وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٤] (٩٢٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَاِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْر: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: غَرِيبٌ، وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ، لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً، يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ، إِذْ أَقَبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ، تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ، بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ؟ " فَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ، فَلَمْ أَبْكِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدَّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
_________________
(١) هكذا النسخة، والظاهر أنه غلطٌ، والصواب: "حدَّثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء … " إلخ، كما هو عند مسلم، فتنبّه.
[ ١٨ / ١٧٠ ]
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبث حجة إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٣.
٥ - (ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) هو: عبد الله بن أبي نَجِيح يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، مولى الأخنس ابن شَرِيق، ثقةٌ رُمي بالقدر، وربّما دلّس [٦].
رَوَى عن أبيه، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وطاووس، وجماعة.
وروى عنه شعبة، وأبو إسحاق، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، والسفيانان، وورقاء، وإبراهيم بن نافع، وعبد الله بن سعيد، وابن علية، وغيرهم.
قال وكيع: كان سفيان يصحح تفسير ابن أبي نَجِيح، وقال أحمد: ابن أبي نجيح ثقةٌ، وكان أبوه من خيار عباد الله، وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: ابن أبي نجيح عن مجاهد أحب إليك، أو خُصَيف؟ قال: ابن أبي نجيح، إنما يقال في ابن أبي نجيح القدرُ، وهو صالح الحديث.
وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقةً، كثير الحديث، ويذكرون أنه كان يقول بالقدر، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: قال يحيى بن سعيد: لَمْ يسمع ابن أبي نجيح التفسير من مجاهد، قال ابن حبان: ابن أبي نجيح نظير ابن جريجٍ في كتاب القاسم بن أبي بَزَّة عن مجاهد في التفسير، رويا عن مجاهد من غير سماع، وقال الساجيّ عن ابن معين: كان مشهورًا بالقدر، وعن أحمد بن حنبل قال: أصحاب ابن أبي نجيح قدريّةٌ كلهم، ولم يكونوا أصحاب كلام، وعن أيوب قال: أيَّ رجل أفسدوا؛ يعني ابن أبي نجيح، وقال العجليّ: مكيّ ثقةٌ، يقال: كان يرى القدر، أفسده عمرو بن عبيد، وقال أحمد: قال سفيان: لَمّا مات عمرو بن دينار، كان يفتي بعده ابن أبي نجيح، وذكره النسائيّ فيمن كان يدلِّس.
قال ابن عيينة: مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقال ابن المدينيّ: سنة (٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٦ - (أَبُوهُ) أبو نَجِيح يسار الثقفيّ مولى الأخنس بن شَرِيق المكيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣].
[ ١٨ / ١٧١ ]
رَوَى عن معاوية، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وابن عمر، وعبيد بن عمير، وغيرهم، وأرسل عن عمر، وسعد، وقيس بن سعد بن عبادة، ومخرمة بن نوفل.
وروى عنه ابنه عبد الله، وعمرو بن دينار، وهارون بن رئاب، وعبد الرَّحمن بن خضير.
قال وكيع: ثقةٌ، وقال الميمونيّ عن أحمد: ابن أبي نجيح ثقةٌ، وكان أبوه من خيار عباد الله تعالى، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن أبي نجيح، والد عبد الله، فقال: يسار مكيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث.
قال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة تسع ومائة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، قاصّ أهل مكة، مجمع على ثقته [٢] (ت ٦٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٧٣.
٨ - (أُمُّ سَلَمَةَ) - ﵂ - تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما أسلفناه غير مرّة.
٢ - (ومنها): مسلسلٌ بالمكيين من ابن عيينة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْر) الليثيّ أنه (قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) - ﵂ - (لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ) زوجها - ﵁ - (قُلْتَّ: غَرِيب) خبر لمحذوف؛ أي: هو رجل غريب (وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ) بالإضافة؛ أي: لأنه كان مكيًّا هاجر إلى المدينة، ومات بها؛ أي: فليس معه من يبكيه غيري، فمرادها بهذه الجملة تعليل بكائها الهائل الذي عزمت عليه، وقولها: (لَأَبْكِيَنَّهُ) بتشديد النون جواب لقسم محذوف، والله
[ ١٨ / ١٧٢ ]
لأبكينّه (بُكَاءً) أي: شديدًا، فالتنوين للتعظيم (يُتَحَدَّثُ عَنْهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يَتَحدّث الناس به، ويتعجّبون منه؛ لشدّته، قال القرطبيّ - ﵀ -: أرادت أن تنوح عليه نياحة شديدة، وذلك منها على ما كانوا عليه من النياحة، والاجتماع لها قبل أن يبلغها تحريم النياحة. انتهى.
(فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ) أي: بالقصد والعزيمة، وتهيئة أسباب الحزن من الثياب السود وغيرها، مما تُعدّه النائحة وتهيّؤه.
قال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "فكنت … إلخ "الفاء متّصلة بقولها: "قلتُ"؛ أي: قلت عقب ما تهيّأت للبكاء، ولا يجوز أن تتصل بالقول إلَّا مع الواو؛ ليكون حالًا. انتهى (^١).
وقال ابن حجر الهيتميّ - ﵀ -: قوله: "فكنت … إلخ" عطف على "قلت"؛ أي: عقب قولي ذلك وقع مني تمام التهيّء. انتهى (^٢).
(إِذْ أقَبَلَتِ امْرَأَةٌ) "إذ" ظرف لـ "تهيّأتُ"، أو لـ "قلت"، وفي رواية البيهقيّ: "فلما تهيّأت للبكاء عليه إذا امرأة تريد أن تأتيني"، وفي أخرى له: "فبينا أنا كذلك، قد تهيّأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة".
[تنبيه]: هذه المرأة لا تُعرف، قاله في "التنبيه" (^٣).
(مِنَ الصَّعِيدِ) أصل الصعيد أعالي الأرض، والمراد هنا عوالي المدينة، ومنه صعيد مصر؛ أي: أعلى بلادها. انتهى (^٤). (تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي) بضم أوله، من الإسعاد، وهو الإعانة؛ أي: تساعدني في البكاء والنوح، وتوافقني عليه، وقال ابن الأثير - ﵀ -: هو إسعاد النساء في المناحات، تقوم المرأة، فتقوم معها أخرى من جاراتها، فتساعدها على النياحة. انتهى (^٥).
(فَاسْتَقْبَلَهَا) أي: تلك المرأة التي أرادت أن تُسعدها على البكاء، ولعله - ﷺ - كان داخل البيت، فقد سبق في الرواية: "أنه - ﷺ - دخل على أبي سلمة، وقد شقّ بصره، فأغمضه" (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَالَ) لَمّا علم أنَّها تريد
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٤٢٧.
