وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٩٠] (٩٨٧) - (وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، يَعْنِي ابْنَ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيَّ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَا مِنْ صَاحِبِ ذهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفَحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ (^٣) أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: "وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "إلى المصلّى".
(٣) وفي نسخة: "كلما رُدّت".
[ ١٩ / ١٤١ ]
قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: "وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلَا غَنَمِ، لَا يُؤَدي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ، وَلَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: "الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتي هِيَ لَهُ وِزْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِياءً، وَفَخْرًا، وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا، وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ (^١)، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ، إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا، فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: "مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الحَدَثانيّ، هرويّ الأصل، أبو محمد، صدوقٌ في
_________________
(١) وفي نسخة: "أو روضة".
[ ١٩ / ١٤٢ ]
نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن، من قُدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ) نزيل عَسْقلان، أبو عمر، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٨] (١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦١.
٣ - (زيدُ بْنُ أَسْلَمَ) تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو صَالِحٍ ذَكْوَانَ) السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى سُويد، فحدثانيّ، وحفص، فعسقلانيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁-، رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويّ مولى عمر بن الخطاب -﵁- (أَنَّ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ) السمّان الزيّات (أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَا" نافية (مِنْ) زائدة (صَاحِبِ ذَهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا) قال التوربشتيّ ﵀: ذَكَرَ جنسين من المال، ثم قال: "لا يؤَدّي منهَا حَقَّهَا"؛ ذهابًا إلى أن الضمير إلى معنى الذهب والفضّة دون لفظهما؛ لأن كلّ واحد منهما جملة وافية، ودنانير ودراهم، ويَحْتَمِل أن يراد بها الأموال، ويَحْتَمِل أنه أراد بها الفضّة، واكتفى بذكر أحدهما، كقول الشاعر [من الطويل]:
وَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ … فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بهَا لَغَرِيبُ
وبمثله ورد التنزيل، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٤].
أو لكون الفضّة أكثر انتفاعًا في المعاملات من الذهب، وأشهر في أثمان
[ ١٩ / ١٤٣ ]
الأجناس، ولذا اكتفى بها في قوله -ﷺ-: "وليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة". انتهى (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "لا يؤدّي حقها" كذا صحّت الرواية بـ "ها" التأنيث المفردة، وظاهره أنه عائد على الفضّة، فإنه أقرب مذكور، وهي مؤنّثة، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]، وقد حُمل هذا على الاكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر، كما في قول الشاعر:
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا … عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِ
وقيل: أعاد على معنى الكلمات المتقدّمة، وكأنه قال: لا يؤدّي من تلك الأمور المذكورات حقّها، وأشبه من هذه الأوجه أن يقال: إن الذهب والفضّة يقال لهما عين لغةً، فاعاد عليها الضمير، وهي مؤنّثةٌ.
قال: وهذا الحديث يدلّ على أن الذهب والبقر فيهما الزكاة، وإن لم يجئ ذكرهما في حديث جابر -﵁- المتقدّم، ولا في كتاب أبي بكر -﵁- في الصدقة، على ما ذكره البخاريّ، ولا خلاف في وجوب الزكاة فيهما، وإن اختلفوا في نصاب البقر. انتهى (^٢).
(إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) استثناء من عموم الأحوال (صُفِّحَتْ) بتشديد الفاء مبنيًّا للمفعول؛ أي: جعلت الفضّة ونحوها (لَهُ) أي: لصاحبها (صَفَائِحَ) جمع صَفِيحَة، وهي ما يُطبع مما يتطرّق، كالحديد والنحاس، ورُوي مرفوعًا على أنه نائب فاعل و"صُفّحت"، ومنصوبًا على أنه مفعول ثانٍ لها، وفي الفعل ضمير الذهب والفضّة، وأنّث إما بالتأويل السابق، وإما على التطبيق بينه وبين المفعول الثاني الذي هو "صفائح".
وقوله: (مِنْ نَارٍ) يعني: أنه إذا لم يؤدّ صاحب الذهب والفضّة حفها يُجعل له صفائح من نار، أو جُعلت الذهب والفضّة صفائح من نار، وكأنه تنقلب صفائح الذهب والفضّة لفرط إحمائها، وشدّة حرارتها صفائح النار،
_________________
(١) راجع: "المرقاة" ٤/ ٢٦١، و"المرعاة" ٦/ ٨ - ٩.
(٢) "المفهم" ٣/ ٢٤ - ٢٥.
[ ١٩ / ١٤٤ ]
فيكوى بها جبينه … إلخ، وهذا التأويل يوافق ما في التنزيل حيث قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٥]، فجعل عين الذهب والفضّة هي المحمى عليها في نار جهنم، قاله الطيبيّ ﵀ (^١).
(فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ) ببناء الفعل للمفعول، و"عليها" نائب فاعله؛ أي: أوقد عليها نار ذات حمى وحرّ شديد، من قوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ١١]، ففيه مبالغة في "أحميت في نار"، قاله الطيبيّ، والضمير في "عليها" للفضّة، فالفاء تفسيريّةٌ، وقيل: الضمير إلى الصفائح الناريّة؛ أي: تُحمى مرّة ثانيةً في نار جهنّم؛ ليشتدّ حرّها، فالفاء تعقيبيّة.
(فَيُكْوَى بِهَا) أي: بتلك الفضّة، أو بتلك الصفائح (جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ) قيل: إنما خُصّت هذه المواضع بالكيّ دون غيرها من أعضائه؛ لتقطيبة وجهه في وجه السائل، وازْوِرَاره عنه بجانبه، وانصرافه عنه بظهره، قاله القرطبيّ ﵀ (^٢).
وقال في "المرعاة": قيل: خصّ هذه الأعضاء بالذكر من بين سائر الأعضاء؛ لأنها مجوّفة، فتُسرع الحرارة إليها، أو لأن الكيّ في الوجه أبشع وأشهر، وفي الظهر والجنب أوجع وآلم، وقيل: لأن جمعهم وإمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى، والتنعّم بالمطاعم الشهيّة، والملابس البهيّة، وقيل: لأن السائل متى تعرّض للطلب من البخيل أول ما يبدو منه من آثار الكراهية والمنع أنه يُقَطِّبُ في وجهه، ويتكلّح، ويجمع أساريره، فيتجعّد جبينه، ثم إن كرّر الطلب ناء بجانبه عنه، ومال عن جهته، وتركه جانبًا، فإن استمرّ الطلب ولّاه ظهره، واستَقْبَلَ جهةً أخرى، وهي النهاية في الردّ، والغاية في المنع الدالّة على كراهيته للعطاء والبذل، وهذا دأب مانعي البرّ والإحسالى، وعادة البخلاء بالرفد والعطاء، فلذلك خصّ هذه الأعضاء بالكيّ، قاله الجزريّ في "جامع الأصول" (^٣).
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٤٧٠ - ١٤٧١.
(٢) "المفهم" ٣/ ٢٥.
(٣) راجع: "المرعاة شرح المشكاة" ٦/ ٩.
[ ١٩ / ١٤٥ ]
وقال الطيبيّ ﵀: خصّ هذه الأعضاء -أعني الجنب، والجبين، والظهر- لأنه جمع المال، وأمسكه، ولم يصرفه في مصارفه؛ لِيَحْصُلَ به وجاهةٌ عند الناس، وترفّهٌ، وتنعّمٌ في المطاعم والملابس، فيحوي جنبه وظهره المأكولات الهنيّة اللذيذة، فينتفخ، ويقوى منها، وتحويها الثياب الفاخرة، والملابس الناعمة، فيلتذّ جنباه بها، أو لأنه ازْوَرّ عن الفقير في المجلس، وأعرض عنه، وولَّى ظهره، أو لكونها أشرف الأعضاء الظاهرة؛ لاشتمالها على الأعضاء الرئيسيّة التي هي الدماغ، والقلب، والكبد.
وقيل: المراد بها الجهات الأربع التي هي مقاديم البدن، ومآخِره، وجنبتاه. انتهى (^١).
(كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ) قال القرطبيّ ﵀: كذا رواية السجزيّ، ولكافّة الرواة كلها "رُدّت"، والأول هو الصواب، فتأمّله، فإنه المناسب للمعنى. انتهى (^٢).
فيكون المعنى على هذا: كلما بردت تلك الصفائح رُدّت إلى نار جهنّم ليُحمى عليها، ويكون على الثاني: كلما رُدّت تلك الصفائح من بدنه إلى النار، أعيد إليه أشدّ ما كانت، والمراد منه استمرار التعذيب، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: هكذا هو في بعض النسخ: "بَرَدَت" بالباء، وفي بعضها: "رُدّت" بحذف الباء، وبضمّ الراء، وذكر القاضي عياض الروايتين، وقال: الأولى هي الصواب، قال: والثانية رواية الجمهور. انتهى (^٣).
وقال الطيبيّ ﵀: معناه: دوام التعذيب، واستمرار شدّة الحرارة في تلك الصفائح استمرارَها في حديدة مُحماة تُرَدّ إلى الكِير، وتُخرج منها ساعةً، فساعة. انتهى (^٤).
وقال ابن الملك: يعني: إذا وصل كيّ هذه الأعضاء إلى آخرها أعيد الكيّ إلى أولها حتى وصل إلى آخرها. انتهى.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٤٧١.
(٢) "المفهم" ٣/ ٢٥.
(٣) "شرح النوويّ" ٧/ ٦٤.
(٤) "الكاشف" ٥/ ١٤٧١.
[ ١٩ / ١٤٦ ]
وقال القاري: ويَحْتَمِل أن يكون الضمير في "رُدّت" للأعضاء؛ أي: كلما رُدّت الأعضاء بالتبديل بعد الإحراق، والقرب من الإفناء أعيدت الصفائح عليها، فيكون موافقًا لقوله ﷿: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ الآية [النساء: ٥٦]. انتهى (^١).
وقوله: (لَهُ) أي: لمانع الزكاة، وهو متعلّقٌ بـ "أُعيدت".
(فِي يَوْمٍ) هو يوم القيامة (كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) هذا المقدار على الكافرين، ويطول على بقيّة العاصين بقدر ذنوبهم، وأما المؤمنون فهو على بعضهم كركعتي الفجر (^٢)، وإليه أشار بقوله ﷿: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدّثّر: ٩، ١٠]، قاله القاري ﵀.
وقال القرطبيّ ﵀: قيل: معناه: لو حاسب غير الله ﷿، وقيل: قدر مواقفهم للحساب، وقيل: يوم القيامة فيه خمسون موطنًا، كل موطن ألف سنة.
قال الجامع عفا الله عنه: الأقرب أن طول ذلك اليوم مقدار خمسين ألف سنة من سنيّ الدنيا، كما هو ظاهر النصّ، فتأمله، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المرقاة" ٤/ ٢٦٢.
(٢) هكذا ذكر في "المرقاة" (٤/ ٢٦٢)، ولم يَعْزُه إلى من خرّجه حتى يُنظر في إسناده. وأخرج الإمام أبو جعفر الطبري ﵀ في "تفسيره" (٢٩/ ٧٢)، فقال: حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن دَرّاجًا حدّثه عن أبي الهيثم، عن سعيد، أنه قال لرسول الله -ﷺ-: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ما أطول هذا؟ فقال النبيّ -ﷺ-: "والذي نفسي بيده إنه ليُخَفَّف على المؤمن، حتى يكون أخف عليه من الصلاة المكتوبة يصليها في الدنيا". وهذا الإسناد ضعيف؛ لأن درّاج بن سمعان، أبا السمح، وإن كان صدوقًا، إلا أن حديثه عن أبي الهيثم ضعيف، فتنبّه. وقال الهيثميّ رحمة الله في"مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٣٧): رواه أحمد، وأبو يعلى، وإسناده حسنٌ على ضعف في راويه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: وهذا غريب من الهيثميّ ﵀، فإن في سند أحمد ابن لهيعة، عن درّاج، عن أبي الهيثم، فكيف يُحسّنه؟، فتنبّه.
[ ١٩ / ١٤٧ ]
(حَتَّى يُقْضَى) بالبناء للمفعول؛ أي: يُحكَم، ويُفرغ من حساب الناس (بَيْنَ الْعِبَادِ) قال القاري ﵀: وفيه إشارة إلى أنه في العذاب، وبقيّة الخلق في الحساب، ولذا قيل: الدنيا حلالها حساب، وحرامها عقاب (^١). انتهى (^٢).
وقال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": يمكن أن يؤخذ منه أن مانع الزكاة آخر من يُقضَى فيه، وأنه يُعذّب بما ذُكر حتى يُفرغ من القضاء بين الناس، فيُقضى فيه بالنار، أو الجنّة.
ويحتمل أن المراد حتى يُشرع في القضاء بين الناس، ويجيء القضاء فيه، إما في أولهم، أو وسطهم، أو آخرهم على ما يريد الله، وهذا أظهر. انتهى.
قال ولده وليّ الدين ﵀: قد يشير إلى الأول قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، ويقال: إنما ذُكر في معرض استيعاب ذلك اليوم بتعذيبه؛ لجواز أن يكون القضاء فيه آخر الناس، وإن احْتَمَل أن يكون فصل أمره في وسطه، والله أعلم. انتهى (^٣).
