وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٩٨] (٩٨٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِى، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: إِنَّ نَاسًا (^٣) مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يَأتونَنَا، فَيَظْلِمُونَنَا (^٤)، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ"، قَالَ جَرِيرٌ: مَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدقٌ، مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، إِلَّا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ).
_________________
(١) "طرح التثريب" ٤/ ١١ - ١٢.
(٢) قال البيهقيّ -﵀- في "السنن الكبرى" (٤/ ١٨٣) بعد إخراجه الحديث بالطريقين: ورواية أبي الزبير عن عبيد بن عمير، عن النبي - ﷺ - منقطعة، وروايته عن جابر بن عبد الله مسندة. انتهى.
(٣) وفي نسخة: "أُناسًا".
(٤) وفي نسخة: "يأتونا، فيظلمونا".
[ ١٩ / ١٨٨ ]
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف -﵀- أن يؤخّر هذا الحديث عن الأحاديث التي تأتي بعده؛ لأنها من أحاديث الباب الماضي، فإدخاله بينها مما لا يخفى بُعده، وسيأتي هذا الحديث آخر "كتاب الزكاة"، وهو المحلّ المناسب له، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِي) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصري، ثقة [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ) واسم أبيه راشد السُّلَميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن هلال، وأبي الضّحَى، وعاصم بن عُمير الْعَنَزيّ، وجماعة.
ورَوَى عنه الثوريّ، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الله بن نُمير، وعبد الرحيم بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، وأبي أسامة، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: محمد بن راشد أخو عُمر، وإسماعيل، ويعرفون ببني أبي إسماعيل، محمد أحبهم إليّ، وقال يحيى بن آدم، عن شريك أنه سئل عن امرأة وَلَدت في بطن أربعة، فقال: قد رأيت بني إسماعيل أربعة وُلدوا في بطن واحد، وعاشوا، قال البخاريّ: عامتهم محدِّثون، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال البخاريّ: قال يحيى: مات سنة اثنتين وأربعين ومائة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٩٨٩)، و(٢٥٩٢): "من يُحرَم الرفق يُحرم الخير … "، و(١٠١٧): "من سنّ في الإسلام سنّة حسنةً … ".
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِي) الكوفيّ، ثقةٌ [٣].
روى عن جرير، وعنه أبوالضحَى، وتميم بن سَلَمَة، ومحمد بن أبي إسماعيل، وموسى بن عبد الله بن يزيد الخطميّ، ومجالد، وغيرهم.
[ ١٩ / ١٨٩ ]
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وفي الطبراني من طريق مجالد عنه قال: بعثني أبي إلى جرير، فسألته.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه.
وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (٩٨٩)، و(١٠١٧): "جاء ناس من الإعراب … "، و(٢٥٩٢): "من يُحرَم الرفق يُحرم الخير … "، كرّره ثلاث مرات.
٥ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جابر البجليّ الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - سنة (٥١)، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى فضيل، وعبد الواحد، فبصريان.
٣ - (ومنها): أن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي إسماعيل هذا أول محل ذكرهما من الكتاب، وقد عرفت ما لكلّ منهما من الأحاديث في الكتاب.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) البجليّ - ﵁ -، أنه (قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ) بالفتح يريد أهل البادية، وواحد الإعراب أعرابيّ، والفرق بين الأعرابيّ والعربيّ أنّ من نزل البادية وجاور البادِينَ، وظعن بظَعْنِهم، فهو من الإعراب، ومَن نزل بلاد الرِّيفِ، واستوطن الْمُدُن، والقرى العربيّة، وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهو من العرب، وإن لم يكن فصيحًا (إِلَى رَسُول اللهِ - ﷺ -) متعلّقٌ بـ "جاء" (فَقَالُوا: إِن نَاسًا) وفي نسخة: "أُناسًا"، وهو لغة فيه (مِنَ الْمُصَدّقِينَ) وهو جمع مُصَدّق- بتخفيف الصاد، وتشديد الدال- أي: من السُّعَاة الذين يُرسلون لأخذ الصدقات من الناس (يَأتونَنَا، فَيَظْلِمُونَنَا) وفي نسخة: "يأتونا، فيظلمونا" بنون واحدة في الموضعين.
