وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٩] (٩٢٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِيُّ) المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنَ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغندر، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، الإمام الحجة الناقد البصير، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (ثَابِتُ الْبُنَانِيُّ) بن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابد [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أنسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير، مات - ﵁ - سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣، ولطائف الإسناد، وشرح الحديث يأتي في الحديث التالي، وإنما أخرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٤٠] (…) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَذَثنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ
[ ١٨ / ٢٠٠ ]
تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَ لَهَا: "اتَّقِي اللهَ، وَاصْبِرِي"، فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي (^١)، فَلَمَّا ذَهَبَ قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ، فَأَتَتْ بَابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: "إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ"، أَوْ قَالَ: "عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٩/ ٤١٧.
والباقون تقدّموا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه هذا، وكذا الذي قبله كلاهما ممن اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه كسابقه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والإخبار إلا في موضع، وقد مرّ تصريح ثابت بالسماع في السند الماضي.
٦ - (ومنها): أن أنسًا - ﵁ - ذو مناقب جمّة، فهو الخادم الشهير خدم النبيّ - ﷺ - عشر سنين، ونال دعوته المباركة، وهو من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاز المائة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ -، تقدّم في الرواية الماضية: "عن ثابت، قال: سمعت أنس بن مالك" (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ) لا يعرف اسمها
_________________
(١) وفي نسخة: "وما تبالي مصيبتي".
[ ١٨ / ٢٠١ ]
(تَبْكِي) وفي رواية البخاريّ: "مرّ النبيّ - ﷺ - بامرأة تبكي عند قبر" (عَلَى صَبِيٍّ لَهَا) أي: لأجل موت ولدها الصغير، هذا يُشعر بأنه ولدها، وصَرَّح به في مرسل يحيى بن أبي كثير، عند عبد الرزاق، ولفظه: قد أصيبت بولدها، وأخرج البخاريّ في أوائل "كتاب الأحكام" من "صحيحه" من طريق أخرى عن شعبة، عن ثابت، أن أنسًا قال لامرأة من أهله: تعرفين فلانة؟ قالت: نعم، قال: كان النبيّ - ﷺ - مرّ بها، فذكر هذا الحديث (^١).
(فَفَالَ لَهَا: "اتَّقِي اللهَ) في رواية أبي نعيم في "المستخرج": فقال: "يا أمة الله اتقي الله"، قال القرطبيّ: الظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد، من نَوح، أو غيره، ولهذا أمرها بالتقوى، يؤيده أن في مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور: "فسمع منها ما يَكْرَه، فوقف عليها"، وقال الطيبيّ: قوله: "اتقي الله" توطئة لقوله: (وَاصْبِرِي") كأنه قيل لها: خافي غضب الله إن لم تصبري، ولا تجزعي؛ ليحصل لك الثواب.
(فَفَالَتْ) جاهلةً بمن يُخاطبها، وظانّةً أنه من آحاد الناس (وَمَا) نافية (تُبَالِي بِمُصِيبَتِي) وفي بعض النسخ: "وما تبالي مصيبتي"، بحذف الباء الموحّدة، قال النوويّ ﵀: فيه صحّة قول الإنسان: ما أُبالي بكذا، والردّ على من زعم أنه لا يجوز إثبات الباء، وإنما يقال: ما باليتُ كذا، وهذا غلطٌ، بل الصواب جواز إثبات الباء وحذفها، وقد كثُر ذلك في الأحاديث. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: قولهم: لا أباليه، ولا أبالي به؛ أي: لا أهتمّ به، ولا أكترث له، قال: ولا تُستعمل إلا مع الجحد، والأصل فيه قولهم: تبالى القوم: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستقوا، فمعنى لا أبالي: لا أبادر إهمالًا له، وقال أبو زيد: ما باليتُ به مبالاةً، والاسم البِلاءُ وزانُ كتاب، وهو الهمّ الذي تُحَدِّث به نفسك. انتهى (^٣).
وفي رواية البخاريّ: "قالت: إليك عنّي، لم تُصَب بمصيبتي، ولم تعرفه"، وفي رواية له: "فإنك خِلْوٌ من مصيبتي"، وهو بكسر المعجمة وسكون
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٤/ ٢٤.