(فَيُرَى) بالبناء للمفعول، من الرؤية، أو من الإراءة، وقوله: (سَبِيلَهُ) مرفوع على الأول على أنه نائب الفاعل، ومنصوب على أنه مفعول ثان على الثاني، والنائب عن الفاعل ضمير صاحب المال، وروي بالبناء للفاعل من الرؤية؛ أي: يَرَى هو سبيله، فـ"سبيله" منصوب على المفعوليّة.
وقال النوويّ ﵀: ضبطناه بضمّ الياء وفتحها، وبرفع لام "سبيلُهُ " ونصبها. انتهى (^٤).
وفيه إشارة إلى أنه مسلوب الاختيار يومئذ مقهور، لا يقدر أن يروح إلى النار فضلًا عن الجنّة حتى يُعيّن له أحد السبيلين (^٥).
_________________
(١) قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "المغني عن حمل الأسفار" (٢/ ٨٨٣): حديث: "حلالها حساب، وحرامها عذاب"، رواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي في "الشعب" من طريقه، موقوفًا على علي بن أبي طالب -﵁- بإسناد منقطع، بلفظ: "وحزامها النار"، ولم أجده مرفوعًا. انتهى كلامه ﵀.
(٢) "المرقاة" ٤/ ٢٦٢.
(٣) "طرح التثريب" ٤/ ١٠.
(٤) "شرح النووي" ٧/ ٦٥.
(٥) "المرقاة" ٤/ ٢٦٢.
[ ١٩ / ١٤٨ ]
(إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ) أي: إن لم يكن له ذنب سواه، وكان العذاب تكفيرًا له (وَإِمَّا إِلَى النَّارِ") إن كان على خلاف ذلك.
قال القاري ﵀: وفيه ردّ على من يقول: إن آية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة: ٣٤] مختصّة بأهل الكتاب، ويؤيّده القاعدة الأصوليّة: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع أنه لا دلالة في الحديث على خلوده في النار، قال: وبهذا يُعلم ضعف قول ابن حجر -يعني: الْهَيتميّ- أيضًا: "إما إلى الجنة" إن كان مؤمنًا بأن لم يستحلّ ترك الزكاة، "وإما إلى النار" إن كان كافرًا بأن استَحَلّ تركها. انتهى كلام القاري (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن حجر الهيتميّ ﵀ ليس ببعيد، بل هو محتمل في معنى الحديث، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالابِلُ؟) الفاء متصلة بمحذوف؛ أي: عرفنا حكم الذهب والفضّة، فما حكم الإبل؟ (قَالَ) -ﷺ- ("وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ) بالجرّ عطفًا على "صاحب ذهب"، فيكون من باب العطف التلقينيّ، أو بالرفع على أنه فاعل لمقدّر؛ أي: ولا يوجد صاحب إبل، وقوله: (لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقِّهَا) في محلّ جرّ صفة لـ"إبل"؛ أي: لا يعطي صاحب الإبل منها حقّها؛ أي: ما يجب عليه فيها للفقراء، من الزكاة، أوأعمّ من ذلك (وَمِنْ حَقِّهَا) أي: المندوب على ما قاله الجمهور، أو الواجب على ما قاله بعضهم، وهو الحقّ على ما يأتي بيانه، قال الطيبيّ ﵀: و"من" للتبعيض؛ أي: بعض حقّها حلبها، وحقّها الأول أعمّ من الثاني، وذكر الثاني للاستطراد، والوعيد مرتّب على الأول، ويَحْتَمِلُ أن يكون التعذيب عليهما معًا تغليظًا. انتهى (^٢). (حَلَبُهَا) بفتح اللام على اللغة المشهورة، وحُكي إسكانها، وهو غريب ضعيف، وإن كان هو القياس، قاله النوويّ (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ ﵀: غريبٌ ضعيفٌ، ولا أدري من أين أخذه، فإن كتب اللغة أثبتته، ولم تشر إلى ضعفه، قال في
_________________
(١) "المرقاة" ٤/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٢) "الكاشف" ٤/ ١٤٧٢.
(٣) شرح مسلم ٧/ ٦٧.
[ ١٩ / ١٤٩ ]
"المصباح": حَلَبْتُ الناقةَ وغيرها حَلْبًا، من باب قَتَلَ، والْحَلَبُ بفتحتين يُطلَقُ على المصدر أيضًا، وعلى اللبن المحلوب، فيقال: لبنٌ، وحليبٌ، ومحلوبٌ. انتهى (^١).
وقال في "القاموس": الْحَلْب -أي: بسكون اللام- ويُحَرَّكُ: استخراج ما في الضرع من اللبن، كالْحِلاب بالكسر، والاحتلاب، يَحْلُب، ويَحْلِبُ - أي: من بابى نصر وضرب- والمِحْلَبُ والحِلاب بكسرهما: إناءٌ يُحلب فيه، وقال أيضًا: والْحَلَبُ مُحرّكةً، والحليب: اللبن المحلوب، أو الحليب ما لم يتغيّر طعمه. انتهى (^٢).
فقد تبيّن بما قاله في "المصباح"، و"القاموس" أن الحلْب بسكون اللام مصدر قياسيّ مستعمل، فدعوى كونه ضعيفًا غير مقبول، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(يَوْمَ وِرْدِهَا) -بكسر الواو- أي: إتيانها إلى الماء، أو نوبة الإتيان إلى الماء، فإن الإبل تأتي الماء في كلّ ثلاثة أيام، أو أربعة، وربما تأتي في ثمانية.
وفي حديث جابر الآتي: "حَلَبها على الماء"؛ أي: في محلّ سقيها الماء.
وإنما خصّ الْحَلْبَ بموضع الماء ليكون أسهل على المحتاجين من قصد المنازل، وأرفق بالماشية، قاله في "الفتح"، ولأنه حالة كثرة لبنها؛ ولأن الفقراء يحضرون هناك لذلك.
وفي هذا دليل لمن يرى في المال حقوقًا غير الزكاة، قاله في "طرح التثريب".
وقال الطيبيّ: معناه أن يُسقى ألبانها المارّة، ومن ينتاب المياه من أبناء السبيل، وقيل: أمر أن يحلبها صاحبها عند الماء ليصيب ذوو الحاجة منه، وهذا مثل نهيه -ﷺ- عن الجذاذ بالليل، أراد أن يُصرَمَ بالنهار ليحضره الفقراء. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المصباح المنير"١/ ١٤٥.
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ٥٧.
(٣) "الكاشف" ٤/ ١٤٧٢.
[ ١٩ / ١٥٠ ]
وقال ابن بطّال: يريد حقّ الكَرَم، والمواساة، وشريفِ الأخلاق، لا أن ذلك فرضٌ، قال: وكانت عادة العرب التصدّق باللبن على الماء، فكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم، قال: والحقّ حقّان: فرض عين، وغيره، فالحلب من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق.
وقال إسماعيل القاضي: الحقّ المفترض هو الموصوف المحدّد، وقد تحدث أمورٌ لا تُحدّ، فتجب فيها المواساة للضرورة التي تنزل، من ضعيف مضطرّ، أو جائع، أو عار، أو ميت ليس له من يُواريه، فيجب حينئذ على من يمكنه المواساة التي تزول بها الضرورات.
وقال ابن التين: وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر الحديث يردّ قولَ من قال: إنه من مكارم الأخلاق، وليس من الواجب، وقول من قال بالنسخ، ويدلّ دلالة واضحة لمن يَرَى في المال حقًّا سوى الزكاة على ما سنبيّنه، وهو مذهب غير واحد من التابعين، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في هذا، في المسائل -إن شاء الله تعالى-.
[تنبيه]: قال الحافظ العراقيّ ﵀: الظاهر أن قوله: "ومن حقها حلبها يوم وردها" مدرج من قول أبي هريرة، قال: وكأن أبا داود أشار إلى ذلك في "سننه" من غير تصريح، فإنه لما ذكر هذه الزيادة رَوَى بعدها من حديث أبي عُمَر الغدانيّ، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- نحو هذه القصّة، فقال له -يعني: لأبي هريرة-: فما حقّ الإبل؟، قال: تُعطي الكريمة، وتَمنَح الغزيرة، وتُفقر الظهر، وتُطرِق الفحل، وتَسقي اللبن، قال: ففي هذه الرواية أن هذا من قول أبي هريرة -﵁-.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الإدراج المذكور عندي محلّ نظر، فإن البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، روى الزيادة فقط من حديث أبي هريرة -﵁-، فقال في "كتاب المساقاة" من "صحيحه":
(٢٣٧٨) - حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن فُلَيح، قال: حدّثني أبي، عن هلال بن عليّ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: "من حق الإبل، أن تُحْلَب على الماء".
[ ١٩ / ١٥١ ]
وزاد أبو نعيم في "مستخرجه"، والبرقانيّ في "المصافحة" من طريق المعافى بن سُليمان، عن فُليح: "يوم وُرُودها"، قاله في "الفتح" (^١).
فهذا صريح في رفع هذا الكلام إلى النبيّ -ﷺ- بحيث لا يَحْتَمِلُ الإدراج.
والحاصل أن ادّعاء الإدراج لهذه الزيادة في حديث أبي هريرة -﵁- مما لا يخفى بُعده، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
(إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) استثناء مفرّغٌ من عموم الأحوال، و"كان" تامّة، بمعنى جاء ووقع (بُطِحَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أُلقي صاحب الإبل على وجهه.
وقال النوويّ ﵀: قوله: "بُطِحَ" قال جماعة: معناه أُلقي على وجهه، قال القاضي: قد جاء في رواية البخاريّ: "تَخبِط وجهه بأخفافها". قال: وهذا يقتضي أنه ليس من شرط البَطْح كونه على الوجه، وإنما هو في اللغة بمعنى البسط والمدّ، فقد يكون على وجهه، وقد يكون على ظهره، ومنه سمّيت بطحاء مكة؛ لانبساطها. انتهى (^٢).
(لَهَا) أي: لتلك الإبل، وهو متعلّقٌ بـ "بُطِحَ"، قال التوربشتيّ ﵀: ووقع في بعض نسخ "المشكاة" بلفظ "له" بالتذكير، وهو خطأٌ رواية ودرايةً؛ لأن الضمير المرفوع في الفعل لصاحب الإبل، والمجرور للإبل؛ ليستقيم؛ لأن المبطوح المالك، لا الإبل. انتهى.
وتعقّبه الطيبيّ، فقال: أما التمسّك بالرواية فمستقيم، وأما بالمعنى فلا، لم لا يجوز أن يذكّر الضمير لإرادة الجنس، أو للتأويل بالمذكور، على أنه يجوز أن يرجع الضمير لصاحب الإبل، ويكون الجارّ والمجرور قائمًا مقام الفاعل، كما في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦]. انتهى (^٣).
(بِقَاعِ قَرْقَرٍ) "القاع": المستوي الواسع من الأرض، يعلوه ماء السماء، فيمسكه، قَال الَهرويّ: وجمعه قِيَعَة، وقِيعان، مثل جار، وجِيَرَة، وجِيران، و"القرقر" -بفتح القافين-: المستوي أيضًا من الأرض الواسعُ، قاله النوويّ،
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ١٨٦ "كتاب المساقاة" رقم (٢٣٧٨).
(٢) "شرح مسلم" ٧/ ٦٧ - ٦٨.
(٣) راجع: "المرقاة" ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤.
[ ١٩ / ١٥٢ ]
وقال في "النهاية": القاع المكان المستوي من الأرض الواسع، والقَرْقَرُ: الأملس. انتهى. فيكون ذكر القرقر بعد القاع تأكيدًا.
(أَوْفَرَ مَا كَانَتْ) أي: أكثر عددًا، وأعظم سِمَنًا، وأقوى قُوّةً، قال في "شرح السنّة": يريد كمال حال الإبل التي تطأ صاحبها في القوّة والسِّمَن؛ ليكون أثقل لوطئها، قال الطيبيّ: "أوفر" مضاف إلى "ما" المصدرية، والوقتُ مقدَّر، وهو منصوب على الحال من المجرور في "لها"، إن كان الضمير المجرور للإبل، وجُوِّز وقوعه حالًا، ولا يمنعها إضافته إلى المعرفة؛ لأن الإضافة فيه غير محضة، بدليل قولهم: مررت برجل أفضلِ الناس، وإن كان لصاحب الإبل، فهو خبر مبتدأ محذوف على الاستئناف. انتهى (^١).
وقوله: (لَا يَفْقِدُ) أيضًا، إما مترادفة إن كان صاحب الحال الضمير في "بُطِحَ"، أو متداخلة إن كان صاحب الحال الضمير المستتر في "كانت" التامّة الراجع إلى الإبل؛ لوجود الضمير في "منها؛ أي: لا يفقد الصاحب المذكور (مِنْهَا) أي: من تلك الإبل (فَصِيلًا) -بفتح الفاء، وكسر الصاد المهملة-: ولد الناقة، سُمّي بذلك؛ لأنه يُفصَل عن أمه، فهو فَعِيلٌ بمعنى مفعول، والجمع فِصْلان بضمّ الفاء وكسرها، وقد يُجمع على فِصَالٍ بالكسر، كأنهم توهّموا فيه الصفة، مثلُ كريم وكِرَامٍ، قاله في "المصباح" (^٢).