(٢) انظر: "المرعاة" ٥/ ٤٩٥.
(٣) راجع: "تنبيه المعلم" ص ١٧٣.
(٤) "المفهم" ٢/ ٥٧٤.
(٥) "النهاية" ٢/ ٣٦٦.
[ ١٨ / ١٧٣ ]
إسعادها: ("أَتُرِيدِينَ) أيَّتُها المرأة بإعانتك على المعصية، والاستفهام إنكاريّ وتوبيخيّ، ولعله - ﷺ - علم ما أرادت تلك المرأة من إسعادها بالبكاء بالوحي (أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ) أي: أن تكوني سببًا لدخوله (بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللهُ) أي: الشيطان (مِنْهُ) أي: من ذلك البيت، وأبعده من إغواء أهله (مَرَّتَيْنِ؟ ") قال القرطبيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل ذلك - والله أعلم - أن يكون بسبب صحّة إسلام أبي سلمة، وحسن هجرته. انتهى (^١).
وقال الطيبيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يراد بالمرّة الأولى يوم دخوله في الإسلام، وبالثانية يوم خروجه من الدنيا مسلمًا، ويحتمل أن يراد به التكرير؛ أي: أخرجه الله تعالى إخراجًا بعد إخراج، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ الآية [الملك: ٤].
وقيل: يَحْتَمل أن يراد بالمرة الأولى هجرته من مكة إلى الحبشة، وبالثانية هجرته إلى المدينة، فإنه من ذوي الهجرتين.
واستظهره صاحب "المرعاة" أن يكون "مرّتين" متعلِّقًا ب "قال"؛ أي: قال - ﷺ - هذا الكلام، وأعاده لكمال الاهتمام مرّتين.
(فَكَفَفْتُ) يقال: كفّ عن الشيء كفًّا، من باب نصر: إذا تركه، وهو عطف على مقدَّر؛ أي: قال رسول الله - ﷺ - كذا، فانزجرت، وكففت؛ أي: منعت نفسي (عَنِ الْبُكَاءِ) وقولها: (فَلَمْ أَبْكِ) أي: البكاء المذموم، وهو الذي يصاحبه صراخ وعويل، ونياحة، وندب، قال البيهقيّ - ﵀ -: هذا في بكاء يكون معه ندب، أو نياحة. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أمّ سلمة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٢١٣٤] (٩٢٢)، و(الحميديّ) في "مسنده"
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٧٤ - ٥٧٥.
[ ١٨ / ١٧٤ ]
(٢٩١)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٨٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٦٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٦٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم البكاء المشتمل على النياحة.
٢ - (ومنها): بيان تحريم المساعدة في ذلك؛ لأنه إعانة على المعصية، قال الله - ﷿ -: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
٣ - (ومنها): بيان فضل بيت أبي سلمة، وأم سلمة، حيث أخرج الله تعالى عنه الشيطان، فلا يستطيع أن يتسلط على أهله بالإغواء، والإضلال، وهذا كما قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥].
٤ - (ومنها): بيان أن النهي عن المنكر يكون بالحكمة، وذلك ببيان الضرر المترتّب عليه، فإن هذه المرأة ما نهاها النبيّ - ﷺ - فقط، بل بيّن لها أنَّها إذا فعلت ذلك أدخلت الشيطان في بيت أخرجه الله منه، وهذا هو الضرر العظيم، فينبغي للآمر بالمعروف أن يبيّن محاسن المعروف الذي يأمر به، وما يترتّب عليه من المثوبة والأجور، وكذا ينبغي للناهي عن المنكر أن يبيّن مساوي ذلك المنكر، وما يترتّب عليه من المفاسد، والمضارّ، والعقوبات؛ لأن ذلك أدعى للقبول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٥] (٩٢٣) - (حَدَّثَنَا (^١) أبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّاد - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ، وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًا لَهَا، أَوِ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: "ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَأَخْبِرْهَا أَنَّ للهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَي، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ"، فَعَادَ الرَّسُولُ،
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١٨ / ١٧٥ ]
فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَت لَتَأْتِيَنَّهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيَّ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، كَأَنَّهَا في شَنَّةٍ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "هَذ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ في قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين، تقدَّم قريبًا.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدِ) بن درهم الأزديّ الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) عن (٨١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (عَاصِمُ الْأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرَّحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرَّحمن بن ملّ الكوفيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ مخضرم، من كبار [٢] (ت ٩٥) أو بعدها، وعاش (١٣٠) أو أكثر (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٥ - (أُسَامَةُ بْنُ زيدِ) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، أوأبو زيد، الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد علّق له البخاريّ، ولم يُخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن صحابيه ذو مناقبّ جمّة، حبٍّ رسول وابن حِبِّه - ﵄ -، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عنه، قال: كان رسول الله - ﷺ - يأخذني فيُقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما، ثم يقول: "اللهم ارحمهما، فإني أرحمهما"، والله تعالى أعلم.
[ ١٨ / ١٧٦ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ) وفي رواية للبخاري في أواخرِ "الطبّ" من طريق شعبة، عن عاصم، قال: سمعت أبا عثمان (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زْيدٍ) - ﵄ - أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ) هي زينب، كما وقع في رواية أبي معاوية، عن عاصم المذكور في "مصنّف ابن أبي شيبة"، وكذا ذكره ابن بشكوال (تَدْعُوهُ) جملة في محلّ نصب على الحال (وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا، أَوْ) للشكّ من الراوي (ابْنًا لَهَا) قيل: هو عليّ بن أبي العاص بن الربيع، وهو من زينب، كذا كتب الدمياطيّ بخطه في "الحاشية".
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه لَمْ يقع مسمّى في شيء من طرق هذا الحديث، وأيضًا فقد ذكر الزبير بن بكّار وغيره، من أهل العلم بالأخبار أن عليًّا المذكور عاش حتى ناهز الحُلُم، وأن النبيّ - ﷺ - أردفه على راحلته يوم فتح مكة، ومثل هذا لا يقال في حقه صبيّ عرفًا، وإن جاز من حيث اللغة.
قال: ووجدت في "الأنساب" للبلاذريّ أن عبد الله بن عثمان بن عفّان من رقية بنت النبيّ - ﷺ - لَمّا مات وضعه النبيّ - ﷺ - في حجره، وقال: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء".