(٢) "شرح النوويّ" ٦/ ٢٢٧.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٦٢.
[ ١٨ / ٢٠٢ ]
اللام، ولأبي يعلى من حديث أبي هريرة - ﵁ -: "إنها قالت: يا عبد الله إني أنا الحزى الثَّكْلَى، ولو كنت مصابًا عَذَرتني".
(فَلَمَّا ذَهَبَ) - ﷺ - من عند المرأة (قِيلَ لَهَا) وفي رواية للبخاريّ: "فَمَرَّ بها رجل، فقال لها: إنه رسول الله، فقالت: ما عرفته"، وفي رواية أبي يعلى المذكورة: "قال: فهل تعرفينه؟ قالت: لا"، وللطبرانيّ في "الأوسط" من طريق يوسف بن عَطِيَّة (^١)، عن أنس، أن الذي سألها هو الفضل بن العباس (^٢).
(إِنَّهُ) أي: الشخص الذي كلّمك الآن هو (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ) أي: من شدة الكرب الذي أصابها لَمّا عَرَفَت أنه - ﷺ - خَجَلًا منه ومَهَابةً، وإنما اشتبه عليها النبيّ - ﷺ - حينما كلّمها؛ لأنه من تواضعه لم يكن يستتبع الناس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء.
(فَأَتَتْ بَابَهُ) للاعتذار إليه فيما قالته (فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ) أي: حارسين للباب يمنعون الناس من الدخول عليه، وفي رواية للبخاريّ: "بوّابًا" بالإفراد.
_________________
(١) وقع في "الفتح" بلفظ: "من طريق عطية"، وهو غلط، فتنبّه.
(٢) نصّ الطبرانيّ في "المعجم الأوسط" ٦/ ٢٢٢: (٦٢٤٤) حدّثنا محمد بن عليّ الصائغ، قال: نا سعيد بن منصور، قال: نا يوسف بن عطية السعديّ عن عطاء بن أبي ميمونة، قال: ثنا أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - أمر الفضل بن عباس أن يُعِدّ له طَهُوره، فانطلق رسول الله - ﷺ - لحاجته، وكان إذا كانت له حاجة تباعد، حتى لا يكاد يُرَى، فلما قضى رسول الله - ﷺ - حاجته أقبل راجعًا، فمَرّ بامرأة عند قبر ميت لها، وهي تُعَدِّد، وتعَوِّل، فقام رسول الله - ﷺ - عليها، وهي لا تعرفه، فقال لها: "اتق الله، واصبري"، قالت: يا عبد الله اذهب لحاجتك، فقال لها ثلاثًا، ثم انصرف، فجاء فأخذ الْمِطْهَرة من الفضل، فقام الفضل، فأتى المرأة، فقال لها: ما قال لك رسول الله - ﷺ -؟، فقامت: فقالت: يا ويلها هذا رسول الله - ﷺ -؟، ولم أعرفه، فسعت حتى لحقته على باب المسجد، فقالت: يارسول الله، والله ما عرفتك، فقال لها رسول الله - ﷺ -: "الصبر عند الصدمة الأولى"، قالها ثلاثًا. قال الطبرانيّ: لم يرو هذا الحديث بهذا التمام عن عطاء بن أبي ميمونة إلا يوسف بن عطية، تفرد به سعيد بن منصور. انتهى. و"يوسف بن عطيّة الصفّار"، قاله عنه في "التقريب": متروك.
[ ١٨ / ٢٠٣ ]
قال الزين ابن الْمُنِّير ﵀: فائدة هذه الجملة من هذا الخبر بيان عذر هذه المرأة في كونها لم تعرفه، وذلك أنه كان من شأنه أن لا يتخذ بوّابًا مع قدرته على ذلك؛ تواضعًا، وكان من شأنه أنه لا يستتبع الناس وراءه إذا مشى، كما جرت عادة الملوك والأكابر، فلذلك اشتبه على المرأة، فلم تعرفه مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء.
وقال الطيبيّ ﵀: فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها: إنه النبيّ - ﷺ - استَشْعَرت خوفًا وهيبةً في نفسها، فتصورت أن نبيّ الله - ﷺ - مثل الملوك والعظماء، له حاجب، وبوّاب، يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته. انتهى (^١).
(فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ) أي: قالت المرأة معتذرة إليه - ﷺ -: اعذرني من تلك الرّدّة وخشونتها (فَقَالَ) - ﷺ - ("إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ سَلْمَةٍ") أي: الكامل الذي يُوفّى صاحبه الثواب بغير حساب هو الذي حصل عند أول صدمة؛ أي: ضربة يُضربها الشخص، وهو كناية عن أول وقوع المصيبة، وقوله: (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: "عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ") أي: بالتعريف.
وحاصل المعنى: إذا وقع الثبات أول شيء يَهْجُم على القلب من مقتضيات الجزع، فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر، وأصل الصَّدْم ضرب الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب.
وقال الخطابيّ ﵀: المعنى أن الصبر الذي يُحمَد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه إذا طالت الأيام يَسْلُو، ويصير طبعًا، فلا يؤجر عليه.
وحَكَى الخطابيّ عن غيره أن المرء لا يؤجر على المصيبة؛ لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر على حسن تثبته، وجميل صبره.
وقال ابن بطال ﵀: أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك، وفقد الأجر.
وقال الطيبيّ ﵀: صدر هذا الجواب منه - ﷺ - عن قولها: "لم أعرفك"
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٢٥.
[ ١٨ / ٢٠٤ ]
على أسلوب الحكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار إليّ، فإن من شيمتي أن لا أغضب إلا لله، وانظري إلى تفويتك من نفسكِ الثواب الجزيل، والكرامة، والفضل من الله تعالى بالجزع وعدم الصبر عند فجأة الفجيعة. انتهى (^١).
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀: فائدة جواب المرأة بذلك، أنها لما جاءت طائعةً لما أمرها به من التقوى والصبر، معتذرةً عن قولها الصادر عن الحزن، بَيَّن لها أن حقّ هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتب عليه الثواب. انتهى.
ويؤيد هذا أن في رواية أبي هريرة المذكورة: "فقالت: أنا أصبر، أنا أصبر"، وفي مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور: "فقال: اذهبي إليك، فإن الصبر عند الصدمة الأولى"، وزاد عبد الرزاق فيه من مرسل الحسن: "والْعَبْرَة لا يملكها ابن آدم"، قاله في "الفتح" (^٢).
[تنبيه]: أورد البخاريّ ﵀ هذا الحديث في "باب زيارة القبور"، مع احتمال أن تكون المرأة المذكورة تأخرت بعد الدفن عند القبر، والزيارة إنما تُطلَق على من أنشأ إلى القبر قصدًا من جهة استواء الحكم في حقها، حيث أمرها بالتقوى والصبر لَمّا رأى من جَزَعها، ولم ينكر عليها الخروج من بيتها، فدلّ على أنه جائزٌ، وهو أعم من أن يكون خروجها لتشييع ميتها، فأقامت عند القبر بعد الدفن، أو أنشأت قصد زيارته بالخروج بسبب الميت، قاله في "الفتح"، وسيأتي حكم زيارة القبور في أواخر أبواب الجنائز- إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٤١٩.
(٢) "الفتح" ٤/ ٢٥ - ٢٦.
[ ١٨ / ٢٠٥ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢١٣٩ و١٢٤٠ و٢١٤١] (٩٢٦)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٥٢ و١٢٨٣ و١٣٠٢) و"الأحكام" (٧١٥٤)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٢٤)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (٩٨٨)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٢٢)، و"عمل اليوم والليلة" (١٠٦٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٥٥١)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٠ و١٤٣ و٢١٧)، و(الطبرانيّ) في "المعجم الأوسط" (٦/ ٢٢٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ٢٣٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٦٧ و٢٠٦٨)، و(البيهقىُّ) في "الكبرى" (٤/ ٦٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من التواضع، والرفق بالجاهل، ومسامحة المصاب، وقبول اعتذاره، وملازمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
٢ - (ومنها): بيان أن القاضي لا ينبغي له أن يتخذ مَن يحجبه عن حوائج الناس.
٣ - (ومنها): بيان أن من أُمِر بمعروف ينبغي له أن يَقْبَل، ولو لم يعرف الآمر.