وقوله: (وَاحِدًا) صفة مؤكّدة لـ"فَصِيلًا".
(تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا) أي: تضربه، وتدوسه الإبل بأرجلها، والجملة حال مترادفة، أو متداخلة على التقديرين؛ لوجود ضمير المذكّر والمؤنّث، ويجوز أن يكون استئنافًا بيانيًّا، كأنه لما قيل: بُطِحَ صاحب الإبل لإبله، حال كونها قويّةً تامّة مع جميع فصيلاتها، غير فاقدة منها شيئًا، اتّجَهَ السائل أن يقول: لم بُطِحَ لها؟، فأجيب لتطأه بأخفافها … إلخ، وعلى هذا حكم "كلما" في الحاليّة، والاستئنافيّة؛ أي: تطؤه دائمًا، قاله الطيبيّ ﵀ (^٣).
(وَتَعَضُّهُ) بفتح العين المهملة، يقال: عَضِضتُ اللُّقْمة، وبها، وعليها
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٤٧٢.
(٢) "المصباح المنير" جـ ٢ ص ٤٧٤.
(٣) "الكاشف" ٤/ ١٤٧٢.
[ ١٩ / ١٥٣ ]
عَضًّا: إذا أمسكتها بالأسنان، وهو من باب تَعِبَ في الأكثر، لكن المصدر ساكن، ومن باب نَفَعَ لغةٌ قليلةٌ، وفي "أفعال ابن القَطّاع": من باب قتل، قاله في "المصباح" (^١).
وقال في "القاموس": عَضَضْته، وعليه، كسمِعَ، ومَنَعَ عَضًّا، وعَضِيضًا: أمسكته بأسناني، أو بلساني. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أثبت في "المصباح" و"القاموس" مجيء "عَضّ" من الباب الثالث، وهو فتح العين في الماضي والمضارع، وفيه نظرٌ؛ لأن شرط الباب الثالث غير موجود، وقد تعقّب محمد المرتضى شارح "القاموس" ﵀ ذلك، ودونك عبارته: عَضَضْتُهُ مُتعدّيًا بنَفْسه، وعَضِضْتُ عَلَيْه مُتَعَدِّيًا بـ"عَلَى"، وكَذَا عَضضْتُ بِهِ مُتَعَدِّيًا بالبَاءِ، صَرَّح به الجَوْهَرِيُّ، والصّاغَانِيُّ، كسَمِعَ ومَنَعَ، قال شيخُنا: وَزْنُه بمَنَع وَهَمٌ؛ إِذِ الشَّرْطُ غَيْرُ مَوْجُودٍ كما في "القاموس"، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَدَاخُلِ اللُّغَاتِ. انتهى.
قُلْتُ (^٣): الفَتْحُ نَقَلَه الجَوْهَرِيّ، ونَصُّه: ابنُ السِّكِّيت: عَضَضْتُ باللُّقْمَة فاَنَا أَعَضُّ، وقال أَبو عُبيْدٍ: عَضَضْتُ بالفَتْحِ لُغةٌ في الرِّبابِ، قال ابنُ بَرِّيّ: هذا تَصْحِيفٌ على ابنِ السِّكِّيتِ، والَّذِي ذَكَرَهُ ابن السِّكِّيت في "كِتاب الإِصلاح": غَصِصْتُ باللُّقْمَةِ، فأَنا أَغَصُّ بها غَصَصًا، قال أَبو عُبَيْدة: وغَصَصْتُ لُغَةٌ في الرِّباب، بالصَّاد المُهْمَلَة، لا بالضَّاد المُعْجَمَة.
قلتُ: وهكَذا وُجِدَ بخَطِّ أَبي زَكَريّا، وابْن الجَوَاليقيّ في "الإِصْلاح" لابْن السِّكّيت، في باب ما نُطِقَ به بفَعِلْتُ وفَعَلْتُ بالغين والصاد المُهْمَلَة على الصَّواب، وصَرَّحُوا بأَنَّ مَا في "الصّحاح" تَصْحيفٌ، وقد تَبِعَهُ المُصَنِّف (^٤) هُنَا، حَيْثُ وَزَنَهُ بمَنَع؛ إِشَارَة إلى قَوْل أَبي عُبَيْدَةَ المَذْكُور، من غَيْر تَنْبيهٍ عليه، وذَكَرَهُ أَيْضًا في الصَّاد على الصّواب، وقد وَقَعَ في هذَا الوَهَمِ أَيْضًا الصّاغَانيُّ في "العُبَاب"، حَيْثُ نَقَلَ قَوْلَ أَبي عُبَيْدَةَ السَّابقَ، وكأَنَّ المُصَنِّفَ حَذَا حَذْوَهُ على عَادَته، مع أَنَّه نَبَّهَ على تَوْهيمِ الجَوْهَريّ في كتَابه "التَّكْملَة"، فَقَالَ ما نَصُّه:
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤١٤ - ٤١٥.
(٢) "القاموس المحيط" ٢/ ٣٣٧.
(٣) القائل الشارح المرتضى ﵀.
(٤) يعني: صاحب "القاموس".
[ ١٩ / ١٥٤ ]
وقَال الجَوْهَريُّ: عَضِضْتُ باللُّقْمَة، والصَّوابُ غَصِصْتُ، بالغَيْن المُعْجَمَة، وبَصَادَيْن مُهْمَلَتَيْن، ولم يَذْكُرْ قَوْلَ أَبي عُبَيْدَةَ، وكَأن عنده الوَهَمَ في غَصصْت باللُّقْمَة فَقَط، والصَّواب ما نَقَلَه ابنُ بَرّيّ فيما تَقَدَّمَ من القَوْل، فتَأَمّلْ تَرْشُدْ، فالصَّوابُ الَّذي لا مَحيدَ عنه أَنَّهُ من باب سَمِع فَقَط. انتهى كلام محمد المرتضى ﵀ في"شرحه" (^١).
فتحَصَّل بما ذُكر أن الصواب أن عضّ، من باب سِمَعَ، لا من باب نفع، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (بِأَفْوَاهِهَا) أي: بأسنانها، متعلّقٌ بـ"تعضّه" (كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا) أي: أولى تلك الإبل (رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع الأصول في هذا الموضع، قال القاضي عياض: قالوا: هو تغيير، وتصحيف، وصوابه ما جاء بعده في الحديث الآخر، من رواية سهيل، عن أبيه، وما جاء في حديث المعرور بن سُويد، عن أبي ذَرّ -﵁- "كلما مَرّ عليه أخراها، رُدّ عليه أولاها"، وبهذا ينتظم الكلام. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ ﵀: هكذا صحّت الرواية، فقيل: هو تغيير وقلبٌ في الكلام، وصوابه كما جاء في رواية أبي صالح، عن أبي هريرة -﵁-: "كلّما مرّ عليه أُخراها رُدّت عليه أُولاها"، قيل: وهكذا يستقيم الكلام؛ لأنه إنما يريد الأول الذي قد مَرّ قبلُ، وأما الآخر فلم يمرّ بعدُ، فلا يقال فيه: "رُدّت".
قال: ويظهر لي أن الرواية الصحيحة ليس فيها تغيير؛ لأن معناها: أنّ أول الماشية كلما وصلت إلى آخر ما تمشي عليه، تلاحقت بها أخراها، ثم إذا أرادت الأولى الرجوع بدأت الأخرى بالرجوع، فعادت الأخرى أولى، حتى تنتهي إلى آخره، وهكذا إلى أن يقضي الله بين العباد، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^٣).
وكذا وجّهه الطيبيّ ﵀، فقال: إنّ المراد أن أولاها إذا مرّت عليه تتابع إلى أن تنتهي إلى الأخرى، ثم ردّت الأخرى من هذه الغاية، وتبعها ما كان
_________________
(١) "تاج العروس من جواهر القاموس" ١٨/ ٤٣٢ - ٤٣٣.
(٢) "شرح النووي" ٧/ ٦٥.
(٣) "المفهم" ٣/ ٢٧.
[ ١٩ / ١٥٥ ]
يليها، فما يليها إلى أن تنتهي أيضًا إلى الأولى، حصل الغرض من التتابع والاستمرار. انتهى.
فيكون الابتداء في المرّة الأولى من الإبل الأولى، وفي المرّة الثانية من الأخرى، والحاصل أنه يحصل هذا بعد أخرى (^١).
وقوله: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) تقدّم البحث في هذا قريبًا، فلا تنس (حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يُفرغ من الحكم بينهم.
وقوله: (فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ") تقدّم البحث فيه مستوفًى، فلا تنس.
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟) تقدّم أن الفاء عاطفة على محذوف؛ أي: هذا حكم الإبل، فما حكم البقر والغنم؟ (قَالَ) -ﷺ- ("وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلَا غَنَمٍ) تقدّم أنه يجوز رفعه، وجرّه (لَا يُؤَدِّي مِنْهَا) أي: مما ذُكر من البقر والغنم (حَقَّهَا) أي: الواجب عليه فيها (إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا) أي: من ذواتها، وصفاتها، كما بيّنه بقوله: (لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ) أي: ملتوية القرنين (وَلَا جَلْحَاءُ) أي: لا قرن لها (وَلَا عَضْبَاءُ) أي: مكسورة قرنها الداخل، ونفي الثلاثة عبارة عن سلامة قرونها؛ ليكون أجرح للمنطوح (^٢).
قال القاري ﵀: ظاهر الحديث أن هذه الصفات فيها معدومة في العقبى، وإن كانت موجودة لها في الدنيا، وظاهر البعث أن يعيد الله تعالى الأشياء على ما كانت عليه في الحالة الأولى، كما هو مفهوم من الكتاب والسنّة، ولعله يخلقها أولًا كما كانت، ثم يعطيها القرون؛ ليكون سببًا لعذابه على وجه الشدّة، والله تعالى أعلم. انتهى (^٣).
(تَنْطَحُهُ) بكسر الطاء المهملة، وفتحها لغتان، حكاهما الجوهريّ وغيره، والكسر أفصح، وهو المعروف في الرواية، قاله النوويّ ﵀، وقال في
_________________
(١) انظر: "المرعاة" ٦/ ١٢ - ١٣.
(٢) "الكاشف" ٤/ ١٤٧٣.
(٣) "المرقاة" ٤/ ٢٦٥.
[ ١٩ / ١٥٦ ]
"القاموس": نَطَحَه، كمنعه، وضربه: أصابه بقرنه. انتهى (^١). فقوله: (بِقُرُونِهَا) إما تأكيدٌ، وإما تجريد، قاله القاري (^٢).
(وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا) بالفتح: جمع ظِلْف -بكسر، فسكون-: للبقر، والغنم، والظِّباء، وهو المنشق من القوائم، قاله النوويّ.
وقال القرطبيّ: هو الظُّفُر من كلّ دابّة مشقوقة الرجل، ومن الإبل الخفّ، ومن الخيل، والبغال، والحمير: الحافر. انتهى (^٣).
وقوله: (كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ") تقدّم شرحه مستوفًى.
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: فَالْخَيْلُ؟) أي: ما حكمها؟ (قَالَ) -ﷺ- ("الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ) قال الطيبيّ ﵀: [فإن قلت]: الجوابان السابقان مطابقان للسؤالين؛ لأن الأسئلة عن حقوق الله تعالى في الأجناس، ووجوب الزكاة فيها، فأين المطابقة في السؤال الثالث؟.
[قلت]: هو وارد على الأسلوب الحكيم، وفي التوجيه وجهان:
[أحدهما]: على مذهب الشافعيّ ﵀ (^٤)؛ أي: دَعْ السؤال عن الوجوب؛ إذ ليس فيه حقّ واجب، ولكن سل عن اقتنائها عما يرجع إلى صاحبها من المضرّة والمنفعة.
[وثانيهما]: على مذهب أبي حنيفة ﵀ (^٥) أي: لا تسأل عما وجب فيها من الحقوق وحده، بل سل عنه، وعما يتّصل بها من المنفعة والمضرّة إلى صاحبها.
[فإن قيل]: كيف استُدلّ على الوجوب بالحديث؟.
[قلت]: بعطف الرقاب على الظهور؛ لأن المراد بالرقاب ذواتها؛ إذ ليس
_________________
(١) "القاموس المحيط" ١/ ٢٥٣.
(٢) "المرقاة" ٤/ ٢٦٥.
(٣) "المفهم" ٣/ ٢٧.
(٤) يعني: القائل بعدم وجوب الزكاة في الخيل، وهو الحقّ، كما سيأتي بيانه.
(٥) يعني: القائل بوجوب الزكاة في الخيل.
[ ١٩ / ١٥٧ ]
في الرقاب منفعة عائدة إلى الغير، كالظهور، وبمفهوم الجواب الآتي من قوله -ﷺ-: "ما أُنزل عليّ في الْحُمُرِ شيءٌ".
وأجاب القاضي البيضاويّ عنه بأن معنى قوله: "لم ينس حقّ الله في رقابها" أداء زكاة تجارتها.
قال الطيبىّ: وجه هذه الكناية أن الرقاب ربما يُكنى بها عن الانقياد والمملوكيّة، وما يساق للتجارة يقاد بها بما يشدّ على رقابها للجلب، وينصره قوله: "لم ينس"، فإنه لا يستعمل في الوجوب، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ الآية [القصص: ٧٧].