وفي "مسند البزّار" من حديث أبي هريرة، قال: ثقل ابن لفاطمة، فبعثت إلى النبيّ - ﷺ -، فذكر نحو حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء، فعلى هذا، فالابن المذكور محسن بن عليّ بن أبي طالب، وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيرًا، في حياة النبيِّ - ﷺ -، فهذا أولى أن يفسّر به الابن إن ثبت أن القصّة كانت لصبيّ، ولم يثبت أن المرسلة زينب، لكن الصواب في حديث الباب أن المرسلة زينب، وأن الولد صبيّة، كما اثبت في "مسند أحمد"، عن أبي معاوية، بالسند المذكور، ولفظه: "أُتِي النبيُّ - ﷺ - بأمامة بنت زينب"، زاد سعدان بن نصر في الثاني من حديثه، عن أبي معاوبة بهذا الإسناد: "وهي لأبي العاص بن الربيع، ونفسها تقعقع، كأنها في شنّ"، فذكر حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة، وهكذا أخرجه أبو سعيد ابن الأعرابيّ في "معجمه"، عن سعدان، ووقع في رواية بعضهم "أُميمة" بالتصغير، وهي أمامة المذكورة، فقد اتفق أهل العلم بالنسب أن زينب لَمْ تلد لأبي العاص إلَّا عليًّا، وأمامة فقط.
[ ١٨ / ١٧٧ ]
وقد استُشكِل ذلك، من حيث إن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن أمامة بنت أبي العاص من زينب بنت النبيّ - ﷺ -، عاشت بعد النبيّ - ﷺ -، حتى تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، ثم عاشت عند عليّ حتى قُتل عنها.
ويجاب بأن المراد في حديث الباب: "أن ابنا لي قُبض"؛ أي: قارب أن يُقبض، ويدلّ على ذلك أن في رواية حماد: "أرسلت تدعوه إلى ابنها في الموت"، وفي رواية شعبة: "أن ابنتي قد حُضِرَت"، وهو عند أبي داود من طريقه: "أن ابني"، أو "ابنتي"، وقد قدَّمنا أن الصواب قول من قال: "ابنتي"، لا "ابني".
ويؤيّده ما رواه الطبرانيّ في ترجمة عبد الرَّحمن بن عوف، في "المعجم الكبير" من طريق الوليد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، قال: "استُعِزَّ بأمامة بنت أبي العاص، فبَعَثَت زينب بنت رسول الله - ﷺ - إليه، تقول له … "، فذكر نحو حديث أسامة، وفيه مراجعة سعد في البكاء، وغير ذلك. وقوله في هذه الرواية: "استُعِزّ" - بضم المثناة، وكسر المهملة، وتشديد الزاي -: أي اشتدّ بها المرض، وأشرفت على الموت.
قال: والذي يظهر لي أن الله تعالى أكرم نبيّه - ﷺ - لَمَا سَلَّمَ لأمر ربه، وصبّر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة، والشفقة، بأن عافى الله ابنة ابنته في ذلك الوقت، فخَلَصَت من تلك الشدّة، وعاشت تلك المدَّة، وهذا ينبغي أن يُذكَر في دلائل النبوّة، والله المستعان. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الجمع بين هذه الروايات بتعدد الواقعة أولي، من تخطئة الرواية الصحيحة، فالصواب في حديث الباب أن المحتضر "ابن"، لا "ابنة"، كما هو نصّ حديث الباب.
ثم رأيت القسطلّانيّ نقل عن البرماويّ بأنه جمع بين ذلك باحتمال تعدد الواقعة في بنت، أو بنتين، أرسلت زينب في عليّ، أو أمامة، أو رقيّةُ في عبد الله بن عثمان، أو فاطمة في ابنها محسن بن عليّ. انتهى. والله تعالى أعلم.
(فِي الْمَوْتِ) أي: في الاحتضار للموت، وفي رواية البخاريّ: "إن ابنًا
[ ١٨ / ١٧٨ ]
لي قُبِضَ فأتنا" وهو بالبناء للمفعول؛ أي: قرُب من أن يُقبَض؛ أي: هو في حالة القبض، ومعالجة الروح، فأطلقت القبض مجازًا، باعتبار أنه في حالة كحالة النزع.
(فَقَالَ) - ﷺ - (لِلرَّسُولِ) أي: للرجل الذي أرسلته ابنته ("ارْجِعْ إِلَيْهَا) وفي رواية البخاريّ: "فَأَرْسَلَ، يَقْرَأ السَّلَامَ، ويقول: إن لله ما أخذ … " (فَأَخْبِرْهَا أَنَّ للهِ) بفتح همزة "أنّ"، فهو بتقدير جر الجرّ؛ أي: بأن لله (مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى) أي: فلا حيلة إلَّا الصبر، وقدّم ذكر الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخرًا في الواقع؛ لأن المقامَ يقتضيه، والمعنى أن الذي أراد أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجزع؛ لأن مُستَودَعَ الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميت، أو ثوابهم على المصيبة، أو ما هوأعمّ من ذلك. أفاده في "الفتح".
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "إن لله ما أخذ": معناه الحثّ على الصبر، والتسليم لقضاء الله تعالى، وتقديره أن هذا الذي اخذ منكم كان له، لا لكم، فلم يأخذ إلَّا ما هو له، فينبغي أن لا تَجزَعوا، كما لا يجزع من استُرِدّت منه وديعةٌ أو عاريةٌ.
وقوله: "وله ما أعطى": معناه: أن ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو - ﷿ - يفعل فيه ما يشاء. انتهى.
ولفظ "ما" في الموضعين مصدريّة؛ أي: إن لله الأخذ والإعطاء، ويحتمل أن تكون موصولة، والعائد محذوف؛ للدلالة على العموم، فعلى الأول التقدير إن لله الأخذَ والإعطاءَ؛ أي: أخذ الأولاد، وإعطاءهم، أو ما هوأعمّ من الأولاد، وعلى الثاني: إن لله الذي أخذه من الأولاد، وله الذي أعطى منهم، أو ما هو أعمّ من ذلك.
(وَكُلُّ شَيْءٍ) أي: من الأخذ والإعطاء، أو من الأنفس، أو ما هوأعمّ من ذلك (عِنْدَهُ) - ﷿ - (بِأَجَلٍ مُسَمًّى) أي: مقدَّر بأجل معلوم، و"الأجل" يطلق على الحدّ الأخير، وعلى مجموع العمر.
وقال النوويّ - ﵀ -: معنى قوله: "وكل شيء عنده بأجل مسمى":
[ ١٨ / ١٧٩ ]
اصبروا، ولا تجزعوا، فإن كل من مات قد انقضى أجله المسمى، فمحال تقدّمه أو تأخّره عنه، فإذا علمتم هذا كله فاصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم، وهذا الحديث من قواعد الإسلام المشتملة على جُمَل من أصول الدين، وفروعه، والآداب. انتهى.
(فَمُرْهَا) أي: بالصبر والاحتساب (فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ") أي: تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليُحْسَبَ لها ذلك من عملها الصالح.
