وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٨] (٩٢٥) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَارَةَ، يَعْنِي ابْنَ غَزِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثمَّ أَدْبَرَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أيَا أَخَا الْأنْصَارِ، كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ " فَقَالَ: صَالِحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟ "، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ، وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ، وَلَا خِفَاف، وَلَا قَلَانِسُ، وَلَا قُمُصٌ، نَمْشِي فِي تِلْكَ السِّبَاخِ، حَتَّى جِئْنَاهُ، فَاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْلِهِ، حَتَّى دَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) الزَّمِنُ، أبو موسى البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمِ) بن عبد الله الثقفيّ، أبو جعفر البصريّ، خُرَاسانيّ الأصل، صدوقٌ [١٠] (خ م دس) تقدم في "الصلاة" ٧/ ٨٥٦.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) تقدّم قريبًا أيضًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى) هكذا في هذه الرواية هو: سعيد بن الحارث بن أبي سعيد بن المعلّى، كما سبق في الرواية الماضية، نسب أباه هنا
[ ١٨ / ١٩٦ ]
لجدّه (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولي اللهِ - ﷺ -، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) لا يُعرف اسمه، كما قال صاحب "التنبيه" (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) أي: النبيّ - ﷺ - (ثُمَّ أَدْبَرَ الأنصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَا أَخَا الأَنْصَارِ) أي: صاحبهم، ومن هو من نسبهم (كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ ") قال القرطبيّ ﵀: فيه دليلٌ على حسن التعاهد، وتففد الإخوان، والسؤال عن أحوالهم إذا فُقدوا، وعلى الاستلطاف في السؤال عنهم. انتهى (^١).
(فَقَالَ) الأنصاريّ: (صَالِحٌ) أي: لا بأس به، فهو في قيد الحياة، يُرجى أن يبرأ من مرضه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟ ") أي: من الذي يريد أن يزوره في بيته معي؟.
قال القرطبيّ ﵀: وفيه الحضّ على عيادة المرضى، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة تدلّ على ندبيّتها، وكثرة ثواب فاعلها، وهي مندوبةٌ، وقد تجب إذا خيف على المريض ضيعةٌ، فإن التمريض واجب على الكفاية، فمن قام به سقط عن غيره. انتهى (^٢).
(فَقَامَ) - ﷺ - (وَقُمْنَا مَعَهُ، وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ) هكذا النسخ، قال الفيّوميّ: "البِضْعُ" في العدد بالكسر، وبعض العرب يفتحه، واستعماله من الثلاثة إلى التسعة، وعن ثعلب من الأربعة إلى التسعة، يستوي فيه المذكر والمؤنث، فيقال: بضع رجال، وبضع نسوة، ويُستعمَل أيضًا من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، لكن تثبت الهاء في "بضع" مع المذكر، وتُحْذَف مع المؤنث، كالنَّيِّفِ، ولا يُستعمَل فيما زاد على العشرين، وأجازه بعض المشايخ، فيقول: بضعةٌ وعشرون رجلًا، وبِضْعٌ وعشرون امرأةً، وهكذا قاله أبو زيد، وقالوا: على هذا معنى البضع والبضعة في العدد قطعةٌ مُبْهَمةٌ غير محدودة. انتهى (^٣).
[تنبيه]: لم يُذكر من هؤلاء البضعة عشر غيرُ من تقدّم ذكرهم في الحديث الماضي، وهم: عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر؛ لأنه قال في هذه الرواية: "وقمنا معه"، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٧٨.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥٧٨.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٥٠.
[ ١٨ / ١٩٧ ]
[تنبيه آخر]: نسخ "صحيح مسلم" التي بين أيدينا هكذا بلفظ: "ونحن بضعة عشر"، ووقع في مختصر القرطبيّ لـ "صحيح مسلم" بلفظ: "ونحن سبعة عشر"، ولا أدري من أين أخذه، فليُحرَّر، والله تعالى أعلم.
(مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ) بالكسر جمع نعل، وهي الحذاء، وهي مؤنّثة، وتُجمع أيضًا على أَنْعُل، كسهم، وأسهم، وسِهَام (وَلَا خِفَافٌ) بالكسر أيضًا جمع خُفّ، وهو ما يُلْبَسُ في الرجل من جلد رقيق (^١).
(وَلَا قَلَانِسُ) بالفتح: جمع قَلَنْسُوة، بوزن فَعَنْلُوة، بفتح العين، وسكون النون، وضمّ اللام، قاله في "المصباح"، وقال في "القاموس": والْقَلَنْسُوةُ، والْقُلَنْسِيَةُ إذا فتحت ضممت السين، وإذا ضممت كسرتها، تُلْبس في الرأس، جمعها قلانِسُ، وقلانيسُ، وقَلَنْسٍ، وأصله قَلَنْسُوٌ، إلا أنهم رَفَضُوا الواو؛ لأنه ليس اسم آخره حرف علّة قبلها ضمّة، فصار آخِرَهُ ياءٌ مكسورٌ ما قبلها، فكان كقاضٍ، وقَلَاسِيٌّ، وقَلَاسٍ. انتهى (^٢).