وأما الجواب عن السؤال الأخير، فإن الفاء في قوله: "فالْحُمُرُ" جاءت عقب المذكورات، كأنه قيل: عرفنا الوجوب في النقدين، والأنعام، والندب في الخيل، فما حكم الحمير؟.
قال: وفي قوله: "فالخيل ثلاثة" جمع وتفريق وتقسيم، فأما الجمع، ففي قوله: "ثلاثة"، وأما التفريق ففي قوله: "هي لرجل وزرٌ … إلخ". انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (^١).
ومعنى قوله: (الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ) أي: ربطها على ثلاثة أنحاء، وفي رواية: "الخيل لثلاثة"، ووجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتني الخيل، إما أن يقتنيها للركوب، أو للتجارة، وكلّ منهما، إما أن يقترن به فعل طاعة الله، وهو الأول، أو معصيته، وهو الأخير، أو يتجرّد عن ذلك، وهو الثاني، قاله في "الفتح" (^٢).
(هِيَ) أي: الخيل (لِرَجُلٍ وِزْرٌ) أي: ثقلٌ وإثمٌ (وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ) بكسر، فسكون: أي: ساترة لحاله في معيشته؛ لحفظه عن الاحتياج والسؤال (وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ) أي: ثواب عظيم، فالتنوين للتعظيم.
(فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ، فَرَجُلٌ) قال القاري: الظاهر أن يقال: فخيل ربطها، أو يقال: فأما الذي هي له وزر، فرجلٌ، والأظهر أن يكون التقدير:
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٤٧٣ - ١٤٧٤.
(٢) "الفتح" ٦/ ١٥٤.
[ ١٩ / ١٥٨ ]
فخيل رجلٍ (رَبَطَهَا رِيَاءً) بالهمز، ويُبدل؛ أي: ليُري الناس عظمته في ركوبه وحشمته (وَفَخْرًا) أي: ليفتخر بلسانه على من دونه من الناس (وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ) الواو بمعنى "أو"؛ فإن هذه الأشياء قد تفترق في الأشخاص، وكلّ واحد منها مذموم على حدته، والنّواء بكسر النون والمدّ: المنازعة والمعاداة، يقال: ناوأته نِواءً، ومنوأةً: إذا عاديته، كأنه ناء إليك، ونأوت إليه، من النوء وهو النهوض، كأن كلّ واحد من المتعاديين ينهض إلى صاحبه بالعداوة (^١).
والمعنى: أنه ربطها منازعةً ومعاداةً للمسلمين.
(فَهِيَ) أي: تلك الخيل (لَهُ) أي: لذلك الرجل (وِزْرٌ) أي: مكسب للإثم، بسبب قصده السيّئ، فالجملة مؤكّدة لما قبلها مشعرة باهتمام الشارع به، والتحذير عنه.
(وَأَمَّا الَّتي هِيَ لَهُ سِتْرٌ) بفتح السين، وكسرها؛ أي: ساتر وحجاب له عن ذلّ السؤال، والحاجة إلى الناس (فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ) قيل: معناه: ليجاهد في سبيل الله، والصواب ما قاله الطيبيّ ﵀: إنه لم يُرد به الجهاد، بل النيّة الصالحة؛ لئلا يلزم منه التكرار، قال: ويعضده رواية غيره: "ورجل ربطها تغنّيًا وتعفّفًا"؛ أي: استغناء بها وتعفّفًا عن السؤال، وهو الآن يطلب بنتاجها الغنى والعفّة، أو يتردّد عليها إلى متاجرة ومزارعة، فتكون سترًا له تحجبه عن الفاقة. انتهى (^٢).
(ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا) أي: بالعارية للركوب، أو الفحل (وَلَا رِقَابِهَا) قال الطيبيّ ﵀: إما تاكيد وتَتِمّةٌ للظهور، وإما دليل لقول من قال بوجوب الزكاة فيها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد استظهر القاري الاحتمال الثاني تأييدًا لمذهبه الحنفيّ الموجب لزكاة الخيل، لكن الراجح عدم الوجوب، كما سيأتي تحقيقه، فتنبّه.
وقال الجزريّ في "جامع الأصول": أما حقّ الظهور، فهو أن يَحْمِل
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٤٧٤.
(٢) راجع: "الكاشف" ٤/ ١٤٧٤.
[ ١٩ / ١٥٩ ]
عليها منقَطَعًا، ويشهد له قوله في موضع آخر: "وأن يُفقِر ظهرها"، وأما حقّ رقابها، فقيل: أراد به الإحسان إليها، والقيام بعلفها، وسائر مؤنها، وقيل: أراد به الحمل عليها، فعبّر بالرقبة عن الذات. انتهى (^١).
وأوّله السنديّ بأن المراد: لم ينس شكر الله تعالى لأجل إباحة ظهورها، وتمليك رقابها، وذلك الشكر يتأدّى بالعارية. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: وقد تعلّق أبو حنيفة، ومن يقول بوجوب الزكاة في الخيل بقوله: "ثم لم ينس حقّ الله في رقابها"، قالوا: وحقّ الله هو الزكاة، ولا حجة فيه؛ لأن ذكر الحقّ هنا مُجملٌ غير مفسّر، ثم يقال بموجبه؛ إذ قد يتعيّن فيها حقوق واجبة دئه تعالى في بعض الأوقات، كإخراجها في الجهاد، والحمل عليها في سبيل الله، والإحسان بها الواجب، والصدقة بما يكتسب عليها إن دعت إلى ذلك ضرورة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القرطبيّ ﵀ هو الحقّ، فليس حقّ الله تعالى الواجب محصورًا في الزكاة فقط، فقد يجب في بعض الأحيان غير الزكاة، كما سيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
(فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ) أي: حجاب من سؤال الغير عند حاجته لركوب فرس، بدليل قوله: "تغنّيًا، وتعفّفًا" أي: عن الناس.
(وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: أعدّها لإعلاء كلمة الله تعالى، وأصله من الربط، ومنه الرباط، وهو حبس الرجل نفسه وعُدّته في الثغور تجاه العدوّ، أفاده القرطبيّ ﵀ (^٣).
وقوله: (لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ) فيه إشارة إلى أن المراد به الجهاد، فإن نفعه متعدّ إلى أهل الإسلام.
(فِي مَرْجٍ) بفتح الميم، وسكون الراء، آخره جيمٌ: أي: مَرْعًى، قال في "النهاية": هو الأرض الواسعة ذات نبات كثير، تَمْرُج فيها الدوابّ؛ أي: تُسرَح فيها، والجارّ متعلّق بـ "رَبَطَ"، وقوله: (وَرَوْضَةٍ) عطف تفسير، أو الروضة أخصّ
_________________
(١) "جامع الأصول" ٥/ ٤٦٦ - ٤٦٧.
(٢) "المفهم" ٣/ ٢٨.
(٣) "المفهم" ٣/ ٢٨.
[ ١٩ / ١٦٠ ]
من المرج، وفي بعض النسخ: "أو روضة" بـ "أو" التي للشكّ من الراوي.
وقال وليّ الدين العراقيّ ﵀: "الْمَرْجُ": الموضع الواسع الذي فيه نبات ترعاه الدوابّ، سُمّي بذلك؛ لأنها تَمْرُج فيه أي: تروح، وتجيء، وتذهب كيف شاءت، و"الرَّوْضة": الموضع الذي يَكثُر فيه الماء، فيكون فيه صنوف النبات، من رياحين البادية وغيرها، فالفرق بين المرج والروضة أن الأول مُعَدٌّ لِرَعْي الدواب، ولذلك يكون واسعًا؛ ليتأتى لها فيه ذلك، والروضة ليست مُعَدَّة لرعي الدواب، وإنما هي للتنزه بها؛ لما فيها من أصناف النبات، هذا هو الذي يتحرر من كلام أهل اللغة، فصحّ عطف الروضة على المرج، وكذا وقع في "صحيح مسلم" عطف الروضة أولًا بالواو، وثانيًا بـ "أو"، والظاهر أن الواو أوّلًا بمعنى "أو". انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (^١).
(فَمَا أَكَلَتْ) أي: الخيل، وقوله: (مِنْ ذَلِكَ الْمَرْج، أَوِ الرَّوْضَةِ) بيان مقدّم لقوله: (مِنْ شَئ) أي: من العلف، أو الأزهار، قلّ أَو كثُر (إِلَّا كُتِبَ لَهُ) بالبناء للمفعول (عَدَدَ مَما أَكَلَتْ) "ما" موصولة، والفعل مبنيّ للفاعل؛ أي: أكلته من العشب وغيره، وقوله: (حَسَنَاتٌ) بالرفع على أنه نائب لـ"كُتِبَ"، و"عدَدَ" منصوب على الظرفيّة، أو بنزع الخافض؛ أي: بعدد ما أكلته. وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: قوله: "كُتِبَ له عددُ ما أكلت حسناتٍ" برفع "عددُ" لنيابته عن الفاعل، ونصب "حسناتٍ" بالكسرة على التمييز، وَيحْتَمِل رفع قوله: "حسنات" على أنه بدل من "عددُ"، أو عطف بيان، وَيحْتَمِل أن يكون هو النائب عن الفاعل، ويكون قوله: "عددَ" منصوبًا نصبَ المصدر العددي. انتهى (^٢).
وقوله: (وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ) إعرابه كإعراب سابقه، قال في "المرعاة": إنما كُتبت الأرواث، والأبوال حسنات؛ لأن بها بقاء حياتها، مع أن أصلها قبل الاستحالة غالبًا من مال مالكها. انتهى (^٣).
(وَلَا تَقْطَعُ) أي: تلك الخيل (طِوَلَهَا) بكسر الطاء، وفتح الواو، ويقال:
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٤/ ١٣ - ١٤.
(٢) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٤/ ١٤.
(٣) "المرعاة" ٦/ ١٦.
[ ١٩ / ١٦١ ]
"طِيَلَها" بالياء، وكذا في "الموطأ"، والطِّوَلُ، والطِّيَلُ: الحبل الطويل الذي يُرْبَط أحد طرفيه في يد الفرس، والآخر في وَتَد، أو غيره؛ لتدور فيه، وترعى من جوانبها، ولا تذهب لوجهها.
(فَاسْتَنَّتْ) بالسين المهملة، والتاء المثناة من فوقُ، والنون المشدَّدة: أي: جَرَت بقوّة من الاستنان، وهو الجريُ، وقال القاري: أي: عَدَتْ، ومَرِجَتْ، ونَشِطَت لِمُرَاحها (شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) -بفتح الشين المعجمة، والراء المهملة- وهو العالي من الأرض، وقيل: المراد هنا طَلَقًا، أو طَلَقَيْن، قاله النوويّ، وقال الجزريّ: الشَّرَفُ: الشوط والْمَدَى (إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا) أي: بعدد خُطاها (وَأَرْوَاثِهَا) با لفتح: جمع رَوْث -بفتح، فسكون- قال الفيّوميّ: راث الفرس، ونحوه رَوْثًا، من باب قال، والخارج رَوْث، تسمية بالمصدر، والروثة الواحدة منه. انتهى.
وقال في "المرعاة": لعله أراد بالروث هنا ما يشمل البول، أو أسقطه للعلم به منه (^١).
وقول: (حَسَنَاتٍ) هنا بالنصب، لا غير؛ لأنه مفعول به لـ"كَتَبَ".
(وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ) -بسكون الهاء، وفتحها- قال الفيّوميّ ﵀: النَّهْرُ: الماء الجاري الْمُتَّسِعُ، والجمع نُهُرٌ -بضمّتين-، وأنهُرٌ. والنَّهَر -بفتحتين- لغة، والجمع أنهارٌ، مثلُ سبب وأسباب، ثم أُطلق النهر على الأُخدود، مجازًا؛ للمجاورة، فيقال: جرى النهر، وجفّ النهر، كما يقال: جرى الميزاب، والأصل: جرى ماء النهر. انتهى.
(فَشَرِبَتْ) الخيل (مِنْهُ) أي: من ذلك النهر، وقوله: (وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا) بفتح أوله، وضمّه، من سقى، وأسقى ثلاثيًّا ورباعيًّا، والجملة حال؛ أي: والحال أن صاحبها لا ينوي أن يسقيها من ذلك النهر.
(إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ") قال الحافظ وليّ الدين ﵀: هذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا حَصَلت له هذه الحسنات من غير أن يَقْصِد سقيها، فإذا قصده فأولى بإضعاف الحسنات. انتهى (^٢).
_________________
(١) "المرعاة" ٦/ ١٦.
(٢) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٤/ ١٤.
[ ١٩ / ١٦٢ ]
وقال الطيبيّ ﵀: فيه مبالغة في اعتداد الثواب؛ لأنه إذا اعتُبر ما تستقذره النفوس، وتنفر عنه الطباع، فكيف بغيرها؟، وكذا إذا احتُسب ما لا نيّة له فيه، وقد ورد: "وإنما لكلّ امرئ ما نوى"، فما بال ما إذا قصد الاحتساب فيه، قال ابن الملك: فالحاصل أنه يُجعل لمالكها بجميع حركاتها، وسكناتها، وفَضَلاتها حسنات.