(فَعَادَ الرَّسُولُ) أي: رجع من عندها إلى النبيّ - ﷺ - (فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ أقسَمَتْ) أي: حلفت بالله (لَتَأْتِيَنَّهَا) بفتح اللام، ونون التأكيد المشددة، والجملة جواب القسم (قَالَ) أسامة (فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -) ووقع في حديث عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - عند الطبرانيّ أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة، وكأنها ألَحَّت عليه في ذلك دفعًا لما يظنه بعض أهل الجهل أنها ناقصة المكانة عنده، أوألهمها الله تعالى أن حضور نبيّه - ﷺ - عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم ببركة دعائه، وحضوره، فحقّق الله ظنها.
والظاهر أنه امتنع أوّلًا مبالغة في إظهار التسليم لربه، أو ليبيّن الجواز في أن من دُعي لمثل ذلك لم تجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة مثلًا.
(وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) ذُكر منهم في غير هذه الرواية عبادةُ بن الصامت، وعبد الرحمن بن عوف، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْب - ﵃ -، قال أسامة - ﵁ -: (وَانْطَلَقْتُ) أي: ذهبت (مَعَهُمْ) أي: مع النبيّ - ﷺ -، والصحابة المذكورين (فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول، قال في "الفتح": كذا هنا بالراء، وفي رواية حماد "فدُفع" بالدال، وبيّن في رواية شعبة أنه وُضع في حجره - ﷺ -.
وفي هذا السياق حذف، والتقدير: فمشينا، إلى أن وصلنا إلى بيتها، فاستأذنّا، فأُذن لنا، فدخلنا، فرُفِع، ووقع بعض هذا المحذوف في رواية عبد الواحد، ولفظه: "فلما دخلنا، ناولوا رسول الله - ﷺ - والصبيّ … " (إِلَيْهِ) - ﷺ - (الصَّبِيُّ) وقوله: (وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ) أصله "تتقعقع" فحُذف منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ [عبس: ٦]، وقوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
[ ١٨ / ١٨٠ ]
ومعناه: تضطرب، وتتحرّك، ولا تثبت على حالة واحدة، كذا في "النهاية"، وقال في "الفتح": القعقعة صوت الشيء اليابس إذا حُرّك، والجملة في محلّ نصب على الحال من "الصبيّ".
وقال القرطبيّ: قال الهرويّ: يقال: تقعقع الشيء: إذا اضطرب وتحرّك، ويقال: إنه ليتقعقع لَحْياه من الكِبَر، وقال غيره: القعقعة هنا صوت النفَس، وحشرجة الصدر، ومنه قعقعة الجلود والترسة والأسلحة، وهي أصواتها. انتهى (^١).
(كَأَنَّهَا) أي: نفسه (في شَنَّةٍ) بفتح المعجمة، وتشديد النون: القِرْبة الخَلَقَة اليابسة، شبّه البدن بالجلد اليابس الخَلَق، وحركةَ الروح فيه بما يُطرح في الجلد من حصاة ونحوها، ووقع في رواية عند البخاريّ: "حسبتُ كأنها شنّ"، وعلى هذا، فكأنه شبّه النفس بنفس الجلد، وهوأبلغ في الإشارة إلى شدة الضعف، وذلك أظهر في التشبيه، أفاده في "الفتح".
(فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) أي: سالت بالدموع عينا رسول الله - ﷺ - (فَقَالَ لَهُ سَعْذ) أي: ابن عبادة المتقدّم، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق عبد الواحد: "فقال عبادة بن الصامت"، والصواب ما في "الصحيح"، قاله في "الفتح" (مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: أيّ شيء هذا البكاء الذي نشاهده منك؟، وفي رواية للبخاريّ: "فقال سعد بن عبادة: أتبكي؟ "، وزاد أبو نعيم في "المستخرج": "وتنهى عن البكاء".
وقال النوويّ ﵀: قوله: "ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا؟ … إلخ": معناه: أن سعدًا - ﵁ - ظنّ أن جميع أنواع البكاء حرام، وأن دمع العين حرامٌ، وظنّ أن النبيّ - ﷺ - نسي، فذكّره، فأعلمه النبيّ - ﷺ - أن مجرّد البكاء، ودمع العين، ليس بحرام، ولا مكروه، بل هو رحمة، وفضيلة، وإنما المحرّم النوح، والندب، والبكاء المقرون بهما، أو بأحدهما. انتهى (^٢).
(قَالَ) - ﷺ -: ("هَذِه رَحْمَةٌ) أي: الدمعة التي تشاهدونها أثر رحمة من الله
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٧٥.
(٢) "شرح النووي" ٦/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
[ ١٨ / ١٨١ ]
تعالى، وفي رواية: "هذا رحمة" بتذكير الإشارة؛ أي: هذا الدمع الذي تراه أثر رحمة من الله تعالى.
وقال القرطبيّ رحم الله: قوله: "هذه رحمة": أي هذه رقّة يجدها الإنسان في قلبه، تبعثه على البكاء من خشية الله، وعلى أفعال البرّ والخير، وعلى الشفقة على المبتلَى والمُصاب، ومن كان كذلك جازاه الله برحمته، وهو المعنيّ بقوله - ﷺ -: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء"، وضدّ ذلك القسوة في القلوب الباعثةُ على الإعراض عن الله تعالى، وعن أفعال الخير، ومن كان كذلك قيل فيه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢]. انتهى (^١).
(جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلوبِ عِبَادِهِ) أي: إن الذي يَفيض من الدمع من حزن القلب بغير تعمّد من صاحبه، ولا استدعاء منه، لا مؤاخذة عليه، وإنما المنهيّ عنه الجزع، وعدم الصبر.
(وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَابٍ الرُّحَمَاءَ") وفي رواية للبخاريّ في "كتاب الطبّ": "ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء".
و"مِنْ" في قوله: "من عباده" بيانية، وهي حال من المفعول، وهو "الرحماء"، وقُدِّم عليه ليكون أوقع، و"الرحماء": جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمة الله تختصّ بمن اتصف بالرحمة، وتحقّق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمرو، عند أبي داود وغيره: "الراحمون يرحمهم الرحمن"، و"الراحمون" جمع راحم، فيدخل كلّ مَن فيه أدنى رحمة.
وقد ذكر الحربيّ مناسبة الإتيان بلفظ "الرحماء" في حديث الباب بما حاصله: أن لفظ الجلالة دالّ على العظمة، وقد عُرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فلما ذُكر هنا ناسب ذكر من كثرت رحمته، وعظمته، ليكون الكلام جاريًا على نسق التعظيم، بخلاف الحديث الآخر، فإن لفظ الرحمن دال على العفو، فناسب أن يُذكر معه كلّ ذي رحمة، وإن قلّت، والله تعالى أعلم، ذكره في "الفتح" (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٧٥ - ٥٧٦.
(٢) "الفتح" ٤/ ٣٨.
