارتمى بمعنى واحد.
وقوله: (حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا) بالبناء للمفعول، وهو بمعنى قوله في الرواية الماضية: "حتى جُلّي عن الشمس". وقوله: (قَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) ظاهر هذا الحديث أن صلاته هاتين الركعتين لم يكن لأجل أنها صلاة الكسوف؛ لأنه إنما صلى بعد الانجلاء، وهو الزمان الذي يفرغ فيه من العمل فيها؛ لأنه الغاية التي مدّ فِعْلَ صلاة الكسوف إليها بقوله: "فصلُّوا حتى ينجليا"، فلا حجة للكوفيين، غير أنَّه قد روى أبو داود من حديث النعمان بن بشير - ﵄ - قال: "كَسَفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فجعل يصلي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت"، وهذا معتمد قويّ للكوفيين، غير أن الأحاديث المتقدّمة أصحّ وأشهر، ويصحّ حمل هذا الحديث على أنَّه بَيَّن فيه جواز مثل هذه الصلاة في الكسوف، وإن كان المتقرّر في الأحاديث المتقدّمة هو السنّة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأولى سلوك مسلك الترجيح، لا
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٦٤.
[ ١٨ / ١٢٦ ]
مسلك الجمع بما ذُكر؛ لأنَّ الأحاديث الكثيرة في "الصحيحين" وغيرهما على خلاف حديث النعمان بن بشير - ﵄ -، فتُقدّم عليه، ومما يؤيّد ذلك كون الكسوف لم يقع في عهده - ﷺ - إلا مرّة واحدةً يوم مات إبراهيم ابنه - ﷺ -.
والحاصل أن أصحّ الكيفيّات لصلاة الكسوف أن تصلى ركعتين بأربع ركوعات، على ما في أكثر الروايات، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٠] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَتَرَمَّى بِأَسْهُمٍ لِي، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدَّم في الباب الماضي.
٢ - (سَالِمُ بْنُ نُوحِ) بن أبي عطاء، أبو سعيد العطّار البصريّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩] مات بعد المائتين (بخ م د ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٥/ ١٥٣٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا) فاعل ذَكَر ضمير سالم بن نوح؛ يعني أن سالم بن نوح ذكر عن الْجُرَيريّ نحو رواية بشر بن المفضّل، وعبد الأعلى كلاهما عنه.
[تنبيه]: رواية سالم بن نوح، عن الْجُريريّ هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٨ / ١٢٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢١] (٩١٤) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الحافظ المصريّ، تقدَّم قريبًا.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْقَاسِمِ) التيميّ، أبو محمَّد المدنيّ، ثقة جليلٌ [٦] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٢.
٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) التيميّ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ - الصحابي الشهير، مات - ﵁ - سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
وشرح الحديث، وفوائده واضحة تعلم مما سبق، وفيه:
مسألتان: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١٢١] (٩١٤)، و(البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٤٢) و"بدء الخلق" (٣٢٠١)، و(النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٦١)
[ ١٨ / ١٢٨ ]
و"الكبرى" (١٨٤٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٠٩ و١١٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٣١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٢] (٩١٥) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ، وَهُوَ ابْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: قَالَ: قَالَ زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللهَ، وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدَّم قبل باب.
٣ - (مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ) الْخَثعميّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩] (ت ٢٠٣) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٤/ ٢٨٨.
٤ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبت فاضلٌ [٧] (١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٥ - (زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ) - بكسر العين المهملة - الثَّعْلبيّ، أبو مالك الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالنصب [٣] (ت ١٣٥) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٨.
٦ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن معتّب الثقفيّ الصحابيّ الشهير، أسلم قبل الْحُديبية، وولِيَ إمرة البصرة، ثمّ الكوفة، مات سنة (٥٠) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
وشرح الحديث، وفوائده تقدّمت، وفيه:
[ ١٨ / ١٢٩ ]
مسألتان:
(المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١٢٢] (٩١٥)، و(البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٤٣ و١٠٦٠ و٦١٩٩)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (١٨٤٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٤٩ و٢٥٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٦٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٥٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
* * *
[ ١٨ / ١٣٠ ]