وقال الحافظ: وفيه أن الإنسان يؤجر على التفاصيل التي تقع في فعل الطاعة إذا قصد أصلها، وإن لم يقصد تلك التفاصيل. انتهى (^١).
وقال السنديّ ﵀. وهذا لا يخالف حديث "إنما الأعمال بالنيّات"؛ لأن المفروض وجود النيّة في أصل ربط هذه الفرس، وتلك كافية. انتهى (^٢).
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْحُمُرُ؟) بضمّتين: جمع حمار؛ أي: ما حكمها؟، قال الحافظ ﵀: لم أقف عدى تسمية السائل صريحًا (قَالَ) -ﷺ- ("مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ) الاستثناء مفرّغٌ، واسم الإشارة في محلّ رفع على أنه نائب الفاعل و"أُنزل"، و"الآيةُ" مرفوع على أنه بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان، أو نعت له (الْفَاذَّةُ) بالذال المعجمة المشدّدة: أي: المنفردة في معناها، وقيل: القليلة النظير، وقيل: النادرة الواحدة (الْجَامِعَةُ) أي: العامّة المتناولة لكل خير ومعروف، ومعنى ذلك أنه لم ينزل عليّ فيها نصّ بعينها، ولكن نزلت هذه الآية العامة.
وقال ابن الملك: يعني: أنه ليس في القرآن آية مثلها في قلة الألفاظ، وجمع معاني الخير والشرّ.
وقال الطيبيّ: سُمّيت جامعةً؛ لاشتمال اسم الخير على جميع أنواع الطاعات، فرائضها، ونوافلها، واسم الشرّ على ما يقابلها، من الكفر والمعاصي: صغيرها وكبيرها.
وقال في "الفتح": سمّاها جامعةً لشمولها لجميع الأنواع من طاعة ومعصية، وسمّاها فاذّة؛ لانفرادها في معناها. وقال ابن التين: والمراد أن
_________________
(١) راجع: "المرعاة" ٦/ ١٦.
(٢) "شرح السندي" ٦/ ٢١٦ - ٢١٧.
[ ١٩ / ١٦٣ ]
الآية دلّت على أن من عمل في اقتناء الحمير طاعة رأى ثواب ذلك، وإن عمل معصيةً، رأى عقاب ذلك.
قال النوويّ ﵀: وفيه إشارة إلى التمسك بالعموم، وقد يَحتجّ به من قال: لا يجوز الاجتهاد للنبيّ -ﷺ-، وإنما كان يحكم بالوحي، ويجاب للجمهور القائلين بجواز الاجتهاد بأنه لم يظهر له فيها شيء. انتهى (^١).
(﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾) أي: مقدار أصغر نملة (﴿خَيْرًا﴾) منصوب على التمييز لذرة (﴿يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]) أي: في الآخرة ليجازى عليه خيرًا (﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾) [الزلزلة: ٨] أي: ليُجازَى عليه شرًا؛ إذ الجزاء من جنس العمل، وأنشدوا في معنى الآية [من الخفيف]:
إِنَّ مَنْ يَعْتَدِي وَيَكْسِبُ إِثْمًا … وَزْنَ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ سَيَرَاهُ
وَيُجَازَى بِفِعْلِهِ الشَّرَّ شَرًّا … وَبِفِعْلِ الْجَمِيلِ أَيْضًا جَزَاهُ
هَكَذَا قَوْلُهُ تَبَارَكَ رَبِّي … فِي ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وَجَلَّ ثَنَاهُ (^٢)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٢٢٩٠ و٢٢٩١ و٢٢٩٢ و٢٢٩٣ و٢٢٩٤ و٢٢٩٥] (٩٨٧)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٠٢) و"المساقاة" (٢٣٧١) و"الجهاد والسير" (٢٨٦٠ و٣٦٤٦) و"التفسير" (٤٥٦٥ و٤٦٥٩) و(٤٩٦٢ و٤٩٦٣) و"الأيمان والنذور" (٦٦٣٨) و"الحيل" (٦٩٥٨)، و(أبو داود) في "الزكاة" (١٦٥٨ و١٦٥٩)، و(الترمذيّ) في "فضائل الجهاد" (١٦٣٦)، و(النسائيّ) في "الخيل" (٣٥٨٩ و٣٦٠٩) و"الكبرى" (٤٤٠٢ و٤٤٠٣ و٤٤٢٣)، و(ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٧٨٨)، و(مالك) في "الموطأ" (٩٧٥)،
_________________
(١) "طرح التثريب" ٤/ ١٤.
(٢) راجع: "تفسير القرطبيّ" ٢٠/ ١٥٢.
[ ١٩ / ١٦٤ ]
و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٤/ ٢٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٠١ و٢٦٢ و٢٧٦ و٣٨٣ و٤٢٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٥٢ و٢٢٥٣ و٢٢٩١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٤٥)، و(أبو نعيم) في "مسنده" (٣/ ٦٦ - ٦٩)، و(الطبرانيّ) في "المعجم الأوسط" (٣/ ١٨٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٨١ و١١٩ و١٣٧ و١٨٣ و٣/ ٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٦٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان التغليظ في عقوبة منع الزكاة.
٢ - (ومنها): بيان وجوب الزكاة في الفضّة والذهب، ولا خلاف فيه، وكذا لا خلاف في باقي المذكورات، من الإبل والبقر، والغنم.
٣ - (ومنها): بيان وجوب الزكاة في الإبل، وقد استوفيت بيان ما يتعلّق بزكاتها، واختلاف العلماء فيه في "شرح النسائيّ"، فراجعه (^١) تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٤ - (ومنها): أن هذا الحديث أصحّ ما ورد في وجوب الزكاة في البقر، وقد استوفيت البحث فيه في "شرح النسائيّ"، فراجعه (^٢) تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٥ - (ومنها): بيان وجوب الزكاة في الغنم، وقد استوفيت بيان ما يتعلّق بذلك في "شرح النسائيّ"، فراجعه (^٣) تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٦ - (ومنها): التنفير من جمع المال، لمن لا يقوم بواجبه، بل يمنع الحقوق الواجبة فيه؛ لما فيه من الوعيد الشديد.
٧ - (ومنها): أنه لا يُقطع لمانع الزكاة بالنار، إن لم يستحلّ ذلك؛ لقوله: "فيرى سبيلهْ إما إلى الجنّة، أو إلى النار"، والله تعالى أعلم بالصواب.
٨ - (ومنها): بيان فضل الخيل.
_________________
(١) راجع: "ذخيرة العقبى" ٢٢/ ٧١ - ٩٢.
(٢) راجع: "ذخيرة العقبى" ٢٢/ ١١٤ - ١١٦.
(٣) راجع: "ذخيرة العقبى" ٢٢/ ١٢٣.
[ ١٩ / ١٦٥ ]
٩ - (ومنها): بيان أن الخيل إنما يكون في نواصيها الخير والبركة؛ إذا كان اتخاذها في الطاعة، أو في الأمور المباحة، وإلا فهي مذمومة.
١٠ - (ومنها): أن فيه تحقيقَ إثبات العمل بظواهر العموم، وأنها مُلْزِمة، حتى يدلّ دليلٌ التخصيص.
١١ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى الفرق بين الحكم الخاصّ المنصوص، والعامّ الظاهر، وأن الظاهر دون المنصوص في الدلالة، ومحلّ بحث هذه المسألة فنّ أصول الفقه.
١٢ - (ومنها): أن ابن بطال قال: فيه تعليم الاستنباط والقياس؛ لأنه شبّه ما لم يَذكر الله حكمه في كتابه، وهو الحمر، بما ذكره من عمل مثقال ذرّة من خير أو شرّ؛ إذ كان معناهما واحدًا، قال: وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا فهم عنه.
وتعقّبه ابن الْمُنَيِّر بأن هذا ليس من القياس في شيء، وإنما هو استدلال بالعموم، وإثبات لصيغته، خلافًا لمن أنكر، أو وقف. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب حقّ في المال سوى الزكاة:
قال المازريّ ﵀ في قوله -ﷺ-: "ومن حقّها حلبها يوم وردها": يَحْتَمِل أن يكون هذا الحقّ في موضع تتعيّن فيه المواساة، وقال القاضي عياض ﵀: هذه الألفاظ صريحة في أن هذا الحقّ غير الزكاة، قال: ولعلّ هذا كان قبل وجوب الزكاة.
وقد اختلف السلف في معنى قول الله تعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، فقال الجمهور: المراد به الزكاة، وأنه ليس في المال حقّ سوى الزكاة، وأما ما جاء غير ذلك فعلى وجه الندب، ومكارم الأخلاق، ولأن الآية إخبار عن وصف قوم أُثني عليهم بخصال كريمة، فلا يقتضي الوجوب، كما لا يقتضيه قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ [الذاريات: ١٧].
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ١٥٥.
[ ١٩ / ١٦٦ ]
وقال بعضهم: هي منسوخة بالزكاة، وإن كان لفظه لفظ خبر، فمعناه أمر.
قال: وذهب جماعة، منهم: الشعبيّ، والحسن، وطاوسٌ، وعطاءٌ، ومسروقٌ، وغيرهم إلى أنها محكمة، وأن في المال حقًّا سوى الزكاة، من فكّ الأسير، وإطعام المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة. انتهى (^١).
وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: إنه مذهب أبي ذرّ، وغير واحد من التابعين (^٢).
وقال أبو محمد بن حزم ﵀: من قال: إنه لا حقّ في المال غير الزكاة، فقد قال الباطل، ولا برهان على صحّة قوله، لا من نصّ، ولا إجماع، وكلّ ما أوجبه رسول الله -ﷺ- في الأموال فهو واجب، ونسأل من قال هذا: هل تجب في الأموال كفارة الظهار، والأيمان، وديون الناس، أم لا؟ فمن قولهم: نعم، وهذا تناقض منهم، وأما إعارة الدلو، وإطراق الفحل، فداخل تحت قول الله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧]. انتهى (^٣).
وهذا المذهب هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀، فإنه رجّح القول بأن في المال حقًّا سوى الزكاة، وذلك مثل صلة الرحم من النفقة الواجبة، وحمل العقل عن المعقول عنه، ومثل إطعام الجائع، وكسوة العاري، وكالإعطاء في النوائب، مثل النفقة في الجهاد، وكذلك قرى الضيف، فهو واجب بالسنة الصحيحة.
قال: وهو فرض كفاية، فمن غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعيّن عليه. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ بتصرّف (^٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا القول الأخير الذي اختاره ابن حزم، وابن تيميّة هو الحقّ عندي؟ لظواهر النصوص الدالّة على أن في المال
_________________
(١) "شرح مسلم" للنوويّ ٧/ ٧٣ - ٧٤.
(٢) "طرح التثريب" ٤/ ١١.
(٣) "المحلّى" ٦/ ٥٠.
(٤) راجع: "مختصر الفتاوى المصريّة" ص ٢٤٧. وراجع: "تيسير الفقه الجامع للاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تأليف د. أحمد موافي ١/ ٤١٥.
[ ١٩ / ١٦٧ ]
حقًّا سوى الزكاة، كأحاديث الباب، وأما قولهم: إنه كان قبل الزكاة، فنسخ بها، فغير صحيح؛ لأن الحديث من رواية أبي هريرة -﵁-، وهو متأخّر الإسلام عن وجوب الزكاة بيقين، فإنه أسلم عام خيبر، وفرض الزكاة كان قبل ذلك بزمان، كما تقدّم بيانه.
والحاصل أن الصواب وجوب الحقّ في المال سوى الزكاة إذا دعت الحاجة إليه، كفكّ الأسير، وإطعام المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة، وتكفين الميت، وتجهيزه، ودفنه؛ إذا لم يوجد من يقوم به، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: أخرج الترمذيّ في "جامعه"، وابن ماجه في "سننه" عن فاطمة بنت قيس -﵄-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: "إن في المال حقًّا سوى الزكاة"، ولفظ ابن ماجه: "في المال حقّ سوى الزكاة"، وفي بعض نسخه: "ليس في المال حقّ سوى الزكاة".
وهو ضعيف جدًّا، لا يصلح للاحتجاج به؛ لأن في إسناده أبا حمزة ميمون الأعور القصّاب، قال أحمد: متروك الحديث، وقال الترمذيّ: هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يُضعّف، ورَوَى بيانٌ، وإسماعيل بن سالم عن الشعبيّ هذا الحديث قولَهُ، وهذا أصحّ انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[٢٢٩١] (…) - (وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ إِلَى آخِرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا"، وَلَمْ يَقُلْ: "مِنْهَا حَقَّهَا"، وَذَكَرَ فِيهِ: "لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا"، وَقَالَ: "يُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ، وَجَبْهَتُهُ، وَظَهْرُهُ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ) أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) وله (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣.
_________________
(١) راجع: "جامع الترمذيّ" ٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧. بنسخة "تحفة الأحوذيّ".
[ ١٩ / ١٦٨ ]
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عبّاد، أو أبو سعد المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت ١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٣.
و"زيد بن أسلم" ذُكر قبله.