[ ١٨ / ١٨٢ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد - ﵄ - هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٦/ ٢١٣٥ و٢١٣٦) (٩٢٣)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٨٤) و"المرضى" (٥٦٥٥) و"القدر" (٦٦٠٢) و"الأيمان والنذور" (٦٦٥٥) و"التوحيد" (٧٣٧٧ و٧٤٤٨)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٢٥)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (١٨٦٨) و"الكبرى" (١٩٩٥)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٨٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٠٤ و٢٠٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٦٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٦٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الحثّ على الاحتساب، والصبر عند نزول المصيبة.
٢ - (ومنها): مشروعيّة استحضار أهل الفضل، والصلاح عند المحتضر؛ ليدعوا له، وجواز القسم عليهم لذلك.
٣ - (ومنها): جواز المشي إلى التعزية، والعيادة بغير إذن، بخلاف الوليمة.
٤ - (ومنها): جواز إطلاق اللفظ الموهم لما وقع على ما سيقع، وذلك حيث قالت: "إن ابنًا لي قُبض"، مبالغةً في ذلك؛ لينبعث خاطر المسؤول في المجيء للإجابة إلى ذلك.
٥ - (ومنها): مشروعيّة إبرار القسم.
٦ - (ومنها): أَمْرُ صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع، وهو مستشعر بالرضا، مقاومًا للحزن بالصبر.
٧ - (ومنها): إخبار من يُسْتَدْعَى بالأمر الذي يُسْتَدْعَى من أجله.
٨ - (ومنها): تقديم السلام على الكلام.
٩ - (ومنها): عيادة المريض، ولو كان مفضولًا، أو صبيًّا صغيرًا.
١٠ - (ومنها): أن أهل الفضل لا ينبغي أن يَقطعوا الناس عن فضلهم، ولو رَدُّوا أول مرة.
[ ١٨ / ١٨٣ ]
١١ - (ومنها): استفهام التابع من إمامه عما أشكل عنيه، مما يتعارض ظاهره.
١٢ - (ومنها): حسن الأدب في السؤال، لتقديمه قوله: "يا رسول الله" على الاستفهام.
١٣ - (ومنها): الترغيب في الشفقة على خلق الله، والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب، وجمود العين.
١٤ - (ومنها): جواز البكاء من غير نوح ونحوه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية- إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم البكاء على الميت:
قال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب": قال الشافعيّ، والأصحاب: البكاء على الميت جائز قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى؛ لحديث جابر بن عَتِيك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - جاء يعود عبد الله بن ثابت … الحديث، حديث صحيح أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ وغيرهم (^١).
_________________
(١) قال الإمام أبو داود ﵀ (٣١١١): حدّثنا القعنبيّ، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عَتيك، عن عتيك بن الحارث بن عتيك، وهو جدّ عبد الله بن عبد الله أبوأمه، أنه أخبره أن عمة جابر بن عتيك أخبره، أن رسول الله - ﷺ - جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلِب، فصاح به رسول الله - ﷺ -، فلم يجبه، فاسترجع رسول الله - ﷺ -، وقال: "غُلِبنا عليك يا أبا الربيع"، فصاح النسوة، وبَكَين، فجعل ابن عتيك يُسَكِّتهن، فقال رسول الله - ﷺ -: "دعهنّ، فإذا وجب، فلا تبكين باكية"، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: "الموت"، قالت ابنته: والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدًا، فإنك كنت قد فضيت جهازك، قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله ﷿ قد أوقع أجره على قدر نيته، وما تعدون الشهادة؟ " قالوا: القتل في سبيل الله تعالى، قال رسول الله - ﷺ -: "الشهادة سبع، سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بِجُمْع شهيد". انتهى.
[ ١٨ / ١٨٤ ]
ولفظ الشافعيّ في "الأمّ": وأُرخص في البكاء قبل الموت، فإذا مات أمسكن، وقال صاحب "الشامل" وطائفة: يكره البكاء بعد الموت؛ لظاهر الحديث في النهي، ولم يقل الجمهور: يكره، وإنما قالوا: الأولى تركه، قالوا: وهو مراد الحديث، ولفظ الشافعيّ مُحْتَمِلٌ، هذا كلّه في البكاء بلا ندب، ولا نياحة، أما الندب والنياحة، ولَطْم الخدود، وشقّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونَشْرُ الشَّعْر، والدعاء بالويل والثبور، فكلها محرّمة باتفاق الأصحاب، وصرّح الجمهور بالتحريم، ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة، وكذا وقع لفظ الكراهة في نصّ الشافعيّ في "الأمّ"، وحَمَلَها الأصحاب على كراهة التحريم، وقد نقل جماعةٌ الإجماعَ في ذلك. قال إمام الحرمين - ﵁ -: ورَفعُ الصوت بإفراط في معنى شقّ الجيب، قال غيره: هذا إذا كان مختارًا، فإن كان مغلوبًا لم يُؤاخَذ به؛ لأنه غير مكلّف، وأما قول الشافعيّ ﵀ في "الأمّ": وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء، فمراده الجلوس للتعزية. انتهى كلام النَّوويّ ﵀ (^١).
وقال الحافظ أبو عمر ﵀ في "التمهيد": وفي نهي جابر بن عتيك للنساء عن البكاء دليل على أنه قد كان سمع النهي عن ذلك، فتأوّله على العموم، فقال له رسول الله - ﷺ -: "دعهنّ -يعني يبكين حتى يموت- ثم لا تبكينّ باكية"، يريد- والله أعلم- لا تبكينّ نياحًا، ولا صِيَاحًا بعد وجوب موته، وعلى هذا جمهور الفقهاء أنه لا بأس بالبكاء على الميت، ما لم يُخلَط ذلك بنُدْبهّ، وبنياحة، وشقّ جيب، ونشر شَعْرٍ، وخَمْش وجه. قال ابن عباس - ﵄ - في مثل هذا من بكاء العين، دون نياحة: اللهُ أضحك، وأبكى.
وقال في "الاستذكار" ما حاصله: الصِّيَاح، والنَّيَاحة لا يجوز شيء منه بعد الموت، وأما دمع العين، وحزن القلب، فالسنّة ثابتة بإباحته، وعليه جماعة العلماء. بكى رسول الله - ﷺ - على إبراهيم ابنه، وقال: "إنها رحمة"، أخرجه مسلم.
_________________
(١) راجع: "المجموع" ٥/ ٢٨٠ - ٢٨١.
[ ١٨ / ١٨٥ ]
وبَكَى على زينب ابنته، فقيل له: تبكي؟ فقال: "إنما هي رحمة، جعلها الله في قلوب عباده"، أخرجه أبو داود.
وعن أنس - ﵁ -: "أن النبيّ - ﷺ - نَعَى جعفرًا، وزيدًا، وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجيء خبرهم، وعيناه تَذْرِفَان"، أخرجه البخاري.