٤ - (ومنها): بيان أن الجزَع من المنهيات؛ لأمره - ﷺ - لهذه المرأة بالتقوى، مقرونًا بالصبر.
٥ - (ومنها): أن فيه الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة، ونشر الموعظة.
٦ - (ومنها): أن المواجهة بالخطاب إذا لم تصادف المنويّ لا أثر لها، وبَنَى عليه بعضهم ما إذا قال: يا هند أنت طالق، فصادف عمرةَ أن عمرة لا تطلق.
٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز زيارة القبور، سواء كان الزائر رجلًا أو امرأةً، وسواء كان المزور مسلمًا أو كافرًا؛ لعدم الاستفصال في ذلك.
[ ١٨ / ٢٠٦ ]
قال النوويّ: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب الحاوي: لا تجوز زيارة قبر الكافر، وهو غلط. انتهى.
وحجة الماورديّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، وفي الاستدلال به نظرٌ لا يخفى، قاله في "الفتح" (^١)، وسيأتي تمام البحث في مسألة زيارة القبور في آخر أبواب الجنائز- إن شاء الله تعالى-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٤١] (…) - (وَحَدَّثَنَاه (^٢) يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ- (ح) وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو (ح) وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقيُّ، حَدَّثنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، بِقِصَّتِهِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنَ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٢٨٦) (ع) تقدم في "لإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
٣ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] (م دت ق) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢٠.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) القيسيّ، أبو عامر الْعَقَديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٥ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقيُّ) البُّكريّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٦) (م دت ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٧.
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٢٦.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٨ / ٢٠٧ ]
٦ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سهل التّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
و"شعبةُ" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) إشارة إلى إسناد شعبة المتقدّم، وهو: عن ثابت الْبُنانيّ، عن أنس بن مالك - ﵁ -.
[تنبيه]: أما رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه، فقد ساقها، أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ١١ - ١٢) مقرونة برواية عثمان بن عمر عنه، فقال:
(٢٠٦٨) حدّثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى بن منده، ثنا محمد بن المثنى، ثنا عثمان بن عُمَر (^١)، ثنا أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا القاسم بن زكريا، ثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا خالد بن الحارث، قالا: ثنا شعبة، عن ثابت، عن أنس، أن النبيّ - ﷺ - أتى على امرأة تبكي على صبيّ لها، فقال لها: "اتقي الله، واصبري"، قالت: وما تبالي أنت بمصيبتي، فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله - ﷺ -، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه، فلم تَجِد على بابه بوّابين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند أول صدمة، أوأول الصدمة".
وأما رواية عبد الملك بن عمرو، وهو أبو عامر الْعَقَديّ، فقد ساقها أبو نعيم أيضًا مقرونة برواية أبي داود، فقال:
(٢٠٦٧) حدّثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود (ح) وثنا عبد الرحمن بن العباس الأطروش، من لفظه، ثنا محمد بن يونس، ثنا أبو عامر العقديّ (ح) وثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، قالوا: ثنا شعبة، عن ثابت، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "الصبر عند أول صدمة".
وأما رواية عبد الصمد، عن شعبة فقد ساقها البخاريّ في "الأحكام"، فقال:
(٧١٥٤) حدّثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا شعبة،
_________________
(١) هنا محل (ح) للتحويل، لكن النسخة خالية عنها، فليُتنبّه.
[ ١٨ / ٢٠٨ ]
حدثنا ثابت البنانيّ، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول لامرأة من أهله: تعرفين فلانة؟ قالت: نعم، قال: فإن النبيّ - ﷺ - مَرّ بها، وهي تبكي عند قبر، فقال: "اتقي الله، واصبري"، فقالت: إليك عني، فإنك خِلْوٌ من مصيبتي، قال: فجاوزها، ومضى، فمَرّ بها رجلٌ، فقال: ما قال لك رسول الله - ﷺ -؟ قالت: ما عرفته، قال: إنه لرسول الله - ﷺ -، قال: فجاءت إلى بابه، فلم تجد عليه بوّابًا، فقالت: يا رسول الله، والله ما عرفتك، فقال النبيّ - ﷺ -: "إن الصبر عند أول صدمة". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.