وقوله: (وَذَكَرَ فِيهِ: "لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا") ظاهره أن هذا ليس في رواية حفص بن ميسرة، وفيه نظر، فقد تقدّم فيها، إلا إذا اختلفت النسخ، فليُحرّر، والله أعلم.
[تنبيه]: رواية هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٩٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، إِلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلَّا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ، تَسْتَنُّ عَلَيْهِ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ (^١)، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلَّا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ، فَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا
_________________
(١) وفي نسخة: "بين العباد".
[ ١٩ / ١٦٩ ]
إِلَى النَّارِ"، قَالَ سُهَيْلٌ: فَلَا أَدْرِي (^١) أَذَكَرَ الْبَقَرَ أَمْ لَا؟ قَالُوا: فَالْخَيْلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا، أَوْ قَالَ: الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا، قَالَ سُهَيلٌ: أَنَا أَشُكُّ: الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الْخَيْلُ ثَلَاَثةٌ: فَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّتى هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيُعِدُّهَا لَهُ، فَلَا تُغَيِّبُ شَيْئًا فِي بُطُونِهَا، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْرًا، وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْجٍ، مَا أَكَلَتْ مِنْ شَيْءٍ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا أَجْرًا، وَلَوْ سَقَاهَا مِنْ نَهْرٍ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرَةٍ تُغَيِّبُهَا فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ، حَتَّى ذَكَرَ الْأَجْرَ فِي أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا، وَلَوِ اسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا أَجْرٌ، وَأمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا، وَلَا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا وَبُطُونِهَا، فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ وِزْرٌ (^٢)، فَالَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا، وَبَذَخًا وَرِيَاءَ النَّاسِ، فَذَاكَ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ"، قَالُوا: فَالْحُمُرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ فِيهَا شَيْئًا، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْجَامِعَةَ الْفَاذَّةَ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُموِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارب الأمويّ البصريّ، صدوقٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٦.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ) الدّبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٤/ ١٦٧٤.
٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
والباقيان ذُكرا قبله.
_________________
(١) وفي نسخة: "ولا أدري".
(٢) وفي نسخة: "وأما الذي هي عليه وزر".
[ ١٩ / ١٧٠ ]
وقوله: (مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ) قال في "الصحاح": الكنز المال المدفون، وفي "المحكم": أنه اسم للمال، ولما يُخزن فيه، وفي "المشارق": أصله ما أُودع الأرضَ، من الأموال، وفي الحديث: "ما لم يُؤَدِّ زكاتَهُ، وغيّبه عن ذلك"، وقال في "النهاية": الكنز في الأصل: المال المدفون تحت الأرض، فإذا أخرج منه الواجب لم يبق كنزًا، وإن كان مكنوزًا، قال: وهو حكم شرعيّ، تُجُوّز فيه عن الأصل. انتهى (^١).
وقال ابن عبد البرّ: الكنز في لسان العرب: هو المال المجتمع المخزون، فوق الأرض كان، أو تحتها، ذكره صاحب "العين" وغيره بمعناه. انتهى (^٢).
وقال النوويّ: قال الإمام أبو جعفر الطبريّ ﵀: الكنز كلُّ شيء مجموعٌ بعضه على بعض، سواء كان في بطن الأرض، أم على ظهرها، زاد صاحب "العين" وغيره: وكان مخزونًا. انتهى (^٣).
[تنبيه]: قد اختُلِف في معنى "الكنز" في هذا الحديث، ونحوه، وكذا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٤]: قال القاضي عياض ﵀: واختَلَف السلف في المراد بالكنز المذكور في القرآن والحديث، فقال أكثرهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة، فلم تُؤَدَّ، فأما ما أخرجت زكاته فليس بكنز، وقيل: الكنز هو المذكور عن أهل اللغة، ولكن الآية منسوخة بوجوب الزكاة، وقيل: المراد بالآية أهل الكتاب المذكورون قبل ذلك، وقيل: كل ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز، وإن أديت زكاته، وقيل: هو ما فَضَلَ عن الحاجة، ولعل هذا كان في أول الإسلام، وضيق الحال، واتفَق أئمة الفتوى على القول الأول، وهو الصحيح؛ لقوله -ﷺ-: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته … "، وذكر عقابه، وفي الحديث الآخر: "من كان عنده مالٌ، فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له شجاعًا أقرع"، وفي آخره: "فيقول: أنا كنزك". انتهى.
_________________
(١) "النهاية" ٤/ ٢٥٣.
(٢) راجع: "طرح التثريب" ٤/ ٧ - ٩.
(٣) "شرح النوويّ" ٧/ ٦٧.
[ ١٩ / ١٧١ ]
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ ما معناه: اختلف في المراد بالكنز في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، وما في معناه، فالجمهور على أنه ما لم تؤدَّ زكاته، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، ثم ذكر ذلك عن عمر، وابنه عبد الله، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ثم استشهد لذلك بما رواه عن أم سلمة -﵂-، قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ قال: "ما بلغ أن تُؤَدَّى زكاتُهُ، فزُكِّيَ فليس بكنز"، أخرجه أبو داود، قال الحافظ ابن عبد البرّ: وفي إسناده مقال، وقال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": إسناده جيّد، رجاله رجال الصحيح.
قال ابن عبد البرّ: ويشهد لصحّته حديث أبي هريرة -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: "إذا أَدَّيتَ زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك"، رواه الترمذيّ، وقال حسنٌ غريب، والحاكم في "مستدركه"، وقال: صحيح من حديث المصريين، وذكر العراقيّ أنه على شرط ابن حبّان في "صحيحه".
وفي معناه أيضًا حديث جابر مرفوعًا: "إذا أدّيت زكاة مالك، فقد أذهبت عنك شرّه"، رواه الحاكم في "مستدركه"، وصححه على شرط مسلم، ورجّح البيهقيّ وقفه على جابر، وكذلك ذكره ابن عبد البرّ، وكذا صحح أبو زرعة وقفه على جابر، وذكره بلفظ: "ما أدي زكاته فليس بكنز".
وروى البيهقيّ عن ابن عمر، مرفوعًا: "كلّ ما أدّي زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا تحت الأرض، وكلّ ما لا يؤدى زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهرًا"، وقال البيهقيّ: ليس بمحفوظ، والمشهور وقفه.
وفي "سنن أبي داود" عن ابن عباس -﵄-: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قال: كَبُرَ ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرّج عنكم، فانطلق، فقال للنبيّ -ﷺ-: يا نبيّ الله، إنه كَبُرَ على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله -ﷺ-: "إن الله لم يَفرض الزكاة إلا لتطييب ما بقي من أموالكم … " الحديث، وفيه ضعف (^١).
_________________
(١) هذا الحديث إسناده ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا، فقد ثبت عن شعبة أنه قال: =
[ ١٩ / ١٧٢ ]
قال ابن عبد البرّ: والاسم الشرعيّ قاضٍ على الاسم اللغويّ، وما أعلم مخالفًا في أن الكنز ما لم تؤدّ زكاته، إلا شيئًا عن عليّ، وأبي ذرّ، والضحّاك، ذهب إليه قوم من أهل الزهد، قالوا: إن في المال حقوقًا سوى الزكاة. أما أبو ذرّ -﵁-، فقد ذهب إلى أن كلّ مال مجموع يفضل عن القوت، وسداد العيش، فهو كنز، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك.
وأما عليّ -﵁-، فروي أنه قال: أربعة آلاف نفقة، فما فوقها فهو كنز.
وأما الضّحّاك، فقال: من ملك عشرة آلاف درهم، فهو من الأكثرين الأخسرين إلا من قال بالمال هكذا، وهكذا.
وكان مسروق يقول في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠]: هو الرجل يرزقه الله المال، فيمنع قرابته الحقّ الذي فيه، فيُجعل حيّة يُطَوَّقها.
قال ابن عبد البرّ: وهذا ظاهر أنه غير الزكاة، ويحتمل أنه الزكاة.
قال: وسائر العلماء، من السلف والخلف على ما تقدّم في الكنز، قال: وما استدلّ به من الأمر بإنفاق الفضل، فمعناه أنه على الندب، أو يكون قبل نزول الزكاة، ونُسِخَ بها، كما نسخ صوم عاشوراء برمضان، وعاد فضيلة بعد أن كان فريضة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم في المسألة السابقة أن الراجح بقاء وجوب الحقّ سوى الزكاة؛ إذا دعت الحاجة إلى ذلك، من مواساة أصحاب الحاجة والضرورة. فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: على أن أبا ذرّ أكثر ما تواتر عنه في الأخبار الإنكارُ على من أخذ المال من السلاطين لنفسه، ومنع منه أهله، فهذا ما لا خلاف عنه في إنكاره، وأما إيجاب غير الزكاة، فمختلف عنه فيه.
وتأوّل القاضي عياض ﵀ أيضًا كلام أبي ذرّ على نحو ذلك، فقال:
_________________
(١) = لم يسمع جعفر عن مجاهد شيئًا، بل من صحيفة. انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب" ١/ ٣٠٠ - ٣٠١، فعلى هذا ففيه انقطاع، فتنبّه.
[ ١٩ / ١٧٣ ]
الصحيح أن إنكاره إنما هو على السلاطين الذين يأخذون لأنفسهم من بيت المال، ولا ينفقونه في وجوهه.
قال النوويّ ﵀: وهذا الذي قاله باطلٌ؛ لأن السلاطين في زمنه أبو بكر، وعمر، وعثمان -﵃-، وتوفي في زمن عثمان سنة اثنتين وثلاثين. انتهى.
قال وليّ الدين ﵀: لعله أراد بالسلاطين بعض نوّاب الخلفاء، كمعاوية، وقد وقع بينه وبين أبي ذرّ بسبب هذه الآية تشاجُر، أوجب انتقال أبي ذرّ إلى المدينة، كان معاوية يقول: هي في أهل الكتاب خاصّةً، وقال أبو ذرّ: هي فينا، وفيهم، على أن عبارة ابن عبد البرّ ليست صريحة في أن الإنكار على السلاطين، كعبارة القاضي عياض، بل هي محتملة لأن يكون المراد الإنكار على الآحاد الذين ياخذون الأموال من السلاطين، وهم غير محتاجين إليها، فيجمعونها عندهم، وقد يؤدّي ذلك إلى منع من هوأحقّ منهم، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تمثيله بمعاوية -﵁- لمن يأخذ من بيت المال ظلمًا، فيه سوء أدب مع صحابيّ جليل، من أصحاب رسول الله -ﷺ-، فليُتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: ولما حَكَى ابن العربيّ قول الضحّاك، قال: وإنما جعله أوّل حدّ الكثرة؛ لأنه قيمة النفس المؤمنة، وما دونه في حدّ القلّة، وهو فقه بالغ، وقد رُوي عن غيره، وإني لأستحبّه قولًا، وأصوّبه رأيًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي أن ما أدّي زكاته فليس بكنز، لكن هذا لا ينافي ما تقدّم من ثبوت الحقّ في المال لحاجة المحتاجين؛ لثبوت الأدلة على ذلك، فمن أنكر ذلك فقد تناقض، فإنه قد ثبت الإجماع على وجوب أنواع الكفارات، من القتل، والظهار، واليمين، والجماع في رمضان، وكذا النذور، وأداء ديون الناس، وغير ذلك من الحقوق، وكلها سوى الزكاة، فمن أوجب هذه الأشياء في المال، وهي سوى الزكاة، فكيف ينكر وجوب صلة ذوي الأرحام، ومواساة الفقراء، وغيرهم من أصحاب الضرورة؟، إن هذا
_________________
(١) راجع: "طرح التثريب" ٤/ ٧ - ٩.
[ ١٩ / ١٧٤ ]
لهو العجب العجاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وقوله: (قَالَ: الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا) جمع ناصية، وهي الشعر المنسدِل على الجبهة.
وقوله: (الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) متعلّقٌ بـ "معقود"، وفهم منه دوام حكم الجهاد إلى يوم المعاد، وهذا الكلام جَمَعَ من أصناف البديع ما يعجز منه كلُّ بليغ، ومن سُهولة الألفاظ ما يعجب، ويُستطاب. قاله أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١).
وقال النوويّ ﵀: جاء تفسير "الخير" في الحديث الآخر في "الصحيح": بالأجر والمغنم، وفيه دليل على بقاء الإسلام والجهاد إلى يوم القيامة، والمراد قُبيل القيامة بيسير؛ أي: حتى تأتي الريح الطيبة مِن قِبَلِ اليمن تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، كما ثبت في "الصحيح". انتهى.
وقال السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ": جاء تفسير الخير المذكور هنا بالأجر والغنيمة، قال: ويزاد العزّة، والجاه بالمشاهدة، فيُحمل ما جاء على التمثيل دون التحديد، أو على بيان أعظم الفوائد المطلوبة، بل على بيان الفائدة المترتّبة على ما خُلق له، وهو الجهاد، والجاه ونحوه حاصل بالاتّفاق، لا بالقصد، والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
وقوله: (فَلَا تُغَيِّبُ) بضم أوله، وتشديد الياء، من التغييب، والضمير للخيل.