وعن أبي هريرة - ﵁ -: "زار رسول الله - ﷺ - قبر أمه، فبكى، وأبكى مَن حوله"، أخرجه مسلم.
وروى أبو إسحاق السبيعيّ، عن عامر بن سعد البجليّ، عن أبي مسعود الأنصاريّ، وثابت بن زيد، وقَرَظَة بن كعب، قالوا: رُخّص لنا في البكاء على الميت من غير نَوْح.
وثبت عن النبيّ - ﷺ - أنه نَهَى عن النَّوْح من حديث عمر، وعليّ، والمغيرة، وأم عطيّة، وأم سلمة، وأبي مالك الأشعريّ، وأبي هريرة، وغيرهم - ﵃ -، وأجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال والنساء، ورخّص الجمهور في بكاء العين في كلّ وقت.
وقد أخرج أحمد، وابن ماجه، واللفظ لأحمد بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ -، لما رجع من أُحد، سمع نساء الأنصار، يبكين على أزواجهن، فقال: "لكن حمزة لا بواكي له"، فبلغ ذلك نساء الأنصار، فجئن يبكين على حمزة، قال: فانتبه رسول الله - ﷺ - من الليل، فسمعهنّ، وهنّ يبكين، فقال: "ويحَهُنّ، لم يزلن يبكين بعدُ، منذ الليلة، مُرُوهن، فليرجعن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم".
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: مُرّ على النبيّ - ﷺ - بجنازة يُبكَى عليها، وأنا معه، وعمر بن الخطاب. . . الحديث (^١). انتهى كلام الحافظ
_________________
(١) الحديث أخرجه النسائيّ بسنده، عن سلمة بن الأزرق، قال: سمعت أبا هريرة قال: مات ميت من آل رسول الله - ﷺ -، فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر ينهاهنّ، ويطردهن، فقال رسول الله - ﷺ -: "دعهنّ يا عمر، فإن العين دامعة، والقلب مُصَابٌ، والعهد قريبٌ"، والحديث صحيح، وقد ضعفه بعضهم؛ لجهالة سلمة بن الأزرق، لكن الحقّ أنه معروف، قد عرفه ابن عمر، واعتمد عليه، راجع=
[ ١٨ / ١٨٦ ]
أبي عمر ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ومن الأحاديث الدّالّة على إباحة البكاء دون النوح حديث جابر - ﵁ - في قصّة استشهاد أبيه في غزوة أُحد، فقد أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: لَمّا قُتِل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه أبكي، وينهوني عنه، والنبيّ - ﷺ - لا ينهاني، فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبيّ - ﷺ -: "تبكين، أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه".
ومنها: حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: "زار النبيّ - ﷺ - قبر أمه، فبكى، وأبكى من حوله … . " الحديث، أخرجه مسلم، وسيأتي.
ومنها: حديث أنس - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - ذَرَفَت عيناه لَمّا جعل ابنه إبراهيم في حجره، وهو يجود بنفسه، فقيل في ذلك؟ فقال: "إنها رحمة"، ثم قال: "العين تدمع، والقلب يَحزَن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا". متفق عليه.
وهو عند الترمذيّ، وحسّنه من حديث جابر - ﵁ - بلفظ: إن النبيّ - ﷺ - أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى ابنه إبراهيم، فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبيّ - ﷺ -، فوضعه في حجره، فبكى، فقال له عبد الرحمن: أتبكي، أوَ لم تكن نهيت عن البكاء؟ فقال: "لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خَمْش وجوه، وشَقّ جيوب، ورنّة شيطان".
ومنها: حديث عائشة - ﵄ -، قالت: "رأيت رسول الله - ﷺ - يقبّل عثمان بن مظعون، وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل"، أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، والترمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح.
ومنها: ما أخرجه أحمد، عن ابن عباس - ﵄ -، قال: لما مات عثمان بن مظعون، قالت امرأة: هنيئًا لك الجنة عثمانَ بنَ مظعون، فنظر رسول الله - ﷺ - إليها، نظر غضبان، فقال: "وما يدريكِ؟ "، قالت: يا رسول الله فارسك،
_________________
(١) = الكلام في هذا في "شرح النسائيّ"، وأيضًا للحديث شواهد كثيرة، مذكورة هناك، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٢) "الاستذكار" ٨/ ٣١٢ - ٣١٤.
[ ١٨ / ١٨٧ ]
وصاحبك، فقال رسول الله - ﷺ -: "والله إني رسول الله، وما أدري ما يُفْعَل بي"، فأشفق الناس على عثمان، فلما ماتت زينب ابنة رسول الله - ﷺ -، قال رسول الله - ﷺ -: "الحقي بسلفنا الصالح الخير، عثمان بن مظعون"، فبكت النساء، فجعل عمر، يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله - ﷺ - بيده، وقال: "مهلا يا عمر"، ثم قال: "ابكين، وإياكن، ونعيق الشيطان"، ثم قال: "إنه مهما كان من العين والقلب، فمن الله ﷿، ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان، فمن الشيطان". انتهى.
قال الحافظ أبو بكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٧: وفيه عليّ بن زيد، وفيه كلام، وهو موثّق. انتهى.
ومنها: ما أخرجه أحمد في "مسنده" عن عائشة: أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر، قالت: فوالذي نفسى بيده، لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي. انتهى.
قال الجاء عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر من هذه الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وأقوال أهل العلم، أن البكاء على الميت مباح مطلقًا، قبل الموت، وبعده؛ إذا خلا عن النياحة، وشَقِّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونحو ذلك، مما ورد النهي عنه.
ومن هنا يُعلم الجمع بين الأحاديث الواردة في النهي عن البكاء، وإباحته.
وحاصله أن أحاديث النهي عن البكاء مطلقًا، ومقيّدًا بما بعد الموت تُحْمَل على البكاء الذي يفضي إلى ما لا يجوز، من النوح، والصُّرَاخ، وغير ذلك، وأحاديث الإباحة تحمل على مجرّد البكاء الذي هو دمع العين، وما لا يمكن دفعه من الصوت، وقد أشار إلى هذا الجمع قوله - ﷺ - في الحديث المتقدّم: "ولكن نهيت عن صوتين … ". وقوله في حديث ابن عباس المتقدّم: "إنه مهما كان من العين والقلب، فمن الله ﷿، ومن الرحمة … ". وقوله في حديث ابن عمر السابق: "إن الله لا يعذّب بدمع العين، ولا بحزن القلب … ". فيكون معنى قوله - ﷺ -: "لا يبكين على هالك بعد اليوم"، وقوله: "فإذا وجب فلا تبكين باكية" النهي عن البكاء الذي يصحبه شيء مما حرّمه الشارع، هذا هو الجمع الصحيح.