(وَلَا قُمُصٌ) بضمّتين: جمع قميصٍ، قال في "القاموس": القَمِيص، وقد يؤنّث: معروفٌ، أو لا يكون إلا من قطن، وأما من الصوف، فلا. جمعه قُمَصٌ، وأَقمِصةٌ، وقُمْصانٌ. انتهى (^٣).
(نَمْشِي فِي تِلْكَ السِّبَاخِ) بالكسر: سَبَخة، قال في "القاموس": السَّبَخَةُ محرّكةً، ومُسكّنةً: أرض ذات نَزّ ومِلْحٍ، جمعها سِبَاخٌ. انتهى (^٤).
وقال في "المصباح": سَبِخَت الأرض سَبَخًا، من باب تَعِبَ، فهي سَبِخَةٌ بكسر الباء، وإسكانُهَا تخفيف، وأسبخت بالألف لغةٌ، ويُجمَع المكسور على لفظه سَبِخَاتٍ، مثل كَلِمَة وكَلِمَاتٍ، ويُجمَع الساكن على سِبَاخٍ، مثل كَلْبة وكِلابٍ، وموضع سَبَخٌ، وأرضٌ سَبَخَة بفتح الباء أيضًا: أي: مِلْحَة. انتهى (^٥).
قال النوويّ ﵀: فيه ما كانت الصحابة - ﵃ - من الزهد في الدنيا، والتقلل منها، واطّراح فُضُولها، وعدم الاهتمام بفاخر اللباس ونحوه، وفيه
_________________
(١) "المعجم الوسيط" ١/ ٢٤٧.
(٢) "القاموس المحيط" ٢/ ٢٤٢.
(٣) "القاموس المحيط" ٢/ ٣١٥.
(٤) "القاموس المحيط" ١/ ٢٦١.
(٥) "المصباح المنير" ١/ ٢٦٣.
[ ١٨ / ١٩٨ ]
جواز المشي حافيًا، وعيادة الإمام والعالم المريض مع أصحابه. انتهى (^١).
(حَتَّى جِئْنَاهُ) أي: سعد بن عُبادة (فَاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْلِهِ) أي: ليكون المكان خاليًا للنبيّ - ﷺ -، وأصحابه الذين معه (حَتَّى دَنَا) أي: اقترب من سعد (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ).
وقال القاضي عياض ﵀: في هذا الحديث من الفوائد: زيارة الأئمة، وأهل الفضل المرضى، وحضّه على ذلك أصحابه بقوله: "من يعوده منكم؟ "، وفيه السؤال للحاضرين عن أحوالهم، وكذلك إذا كانوا في شدّة، ولا يكلّفون هم من ذلك ما عساه يشقّ من الجواب عليهم، وفيه حضور الناس عند من احتُضِر، وهو مما يتعيّن على كافّتهم، وبخاصّة لآله وقرابته، وقد ترك ابن عمر صلاة الجمعة حين دُعي لاحتضار سعيد بن زيد؛ لشدّة حاجة الميت حينئذ إلى من ينظر فيه، ويرفق به، ويقوم عليه، وفيه أن للرجل حقًّا في مثل هذا، وأنه من جاء لعيادة، أو قضاء حاجة عند كبير، ثم جاء غيره، وقد ضاق المجلس عن الداخل أن ينصرف الأول، أو يفسح له عن قرب المزور حتى يقضي أربه منه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، لا كما ظنّه بعضهم من أنه من أفراد المصنّف (^٣)، قال الحافظ ﵀ في "النكت الظراف": هو طرف من الحديث الأول، ومن ثمّ ذكره الحميديّ في المتّفق عليه، لا في أفراد مسلم. انتهى (^٤).
ولهذا اكتفيت في تخريجه بما سبق هناك، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "شرح النووي" ٦/ ٢٢٧.
(٢) "إكمال المعلم" ٣/ ٣٦٦.
(٣) هكذا جعله الشيخ عبد الله بن صالح العبيلان في كتابه "إرشاد القاري إلى أفراد مسليم عن البخاري" ١/ ١٦٦، وكذا جعل له الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رقمًا خاصًّا به غير رقم الحديث الماضي، وكذا جعله أصحاب البرامج الحديثية من أفراد مسلم، والأولى ما ذكرته في شرحي، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(٤) "النكت الظراف على تحفة الأشراف" ٥/ ٤٢٩ - ٤٣٠.
[ ١٨ / ١٩٩ ]