[ ١٩ / ١٩٠ ]
قال القرطبيّ -﵀-: لا شكّ أن أهل البادية أهل جفاء وجهل غالبًا؛ ولذلك قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧] ولذلك نَسَبُوا الظلم إلى مصدّقي النبي - ﷺ -، وإلى فضلاء أصحابه، فإنه - ﷺ - ما كان يَستعمل على ذلك إلا أعلم الناس، وأعدلهم؛ لكن لجهل الإعراب بحدود الله ظنّوا أن ذلك القدر الذي كانوا يأخذونه منهم هو ظلم، فقال لهم - ﷺ -: "أرضوا مصدّقيكم، وإن ظُلِمتم" أي: على زعمكم وظنّكم، لا أنّ النَّبيّ - ﷺ - سوّغ للعمّال الظلم، وأمر الأعراب بالانقياد لذلك؛ لأنه كان يكون ذلك منه إقرارًا على منكرٍ، وإغراءً بالظلم، وذلك مُحالٌ قطعًا، وإنما سلك النَّبيّ - ﷺ - مع هؤلاء هذا الطريق، دون أن يبيّن لهم أن ذلك الذي أخذه المصدّقون ليس ظلمًا؛ لأن هذا يحتاج إلى تطويل وتقريرٍ، وقد لا يَفهَم ذلك أكثرهم.
وأيضًا فَلْيَحصُل منهم الانقياد الكلّيّ بالتسليم، وترك الاعتراض الذي لا يحصل الإيمان إلا بعد حصوله، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. انتهى كلام القرطبي -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
(قَالَ) جرير - ﵁ - (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ") أي: ببذل الواجب، وملاطفتهم، وترك مُشاقّتهم، وسيأتي الحديث آخر "كتاب الزكاة" بعد حديث رقم (١٠٧٨) من طريق الشعبيّ، عن جرير - ﵁ - بلفظ: "إذا آتاكم المصدِّق، فليَصُدر عنكم، وهو عنكم راضٍ".
قال النوويّ -﵀-: المصدّق الساعي، ومقصود الحديث الوَصَاية بالسعَاة، وطاعةِ وُلاة الأمور، وملاطفتِهِم، وجمعُ كلمة المسلمين، وإصلاح ذات البين.
وهذا كلّه ما لم يطلب جَوْرًا، فإذا طلب جَورًا، فلا موافقة له، ولا طاعة (^٢)؛ لقوله - ﷺ - في حديث أنس - ﵁ -: "فمن سئلها على وجهها، فليعطها، ومن سئل فوقها، فلا يُعْطِ"، رواه البخاريّ.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ١٣٣ - ١٣٤.
(٢) وقال النووي أيضًا (٧/ ٧٣): وهذا محمول على ظلم لا يفسق به الساعي؛ =
[ ١٩ / ١٩١ ]
قال: واختَلَفَ أصحابنا في معنى قوله - ﷺ -: "فلا يُعط" فقال أكثرهم: لا يُعطي الزيادة، بل يعطي الواجب، وقال بعضهم: لا يعطه شيئًا أصلًا؛ لأنه يفسق بطلب الزيادة، وينعزل، فلا يُعطَى شيئًا، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأكثرون هو الأقرب والأظهر عندي، والله تعالى أعلم.
وفي حديث بشير ابن الْخَصَاصيّة - ﵁ - قال: قلنا: يا رسول الله إن أهل الصدقة يَعْتَدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: "لا"، رواه أبو داود، وفي إسناده مجهول.
وفي حديث جابر بن عَتِيك - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "سيأتيكم ركب مُبَغّضون، فإذا جاؤوكم، فرحّبوا بهم، وخلّوا بينهم، وبين ما يَبتغون، فإن عَدَلُوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم، فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم"، رواه أبو داود أيضًا، وفي إسناده مجهول أيضًا (^٢).
(قَالَ جَرِيرُ) بن عبد الله - ﵁ - (مَا) نافية (صَدَرَ عَني مُصَدِّق) أي: ما رجع من عندي سَاعٍ، يقال: صدَرَ عن الموضع صَدْرًا، من باب قتل: إذا رجع، قال الشاعر [من البسيط]:
وَلَيْلَةٍ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا … صَدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا (^٣)
(مُنْذُ سَمِعْتُ هَذا) أي: قوله - ﷺ -: "أرضوا مصدّقيكم" (مِنْ رَسُول اللهِ - ﷺ -، إِلَّا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ) يعني: أنه ما رجع من عنده ساعٍ بعد سماعه هذا الحديث من رسول الله - ﷺ - إلا وهو راض عنه؛ لكونه أعطاه ما طلب، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) = إذ لو فسق لانعزَلَ، ولم يجب الدفع إليه، بل لا يُجزئ، والظلم قد يكون بغير معصية، فإنَّه مجاوزة الحدّ، ويَدخُلُ في ذلك المكروهات. انتهى.
(٢) "شرح مسلم" ٧/ ١٧٤ - ١٨٥.
(٣) راجع: "المنهل" ٩/ ١٨٧ - ١٨٩.
(٤) راجع: "المصباح المنير" في مادة صدر.