[ ١٨ / ١٨٨ ]
وقيل: إنه يُجمَع بأن الإذن بالبكاء قبل الموت، والنهي عنه بعده، ويردّه ما تقدم من حديث أبي هريرة - ﵁ - من قصّة زجر عمر للباكيات، وحديث عائشة - ﵂ - في قصّة موت سعد بن معاذ، وبكاء أبي بكر وعمر المتقدّم، وحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة بكاء النبيّ - ﷺ - عند زيارة قبر أمه، وحديث جابر - ﵁ - في قصة استشهاد أبيه، وبكاء عمته عليه، وحديث ابن عباس - ﵄ - قصة بكاء النساء على زينب ابنة رسول الله - ﷺ -، وكلها وقعت بعد الموت، فليُتنبّه.
وقيل: يجمع بحمل النهي عن البكاء بعد الموت على الكراهة، وقد تقدّم نقله عن الإمام الشافعيّ ﵀، لكن حمله أصحابه على كراهة التحريم.
والحاصل أن الجمع الأول هو الحقّ والصواب، كما أفاده العلامة الشوكانيّ ﵀ (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، جَمِيعًا عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَن حَدِيثَ حَمَّادٍ أتَمُّ وَأَطْوَلُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن عاصم الأحول، هذه ساقها البيهقيّ في "الكبرى" (٤/ ٦٨) فقال:
_________________
(١) راجع: "نيل الأوطار" ٤/ ١٢٣ - ١٢٤.
[ ١٨ / ١٨٩ ]
(٦٩٤١) أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، أنبأ إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهديّ، عن أسامة بن زيد - ﵄ - قال: أُتِي النبيُّ - ﷺ - بابنة ابنته، ونفسها تقعقع، كأنها في شَنّ، فقال رسول الله - ﷺ -: "الله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكلٌّ إلى أجل مسمى"، قال: وبكى، فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله أتبكي، وقد نهيت عن البكاء؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
[٢١٣٧] (٩٢٤) - (حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَادٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا (^١) عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأنصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعُودُهُ، مَعَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ (^٢)، فَقَالَ: "أقَدْ قَضَى؟ " قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَبَكَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَكَوْا، فَقَالَ: "ألَا تَسْمَعُونَ، إِن اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ) أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) عن (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "في غشيته".
[ ١٨ / ١٩٠ ]
٢ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ (^١) الْعَامِرِيُّ) أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٦) (م دس ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قريبًا.
٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب المصريّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ الْأنصَارِيُّ) هو: سعيد بن الحارث بن أبي سعيد بن الْمُعَلّى، ويقال: ابن أبي المعلى الأنصاري المدني القاضي، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وعبد الله بن حسين.
وروى عنه محمد بن عمرو بن علقمة، وعمارة بن غَزِيّة، وعمرو بن الحارث، وزيد بن أبي أُنيسة، وفُليح بن سليمان، وغيرهم.
قال ابن معين: مشهورٌ، وقال يعقوب بن سفيان: هو ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ذكر ابن سعد أنه سعيد بن أبي سعيد الحارث بن أوس بن المعلَّى، وصوّبه أبو أحمد الدمياطي، والله أعلم، قاله الحافظ ﵀ (^٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ -، تقدّم قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمّل والأداء منه ومنهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى سعيد، وهو الصحابيّ ومدنيّان، وأما الصحابيّ، فقد سبق الكلام فيه قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ) قاضي المدينة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن
_________________
(١) بتشديد الواو.
(٢) "تهذيب التهذيب" ٤/ ١٤.
[ ١٨ / ١٩١ ]
الخطّاب - ﵄ - أنه (قَالَ: اشْتَكَى) أي: مَرِضَ (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) بن دُلَيم بن حارثة الأنصاريّ الخزرجيّ، أحد النقباء ليلة العقبة، وأحد الأجواد، وقع في "صحيح مسلم" أنه شهد بدرًا، والمعروف عند أهل المغازي أنه تهيّأ للخروج، فنُهِس، فأقام، مات - ﵁ - بأرض الشام سنة خمس عشرة، وقيل غير ذلك، وليس له في "الصحيحين" رواية، وإنما له ذكر فقط. (شَكْوَى) بلا تنوين، ويُنوّن أيضًا، كما قاله في "القاموس"، وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة لـ"شكوى" (فَأَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعُودُهُ) جملة حاليّة من الفاعل؛ أي: حال كونه زائرًا له (مَعَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - ﵃ -، وفي رواية عمارة بن غزيّة التالية: "فقام وقمنا معه، ونحن بضعة عشر" (فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ) زاد في رواية عمارة بن غزية التالية: "فاستأخر قومه من حوله، حتى دنا رسول الله - ﷺ -، وأصحابه الذين معه" (وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ) بفتح الغين، وكسر الشين المعجمتين، وتشديد الياء، قال القاضي عياض: هكذا رواية الأكثرين، قال: وضبطه بعضهم بإسكان الشين، وتخفيف الياء، وفي رواية البخاريّ "في غاشية"، وكله صحيح، وفيه قولان: أحدهما: من يغشاه من أهله، والثاني: ما يغشاه من كرب الموت. انتهى.
وفي نسخة: "في غَشْيَتِهِ".
ووقع في رواية للبخاريّ: "فوجده في غاشية أهله"، قال في "الفتح": قوله: "في غاشية أهله" بمعجمتين: أي الذين يَغْشَونه للخدمة وغيرها، وسقط لفظ "أهله" من أكثر الروايات، وعليه شرح الخطابيّ، فيجوز أن يكون المراد بالغاشية الْغَشْيَةُ من الكرب، ويؤيده ما وقع في رواية مسلم: "في غَشْيَتِهِ"، وقال التوربشتيّ: الغاشية هي الداهية، من شرّ، أو من مرض، أو من مكروه، والمراد ما يتغشاه من كرب الوجع الذي هو فيه، لا الموت؛ لأنه أفاق من تلك المرضة، وعاش بعدها زمانًا. انتهى (^١).
(فَقَالَ) - ﷺ -: ("أقَدْ قَضَى؟ ") بالبناء للفاعل، يقال: قَضَى فلانٌ، كَرَمَى: إذا مات، والقاضية: الموت؛ أي: أقد مات، وخرج من الدنيا؟ ظنّ - ﷺ - أنه
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٦٨.