وقوله: (وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْجٍ) أي: أسامها في روضة، يقال: رَعَتِ الماشية تَرْعَى رَعْيًا، فهي راعيةٌ: إذًا سَرَحَتْ بنفسها، ورَعَيْتُهَا أرعاها، يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، قاله في "المصباح" (^٣)، وما هنا من المتعدّي، ولذا نصب ضمير الخير.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٠٣.
(٢) "شرح السندي على النسائيّ" ٦/ ٢١٥.
(٣) "المصباح" ١/ ٢٣١.
[ ١٩ / ١٧٥ ]
و"الْمَرْج" بفتح، فسكون: أرضٌ ذات نبات ومَرْعًى، والجمع مُرُوجٌ، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس (^١).
وقوله: (بِكُلِّ خُطْوةٍ) بضمّ، فسكون: مسافة ما بين الرجلين، وأما الْخَطْوة بالفتح فهي المرّة، قال في "المصباح": خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْوًا: مشيتُ، الواحدة خَطْوَةٌ، مثلُ ضَرْب وضَرْبة، والْخُطْوَةُ بالضمّ: ما بين الرِّجلين، وجمع المفتوح خَطَوَات على لفًظه، مثلُ شَهْوةٍ وشَهَوَاتٍ، وجمع المضموم خُطًى، وخُطُوَات، مثلُ غُرَفٍ وغُرُفَات في وجوهها. انتهى (^٢).
وقوله: (فِي عُسْرِهَا ويُسْرِهَا) لعله أراد حال نشاطها وقوّتها، وحال ضعفها ومرضها، والمراد جميع أحوالها؛ يعني: أنه يواسي المحتاجين بها في كلّ الأحوال، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَأمَّا الَّذِي عَلَيْهِ وِزْرٌ) وفي نسخة: "وأما الذي هي عليه وزر".
وقوله: (فَالذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا، وَبَذَخًا وَرِيَاءَ النَّاسِ) قال أهل اللغة: "الأَشَرُ" بفتح الهمزة والشين، وهو الْمَرَحُ واللَّجَاج، وأما "الْبَطَرُ": فالطغيان عند الحقّ، وأما "الْبَذَخُ": فبفتح الباء والذال المعجمة، وهو بمعنى الأشَر والبَطَر، قاله النوويّ -﵀- (^٣).
والحديث متّفق عليه، وهو بهذا السياق المطوّل من أفراد المصنّف -﵀-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٩٣] (…) - (وَحَدثنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدرَاوَرْدِي، عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدَّم قبل باب.
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٥٦٧.
(٢) "المصباح" ١/ ١٧٤.
(٣) "شرح النوويّ" ٧/ ٦٩ - ٧٠.
[ ١٩ / ١٧٦ ]
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدرَاوَرْدِيُّ) هو: ابن محمد الجهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يحدّث من كتب غيره فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
و(سُهيل) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد العزيز الدراورديّ، عن سُهيل هذه ساقها التِّرمذيّ، فقال:
(١٦٣٦) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الخيل لثلاثة: هي لرجل أجرٌ، وهي لرجل ستر، وهي على رجل وزرٌ، فأمَّا الذي له أجر، فالذي يتخذها في سبيل الله، فيُعِدّها له، هي له أجر، لا يَغِيب في بطونها شيء، إلا كتب الله له أجرًا"، وفي الحديث قصة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٩٤] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صالِحٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَقَالَ بَدَلَ "عَقْصَاءُ": "عَضْبَاءُ"، وَقَالَ: "فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَظَهْرُهُ"، وَلَمْ يَذْكُر "جَبِينُهُ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيعٍ) (^١) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (م ت س) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
_________________
(١) بفتح الباء الموحّدة، وكسر الزاي.
[ ١٩ / ١٧٧ ]
٣ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ العنبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظ [٦] (ت ١٤١) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
و"سُهيل" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية روح بن القاسم، عن سُهيل هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ٦٧) فقال:
(٢٢٢٣) - حدّثنا أبو الحسن سهل بن عبد الله التستريّ، ثنا محمد بن عبد الله بن بَزِيع، ثنا يزيد بن زريع (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن يحيى، ومحمد بن العباس قالا: ثنا عمرو بن عليّ، ثنا يزيد بن زريع (ح) وثنا محمد بن أبي إسحاق، ثنا الحسين بن محمد الحرّانيّ، ثنا أبو الخطَّاب زياد بن يحيى، وإسماعيل بن بشر بن منصور قالا: ثنا يزيد بن زريع، ثنا رَوْح بن القاسم، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما من عبد له مالٌ لا يؤدِّي زكاته إلا جُمِع له يوم القيامة صفايح، يُحْمَى عليه في نار جهنم، فيُكْوَى بها جنبه وظهره، حتى يقضي الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدُّون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاته، إلا يجاء بها يوم القيامة، كأحسن ما كانت عليه، ثم يبطح لها بقاع قرقر، ثم تستن عليه، كلما مرت أُخراها رُدّت عليه أولاها، حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدّون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب غنم، لا يؤدي زكاته، إلا يجاء بها يوم القيامة وبغنمه، كأكثر ما كانت، فيبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، ليس فيها عَضْبَاءُ، ولا جَدْعاءُ، كلما مَضَت عليه أُخراها رُدّت عليه أولاها، حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدُّون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار"، قيل: يا رسول الله، فالخيل؟ قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والخيل لثلاثة: هي لرجل أجرٌ، وللآخر ستر، ولآخر وزر، فأمَّا التي هي له أجرٌ، فرجل يتخذها، ويُعِدّها في سبيل الله، فما غَيَّبَت في بطونها فهو له أجر، ولو رعاها في مرج، كان له بكلِّ شيء غيبت في بطونها أجر، ولو استنت شَرَفًا أو شَرَفَين كان له بكلِّ خطوة خَطَتْها أجر، ولو عَرَضَ له
[ ١٩ / ١٧٨ ]
نهر فسقاها منه، كان له بكلِّ قَطْرة غيّبتها في بطونها أجر، حتى إنه ليذكر الأجر في أرواثها وأبوالها، وأما التي هي له سترٌ، فرجل يتخذها تصنفًا (^١) وتكرُّمًا وتجملًا، ولا ينسى حق ظهورها ولا بطونها في عسره ويسره، وأما التي عليه وزرٌ، فرجل يتخذها أشرًا وبَطَرًا ورياءً الناس، وبَذَخًا عليهم"، قيل: يا رسول الله فالحمر؟ قال: "ما أُنزل عليّ فيها شيء، إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ "، لفظ الحديث لزياد بن يحيى، وهو أتمهم لفظًا. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٩٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي هَارُون بْن سَعِيدٍ الْأيلِي، حَدَّثَنَا ابْن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْن الْحَارِثِ، أَنَّ بكَيْرًا حَدَّثَهُ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - أنَّه قَالَ: "إذَا لَمْ يُؤَدِّ الْمَرْء حَقَّ اللهِ، أَوِ الصَّدَقَةَ فِي إِبِلِهِ"، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِنَحْوِ حَدِيثِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارونُ بْن سَعِيدٍ الأيلِيُّ) تقدَّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (ابْن وَهْب) هو عبد الله، تقدَّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَمْرُو بْنً الْحَارِثِ) تقدَّم قريبًا.
٤ - (بكَيْر) بن عبد الله بن الأشجّ، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية بكير، عن أبي صالح هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ٦٩) فقال:
(٢٢٢٧) - حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكيرًا حدّثه، عن أبي
_________________
(١) كذا وقع في النسخة، ولعلّه "تعفّفًا" بعين مهملة، وفاءين، فليُحرّر.
[ ١٩ / ١٧٩ ]
صالح ذكوان، عن أبي هريرة، عن النَّبيّ - ﷺ - قال: "إذا لم يؤدِّ المرء حقّ الله، أو الصدقة في إبله بُطِح لها بصعيد قرقر، فوَطِأته بأخفافها، وعَضّته بأفواهها؛ إذا مر آخرها كَرَّ عليه أولها، حتى يَرَى مصدره إما من الجنة وإما من النار، والبقر إذا لم يؤدّ حقّ الله فيها بُطِح له (^١) بصعيد قرقر، فوطأته بأظلافها ونطحته بقرونها؛ إذا مَرّ عليه آخرها كَرّ عليه أولها، حتى يرى مصدره إما من الجنة وأما من النار، والغنم كذلك تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، ليس فيها عَقْصَاء، ولا جَمّاء، حتى يرى مصدره إما من الجنة وإما من النار، والخيل لثلاثة: أجر ووزر وستر، فمن اقتناها تعفّفًا وتغنيًا كانت له سترًا، ومن اقتناها عُدّةً للجهاد في سبيل الله، كانت له أجرًا، فإن طول لها شَرَفًا أو شَرَفين، كان له في ذلك أجر، ومن اقتناها فخرًا ورياءً ونواءً على المسلمين، كانت له وزرًا"، قال قائل: يا رسول الله أفرأيت الحمر؟ قال: "لم يأت في الحمر شيء، إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ ". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٩٦] (٩٨٨) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أنه سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأنصَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاع قَرْقرٍ، تَسْتَنُّ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا، وَلَا صَاحِبِ بَقَرٍ، لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاع قَرْقَرٍ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونهَا، وَتَطَؤُهُ بِقَوَائِمِهَا، وَلَا صَاحِبِ غَنَم، لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقرٍ، تَنْطَحُهُ
_________________
(١) هكذا في النسخة، ولعلّه "لها"، فليُحرّر.
[ ١٩ / ١٨٠ ]
بِقُرُونهَا، وَتَطَؤُهُ بِأظْلَافِهَا، لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ، وَلَا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا، وَلَا صَاحِبِ كَنْزٍ، لَا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ، إِلَّا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقرَعَ، يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا إتاهُ فَرَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيهِ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ، فَأنَا عَنْهُ غَنيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ، سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ"، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، ثُمَّ سَألنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْل عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا حَق الإبِلِ؟ قَالَ: "حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا، وَمَنِيحَتُهَا، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدَّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَاقِ) بن همّام، تقدَّم أيضًا قبل باب.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدَّم أيضًا قبل باب.
٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدَّم قريبًا.
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأنصَارِيُّ) - ﵄ -، تقدَّم أيضًا قريبًا.
وقوله: (إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ، وَقَعَدَ لَهَا) وكذلك في البقر والغنم، قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في الأصول بالثاء المثلثة، وقَعَدَ بفتح القاف والعين.
[تنبيه]: "قط" فيها لغاتٌ حكاهنّ الجوهريّ، والفصيحة المشهورة "قَطُّ" مفتوحة القاف، مشدّدة الطاء، قال الكسائيّ: كانت قَطُطُ، فلمَّا سُكّن الحرف الثاني للإدغام جُعِل الآخر متحرِّكًا، والثانية: "قُطُّ" بضم القاف؛ إتباعًا للضمة، كقولك: مُد يا هذا، والثالثة: "قَطُ" بفتح القاف، وتخفيف الطاء، والرابعة: "قُطُ" بضم القاف، والطاء المخففة، وهي قليلة، والخامسة: قَطِّ مكسورة
[ ١٩ / ١٨١ ]
مشدّدة، حكاها ابن الأعرابيّ (^١).
هذا إذا كانت بمعنى الدهر، فأمَّا التي بمعنى حسبُ، وهو الاكتفاء فمفتوحة ساكنة الطاء، تقول: ما رأيته إلا مرةَ واحدة فَقَطْ، فإن أضفت قلت: قَطْكَ هذا الشيءُ؛ أي: حسبك، وقَطْنِي، وقَطِي، وقَطْهُ، وقَطْهَا، أفاده في "الصحاح" (^٢).
وإلى ما ذُكر أشرت بقولي:
قَطُّ بِمَعْنَى الدَّهْرِ قُلْ خَمْسُ لُغَهْ … حَقَّقَهَا أَهْلُ اللُّغَاتِ النَّبَغَهْ
بِالْفَتْحِ فَالضَّمِّ وَضَمَّتَيْنِ … خَفِّفْ وَشُدَّ الطَّاءَ دُونَ مَيْنِ
خَامِسُهَا قَطِّ بِكَسْرِ شُدِّدَا … أَمَّا بِمَعْنَى حَسْبُ سَاكِناَ بَدَا
فَقُلْ فَقَطْ فَإِنْ أَضَفْتَ قَطْكَ قُلْ … قَطِي وَقَطْنِي عَنْهُمْ أَيْضًا نَبُلْ
وقوله: (وَلَا صَاحِبِ كَنْزٍ … إلخ) تقدَّم أن الأرجح في المراد بالكنز هنا هو كلّ ما وجبت فيه الزكاة، ولم يؤدّ.
وقوله: (شُجَاعًا أَقْرَعَ) الشجاع: هو الحية الذكر، والأقرع الذي تَمَعطَ شعره؛ لكثرة سُمِّهِ، وقيل: الشجاع الذي يُواثب الراجل والفارس، ويقوم على ذَنَبِهِ، وربما بلغ رأس الفارس، ويكون في الصحارى، قاله النوويّ -﵀- (^٣).
وفي "كتاب أبي عُبيد": سمي أقرع؛ لأن شعر رأسه يتمعّط لجمعه السمّ فيه.
وتعقّبه القزّاز بأن الحيّة لا شعر برأسها، فلعله يذهب جلد رأسه.