[ ١٩ / ١٩٢ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جرير - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢٢٩٨ و٢٢٩٩] (٩٨٩) وسيأتي بعد حديث (١٠٧٨)، و(أبو داود) في "الزكاة" (٦٤٧)، و(التِّرمذيّ) في "الزكاة" (١٨٠٢)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٤٦٠ و٢٤٦١) و"الكبرى" (٢٢٤٠ و٢٢٤١)، و(ابن ماجه) في "الزكاة" (١٨٠٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٦٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٦٦٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٣٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب إرضاء الساعي في الصدقة، وإن ظنّ ربّ المال أنه يظلمه، وهذا محمول على ما إذا كان المصدّق معروفًا بالورع، لا يظلم الناس، ولكنّ صاحب المال لحرصه ظنّ أنه يظلمه، وأما إذا طلب فوق الواجب من دون تأويل، فلا يجب إرضاؤه؛ لما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن أنس بن مالك - ﵁ - أن أبا بكر - ﵁ - كتب له هذا الكتاب لَمّا وجهه إلى البحرين: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه فريضة الصدقة التي فَرَض رسول الله - ﷺ - على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله - ﷺ -، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يُعْطِ … " الحديث.
وخلاصة القول: أن نقول: إنه - ﷺ - عَلِمَ أن عامليه لا يظلمون الناس، ولكنّ أرباب الأموال لشدّة محبّتهم للأموال يَعُدّون ما يأخذونه منهم ظلمًا، فقال لهم: "أرضوا مصدّقيكم"؛ أي: وإن ظلموكم في زعمكم، فليس فيه تقرير للعاملين على الظلم، ولا تقرير للناس على الصبر عليه، وعلى إعطاء الزيادة على ما حدّه الله تعالى في الزكاة.
والحاصل أن الجمع بين الحديثين بما ذكر متعيّنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
٢ - (ومنها): أن الإنسان مجبول على الحرص في ماله، ولذا يَظُنّ أحيانًا المصدّق ظالمًا له، ولهذا أمر النَّبيّ - ﷺ - بإرضاء المصدّق؛ لأنه لا يَظْلِم، حيث إنه - ﷺ - لا يرسل إلا العالم الورع، ومع ذلك يوصيه بتوقّي كرائم أموال الناس،
[ ١٩ / ١٩٣ ]
فقد أخرج الشيخان عن ابن عبَّاس - ﵄ -، أنه - ﷺ - لَمّا بَعَثَ معاذ بن جبل - ﵁ - إلى اليمن قال له في جملة وصيّته: "فإن أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم، وتردّ على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم، وتَوَقَّ كرائم أموال الناس"، لكن شدّة حِرْص صاحب المال على ماله، وشحّه به يحمله على اتهامه بذلك، فأرشده - ﷺ - إلى أن يُعطيه ما طَلَب، وُيرضيه بذلك.
٣ - (ومنها): بيان فضل جرير بن عبد الله، بل وسائر الصحابة - ﵃ - حيث إنهم إذا سمعوا من النَّبيّ - ﷺ - أمرًا بادروا إلى امتثاله، واستمرّوا عليه حتى يموتوا، فقد قال جرير - ﵁ - في هذا الحديث: "ما صدر عني مصَدّق منذ سعمتُ هذا من رسول الله - ﷺ - "، وذلك لصدق إيمانهم، وكمال محبّتهم لله تعالى، ولرسوله - ﷺ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٩٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبي إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيْبَةَ) تقدَّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ الرَّحِيمِ بْن سلَيْمَانَ) الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقة له تصانيف، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٦/ ٨١٧.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ) بندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، الإمام الحجة الثبت الناقد، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
[ ١٩ / ١٩٤ ]
٥ - (إسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدَّم في الباب الماضي.
٦ - (أَبوأُسَامَة) حمّاد بن أُسامة، تقدَّم قبل بابين.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ … إلخ) يعني: أن كلّا من عبد الرحيم، ويحيى بن سعيد، وأبي أسامة رووا هذا الحديث عن محمد بن أبي إسماعيل بالسند المذكور.
[تنبيه]: أما رواية يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي إسماعيل، فقد ساقها النسائيّ -﵀-، فقال:
(٢٤٦٠) - أخبرنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، واللفظ له، قالا: حدّثنا يحيى، عن محمد بن أبي إسماعيل، عن عبد الرحمن بن هلال، قال: قال جرير: أتى النبيَّ - ﷺ - ناس من الإعراب، فقالوا: يا رسول الله يأتينا ناس من مصدقيك يظلمون، قال: "أرضوا مصدقيكم"، قالوا: وإن ظَلَم؟ قال: "أرضوا مصدقيكم"، ثم قالوا: وإن ظلم؟ قال: "أرضوا مصدقيكم"، قال جرير: فما صدر عني مُصَدِّقٌ، منذ سمعت من رسول الله - ﷺ - إلا وهو راض. انتهى.
وأما رواية عبد الرحيم بن سليمان، وأبي أسامة، فلم أر من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.