[ ١٨ / ١٩٢ ]
مات، فسأل عن ذلك، فـ (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ) أي: لم يمت (فَبَكَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: رحمةً عليه، يقال: بكَى يبكي بُكًى، وبُكاءً بالقصر والمدّ، وقيل: القصر مع خروج الدموع، والمدّ على إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من الوافر]:
بَكَتْ عَيْنِي وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا … وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
ويتعدَّى بالهمزة، فيقال: أبكيته، ويقال: بَكَيْتُهُ، وبَكَيتُ عليه، وبَكَيتُ له، وبَكَّيتُهُ بالتشديد، وبَكَت السماءُ: أمطرت (^١).
(فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) في نسبة البكاء إلى الرؤية إشارة إلى أنه لم يكن إلا خروج الدمعة، (بَكَوْا) بفتح الكاف، كَرَمَوْا، قال في "الفتح": في هذا إشعارٌ بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن النبيّ - ﷺ -؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه، ولم يعترضه بمثل ما اعتَرَضَ به هناك، فدَلّ على أنه تقرر عنده العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضرّ. انتهى (^٢).
(فَقَالَ) - ﷺ -: ("ألَا تَسْمَعُونَ، إِنَّ اللهَ) بكسر الهمزة استئنافًا؛ لأن قوله: "تسمعون" لا يقتضي مفعولًا؛ لأنه جُعل كاللازم، فلا يقتضي مفعولًا؛ أي: ألا توجدون السماعَ، كذا قرّره البرماويّ، والحافظ، كالكرمانيّ، وقد تعقّب ذلك العينيّ، فقال: وما المانع أن يكون بالفتح في محلّ المفعول لـ "تسمعون"، وهو الملائم لمعنى الكلام. انتهى. وقال القسطلّانيّ: لكن الذي في روايتنا بالكسر. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر جواز الأمرين، لكن إن تعينت الرواية بالكسر، كما قال القسطلانيّ، فيتعيّن ما قاله الأولون، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ ﵀: وفيه إشارة إلى أنه فَهِم من بعضهم الإنكار، فبَيَّن لهم الفرق بين الحالتين. انتهى.
(لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ) قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٥٩.
(٢) "الفتح" ٤/ ٦٨.
[ ١٨ / ١٩٣ ]
على أن البكاء الذي لا يصحبه صوتٌ ولا نياحةٌ جائزٌ قبل الموت وبعده، بل قد يقال فيه: إنه مندوبٌ إليه؛ لأنه - ﷺ - قد قال فيه: "إنها رحمة"، والرحمة مندوبٌ إليها، فأما النياحة التي كانت الجاهليّة تفعلها، من تعديد خصال الميت، والثناء عليه بما كان فيه من الخصال الدنيويّة، والمذمومة، والصُّراخ الذي يُخرجه الجزع المفضي إلى التسخّط، والعبث، من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب، فكلُّ ذلك محرَّمٌ، من أعمال الجاهليّة، ولا يُختَلف فيه، فأما بكاءٌ وصُراخٌ لا يكون معه شيء من ذلك، فهو جائزٌ قبل الموت، مكروهٌ بعده، أما جوازه فبدليل حديث جابر بن عتيك الذي أخرجه مالك، وذلك أن رسول الله - ﷺ - جاء يعود عبدَ الله بن ثابت، فوجده قد غُلِب عليه فصاح به، فلم يجبه، فاسترجع رسول الله - ﷺ -، وقال: "غُلِبنا عليك يا أبا الربيع"، فصاح النسوة، وبكين، فجعل جابر يُسَكِّتهنّ، فقال رسول الله - ﷺ -: "دعهنّ، فإذا وجب فلا تَبْكِيَنّ باكية"، قالوا: يا رسول الله وما الوجوب؟ قال: "إذا مات … " الحديث (^١).
قال: ووجه الاستدلال أنه - ﷺ - أقرّهنّ على البكاء، والصياح قبل الموت، وأمر بتركهنّ على ذلك، وإنما قلنا: إنه مكروه بعد الموت ليس بمحرَّم؛ لما في حديث جعفر من بكائهنّ بعد الموت، وإعلام النبيّ - ﷺ - بذلك، ونهيهنّ عنه، فلما لم ينكففن قال للمبلّغ: "احثُ في أفواههنّ التراب" (^٢)، ولم يبالغ في الإنكار عليهنّ، ولا زجرهنّ، ولا ذمّهنّ، ولو كان ذلك محرّمًا لفعل كلّ ذلك، والله أعلم.
قال: وبهذا الذي قرّرناه يرتفع الاختلاف بين ظواهر الأحاديث التي في هذا الباب، ويصحّ جمعها، فتمسّك به، فإنه حسنٌ جدًّا، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ حسنٌ كمال، إلا أن
_________________
(١) حديث صحيح راوه مالك في "الموطأ" ١/ ٢٣٣، وأبو داود برقم (٣١١١)، والنسائيّ ١٨٤٦.
(٢) سيأتي للمصنّف برقم (٩٣٥).
(٣) "المفهم" ٢/ ٥٧٦ - ٥٧٧.
[ ١٨ / ١٩٤ ]
قوله: "إنه مكروه، وليس بمحرّم" فيه نظر لا يخفى، ومن الغريب احتجاجه عليه بقصّة جعفر - ﵁ -، وفيه إنكار النبيّ - ﷺ -، ومبالغته في ذلك حيث أمر أن يُحثى التراب في أفواههنّ، وهل معنى الإنكار إلا هذا؟، وكيف يقول: ولا زجرهنّ، أليس هذا الزجر؟ إن هذا لهو العجب، والله تعالى أعلم.
(وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا) أي: تكلّم بسوء، من الجزع والنياحة (وَأَشَارَ) - ﷺ - (إِلَى لِسَانِهِ، أَوْ يَرْحَمُ") أي: بهذا، إن قال خيرًا، كالاسترجاع، واستسلم لقضاء الله تعالى، وَيحْتَمِل أن يكون معنى قوله: "أو يرحم"؛ أي: إن لم يُنفّذ الوعيد.
وزاد في رواية البخاريّ ﵀: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وكان ابن عمر - ﵄ - يضرب فيه بالعصا، وَيرمي بالحجارة، وَيحثِي بالتراب. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٢١٣٧] (٩٢٤) و[٧/ ٢١٣٨] (٩٢٥)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٠٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٦٥ و٢٠٦٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣١٥٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٦٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب عيادة المريض.
٢ - (ومنها): عيادة الفاضل للمفضول، والإمام أتباعه مع أصحابه.
٣ - (ومنها): فيه النهيُ عن المنكر، وبيان الوعيد عليه.
٤ - (ومنها): جواز البكاء عند المريض.
٥ - (ومنها): جواز اتباع القوم للباكي في بكائه.
٦ - (ومنها): يستفاد من زيادة البخاريّ المذكورة أن الميت يُعَذَّب ببكاء
[ ١٨ / ١٩٥ ]
أهله، وسيأتي البحث في ذلك مستوفى قريبًا- إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.