وفي "تهذيب الأزهريّ": سمي أقرع؛ لأنه يَقرِي السمّ، ويجمعه في رأسه، حتى تتمعّط فروة رأسه، قال ذو الرُّمّة [من الطويل]:
قَرَى السُّمَّ حَتَّى انْمَارَ فَرْوَةُ رَأسِهِ … عَنِ الْعَظْمِ صَلَّ قَاتِل اللَّسْعِ مَارِدُهْ
وقال القرطبيّ: الأقرع من الحيّات الذي ابيضّ رأسه من السمّ، ومن الناس الذي لا شعر برأسه؛ لتقرّحه، قال: وفي غير كتاب مسلم من الزيادة: "له زبيبتان"، وهما الزبيبتان في جانبي فيه من السمّ، ويكون مثلهما في شِدْقي
_________________
(١) راجع: "لسان العرب" ٧/ ٣٨١.
(٢) راجع: "الصحاح" ٣/ ٩٦٥.
(٣) "شرح النوويّ" ٧/ ٧١.
[ ١٩ / ١٨٢ ]
الإنسان عند كثرة الكلام، وقيل: نكتتان على عينيه، وما هو على هذه الصفة من الحيّات هوأشدّ أذى، قال الداوديّ: وقيل: نابان يخرجان من فيه. انتهى (^١).
وقوله: (خُذْ كَنْزَكَ الذِي خَبَأتهُ) قال في "الفتح": وفائدة هذا القول الحسرة، والزيادة في التعذيب، حيث لا ينفعه الندم، وفيه نوع من التهكّم.
وقوله: (فَأنَا عَنْهُ غنِيٌّ) قال القرطبيّ -﵀-: كذا وقع لنا فيما رأيناه من النسخ، وفي الكلام خرمٌ يتلفّق بتقدير محذوف، وهو فيقول: فأنا عنه غنيّ، وحينئذ يلتئم الكلام، فتأمّله، وكثيرًا ما يُحذف القول الذي للحكاية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]؛ أي: يقولون: إنما … إلخ. انتهى (^٢).
وقوله: (أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ) "أن" هنا مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف؛ أي: أنه لا بدّ من أخذه.
وقوله: (سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ) أي: أدخل يده في فم ذلك الشجاع.
وقوله: (فَيَقْضَمُهَا) بفتح الضاد، يقال: قَضِمَت الدابةُ شعيرها -بكسر الضاد- تَقْضَمه -بفتحها-، من باب تَعِبَ: إذا كسرته بأطراف أسنانها، وقَضَمَتْ قَضْمًا، من باب ضرب لغةٌ، ومنه يقال على الاستعارة: قَضَمْتُ يدهُ: إذا عَضِضْتَهَا، قاله الفيّوميّ -﵀- (^٣).
وقال القرطبيّ -﵀-: القضم بأطراف الأسنان، والخضم بالفم كلّه، وقيل: القضم أكل اليابس، والخضم أكل الرطب، ومنه قول عمر بن عبد العزيز -﵀-: تخضمون، ونقضم، والموعد الله. انتهى.
وقوله: (قَضْمَ الْفَحْلِ) مفعول مطلقٌ لـ "يَقْضِمها"؛ أي: مثلما يقَضِمُ الإبل الفحل.
وقوله: (قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ وُلد في عهد النَّبيّ - ﷺ -، قاله مسلم، وعدّه غيره في كبار التابعين،
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٣١.
(٢) "المفهم" ٣/ ٣١.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٧.
[ ١٩ / ١٨٣ ]
وكان قاصّ أهل مكة، مجمع على ثقته، ومات سنة (٦٨) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٣.
وقوله: (يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ … إلخ) أي: ما سبق من الحديث، والمعنى أن أبا الزبير سمع هذا الحديث من عُبيد بن عُمير مرسلًا؛ لأن عبيدًا تابعيّ، ثم لقي جابر بن عبد الله - ﵄ -، فسأله عنه، فأخبره به، فصار متّصلًا.
وقوله: (قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ … إلخ) هذا ظاهر في أن هذا مما سمعه أبو الزبير عن عُبيد مرسلًا، وليس مما سمعه عن جابر - ﵁ -.
وقوله: (مَا حَقُّ الإبِلِ؟ … إلخ) قال القرطبيّ -﵀-: ظاهر هذا السؤال الجواب أن هذا هو الحقّ المتوعَّد عليه فيما تقدَّم حين ذكر الإبل، وأنَّه كلُّ الحقّ، مع أنه لم يتعرَّض فيه لذكر الزكاة، وفي هذا الظاهر إشكالٌ تُزيله الرواية الأخرى التي ذُكر فيها "من" التي للتبعيض، بل وقد جاء في رواية أخرى مفسرًا: "ما من صاحب إبل لا يؤدّي زكاتها"، وكذلك في الغنم، وكأنّ بعض الرواة أسقط في هذه الرواية "من"، وهي مرادة ولا بُدّ.
قال: ثم ظاهره أن هذه الخصال واجبةٌ، ولا قائل به مطلقًا، ولعلّ هذا الحديث خرج على وقت الحاجة، ووجوب المواساة، وحال الضرورة، كما كان في أول الإسلام، ويكون معنى الحديث أنه مهما تعيّنت هذه الحقوق ووجبت، فلم تُفْعَل تَعَلَّقَ بالممتنع من فعلها هذا الوعيد الشديد، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ نفيس، وقد تقدَّم تحقيق هذا، وأن الصواب أن في المال حقّ سوى الزكاة، وذلك عند الحاجة والضرورة، مثل أن يتعيّن مواساة الفقراء والمحتاجين، ونحو ذلك، فإنه يجب على الأغنياء أن يقوموا بسدّ حاجتهم، فتفطّن لذلك، والله تعالى أعلم.
وقوله: (حَلْبُهَا عَلَى الْمَاءِ) قال القرطبيّ: -﵀-: هو بسكون اللام (^٢) على المصدر، وهو الأصل في مصدر ما كان على فَعَلَ يَفْعُلُ، وقد جاء على فَعَلٍ
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٣١ - ٣٢.
(٢) تقدَّم أن الرواية هنا بفتحتين، وبفتح، فسكون، فالوجهان جائزان، كما أشار إليه القرطبي -﵀- فتنبّه.
[ ١٩ / ١٨٤ ]
بفتح العين في الْحَلَبِ، فأمَّا الْحَلَبُ اسمٌ للّبن، فبالفتح لا غير، وليس هذا موضعه، وخصّ حَلْب الإبل بموضع الماء؛ ليكون أقرب على المحتاج والجائع، فقد لا يقدر على الوصول لغير مواضع الماء. انتهى (^١).
وقال النوويّ -﵀-: فأمَّا حَلْبُها يوم وِرْدها ففيه رِفْقٌ بالماشية، وبالمساكين؛ لأنه أهون على الماشية، وأرفق بها، وأوسع عليها من حلبها في المنازل، وهو أسهل على المساكين، وأمكن في وصولهم إلى موضع الحلب؛ لِيُوَاسَوْا، والله أعلم. انتهى (^٢).
وقوله: (وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا) هو: إناء يُستقى به من البئر (^٣)، وتأنيثها أكثر، فيقال: هي الدلو، وفي التذكير يُصغّر على دُليّ، مثل فَلْسٍ وفُلَيْس، وثلاثة أدلٍ، وفي التأنيث دُليّةٌ بالهاء، وثلاثُ أدلٍ، وجمع الكثرة الدِّلاءُ، والدُّلِيّ، والأصل فُعُولٌ، مثلُ فُلُوسٍ (^٤).
وقوله: (وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا) بفتح، فسكون، الذكر من الحيوان، وجمعه فُحُولٌ، وفُحُولةٌ، وفِحَالٌ (^٥).
وقوله: (وَمَنِيحَتُهَا) بفتح الميم، وكسر النون: فَعِيلَة بمعنى مفعولة، قال الفيّوميّ -﵀-: الْمِنْحَةُ بالكسر في الأصل الشاة، أو الناقةُ يُعطيها صاحبها رجلًا يَشرَب لبنها، ثم يرُدّها إذا انقطع اللبن، ثم كثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ عطاء، ومَنَحْتُ مَنْحًا، من بأبي نَفَعَ وضَرَبَ: أعطيته، والاسم الْمَنِيحة. انتهى (^٦).
وقال النوويّ -﵀-: قال أهل اللغة: المنيحة ضربان:
[أحدهما]: أن يُعْطي الانسانُ آخرَ شيئًا هِبَةً، وهذا النوع يكون في الحيوان، والأرض، والأَثَاث، وغير ذلك.
[الثاني]: أن المنيحة ناقةٌ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ يُنتَفَع بلبنها، ووَبَرها، وصوفها، وشعرها زمانًا، ثم يردها، ويقال: مَنَحَهُ يَمْنَحُهُ بفتح النون في
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٣٣.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ٧٢.
(٣) "المعجم الوسيط" ١/ ٢٩٥.
(٤) "المصباح" ١/ ١٩٩.
(٥) "المصباح" ٢/ ٤٦٣.
(٦) "المصباح" ٢/ ٥٨٠.
[ ١٩ / ١٨٥ ]
المضارع وكسرها. انتهى (^١).
وقوله: (وَحَمْل عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ") "حَمْلٌ" بفتح، فسكون: مصدر حَمَلَ، من باب ضرب، وهو مرفوع عطفًا على "حَلَبُهَا"، والجارّان متعلّقان به، وتمام شرح الحديث تقدَّم في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٢٢٩٦ و٢٢٩٧] (٩٨٨)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٤٥٤) و"الكبرى" (٢٢٣٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٢١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٥٦٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٦٩ و٧٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٢٨)، وفوائد الحديث تقدّمت في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٩٧] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، وَلَا بَقَرٍ، وَلَا غنَم، لَا يُؤَدِّي حَقهَا، إِلَّا أقعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقرٍ، تَطَؤُهُ ذَاتُ الظَّلْفِ بِظِلْفِهَا، وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْنِهَا، لَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ جَمَّاءُ، وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: "إِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَمَنِيحَتُهَا، وَحَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَحَمْل عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَا مِنْ صاحِبِ مَال (^٢)، لَا يُؤَدي زَكَاتَهُ، إِلا تَحَوَّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أقرَعَ، يَتْبَعُ صاحِبَهُ
_________________
(١) "شرح النووي" ٧/ ٧١ - ٧٢.
(٢) وفي نسخة: "ولا صاحب مال".
[ ١٩ / ١٨٦ ]
حَيْثُمَا ذَهَبَ، وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَيُقَالُ: هَذَا مَالُكَ الَّذِي كُنْتَ تَبْخَلُ بِهِ، فَإِذَا رَأَى أنهُ لَا بُدَّ مِنْهُ (^١)، أَدْخَلَ يَدَهُ في فِيهِ، فَجَعَلَ يَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدَّم قبل باب.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدَّم أيضًا قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ، ثقة [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (إِلَّا أقعِدَ لَهَا) بالبناء للمفعول.
وقوله: (جَمَّاءُ) بفتح الجيم، وتشديد الميم: هي التي لا قرن لها.
وقوله: (إِلَّا تَحَوَّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ) معنى "تحوّل" أي: صار، وفي رواية أخرى: "إلا مُثِّل له"؛ أي: صُوِّر له، وقيل: نُصِب، وأُقيم، من قولهم: مَثَلَ قَائمًا، من باب قعد: أي: قام منتصبًا، أفاده القرطبيّ -﵀- (^٢).
[تنبيه]: قوله: (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا حَقُّهَا؟ … إلخ) قال الحافظ العراقيّ -﵀-: الظاهر أن قوله: فقلنا: يا رسول الله وما حقّها؟ قال: "إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله" زيادة ليست متّصلةً، وقد بيّن ذلك أبو الزبير في بعض طرق مسلم -يعني: الحديث الماضي- فذكر الحديث دون الزيادة، ثم قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القول، ثم سألنا جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال مثل قول عبيد بن عمير، قال أبوالزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل: يا رسول الله ما حقّ الإبل؟ قال: "حلبها على الماء، وإعارة دلوها، وإعارة فَحْلها، ومَنِيحتها، وحَمْل عليها في سبيل الله".
قال: فقد تبيّن بهذه الطريق أن هذه الزيادة إنما سمعها أبو الزبير من
_________________
(١) وفي نسخة: "أنه لا بد له منه".
(٢) "المفهم" ٣/ ٣٠، و"المصباح" ٢/ ٥٦٤.
[ ١٩ / ١٨٧ ]
عُبيد بن عُمير مرسلةً، لا ذكر لجابر فيها. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في الدعوى نظرٌ؛ لأن الانقطاع في طريق لا يستلزم الانقطاع في جميع الطرق، فأبو الزبير سمعه من جابر - ﵁ -، مرفوعًا، وسمعه من عُبيد بن عمير مرسلًا، فحدّث بالطريقين (^٢)، وقد نبّه مسلم بإخراجه من كلا الطريقين على أن الإرسال هنا لا يضرّ الاتصال، على أن هذه الزيادة قد صحّت مرفوعة من حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاريّ كما قدّمته قريبًا.
والحاصل أن هذه الزيادة صحيحة مرفوعةً، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.